المصادر كلها » (47) .
وقال الزجاجي ( ت ـ 337 هـ) : الاسم « ما كان فاعلا أو مفعولا أو واقعا في حيز الفاعل أو المفعول » (48) ، وقال : « إن هذا التعريف لا يخرج عنه اسم البتة .. ( وهو شامل لنحو ) .. كيف وأين ومتى وأنى وأيان .. لأنها داخلة في حيز المفعول به ، لأن كيف سؤال عن الحال ، والحال مفعول بها عند البصريين ، وعند الكسائي هي مضارعة للوقت ، والوقت مفعول فيه .. وأين وأخواتها ظروف ، والظروف كلها مفعول فيها » (49) .
ولكن يلاحظ عليه ـ رغم ذلك ـ عدم شموله لأسماء الأفعال .
المرحلة الثالثة : مرحلة التعريف بالحد .
يشترط في صحة الحد أن يكون جامعا مانعا ، أي شاملا لكافة أفراد المعروف ، مانعا من دخول غيرها من الأفراد .
ولعل أول تعريف بالحد ما ذكره المبرد ( ت ـ 285 هـ) من أن الاسم « ما كان واقعا على المعنى » (50) .
وواضح أنه ليس مانعا من دخول الحروف والأفعال والرموز والاشارات . ولعله لأجل هذا أتبعه بقوله : « وتعتبر الأسماء بواحدة ، كل ما دخل عليه حرف من حروف الجر فهو اسم ، وإن امتنع من ذلك فليس باسم » (51) .
وبهذه الإضافة تمكن من إخراج الحروف والأفعال ، وحصر المحدود في نطاق الألفاظ ، فأخرج بذلك الرموز والاشارات . إلا أن سد الثغرة بهذا الشكل
____________
(47) نفس المصدر : 50 .
(48) نفس المصدر : 48 .
(49) نفس المصدر : 48 ـ 50 .
(50) المقتضب ـ للمبرد ـ 1 / 3 ، الايضاح ـ للزجاجي ـ : 51 ، شرح المفصل ـ لابن يعيش ـ 1 / 22 .
(51) الأصول في النحو ـ لابن السراج ـ 1 / 38 ، الايضاح ـ للزجاجي ـ : 50 .
(136)
ينطوي على الاعتراف بنقص الحد ، إضافة إلى أن العلامة نفسها مبتلاة بعدم الانعكاس كما تقدم .
وحده ابن السراج ( ت ـ 316 هـ) بقوله : « الاسم ما دل على معنى مفرد ، وذلك المعنى يكون شخصا وغير شخص » (52) .
وتابعه على هذا التعريف ابن بابشاذ ( ت ـ 469 هـ) (53) .
قال ابن السراج : أنه قيد المعنى بالمفرد ، ليفرق بين الاسم والفعل ، لأن الفعل لا يدل على معنى مفرد ، بل على معنى وزمان معين » (54) .
ويبدو أنه أراد بتنويع المعنى إلى شخص وغير شخص أن يدخل المصادر ضمن الأسماء ، ويتفادى الإشكال الذي تعرض له التعريف الذي اختاره ابن كيسان من أن الاسم ما أبان عن الأشخاص .
وقد عقب الزجاجي على هذا الحد بالإشارة إلى أنه مأخوذ من حد المبرد المتقدم ، وأنه ليس صحيحا ، إذ يلزم منه « أن يكون ما دل من حروف المعاني على معنى واحد اسما نحو : إن ولم وما أشبه ذلك » (55) .
أما الزجاج ( ت ـ 311 هـ) فقد حد الاسم بأنه : « صوت مقطع مفهوم دال على معنى ، غير دال على زمان » (56) .
ويتميز هذا التعريف عما سبقه باحتوائه على جنس أقرب للمعرف وهو ( الصوت ) ، وقد كانت التعريفات المتقدمة تجعل الجنس ( ما ) . وقد احترز بقوله ( غير دال على زمان ) من دخول الأفعال . ولكنه ليس تعريفا مانعا ، « لأنه يلزم منه أن يكون كثير من الحروف أسماء ، لأن من الحروف ما يدل على معنى دلالة غير
____________
(52) الأصول في النحو 1 / 38 ، الايضاح ـ للزجاجي ـ : 50 .
(53) شرح المقدمة المحسبة 1 / 94 .
(54) الأصول في النحو ـ لابن السراج ـ 1 / 38 .
(55) الايضاح ـ للزجاجي ـ : 50 .
(56) الصاحبي ـ لابن فارس ـ : 84 .
(137)
مقرونة بزمان نحو إن ولكن وما أشبه ذلك » (57) .
وحده السيرافي ( ت ـ 368 هـ) بقوله : الاسم « كلمة دلت على معنى في نفسها من غير اقتران بزمان محصل . فقوله ( كلمة ) جنس للإسم تشترك فيه الأضرب الثلاثة : الاسم والفعل والحرف . وقوله ( تدل على معنى في نفسها ) فصل احترز به من الحرف ، لأن الحرف يدل على معنى في غيره . وقوله ( من غير اقتران بزمان محصل ) فصل ثان جمع به المصادر إلى الأسماء ، ومنع الأفعال أن تدخل في حد الأسماء ، لأن الأحداث ( المصادر ) تدل على أزمنة مبهمة ، إذ لا يكون حدث إلا في زمان . ودلالة الفعل على زمان معلوم إما ماض أو غير ماض .
وقد اعترضوا على هذا الحد بمضرب الشول .. وزعموا أن مضرب الشول يدل على الضراب وزمنه .. وقد أجيب عنه بأن المضرب وضع للزمان الذي يقع فيه الضراب ، دون الضراب . فقولنا : مضرب الشول ، كقولنا : مشتى ومصيف . والضراب إنما فهم من كونه مشتقا من لفظه ، والحدود يراعى فيها الأوضاع لا ما يفهم من طريق الاشتقاق أو غيره مما هو من لوازمه » (58) .
وهذا الحد يمثل الصيغة النهائية لمعنى الاسم في الاصطلاح النحوي ، وهو يتضمن أول مرة الجنس القريب ( الكلمة ) والفصل القريب أيضا . ولكن لا بد من التنبيه إلى أن ما هو موجود في شرح السيرافي لكتاب سيبويه لا يطابق تماما هذا الحد الذي حكاه ابن يعيش عن السيرافي ، إذ الموجود في شرح الكتاب : " كل شيء دل لفظه على معنى غير مقترن بزمان محصل من مضي أو غيره فهو اسم » (59) .
أما الرماني ( ت ـ 384 هـ) فقد حده بقوله : « الاسم كلمة تدل على معنى من غير اختصاص بزمان دلالة البيان » (60) .
فهو يستعمل في حده الجنس
____________
(57) الايضاح ـ للزجاجي ـ : 48 ، الصاحبي ـ لابن فارس ـ : 84 .
(58) شرح المفصل ـ لابن يعيش ـ 1 / 22 .
(59) شرح الكتاب ـ للسيرافي ـ نقلا عن حاشية الايضاح ـ للزجاجي ـ : 49 .
(60) الحدود في النحو ـ للرماني ـ : 38 ( ضمن كتاب : رسائل في النحو واللغة ) . تحقيق مصطفى جواد =
(138)
القريب ، لكنه لا يصوغه بصورة تمنع من دخول الحروف . وحده الزمخشري ( ت ـ 538 هـ) بقوله : « الاسم ما دل على معنى في نفسه دلالة مجردة عن الاقتران » (61) .
وعقب شارح المفصل على هذا التعريف بملاحظتين :
الأولى : إن قوله ( ما دل ) ترجمة عن الكلمة ، ولو أنه صرح بها لكان أدل على الحقيقة ، لأنها أقرب إلى المحدود ، ولكنه وضع العام موضع الخاص .
الثانية : إنه احترز عن الفعل بقوله : ( دلالة مجردة عن الزمان ) ، لأن الفعل يدل على معنى مقترن بزمان ، ولكنه لم يقيد الزمان بكونه محصلا ومعينا ، مما يجعل الحد عرضة للايراد عليه بعدم شموله المصادر ، لكونها تدل على معنى وزمان مبهم (62) . لكنه بادر إلى دفع هذا الايراد المحتمل بقوله :
« الحق إنه لا يحتاج إلى قوله ( محصل ) ، لأننا نريد بالدلالة الدلالة اللفظية ، والمصادر لا تدل على الزمن من جهة اللفظ ، وإنما الزمان من لوازمها وضروراتها ، وهذه الدلالة لا اعتداد بها فلا يلزم التحرز منها ، ألا ترى أن الأفعال لا بد من وقوعها في مكان ، ولا قائل : إن الفعل دال على المكان كما يقال : إنه دال على الزمن » (63) .
أما ابن الشجري ( ت ـ 542 هـ) فقد قال : « أسلم حدود الاسم من الطعن قولنا : الاسم ما دل على مسمى به دلالة الوضع . وإنما قلنا : ( ما دل ) ولم نقل : ( كلمة تدل ) ، لأننا وجدنا من الأسماء ما وضع من كلمتين كمعدي كرب ، وأكثر من كلمتين كأبي عبد الرحمن . وقلنا : . ( دلالة الوضع ) تحرزا مما دل دلالتين : دلالة الوضع ودلالة الاشتقاق كمضرب
____________
=
ويوسف يعقوب مسكوني .
(61) المفصل في علم العربية ـ للزمخشري ـ : 6 .
( 62 و 63 ) شرح المفصل ـ لابن يعيش ـ 1 / 23 .
(139)
الشول » ( 64 ) .
وتحسن الإشارة إلى أن المعنى الاصطلاحي للكلمة قد استقر ـ أخيرا ـ على أنها القول المفرد ، وصرحوا بأنهم يريدون بالمفرد ما لا يدل جزؤه على جزء معناه ، وأن أسماء الأعلام أمثال عبد الله وبعلبك وامرئ القيس وتأبط شرا ، يطلق على كل منها كلمة ، لعدم دلالة جزئها على جزء معناها (65) . وعليه لا يمكن التمسك بما ذكره ابن الشجري لتسويغ العدول عن أخذ ( الكلمة ) جنسا في تعريف الاسم .
ولا نرى داعيا لقيد ( دلالة الوضع ) ، إذ يمكن الاحتراز عن خروج أمثال ( مضرب الشول ) بما ذكره ابن يعيش من أن الحدود يراعى فيها الأوضاع لا ما يفهم من طريق الاشتقاق .
ويتلخص من كل ما تقدم أن المعنى الاصطلاحي للإسم ( في مقابل الفعل والحرف ) قد تحدد في النصف الثاني من القرن الرابع ، وأنه : كلمة تدل على معنى في نفسها غير مقترن بزمان معين . وهو الذي اشتهر بين النحاة بعد ذلك (66) ، وإن اختلفت طرق التعبير عنه .
ففي ما يخص الجنس أخذ بعضهم ( الكلمة ) ، لكونها جنسا قريبا ، وأخذ بعضهم ( اللفظ ) ، وبعض ثالث استعمل ( ما ) أو ( شيء ) معتمدا على وضوح كون المراد به هو اللفظ أو الكلمة ، بقرينة أن البحث في مجال اللغة والكلام ، فلا
____________
( 64 ) الأمالي الشجرية ـ لابن الشجري ـ 1 / 293 .
(65) شرح المفصل 1 / 19 ، شرح الكافية ـ للرضي ـ 1 / 3 ، شرح اللمحة البدرية ـ لابن هشام الأنصاري ـ 1 / 205 .
(66) أنظر حد الاسم لدى بقية النحاة في المصادر التالية مرتبة حسب تسلسلها الزمني : المرتجل ـ لابن الخشاب ـ : 7 ، التوطئة ـ للشلوبيني ـ : 113 ، شرح الكافية ـ للرضي ـ 1 / 9 ، الفصول الخمسون ـ لابن معطي ـ : 151 ، شرح شذور الذهب ـ لابن هشام ـ : 14 ، شرح الألفية ـ لابن عقيل ـ 1 / 15 ، شرح اللؤلؤة ـ للسرمري ـ : مخطوط 6 / ب ، همع الهوامع ـ للسيوطي ـ 1 / 7 .
(140)
ينصرف الذهن إلى غير ذلك من الدوال كالرموز والاشارات .
وفي ما يتعلق بالفصل ، أخذ بعضهم قيد ( عدم الدلالة على زمان معين ) ليضمن خروج الأفعال ودخول المصادر . واكتفى بعض بقيد عدم الدلالة على الزمان دون أن يصف الزمان بأنه معين أو محصل ، اعتمادا على أن الفعل يدل بأصل وضعه على معنى وزمان معين ، بينما المصادر لا تدل بأصل وضعها على الزمن ، بل دلالتها عليه عقلية التزامية ، وليس ذلك موجبا للاحتراز منها بتقييد الزمان بالمحصل .
* * *
وأما استعمال الاسم بالمعنى الاصطلاحي الثاني المقابل للكنية واللقب ، فقد نقله سيبويه عن أساتذته في مبحث العلم من المعارف . قال : « والألقاب والكنى بمنزلة الأسماء نحو : زيد وعمرو » (67) ، ومثل للألقاب بما هو مشعر بالذم (68) ، وللكنى بأبي عمرو (69) .
ولم يهتم سيبويه ولا من جاء بعده من النحاة بتعريف هذه الأقسام الثلاثة للعلم ، واكتفوا بالتمثيل لكل منها حتى القرن السابع الهجري ، إذ عرفها كل من رضي الدين الاسترآبادي وبدر الدين ابن الناظم المتوفىان عام 686 هـ.
أما ابن الناظم فقد عرف الكنية بما كان من الأعلام مصدرا بأب أو أم ، واللقب بما أشعر برفعة المسمى أو ضعته ، والاسم بما لم يكن كذلك (70) .
وأما الرضي فقد عرف الاسم بأنه العلم الذي لا يقصد به مدح ولا ذم ،
____________
(67) الكتاب 2 / 97 .
(68) الكتاب 3 / 294 .
(69) الكتاب 3 / 295 .
(70) شرح ابن الناظم : 28 .
(141)
واللقب بأنه ما يقصد به أحدهما ، والكنية بما صدر بأب أو أم أو ابن أو بنت (71) .
وقد جنح من تأخر عنهما إلى الأخذ بطريقة ابن الناظم ، فهم يعرفون الكنية واللقب أولا ، ثم يعرفون الاسم بما لم يكن كنية ولا لقبا (72) .
* * *
____________
(71) شرح الرضي على الكافية 2 / 139 .
(72) شرح قطر الندى ـ لابن هشام ـ : 98 ، ـ أوضح المسالك ـ لابن هشام ـ 1 / 90 ، شرح ابن عقيل على الألفية 1 / 119 ، حاشية الصبان على شرح الأشموني 1 / 127 ـ 128 .