(20)
والعيس في لجة الظلماء خائضة
وهمتي لطروق الحي ناهضة
ودون ذلك أهوال معارضة
والحب حيث العدى والأسد رابضة
حول الكناس لها غاب من الأسل
(21)
والنفس في نصب من هول ما لقيت
ومهجتي بالهوى العذري قد شقيت
نسري ونبغي اعتساف البيد ما بقيت
نوم ناشيءة بالجزع قد سقيت
نصالها بمياه الغنج والكحل
(22)
فمن ظباء البوادي قد حوت شبها
وبالبدور البوادي نورها اشتبها
والقلب هام بها حبا وما انتبها
قد زاد طيب أحاديث الكرام بها
ما بالكرائم من جبن ومن بخل
(179)
(23)
فليس لي في جفاها قط من جلد
والصبر منتقص والوجد في مدد
كذا هوى الغيد لا يبقي على أحد
تبيت نار الهوى منهن في كبد
حرى ، ونار القرى منهم على القلل
(24)
لا كان قلب إليها لم يمل ويهم
غيد حمتها حماة كالأسود بهم
يحمى الحمى بالعوالي من قواضبهم
يقتلن أنضاء حب لا حراك بهم
وينحرون كرام الخيل والإبل
(25)
أماجد ما بها ذل لمهتضم
لا تطرق الأسد خوفا أرض ربعهم
والقلب مستأسر في أسر حبهم
يشفى لديغ العوالي في بيوتهم
(180)
بنهلة من غدير الخمر والعسل
(6)
(26)
سقيا لأيامنا بالجزع دانية
منا المسرات ، والأفراح نامية
كانت بها عني الأحزان نابية
لعل إلمامة بالجزع ثانية
يهب منها نسيم البرء في عللي
(27)
مضت لنا برهة يا ليتها رجعت
وضمت الشمل منا والنوى رفعت
أو ليت أن الوغى بالوصل لي شفعت
لا أكره الطعنة النجلاء قد شفعت
برشقة من نبال الأعين النجل
(28)
فلا أفر من الشجعان تبعدني
عن الحياة ، وحوض الموت توردني
____________
(6) غدير الخمر والعسل : فم المحبوب .
(181)
ولا أخاف الرماح السمر تقصدني
ولا أهاب الصفاح البيض تسعدني
باللمح من خلل الأستار والكلل (7)
(29)
ولا أراع بأهوال أقابلها
ولا بصولات أبطال أقاتلها
ولا أذل لفرسان أنازلها
ولا أخل بغزلان أغازلها
ولو دهتني أسود الغيل بالغيل
(30)
فلن ينال الفتى أقصى مطالبه
إن كان ينأى عن الهيجا بجانبه
ولم يقارع عداه حد قاضبه
حب السلامة يثني هم صاحبه
عن المعالي ويغري المرء بالكسل
____________
(7) خلل الأستار : الفرج التي تسمح للناظر بأن يبصر ما وراءها لرقتها وشفوفها .
(182)
(31)
نيل السلامة لا تلقى له طرقا
ولا تفارق من خوف الردى فرقا
فالشر في الخلق قد أضحى لهم خلقا
فإن جنحت إليه فاتخذ نفقا
في الأرض أو سلما في الجو واعتزل
(32)
ولا تمدن عينا للكمال ولا
تنهض إلى سؤدد أو رتبة وعلا
فالمجد عن كل كسلان نأى وعلا
ودع غمار العلا للمقدمين (8)
على ركوبها واقتنع منهن بالبلل
(33)
جفا أخو الحزم مثواه وموطنه
واعتد طول السرى عزا فأدمنه
وحل من جانب العلياء أيمنه
____________
(8) في الأصل « للأقدمين » وهو خطأ واضح .
(183)
رضى الذليل بخفض العيش يسكنه
والعز عند رسيم الأينق الذلل
(34)
إن كنت تكره في الراحات عاجلة
وتبتغي الراحة العلياء آجلة
ورمت ترضع ثدي العز حافلة
فادرأ بها في نحور البيد جافلة
معارضات مثاني اللجم بالجدل
(35)
ولا تعوقنك عما رمت عائقة
ولا تشوقنك الأوطان شائقة
ولا ديار بها الأحباب فائقة
إن العلا حدثتني ـ وهي صادقة
فيما تحدث ـ أن العز في النقل
(36)
إن كنت تطلب حظا في العلا وسنا
فاهجر لطي الفيافي في السرى وسنا
(184)
وأرحل ولا تتخذ في بلدة وطنا
لو كان في شرف المأوى بلوغ منى
لم تبرح الشمس يوما دارة الحمل
(37)
لقد غدا الظلم في ذا الدهر مجتمعا
والشر منتصبا والخير مرتفعا
والنحس متصلا والسعد منقطعا
أهبت بالحظ لو ناديت مستمعا
والحظ عني بالجهال في شغل
(38)
لقد أصاب بحكم الدهر خرصهم (9)
فيه ، ولم يغن أهل الفضل حرصهم
بل الزمان ببلواه يخصهم
لعلة إن بدا فضلي ونقصهم
لعينه نام عنهم أو تنبه لي
____________
(9) الخرص : الظن .
(185)
(39)
ولي من العيش أمال يقربها
وهمي ، ويبعدها حظي ويجذبها
فشط عني أدناها وأقربها
أعلل النفس بالآمال أرقبها
ما أضيق العمر لولا فسحة الآمل
(40)
لو لم يكن لي من العلياء منزلة
لكان لي في الورى دنيا معجلة
والنفس بالجهل في الدنيا مؤملة
لم أرتض العيش والأيام مقبلة
فكيف أرضى وقد ولت على عجل
(41)
أراذل قبحت إذ من سجيتها
بخل ولؤم فيا تعسا لشيمتها
والنفس لا أشتري الدنيا بصونتها
غالى بنفسي عرفاني بقيمتها
فصنتها عن رخيص القدر مبتذل
(186)
(42)
والحر بالفعل يبدي طيب عنصره
ويزدهي عزة لا عن تكبره
عن كل من لم يفز يوما بمفخره
وعادة النصل أن يزهى (10) جوهره
وليس يعمل إلا في يدي بطل
(43)
ما زال دهري بالأسواء يوعدني
منجزا ، وعن الآمال يبعدني
ولا يجود بمأمول فيسعدني
ما كنت أوثر أن يمتد بي زمني
حتى أرى دولة الأوغاد والسفل
____________
(10) في الأصل (يزهو) وهو خطأ من وجهين :
1 ـ هو منصوب ب (أن) فيجب فتح الواو وبهذه الفتحة يختل الوزن .
2 ـ قال الجوهري : « وللعرب أحرف لا يتكلمون بها إلا على سبيل المفعول به (المبني المجهول) وإن كان بمعنى الفاعل ، مثل قولهم : زهى الرجل ، وعني بالأمر ، ونتجت الشاة والناقة ، وأشباهها » .
الصحاح (زها) 6 / 2370 .
فالصواب إذا « يزهى » كما في المصادر الثلاثة .
(187)
(44)
أراذل رفعة الدنيا تحطهم
عند الكمال ، ويرضي المجد سخطهم
يفل أسياف أهل الفضل سوطهم
تقدمتني أناس كان شوطهم
وراء خطوي إذ أمشي على مهل
(45)
زماننا بضروب الظلم ممتزج
أصبحت فيه بضيق ليس ينفرج
ولا على زمني فيما جنى حرج
هذا جزاء امرئ أقرانه درجوا
من قبله وتمنى فسحة الأجل
(46)
ففي فؤادي نيران لها لهب
لما جنى زمن للظلم مرتكب
فالنقص للعز في أيامنا سبب
وإن علاني من دوني فلا عجب
لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
(188)
(47)
يامنا لم تدع للفضل من أثر
فكل معتبر فيها لمعتبر
أسنى عواقبها تبدو لمصطبر
فاصبر لها غير محتال ولا ضجر
في حادث الدهر ما يغني عن الحيل
(48)
وأحذر زمانك واصبر في تقلبه
وسع جميع الورى بالخلق وانتبه
لا تغترر بخليل من تقربه
أعدى عدوك أدنى من وثقت به
فحاذر الناس واصحبهم على دخل
(49)
وإنما ميز الأشياء ناقدها
فأين من فاقد الأحزان وأجدها ؟ !
وأين من واجد الأفراح فاقدها ؟ !
وإنما رجل الدنيا وواحدها
من لا يعول في الدنيا على رجل
(189)
(50)
قد طال كدي والراحات موجزة
وليس في الدهر آمال منجزة
صروفه لمنال الحظ معجزة
وحسن ظنك بالأيام معجزة
فظن شرا وكن منها على وجل
(51)
دنياك فاحذر بنهج الغدر قد نهجت
وبالقطيعة للأحرار قد لهجت
وكربة لي مدى الأيام ما انفرجت
غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت
مسافة الخلف بين القول والعمل
(52)
أهين أهل العلا ، والمجد ذنبهم
لكن ذوو النقص صاف فيه شربهم
فلا يطاق لفرط العز حربهم
وشان صدقك بين الناس كذبهم
(190)
وهل يطابق (11) معوج بمعتدل
(53)
فالناس موت المعالي في حياتهم
فاحذر فكل ذميم من سماتهم
والغدر والمكر من أدنى صفاتهم
إن كان ينجع شيء في ثباتهم
على العهود فسبق السيف للعذل
(54)
لم يبق في الدهر من عيش الصفا خبر
وكل نفع وبر يرتجى ضرر
وكل صفو يرى بين الورى كدر
يا واردا سور عيش كله كدر
أنفقت صفوك في أيامك الأول
(55)
ويا مرجي رجاء بان أقربه
____________
(11) في الأصل « يقاوم » وهو ليس مرادا هنا ، وإنما المراد استحالة المطابقة بين الأعوج والمستقيم .
(191)
مهلا فلا تشق فيما أنت تطلبه
وخذ من العيش ما التقدير موجبه
فيم اقتحامك لج البحر تركبه
وأنت يكفيك منه مصة الوشل
(56)
إن القناعة لا تكدى الطلاب ولا
يناله من سعى في نيله الأملا
وغير ما قدر الرحمن لن يصلا
ملك القناعة لا يخشى عليه ولا
يحتاج فيه إلى الأنصار والخول
(57)
وكل ما ساقه التقدير قد وصلا
وكل ما عاقه بالكد ما حصلا
كم نلت من غير سعي نحوه أملا
اقنع تجل ولا تطمع تذل ولا
تعجل تزل ولا تغتر بالأمل
* * *
(192)
(58)
دنياك كم صرعت من قد أعد لها
وكم تمادى بها في غيه ولها
حتى غدت فرحة الدنيا له ولها
ترجو البقاء بدار لا ثبات لها
وهل سمعت بظل غير منتقل
(59)
واها لدهر مضى لو كان مرتجعا
أو نلت من حسنه مرأى ومستمعا
فكن بموعظة الأيام منتفعا
ويا خبيرا على الأسرار مطلعا
أصمت ففي الصمت منجاة من الزلل
(60)
واطلب من الجد أقصاه وأفضله
ودع من المال أدناه وأسهله
أحسن ختامك إذ أحسنت أولة
قد رشحوك لأمر إن فطنت له
فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل