بقلم التحرير
لعل تساؤلاً داعب أفكار بعض قراء « تراثنا » الحريصين عليها ، عن هدف
النشرة وخطتها ، فهم يخشون عليها أن يطغى عليها جانب من جوانب بحر التراث
الواسع العميق. لان ألوان الرؤية التراثية في زماننا هذا متشعبة :
فمنها ـ مثلا ـ لون يقدس الماضي على علاته فيعيش التراثي ابن القرن الرابع
عشر الهجري فكرا كالفكر الذي عاشه ابن القرن الرابع.
وهذا مندثر ماض به الزمن.
ومنها لون يرى التراث مجدا لامة مضت وقد جاء الزمان الحاضر بالجديد
الذي لابد منه ، والذي يرى هذا الرأي يعيش التراث أمجادا ذاهبة ويعيش الحاضر
منبت الصلة بالامة التي يعتز ـ هو ـ بتراثها ! وتابعا لامة اخرى شرقية أو غربية ـ لا فرق ـ.
وهذا انفصامي مريض الفكر ترى بيته على الطراز الغربي لكن فرشه قديم
أثري ، تجد بدل الوسائد فيه رحال الإبل.
ولون يرى أن التراث مجد وحياة : هو مجد بما حقق للبشرية في القرون الماضية
من تقدم وإسعاد للانسانية ، وهو حياة بما أننا أمة لها ماض عريق ـ لا يمكن لعاقل أن يفرط به ـ وهو ماض حي لأن فيه حياة البشرية ونجاتها.. ولا يضر الحق والعدل قدمهما في حياة الانسان.
وهذا حي مجاهد.. والحياة عقيدة وجهاد.
ولكن لهذه الحياة تكاليفها.. وحاجاتها.
فنحن نقول لقرائنا الكرام : إنّ « تراثنا » نشرة تعنى بالتراث حفظا وصيانة ، و
درساً واستفادة ، وتطبيقها على واقع مر لم يجن من الحضارات ! غير الاسلامية ـ في الأعمّ الاغلب ـ إلا وسائل الدمار التي جعلت من الارض جحيما أليم العذاب.
وإنّنا نهتم بتراثنا بما أنه تراث من منّ الله بهم على البشرية رحمة ، محمد وآل
محمد صلوات الله عليه وعليهم ، وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين..
*
*
نظرات سريعة |
أسد مولوي
( تحدثنا في العدد السابق عن بعض صفات المحقق ، ونتحدث هنا عن أربع
صفات اخرى هي : )
المخطوطات بما رافقها من ظروف سيئة في الغالب ، وبطول الزمن الذي
يغير الاحوال ويفعل فعله في الحجر الصلد ، وببعد العهد الذي تغمض معه
الواضحات ، وتنبهم السبل.. والمحقق بها هو مجدد لشباب الكتاب وراجع به إلى ما
كان عليه كما أخرجه مؤلفه أو قريب منه..
هذه الامور ـ وغيرها ـ تقتضي من المحقق الصبر والجلد في معالجة مخطوطة
أحال خطها القدم ، وتنقص من حبرها وورقها بعد العهد واعتورها من عوامل
الطبيعة وفعل الانسان ـ مالكا ووارثا وقارئا ـ ما غيّر صورتها وأبهم واضحها.
فعلى المحقق أن يكون على ذكر من أن الحبر كثيرا ما ينصل ، وأن الايدي
التي ملكت المخطوطة كثيرا ما تتدخل فيما يظنه فاعله إصلاحا وهو عين الافساد ، وأن الجلد ربما تهرأ فجدده مجلد غير عارف بالكتاب فغيّر من ترتيب أوراقه ـ
خصوصا والكثير من المخطوطات خال من أرقام الصفحات معتمد نظام التعليقة الذي
كثيرا ما يوهم ، وبعضها خال حتى من هذا النظام ـ وأنّ.. وأنّ.. مضافا إلى ولع
العثة بالكتب ، وفعل الرطوبة والجوّ فيها.
فما يسع المحقق ـ والحالة هذه ـ إلا أن يعتد بالصبر في مواجهة هذه المشكلات ،
ليخرج منها سالما من تطرق الاوهام.. إلا أوهاما هي من طبيعة الانسان.
أمّا إن ضجر المحقق فقد فقد أقوى جننه.. ولا يأمل أن يخرج كتابا أحسن
من نسخة مخطوطة كغيرها من المخطوطات.
ولا يخفى أن من ملازمات الصبر الاناة. لان العجلة مظنة السهو والوهم ،
وليجرب المحقق نسخ المخطوط الذي يبغي تحقيقه ـ والنسخ مرحلة يسرع فيها المحقق
بطبعه لان التدقيق والتنقير سيأتي بعدها ـ ولينظر في مرحلة المقابلة ـ التي تأتي بعد النسخ ـ
ليرى كم سقط من قلمه من كلمات وكم زاد من عنده !
ولئن تسومح بالسرعة في مرحلة النسخ ، فلا يمكن أن يتسامح بها في مرحلة
الضبط.. وما يضير المحقق أن يصرف من وقته ساعات ـ بل أياما ـ منقبا في بطون
الكتب مراجعا للعارفين بالفن.. لضبط مشكل أو تصحيح تصحيف أو إيضاح
غامض.
وما أشبه عمل المحقق المتأني باللؤلوة الطبيعية في جوف المحارة تستوي كما أراد
لها الله تعالى ، ثم تكون زينة تزري بالالوف من لؤلؤ الصناعة السريع إنتاجه.
يعتز الكاتب بكتابه اعتزازا بالغا قد يوازي اعتزازه بولده أو يزيد ، لان ولده
امتداد له إلى عدة عقود من الزمان بينما كتابه امتداد خالد له ونعني بالخلود هنا مفهومه
الارضي أي البقاء الطويل ـ والانسان بطبعه مفطور على حب البقاء ، وما أهرام
مصر .. وما تحنيط جثة لنين الملحد الا شاهد صدق على هذا.
فالمؤلف عندما ينهي كتابه ويضع فيه أعز ما عند الانسان ـ فكره ـ إنما يتركه
أمانة في أعناق الاجيال ، وهو لا يرضى بتغييره أو تحويره ، وقد نبه بعضهم في أواخر
كتبهم على هذا ولعنوا من بدل أو غير في مؤلفاتهم.
وما أسوأ ما صنع ناسخ التفسير العظيم ـ تفسير العياشي ـ حيث حذف
أسانيده ، وفي هذا التفسير من درر أحاديث أهل البيت عليهم السلام مالا يوجد في
غيره ، ولو وصلنا مسندا لكان شأنه في العلم والفكر أي شأن.
فقد جنى ناسخه ـ كما ترى ـ جناية علمية كبرى في إغفاله الامانة عند
والمحقق مكلف بهذه الامانة ، واجب عليه رعايتها ، محرم عليه خيانتها ، فإن قام
بواجبه فبها ونعمت.. وإن خان فإن حساب الله وحساب التاريخ شديد.
ليس للمحقق أن يبدل أو ينقص أو يزيد في الكتاب الذي يحققه ، فإن
أوجب البحث أن يفعل شيئا من هذا فعليه أن يشير إلى ما أصلح أو زاد أو نقص ،
بحيث يتميز عمله وعمل صاحب الاصل.
لكنا ـ مع شديد الاسف ـ نجد في كثير من المطبوعات التي كتب عليها أنها
من تحقيق فلان.. زيادة ونقصا وتبديلا وتغييرا عما رسمه المؤلف لغايات أقل ما
يقال فيها إنها خيانة علمية.
فهذا المحقق المعروف عبدالسلام محمد هارون في تحقيقه لـ « وقعة صفين »
لنصر بن مزاحم المنقري ـ الطبعة الثانية 1382 هـ ـ ص 231 بعد السطر الثامن رأساً ،
قد وقع في وهم لا يسامح عليه ، فقد أسقط نصا من الكتاب هو :
[ وعن عمر بن سعد ، عن سلام بن سويد ، عن علي عليه السلام في قوله : « وألزمهم كلمة التقوى » قال : هي لا إله إلا الله والله أكبر. قال : هي كلمة
النصر ].
مع العلم أن هذا النص المحذوف جاء في طبعة إيران على الحجر سنة 1301
هـ ، ص 119 السطر الثامن ، وقد اعتمد هارون هذه الطبعة أصلا في تحقيقه ، قال في
صفحة ح ـ ط من مقدمته لـ « وقعة صفين » :
« طبع هذا الكتاب لاول مرة على الحجر في إيران سنة 1301 وهذه الطبعة
نادرة الوجود.. وهذه النسخة هي التي قد اتخذتها أصلا في نشر هذا الكتاب وتحقيقه ،
وهي التي اعبر عنها بلفظ ( الاصل )».
ثم.. هذا الذي أسقط هارون موجود بنصه وفصه في بحار الانوار للعلامة الكبير
الشيخ محمد باقر المجلسي ـ المتوفى سنة 1111 هـ ـ رحمه الله تعالى ، في الطبعة الحديثة
ج 100 صفحة 37 حديث 35 ، وإيراد المجلسي ـ رحمه الله ـ له يدل دلالة قاطعة على
أخذه له من نسخة مخطوطة أقدم من المطبوعة على الحجر بأكثر من مائتي عام.
وعلق ناشر البحار على الحديث بقوله : « لم نجده في مطبوعة مصر ، ويوجد في
طبعة إيران القديمة ص 119 ».
وواضح أن النص خال مما ينثير مذهبيا.. فما أدري ما السبب في حذفه !
ثم ليعلم أن باب العصبية المذهبية والتحزب الاعمى أوسع الابواب التي
يؤتى منها المحقق ، ومثله باب الجهل وعدم الدليل.. وإلا فما على المحقق إن كان نص
المؤلف لا يوافق هواه أن يثبته في مكانه ثم يعلق عليه في الهامش.
وقد رأينا من المطبوعات المحرقة كثيرا من هذا النوع مما يفقد القارئ الثقة بها
وبالقائمين عليها ، ويجعله يفضل الطبعات الحجرية بل النسخ المخطوطة على كثير
من المطبوعات المحققة الانيقة !
ولا يظنن متصد لتراثنا أن القراء بتلك المنزلة من الجهل ، فقد رأيت أشخاصا
لا يحملون شهادة قديمة ولا حديثه ، ويعدون في عداد العامة زيا ومعيشة ، لكنهم ـ
يشهد الله ـ على درجة من الفهم والتتبع والاحاطة دونها كثيرون من حملة أرقى
الشهادات الجامعية.
وامة بني دينها على العلم لا يتوهمن أحد أن تخلو من العلماء.
أما عصر تحريم قراءة كتب الفئة الفلانية فقد ولى مع طواغيته.
نعم.. يستثنى من ذلك الخطأ الواضح المقطوع به ، أو الزيادة الموضحة
لمراد المؤلف.. فليس على المحقق حرج أن يصلح هذا الخطأ أو يزيد هذه الكلمة ،
بشرط تمييزها عن عمل المؤلف ، وبشرط إحراز رضا المؤلف.
وهذا الاحراز له دلائل تدل عليه ، ولأذكر مثالا على ذلك :
لو أن محققا اشتغل في كتاب مؤلفه نحوي معروف ورأى فيه خطأ من الاخطاء
النحوية المقطوع بخطئها ، والتي من مذهب المؤلف تخطئتها ، ولم يأت به المؤلف هنا
للاستشهاد على مذهب يخالفه.. فإننا هنا نقطع بأن هذا الخطأ طارئ على النسخة وأن المؤلف يرضى بإصلاحه.
الحياة الجافة مملة مصروفة عنها الانظار ، والحياة العلمية مع ما فيها من
لذات عقلية ومتع روحية ، قد يعرض لها ما يسمها بسمة الجفاف.. لذلك نرى
اسلوب التدريس يختلف من استاذ إلى آخر ، فهذا استاذ يتشوق الطلبة لحضور درسه و يأسون لفوات محاضرة من محاضراته.. وما هذا إلا لذوق منه جميل يصب به الدرس في
والكتاب الفلاني غرة في كتب التفسير ـ مثلا ـ لكن إخراجه الطباعي وتوزيع فقراته صارف للقارئ عن اجتناء يانع ثمراته ، واجتلاء عرائس أفكاره.
والكتاب الاسلامي التراثي لم يخرج إلى الناس ـ في الاعم الاغلب ـ بالصورة التي
تجذب القارئ وتستهوي المطالع ، إلا أفرادا قد لا تتجاوز عدد الأصابع.
وإلا فأين الطبعة الانيقة ـ التي تدعو القارئ للنظر فيها واقتناص فوائدها ـ
من كتاب رياض السالكين ، شرح الصحيفة السجادية ، على منشئها السلام ، وهو
أحسن وأبدع ما ألف على الصحيفة ، ومؤلفه لغوي أديب شاعر صحيح الولاء لال
بيت الرحمة عليهم السلام..!؟
وقل مثل ذلك في التفسيرين الجليلين : « التبيان » و « مجمع البيان »
لشيخ الطائفة الطوسي ومفسرها الطبرسي نور الله ضريحيهما.
وعرّج على الكتب الاربعة : الكافي والفقيه والتهذيبين.. ومر بنظرك
على الشروح الجليلة : « مرآة العقول » و « روضة المتقين » .. فلم تجد إلا شاكياً يتلو شاكياً من الاهمال وقلة العناية.. بل عدمها.
المحقق الذواقة يستطيع أن يخرج لنا من هذه الدرر الغوالي غررا في جبين
الدهر ، وينبوعا رقراقا من علوم أهل البيت عليهم السلام فيه الري والرواء.
والذوق الجميل هو الذي يفعل بهذه الكتب فعل الجوهري الصناع الذي
يجعل من حجر كريم ـ هو كبقية الاحجار في شكله ـ زينة لا تقدر بثمن.
فتوزيع فقرات الكتاب ، وتفصيل أبوابه ، وترقيم أحاديثه ، وشرح غامضه ، وتنظيم إحالاته ، والإبداع في تنويع فهارسه ، التي تجعل مطالب الكتاب من القارئ
على طرف الثمام..
ثم اختيار الحرف الطباعي الجميل والورق المناسب.
هذه الامور ـ مجتمعة ـ تجعل الكتاب يضيء بعضه بعضا.
الدين الاسلامي دين النظام ، فالشارع المقدس نظم حياة المسلم تنظيما
دقيقا في جميع مناحيها.. ولا يكاد يمر بالمسلم أمر من الامور إلا وقد حسب له الشرع
ومسألة العلم التي أولاها الاسلام مكانة سامية ، وكثر الحث على طلب العلم
وحفطه ونشره في القرآن الكريم والسنة الشريفة مما تغنينا شهرته عن ذكره.
لكن مسألة قد تكون خافية أو قريبة من الخفاء هي مسألة كتب الهدى
وكتب الضلال التي ذكرتها الرسائل العملية ورتبت لها أحكاما تمس موضوعنا ولها
به تعلق قوي.
فصيانة عقل الانسان وفكره وحفظهما مما يدنسهما فرض في الدين لازم .. من
أجله حرمت الخمرة وأشباهها.
وقد رسخ هذا المفهوم ـ مفهوم الالتزام العلمي والثقافي ـ في وجدان المسلم ،
فلا تكاد تجد مخطوطة إلا وقد ختمها مؤلفها بطلب الدعاء من القراء ، واعتدادها مما
يدخره ليوم القيامة.. وكثيرا ما ختم النساخ كتاباتهم بطلب الدعاء من القارئ أو
بطلب إصلاح الخلل أو عد النسخ من الاعمال التي يحاسب عليها الانسان.
هذا ابن البواب الكاتب ( 423 هـ ) الخطاط المعروف ، يقول في رائيته في
علم الخط ( 1 ) :
وهذا البيت السائر الدائر في خواتيم المخطوطات :
إلى الكثر الكثير مما حفلت به أوائل المخطوطات وخواتيمها.
وقد شاع هذا المفهوم حتى أصبحت نسبة هذه الاشعار مجهولة.. لانها صارت
شعار امة.
فالمسلم الملتزم الذي يرى نفسه محاسبا على أعماله ، لا يتحف امته إلا بما
يثقل ميزان حسناته غدا ، مما ينفع الناس من الكتب القيمة.
وكان المستشرقون من أضر الاعداء بما نشروه من تراثنا المحسوب علينا وما
قعدوه من قواعد لدراسته ، فتراهم يغرقون الدنيا بطبعات رباعيات الخيام المشككة ،
وفي جانب الفكر شغلوا الناس بابن الريوندي الملحد وأمثاله ، وربوا خادما
وناشرا لهذا الملحد رجلا ينتسب إلى اسرة علمية دينية ، نشأ في مدرسة إسلامية
أوصلته إلى مقاعد جامعة كمبردج في إنكلترة.. وعاد إلينا جاحدا لاسرته منكرا
لجميل المدرسة العلمية الاسلامية التي هيأت له أسباب الدراسة وأوصلته بما له ـ
الذي هو من أخماس وتبرعات مؤمني المسلمين ـ إلى نيل شهادة الدكتوراه !
فعلى المحقق المسلم أن لا يكون ملقط جمر.. يلقط من نار أعداء الامة ويرميه
في عقول أبنائها ، وفي تراثنا الكثير الطيب الذي أجره مضمون لناشره ، وهو مفيد في
رفعة الامة وعلو شأنها.
ويمكن أن نأخذ من غيرنا خير ما عندهم مما يتفق مع قواعدنا وظروفنا ..
فنحن امة لها أصالتها ولم تعش يوما على فتات موائد غيرها.. إلا حين تسلم القوس
غير باريها وصيرا الامة حقل تجارب لافكار الغربيين والشرقيين التي هي كشجرة
خبيثة اجتثت من فوق الارض مالها من قرار.
ولكن.. أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الارض..
ولله الامر من قبل ومن بعد.
للموضوع صلة . . .