قبلصلة

النحو
لغة واصطلاحا

السيد علي حسن مطر



بسم الله الرحمن الرحيم

    سأتناول في هذا البحث كلمة (النحو) فأبين معناها في اللغة ، ثم أنتقل لبيان معناها الاصطلاحي لدى النحاة ، فأعرض له من الناحيتين التاريخية والمضمونية ، أي أنني سأحاول أولا تحديد التاريخ الدقيق لاستعمال كلمة (النحو) بمعناها الاصطلاحي مع الإشارة إلى الاصطلاحات المرادفة لها ، ثم أعرج ثانيا على بيان المضمون الاصطلاحي للكلمة ، أي المعنى الخاص الذي أراده النحاة منها ، وما طرأ عليه من تغييرات على مر الزمن . فالبحث ـ إذن ـ يقع في ثلاث فقرات .

*   *   *


(58)

    الفقرة الأولى : معنى (النحو) لغة .
    ذكرت للنحو لغة المعاني التالية (1) :
    ا ـ القصد . يقال : نحوت نحوك ، أي : قصدت قصدك . ونحوت الشيء ، إذا أممته .
    2 ـ التحريف . يقال : نحا الشيء ينحاه وينحوه إذا حرفه .
    3 ـ الصرف . يقال : نحوت بصري إليه ، أي : صرفت .
    4 ـ المثل . تقول : مررت برجل نحوك ، أي : مثلك .
    5 ـ المقدار . تقول : له عندي نحو ألف ، أي : مقدار ألف .
    6 ـ الجهة أو الناحية . تقول : سرت نحو البيت ، أي : جهته .
    7 ـ النوع أو القسم . تقول : هذا على سبعة أنحاء ؟ أي : أنواع .
    8 ـ البعض . تقول : أكلت نحو السمكة ، أي : بعضها .
    ويلاحظ أن النحاة لم يذكروا المعنى الثالث ، ولذا عدوا المعاني اللغوية سبعة نظمها الداودي شعرا بقوله :

للنحـــو سبـع معان قد أتت لغة * * جمعتها ضمن بيـت مفــرد كملا
قصد ومثـل ومقــدار وناحيــة * * نوع وبعض وحرف فاحفظ المثلا (2)

    وأظهر معاني النحو لغة وأكثرها تداولا هو (القصد) ، وهو أوفق المعاني اللغوية بالمعنى الاصطلاحي في رأي جماعة من العلماء كابن دريد (ت 321 س)
____________
(1) لسان العرب لابن منظور ، مادة (نحا) ، حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1 / 10 .
(2) حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1 / 10 .

(59)

إذ قال : « ومنه اشتقاق النحو في الكلام ، كأنه قصد الصواب » (3) ، وابن فارس (ت 395 ه‍) إذ قال : (ومنه سمي نحو الكلام ؟ لأنه يقصد أصول الكلام فيتكلم على حسب ما كانت العرب تتكلم به (4) ، وابن منظور إذ قال : « والنحو القصد . . . ونحو العربية منه . . . وهو في الأصل مصدر شائع ، أي : نحوت نحوا ، كقولك : قصدت قصدا ، ثم خص به انتحاء هذا القبيل من العلم ، كما أن الفقه في الأصل مصدر فقهت الشيء إذا عرفته ، ثم خص به علم الشريعة من التحليل والتحريم » (5) .
    وذهب ابن السكيت (ت 244 ه‍) إلى أن النحو مشتق من معنى التحريف . قال : (ومنه سمي النحوي نحويا ، لأنه يحرف الكلام إلى وجوه الإعراب » (6) .
    « وفي هذا التوجيه شيء من التكلف والغرابة ، تعارضه أكثر الروايات الواردة في أولية النحو ، من مثل أن أبا الأسود وضع كتابا فيه جمل العربية ، ثم قال لهم : انحوا هذا النحو ، أي : اقصدوه . . . فسمي لذلك نحوا » (7) .
*   *   *
____________
(3) جمهرة اللغة ، تحقيق رمزي البعلبكي 1 / 575 .
(4) مقاييس اللغة ، تحقيق عبد السلام هارون ، ج 1 مادة (نحا) .
(5) لسان العرب ، مادة (نحا) .
(6) لسان العرب ، مادة (نحا) .
(7) البحث النحوي عند الأصوليين ، السيد مصطفى جمال الدين ، ص 24 .

(60)

    الفقرة الثانية : مصطلح (النحو) تاريخيا .
    يذهب بعض الباحثين إلى أن مصطلح النحو مسبوق بثلاثة مصطلحات ، هي : العربية والكلام والإعراب (8) . ويدعي بعض آخر أنه مسبوق بخمسة مصطلحات مضيفا إلى ما تقدم مصطلحي اللحن والمجاز (9) .
    وقد استدل كل من الدكتور الدجني والقوزي على تقدم مصطلح (الكلام) بما روي من قول أبي الأسود الدؤلي وقد سمع اللحن في كلام الموالي : « هؤلاء الموالي قد رغبوا في الإسلام فدخلوا فيه ، فصاروا لنا إخوة ، فلو علمناهم الكلام) (10) .
    لكن الدكتور الحلواني يرى أن الحق أن المراد بالكلام في الرواية هو المعنى اللغوي دون غيره (11) .
    ويلاحظ عليه أنه جزم بإرادة المعنى اللغوي دون أن يقدم دليلا إثباتيا ، وكان يكفيه مجرد احتمال إرادة المعنى اللغوي لإبطال التمسك بالرواية لإثبات إرادة المعنى الاصطلاحي .
    وأما مصطلح (الإعراب) فقد استدل لتقدمه كل من الدجني والقوزي (12) برواية عن عمر بن الخطاب استعمل فيها كلمة الإعراب بمعنى النحو إذ قال : « وليعلم أبو الأسود أهل البصرة الإعراب » (13) . لكن الدجني عاد فشكك في
____________
(8) أبو الأسود الدؤلي ونشأة النحو العربي ، فتحي الدجني ، ص 13 ـ 14 .
(9) ـ مصطلح النحو ، نشأته وتطوره حتى أواخر القرن الثالث الهجري ، عوض حمد القوزي ، ص 8 ـ 15 .
(10) أخبار النحويين البصريين ، السيرافي ، ص 13 .
(11) المفصل في تاريخ النحو العربي ، محمد خير الحلواني ، 1 / 15 (الحاشية) .
(12) أبو الأسود الدؤلي ، الدجني ، ص 14 . المصطلح النحوي ، القوزي ، ص 14 .
(13) إنباه الرواة على أنباه النحاة ، القفطي ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، 1 / 15 .

(61)

صحة الرواية ، « لأن النحو ظهر متأخرا عن عصر عمر بن الخطاب » (14) .
    أقول : إن تأخر ظهور النحو لا يكفي بمجرده للشك في صحة الرواية ، وإن كان يؤدي إلى تعيين إرادة المعنى اللغوي من كلمة الإعراب دون المعنى الاصطلاحي .
    والصحيح أنه لا دليل على استعمال كلمة (الإعراب) بالمعنى الاصطلاحي في القرن الأول فضلا عن شيوع استعمالها فيه .
    نعم ، قد استعملت بهذا المعنى في وقت متأخر وفي حدود ضيقة ، فأقدم مصدر وردت فيه بالمعنى الاصطلاحي يعود إلى القرن الرابع وهو كتاب « سر صناعة الإعراب » لابن جني (ت 392 ه‍) ، وهناك أيضا كتاب « ملحة الإعراب » للحريري صاحب المقامات (ت 576 ه‍) ، واستعملها ابن معطي (ت 628 ه‍) في كتابه (الفصول الخمسون) إذ قال : « إن غرض المبتدئ الراغب في علم الإعراب حصرته في خمسين فصلا » (15) .
    وأما ما ذكره القوزي من تقدم استعمال كلمتي (المجاز) و (اللحن) بمعنى النحو اصطلاحا ، فلا دليل عليه أيضا ، فقد قال بشأن (اللحن) : « وهذا المصطلح نجده في قول عمر بن الخطاب : (تعلموا الفرائض والسنة واللحن كما تتعلمون القرآن) . قال أبو بكر الأنباري : وحدث يزيد بن هارون بهذا الحديث ، فقيل له : ما اللحن ؟ قال : النحو » (16) .
    لكنه قال في الصفحة التالية : « واللحن بمعنى اللغة ، ذكره الأصمعي وأبو زيد ، ومنه قول عمر بن الخطاب : تعلموا الفرائض والسنة واللحن كما تتعلمون
____________
(14) أبو الأسود الدؤلي ، الدجني ، ص 111 .
(15) الفصول الخمسون ، ص 149 .
(16) المصطلح النحوي ، ص 9 .

(62)

القرآن » (17) .
    وهذا هو الصحيح ، لتأخر ظهور علم النحو عن زمان عمر ، فلا يمكن أن يكون قد استعمل كلمة (لحن) بما يرادف النحو كما يراه زيد بن هارون .
    وأما (المجاز) فقد استدل القوزي على كونه من الاصطلاحات الأولى المرادفة للنحو بما ذكره الدكتور إبراهيم مصطفى إذ قال : « وما كانت كلمة (مجاز) إلى ذلك العهد (عهد أبي عبيدة ، المتوفى 208 ه‍) قد خصصت بمعناها الاصطلاحي في البلاغة ، وما كان استعمال أبي عبيدة لها إلا مناظرة لكلمة (النحو) في عبارة غيره من علماء العربية » (18) .
    ولكن مراجعة كتاب « مجاز القرآن » لأبي عبيدة تؤكد ما ذكره محققه من كونه كتابا يعنى بالناحية اللغوية من القرآن الكريم ، وليس كتابا في البلاغة أو النحو بمعناهما الخاص ، « فهو يتكلم في معاني القرآن ، ويفسر غريبه ، وفي أثناء ذلك يعرض لإعرابه ، ويشرح أوجه تعبيره » (19) ، وإلى ذلك ذهب محقق كتاب « تلخيص البيان » أيضا ، إذ قال : (فالمجاز القرآني ـ عند أبي عبيدة ـ لا يعدو أن يكون تفسيرا لألفاظ القرآن ومعجما لمعانيه » (20) .
    هذا ، مع ملاحظة أن المراد إثبات تقدم استعمال (المجاز) على مصطلح (النحو) ، وهو لا يثبت بالدعوى المذكورة حتى مع فرض التسليم بصحتها ، لتأخر أبي عبيدة عن زمن ابن أبي إسحاق الحضرمي وأبي النضر سالم بن أبي أمية اللذين سنوضح استعمالهما لمصطلح النحو .
    ويبقى الكلام على مصطلح (العربية) . ولا شك في استعماله بمعنى
____________
(17) المصطلح النحوي ، ص 10 .
(18) إحياء النحو ، إبراهيم مصطفى ، ص 12 .
(19) مجاز القرآن ، أبو عبيدة ، تحقيق محمد فؤاد سزكين ، 1 / 18 .
(20) تلخيص البيان في مجازات القرآن ، الشريف الرضي ، تحقيق محمد عبد الغني حسن ، ص 5 ـ 6 .

(63)

النحو ، وإن كنا لا نوافق على ما استدل له به من قول عمر بن الخطاب : « تعلموا العربية ، فإنها تشبب العقل » (21) ، لما تقدم من القطع بتأخر نشوء علم النحو عن عصر عمر .
    وأقدم ما عثرت عليه من النصوص التي يمكن الاستدلال بها على المطلوب :
    أولا : ما روي « عن عمرو بن دينار » ت 125 ه‍ « قال : اجتمعت أنا والزهري » ت 124 ه‍ « ونصر بن عاصم . فتكلم نصر ، فقال الزهري : إنه ليفلق بالعربية تفليقا » (22) . ومعلوم أن نصر بن عاصم من أوائل المهتمين بالدراسات النحوية (23) .
    وثانيا : ما رواه عاصم بن بهدلة القارئ (ت 128 ه‍) قال : (أول من وضع العربية أبو الأسود الديلي » (24) .
    وأما كلمة (النحو) فإنها وردت في النصوص التي تتحدث عن بدايات هذا العلم ، لا بوصفها عنوانا اصطلاحيا ، بل مستعملة بمعناها اللغوي . ومن أمثلة هذه النصوص ما ذكره الزجاجي عن أبي الأسود (ت 69 ه‍) من أنه « وضع كتابا فيه جمل العربية ، ثم قال لهم : انحوا هذا النحو . أي : اقصدوه . والنحو : القصد » (25) . وما أورده ابن النديم من أن أبا الأسود قال بعد أن ذكر أن عليا عليه السلام ألقى إليه شيئا في أصول النحو : « واستأذنته في أن أصنع (نحو) ما صنع » (26) . فكلمة نحو مستعملة هنا بمعنى المثل .
____________
(21) طبقات النحويين واللغويين ، الزبيدي ، ص 13 .
(22) أخبار النحويين البصريين ، السيرافي ، ص 21 .
(23) طبقات النحويين واللغويين ، الزبيدي ، ص 27 .
(24) أخبار النحويين البصريين ، السيرافي ، . ص 17 .
(25) الإيضاح في علل النحو ، الزجاجي ، تحقيق مازن المبارك ، ص 89 .
(26) الفهرست ، ابن النديم ، ص 59 ـ 60 .

(64)

    وقال أبو النضر : « كان عبد الرحمن بن هرمز أول من وضع العربية ، وكان من أعلم الناس بالنحو وانساب قريش » (29) .
    وقد شاع مصطلح (النحو) بعد ذلك تدريجا ، لكنه لم يقض على استعمال مصطلح (العربية) ، بل بقي هذا مستعملا مدة طويلة في تعبيرات العلماء والنحاة وفي عناوين كتبهم . ومن شواهد استعماله في تعبيراتهم :
    1 ـ قول أبي عبيدة (ت 208 ه‍) : « أخذ أبو الأسود عن علي بن أبي
____________
(27) طبقات الشعراء ، ابن سلام ، ص 7 .
(28) طبقات الشعراء ، ابن سلام ، ص 7 .
(29) طبقات النحويين واللغويين ، الزبيدي ، ص 26 .

(65)

طالب عليه السلام العربية » (30) .
    2 ـ قول ابن سلام : « أول من أسس العربية . . . أبو الأسود الدؤلي » (31) .
    3 ـ قول المبرد (ت 280 ه‍) : « أول من وضع العربية ونقط المصحف أبو الأسود الدؤلي » (32) .
    وأما في مجال المصنفات النحوية ، فنجد الكتب التالية :
    1 ـ الواضح في علم العربية ، للزبيدي (ت 379 ه‍) .
    2 ـ اللمع في علم العربية ، لابن جني (ت 392 ه‍) .
    3 ـ المفصل في علم العربية ، للزمخشري (ت 538 ه‍) .
    4 ـ أسرار العربية ، لابن الأنباري (ت 577 ه‍) .
    5 ـ الخلاصة الألفية في علم العربية ، لابن مالك (ت 672 ه‍) .
    6 ـ اللمحة البدرية في علم العربية ، لأبي حيان (ت 745 ه‍) .
    7 ـ الأزهرية في علم العربية ، لخالد الأزهري (ت 905 ه‍) .
ويتلخص من جميع ما تقدم :
    أولا : من المتفق عليه وجود ثلاثة ألفاظ للتعبير عن هذا العلم اصطلاحا ، وهي : النحو ، والعربية ، والإعراب .
    ثانيا : لا دليل على استعمال (اللحن) و (المجاز) للتعبير عن هذا العلم . وأما
____________
(30) أخبار النحويين البصريين ، السيرافي ص 15 ، 17 ، 20 ، 22 ، 24 ، 25 .
(31) طبقات الشعراء ، ابن سلام ، ص 5 .
(32) طبقات النحويين واللغويين ، الزبيدي ، ص 21 .

(66)

استعمال (الكلام) فإنه موضع خلاف وتردد .
    ثالثا : لا شك في تأخر استعمال لفظ (الإعراب) عن كل من (النحو) و (العربية) ، وإنما الكلام في تحديد المتقدم من هذين الأخيرين .
    وقد ذهب بعض الباحثين إلى تقدم اصطلاح (العربية) (33) ، إلا أنه يصعب القطع بذلك ، لأن أقدم من نقل عنه استعمال مصطلح (العربية) هو الزهري (ت 124 ه‍) وعاصم القارئ (ت 128 ه‍) ، وهما معاصران لابن أبي إسحاق الحضرمي (ت 127 ه‍) وأبي النضر (ت 129 ه‍) اللذين قدمنا من النصوص ما يدل على استعمالهما مصطلح (النحو) ، فإن لم يكن اقتران كلمة (نحو) بمعناها اللغوي ببدايات هذا العلم مرجحا للقول بتقدم مصطلح (النحو) ، فلا أقل من التوقف ، وعدم ترجيح طرف على آخر .
    بقيت الإشارة إلى أننا قدمنا نصين يدلان على استعمال عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي لمصطلح (النحو) ، إلا أن الدكتور الدجني أورد النص الأول منهما فقط وشكك في صحته مرجحا عدم استعمال الحضرمي لكلمة (النحو) اصطلاحا بدليلين ، أولهما : انفراد ابن سلام بتلك الرواية . والثاني : عدم العثور على ما يدل على استعمال عيسى بن عمر وأبي عمرو بن العلاء لمصطلح النحو . مع أنهما كانا من تلاميذ الحضرمي . ثم قال : « وأما الرواية التي يمكن الاطمئنان إليها في هذا الشأن فهي الرواية التي ذكرها السيرافي إذ قال : قال محمد بن سلام : سمعت رجلا يسأل يونس عن ابن أبي إسحاق وعلمه . قال : هو والنحو سواء . أي : هو الغاية » (34) .
____________
(33) المفصل في تاريخ النحو العربي ، محمد خير الحلواني ، ص 12 . أبو الأسود الدؤلي ، الدجني ، ص 13 ـ 14 . مصطلح النحو ، القوزي ، ص 8 .
(34) أبو الأسود الدؤلي ونشأة النحو العربي ، الدجني ، ص 2 2 ـ 23 .

(67)

    ويلاحظ على كلامه :
    أولا : أن الرواية التي اطمأن بها إنما تثبت مضمونها فحسب ، ولا تنفي صحة الرواية التي أوردناها ، إذ لا محذور في كونهما معا صحيحتين .
    ثانيا : أن هذه الرواية قد تفرد بها ابن سلام أيضا ، وأوردها في كتابه قبل الرواية المردودة مباشرة (35) ، وقد نقلها السيرافي عنه ، فلماذا حصل الاطمئنان بإحداهما دون الأخرى ؟ ! ثالثا : أن عدم العثور على ما يدل على استعمال تلميذي الحضرمي لمصطلح النحو لا يدل على عدم استعمالهما إياه واقعا ؟ فإن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود ، خاصة مع ملاحظة أن مؤلفاتهما لم تصل إلينا (36) .

*     *     *
____________
(35) طبقات الشعراء ، ابن سلام ، ص 6 ـ 7 .
(36) المفصل في تاريخ النحو العربي ، الحلواني ، ص 14 .

(68)

    الفقرة الثالثة : مصطلح (النحو) مضمونا .
    لعل أقدم محاولة لتعريف هذا العلم ما ذكره ابن السراج (ت 316 ه‍) إذ قال : « النحو إنما أريد أن ينحو المتكلم إذا استعمله كلام العرب ، وهو علم استخرجه المتقدمون من استقراء كلام العرب » (37) .
    وليس هذا في الواقع تحديدا لحقيقة النحو ، بقدر ما هو تعريف بمصادره ، وبيان للهدف من تدوينه ودراسته .
    يلي ذلك قول ابن جني (ت 392 ه‍) : النحو « هو انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه من إعراب وغيره كالتثنية والجمع والتحقير والتكسير والإضافة والتركيب والنسب وغر ذلك » (38) .
    ويلاحظ عليه : أن النحو بوصفه علما ليس هو انتحاء سمت كلام العرب ، بل انتحاء سمت كلامهم هو الغاية المتوخاة من تدوين هذا العلم ودراسته .
    وواضح من هذا التعريف أنه يميز بين نوعين من التناول في دراسة الكلمة ضمن هذا العلم ، أولهما (الإعراب) الذي يعني تغير آخر الكملة بسبب انضمامها إلى غيرها في تركيب معين ، وهو داخل في ما اختص بعد ذلك باسم (النحو) ، والثاني هوما يعنى بدراسة بنية الكلمة مفردة ، وهو الذي اختص باسم الصرف .
    وعرفه ابن عصفور (ت 669 ه‍) بأنه « علم مستخرج بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب الموصلة إلى معرفة أحكام أجزائه التي يأتلف منها » (39) .
    وهذا التعريف يمتاز على ما سبقه في أخذه (العلم) جنسا في حد النحو .
____________
(37) الأصول في النحو ، ابن السراج ، 1 / 37 .
(38) الخصائص ، ابن جني ، 1 / 34 .
(39) المقرب ، ابن عصفور ، 1 / 45 .

(69)

وقد قيل في شرحه : إنه قيد هذا العلم بكونه (مستخرجا) لكي يخرج العلم المنصوص في الكتاب والسنة ، وأن المراد بالمقاييس الواردة فيه : القواعد الكلية (40) .
    وقد أخذ الأشموني بهذا التعريف ، وعقب عليه بقوله : « فعلم أن المراد هنا بالنحو ما يرادف قولنا : علم العربية ، لا قسيم الصرف » (41) .
    ومرد ذلك إلى أن التعريف أطلق (الأجزاء) التي يتألف منها الكلام ، ولم يقيدها بكونها مفردة أو مركبة .
    ولابن الناظم (ت 686 ه‍) تعريف مشابه مضونا للتعريف السابق ، قال : النحو هو « العلم بأحكام مستنبطة من استقراء كلام العرب ، أعني : أحكام الكلم في ذواتها ، أو ما يعرض لها بالتركيب لتأدية أصل المعاني من الكيفية والتقديم والتأخير » (42) .
    وعرفه ابن حيان (ت 745 ه‍) بحد مشابه لما تقدم ، لكنه يمتاز عنه بصياغة لفظية مختصرة ، قال : « النحو علم بأحكام الكلمة إفرادا وتركيبا » (43) .
    وإلى هنا نجد أن مصطلح النحو ما يزال يطلق على كل من علمي الصرف والنحو بمعناه الخاص .
    وأول من عرف النحو بحد يجعله مستقلا عن الصرف ـ في حدود تتبعي ـ هو الشيخ خالد الأزهري (ت 905 ه‍) ، قال : النحو « علم بأصول يعرف بها أحوال أبنية الكلم إعرابا وبناء » (44) .
____________
(40) حاشية الصبان على شرح الأشموني ، 1 / 15 .
(41) حاشية الصبان على شرح الأشموني ، 1 / 16 .
(42) شرح الألفية ، ابن الناظم ، ص 302 .
(43) غاية الإحسان في علم اللسان ، مخطوط ، 1 / ب .
(44) شرح التصريح على التوضيح ، خالد الأزهري ، 1 / 14 .

(70)

    وقد أعطاه الفاكهي (ت 971 ه‍) صورته النهائية بقوله : النحو « علم بأصول يعرف بها أحوال أواخر الكلم إعرابا وبناء » (45) .
    وكأن الفاكهي لاحظ أن (أبنية الكلم) شاملة لما قبل الآخر ، فأبدلها بقوله (أواخر الكلم) الذي هو أوضح في الدلالة على المراد .
    والواقع أن تميز الدراسة الصرفية عن النحوية كان واضحا في أذهان الدارسين في مرحلة مبكرة ؟ فقد أفردها أبو عثمان المازني (ت 249 ه‍) بكتاب مستقل بعنوان (التصريف) ، ثم تتابعت التصانيف من بعده من قبل : المبرد (ت 285 ه‍) ، وابن كيسان (ت 299 ه‍) ، وأبي زيد البلخي (ت 322 ه‍) ، وأبي علي الفارسي (ت 377 ه‍) ، والرماني (ت 384 ه‍) ، وابن جني (ت 392 ه‍) ، حتى استقر الصرف على أصوله وقواعده في القرنين السابع والثامن على أيدي ابن الحاجب وابن مالك وابن هشام (46) .
    ومع هذا كله فإن كتب النحو لم تتمحض لمادة النحو فقط ، بل ظلت تحتوي مزيجا من النحو والصرف ، ولأجل ذلك حرص النحاة على إعطاء حد للنحو يجعله شاملا للصرف ، ليكون منطبقا على محتوى المصنفات النحوية .
    وهناك ملاحظة مهمة على الصياغة الأخيرة لتعريف النحو التي طرحت من قبل الأزهري ومن بعده الفاكهي ، فإنها وإن كانت مانعة من دخول مباحث الصرف ، إلا أنها ليست جامعة لمادة النحو بالمعنى المقابل للصرف ، ذلك لأن المدون فعلا من هذه المادة لا يقتصر على بحث أحكام أواخر الكلم إعرابا وبناء ، بل إنه يشتمل إضافة إلى ذلك على مباحث أخرى في غاية الأهمية ، كالهيئة التركيبية للجملة من التقديم والتأخير ، والحذف والإضمار ، وكسر همزة إن أو
____________
(45) الحدود النحوية ، الفاكهي ، نقلا عن حاشية الإيضاح في علل النحو ، ص 89 .
(46) أبو عثمان المازني ومذاهبه في الصرف والنحو ، رشيد العبيدي ، ص 106 .

(71)

فتحها ، وغير ذلك .
    فهذه الموضوعات إما أن تكون من النحو ، فيقصر التعريف بشكله الأخير عن شمولها ، وإما أن لا تكون منه فما وجه دخولها فيه (47) ؟
    ويبدو أن أفضل صيغة يمكن طرحها لتعريف النحو (بمعناه الخاص) بشكل ينطبق على جميع مسائله أن نقول : النحو هو العلم الباحث عن أحكام الكلمة المركبة .
    فإن هذا الحد مانع من دخول مسائل الصرف ؟ لأن موضوعها هو الكلمة المفردة . وهو شامل لجميع ما يعرض للكلمة نتيجة لدخولها في التركيب ، سواء أكان التغير العارض عليها متعلقا بحركات آخرها ، أم حاصلا في حروفها ، حذفا كما في جزم المضارع المعتل الآخر ، أو تغييرا كما في المثنى وجمع المذكر السالم . ويشمل أيضا وجوب تقديم الكلمة أو تأخيرها أو جواز الأمرين ، ووجوب فتح همزة إن في مورد وكسرها في غيره ، أو وجوب الحذف والإظهار ، إلى غير ذلك من الأحكام التي تطرأ على الكلمة نتيجة لتأليفها مع غيرها تركيبا معينا .
    وأما بعض المباحث من قبيل تقسيم الكلمة إلى أنواعها الثلاثة ، وتقسيم الاسم إلى نكرة ومعرفة ، والفعل إلى أنواعه ، فإنها وإن لم تدخل مباشرة في دائرة ما يعرض على الكلمة المركبة ، لكنها من المبادئ الضرورية التي لا بد من دراستها ومعرفتها لترتيب الأحكام المختلفة التي تطرأ على الكلمة بعد التركيب .
    ولعلنا نتلمس هذه الصياغة الجديدة لتعريف النحو في كلمات المتقدمين ، كابن الناظم الذي فسر تعريفه لعلم النحو بقوله : (أعني أحكام الكلم في ذواتها ، أو ما يعرض لها بالتركيب لتأدية أصل المعاني من الكيفية والتقديم والتأخير) ، إذ لا كانت المصنفات النحوية مزيجا من النحو والصرف ، فقد أشار
____________
(47) البحث النحوي عند الأصوليين ، السيد مصطفى جمال الدين ، ص 26 .
(72)

إلى الصرف بقوله : (أحكام الكلم في ذواتها) ، وإلى النحو بقوله : (أو ما يعرض لها بالتركيب) .
    ومما يلفت النظر في كلامه أنه لم يمثل لهذا العارض بسبب التركيب بما يطرأ على أواخر الكلم إعرابا وبناء ، بل مثل له بالكيفية من التقديم والتأخير ، فهو يرى أن أمثال هذه العوارض دخيلة في موضوع النحو كدخالة حركات الإعراب . إلا أن الأزهري ومن تبعه من المتأخرين بنوا تعريفهم للنحو على أساس أن البحث في (الكلمة المركبة) يعني معرفة ما يطرأ على آخرها من الإعراب والبناء فقط ، الأمر الذي أدى إلى عدم جامعية التعريف .

*     *     *