أما الحديث عن علي عليه السلام :
فقد رواه عنه الترمذي بطريقين ، وعبد الله بن أحد بطريق ثالث .
أما الطريق الأول فقد نبه على ضعفه الترمذي :
أولا : بأن علي بن الحسين لم يسمع من علي بن أبي طالب ، والواسطة بينهما غير مذكور ، وهذا قادح على مذهب أهل السنة .
وثانيا : بأن الوليد بن محمد الموقري يضعف في الحديث .
وقال ابن المديني : ضعيف لا يكتب حديثه .
وقال الجوزجاني : كان غير ثقة ، يروي عن الزهري عدة أحاديث ليس لها أصول .
وقال أبو زرعة الرازي : لين الحديث .
وقال أبو حاتم : ضعيف الحديث .
وقال النسائي : ليس بثقة ، منكر الحديث .
وقال ابن خزيمة : لا يحتج به .
وقال ابن حبان : روى عن الزهري أشياء موضوعة .
بل قال ابن معين ـ في رواية عنه ـ : كذاب . وكذا قال غيره
(38) .
قلت :
وهذا الحديث عن الزهري ! !
وأما « الزهري » ، فقد ترجمنا له في بعض بحوثنا السابقة فلا نعيد .
____________
(38) تهذيب التهذيب 11 / 131 .
(55)
وأما الطريق الثاني :
فهو عن الشعبي عن الحارث عن علي ... عند الترمذي ...
وكذا ... عند ابن ماجة ...
أما الشعبي ، فقد ترجمنا له في بعض البحوث السابقة .
وأما الحارث ، وهو « الحارث بن عبد الله الأعور » فإليك بعض كلماتهم فيه :
أبو زرعة : لا يحتج بحديثه .
أبو حاتم : ليس بقوي ولا ممن يحتج بحديثه .
النسائي : ليس بالقوي .
الدارقطني : ضعيف .
ابن عدي : عامة ما يرويه غير محفوظ .
بل وصفه غير واحد منهم بالكذب !
بل عن الشعبي ـ الراوي عنه ـ : كان كذابا ! ! وقد وقع هذا عندهم موقع الإشكال ! كيف يكذبه ثم يروي عنه ؟ ! إن هذا يوجب القدح في الشعبي نفسه !
فقيل : إنه كان يكذب حكاياته لا في الحديث . وإنما نقم عليه إفراطه في حب علي !
(39) .
قلت : إن كان كذلك فقد ثبت القدح للشعبي ، إذ الإفراط في حب علي لا يوجب القدح ولا يجوز وصفه بالكذب ، ومن هنا ترى أن غير واحد ينص على وثاقة الحارث ...
هذا ، ولا حاجة إلى النظر في حال رجال السندين حتى الشعبي ، وإلا فإن « الحسن بن عمارة » عند ابن ماجة :
قال الطيالسي : قال شعبة : ائت جرير بن حازم فقل له : لا يحل لك أن تروي
____________
(39) لاحظ ذلك كله بترجمة الحارث من تهذيب التهذيب 2 / 126 .
(56)
عن الحسن بن عمارة فإنه يكذب ...
وقال ابن المبارك : جرحه عندي شعبة وسفيان ، فبقولهما تركت حديثه .
وقال أبو بكر المروزي عن أحمد : متروك الحديث .
وقال عبد الله بن المديني عن أبيه : كان يضع .
وقال أبو حاتم ومسلم والنسائي والدارقطني : متروك الحديث .
وقال الساجي : ضعيف متروك ، أجمع أهل الحديث على ترك حديثه .
وقال الجوزجاني : ساقط .
وقال ابن المبارك عن ابن عيينة : كنت إذا سمعت الحسن بن عمارة يحدث عن الزهري جعلت إصبع في أذني .
وقال ابن سعد : كان ضعيفا في الحديث .
وقال السهلي : ضعيف بإجماع منهم
(40) .
قلت : فهذا حال هذا الرجل الذي روى عنه ابن ماجة ! وروى عنه سفيان مع علمه بهذه الحال ! وإذا كان سفيان جارحا له فكيف يروي عنه ؟ ! ألا يوجب ذلك القدح في سفيان كذلك وسقوط جميع رواياته عنه ؟ ! وهذا الحديث من ذلك !
وأما الطريق الثالث :
فهو رواية عبد الله ، ففيه :
أولا : إنه مما أعرض عنه أحمد بناء على ما تقدم .
وثانيا : إن فيه الحسن بن زبد ... قال ابن معين : ضعيف . وقال ابن عدي : « أحاديثه عن أبيه أنكر مما روى عن عكرمة »
(41) .
قلت : وهذا الحديث من ذاك !
____________
(40) لاحظ هذه الكلمات وغيرها بترجمته من تهذيب التهذيب 2 / 263 .
(41) تهذيب التهذيب 2 / 243 .
(57)
وثالثا : إن لفظه يشتمل على « وشبابها » وهذا يختص بهذا السند وهو كذب قطعا .
وأما الحديث عن أنس :
فهو الذي أخرجه الترمذي ، ففيه :
« قتادة » وكان مدلسا ، يرمى بالقدر رأسا في بدعة يدعو إليها ، حاطب ليل ، حدث عن ثلاثين رجلا لم يسمع منهم ... إلى غير ذلك مما قيل فيه
(42) .
و « أنس بن مالك » نفسه لا يجوز الاعتماد عليه ، لا سيما في مثل هذا الحديث ، فقد ثبت كذبه في حديث الطائر المشوي
(43) وكتمه للشهادة بالحق حتى دعا عليه علي عليه السلام ، وهو مع الحق
(44) .
وأما حديث أي جحيفة :
فهو الذي أخرجه ابن ماجة ، ففيه :
« عبد القدوس بن بكر بن خنيس » قال ابن حجر : « ذكر محمود بن غيلان عن أحمد وابن معين وأبي خيثمة أنهم ضربوا على حديثه »
(45) .
____________
(42) لاحظ ترجمته في تهذيب التهذيب 8 / 317 .
(43) حديث الطائر المشوي من أشهر الأحاديث الدالة على أفضلية أمير المؤمنين عليه السلام وخلافته ، أخرجه عشرات الأئمة والعلماء الأعلام في كتبهم ، منهم : الترمذي والحاكم والطبراني وأبو نعيم والخطيب وابن عساكر وابن الأثير ... راجع منها المستدرك 3 / 130 .
(44) كان ذلك في قضية مناشدة أمير المؤمنين عليه السلام الناس في رحبة الكوفة بأن من شهد منهم غدير خم فليقم ويشهد ، فشهد جماعة من الحاضرين وامتنع أنس في نفر منهم ... فدعا عليهم الإمام عليه السلام ... روى ذلك : ابن قتيبة والبلاذري وابن عساكر وآخرون ... راجع كتاب الغدير 1 / 192 .
(45) تهذيب التهذيب 6 / 329 .
(58)
تتمة :
إنه لا يخفى اختلاف لفظ آخر الحديث عن علي ، ففي لفظ : « لا تخبرهما يا علي » وفي آخر : « لا تخبرهما يا علي ما داما حيين » وفي ثالث لم يذكر هذا الذيل أصلا ... ! أما في الحديث عن أنس فلا يوجد أصلا ...
ولماذا نهى عليا من أن يخبرهما ؟ ! ولماذا لم ينه أنس عن ذلك ، بل بالعكس أمره بأن يبشرهما ـ وعثمان ـ في حديث يروونه عنه وسيأتي نصه في كلام العيني ...
لم أجد ـ في ما بيدي من المصادر ـ لذلك ، وجها ... إلا عند ابن العربي المالكي ... فإنه قال : « قال ذلك لعلي ليقرر عند تقدمهما عليه » ! ! وأنه « نهاه أن يخبرهما لئلا يعلما قرب موتهما في حال الكهولة » ! !
(46) .
وهل كان يحتاج علي إلى الإقرار إن كان تقدمهما عليه بحق ؟ !
وهل كان يضرهما العلم بقرب موتهما في حال الكهولة ؟ ! وهل كانا يخافان الموت ؟ ! ولماذا ؟ !
____________
(46) عارضة الأحوذي 13 / 131 .
(59)
الحديث الرابع
حديث سد الأبواب
ومن الأحاديث الصحيحة الثابتة المشهورة ، بل المتواترة .. الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شأن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ... حديث « سدوا الأبواب إلا باب علي » ... وهذه نصوص من ألفاظه :
حديث سد الأبواب إلا باب علي :
أخرج الترمذي بسنده عن ابن عباس : « أن رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم أمر بسد الأبواب إلا باب علي »
(47).
وأخرج عن أبي سعيد قال : « قال رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم لعلي : يا علي ، لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك . قال علي بن المنذر : قلت لضرار بن صرد : ما معنى هذا الحديث ؟ قال : لا يحل لأحد يستطرقه جنبا غيري وغيرك »
(48).
وأخرج أحمد بسنده عن عبد الله بن الرقيم الكناني ، قال : « خرجنا إلى المدينة زمن الجمل ، فلقينا سعد بن مالك بها فقال : أمر رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم بسد الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي »
(49) .
وأخرجه أحمد كذلك بأسانيد مختلفة عن غير واحد من الصحابة
(50) .
____________
(47) صحيح الترمذي 2 / 301 .
(48) صحيح الترمذي 2 / 300 .
(49) مسند أحمد 1 / 175 .
(50) راجع المسند 1 / 175 ، 330 ، و 2 / 26.
(60)
وأخرج الحاكم بسنده عن زيد بن أرقم قال : « كانت لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم أبواب شارعة في المسجد . فقال يوما : سدوا هذه الأبواب إلا باب علي .
قال : فتكلم في ذلك الناس ، فقام رسول الله فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ، فإني أمرت بسد هذه الأبواب غير باب علي فقال فيه قائلكم ، والله ما سددت شيئا ولا فتحته ، ولكن أمرت بشيء فاتبعته .
هذا حديث صحيح الإسناد »
(51) .
وأخرج بسنده عن أبي هريرة قال : « قال عمر بن الخطاب : لقد أعطي علي ابن أبي طالب ثلاث خصال لئن تكون لي خصلة منها أحب إلي من أن أعطى حمر النعم . قيل : وما هن يا أمير المؤمنين ؟ قال : تزوجه فاطمة بنت رسول الله ، وسكناه المسجد مع رسول الله يحل له فيه ما يحل له ، والراية يوم خيبر .
هذا حديث صحيح الإسناد »
(52) .
وأخرج النسائي بسنده عن الحارث بن مالك قال : « أتيت مكة فلقيت سعد ابن أبي وقاص فقلت له : سمعت لعلي منقبة ؟ قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم في المسجد فروى فينا لسده ليخرج من في المسجد إلا آل رسول الله وآل علي . قال : فخرجنا ، فلما أصبح أتاه عمه فقال : يا رسول الله أخرجت أصحابك وأعمامك وأسكنت هذا الغلام ؟ ! فقال رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم : ما أنا أمرت بإخراجكم ولا بإسكان هذا الغلام . إن الله هو أمر به .
قال النسائي : قال فطر : عن عبد الله بن شريك ، عن عبد الله بن أرقم ، عن سعد : إن العباس أتى النبي فقال : سددت أبوابنا إلا باب علي ؟ ! فقال : ما أنا فتحتها ولا أنا سددتها »
(53) .
____________
(51) المستدرك عل الصحيحين 3 / 125 .
(52) المستدرك عل الصحيحين 3 / 125 .
(53) خصائص علي بن أبي طالب : 13 .
(61)
هذه بعض ألفاظ الحديث كما أخرجها الأئمة ، ولو أردنا استقصاء طرقه وألفاظه المختلفة عن الصحابة الذين رووه لطال بنا المقام ، وربما نقف على بعضها أيضا في خلال البحث ... وبالجملة فإن الخبر قد تعدى الرواية وبلغ حد الدراية ... ونحن إنما ذكرنا طرفا من ذلك تمهيدا لما أخرج في الصحيحين من حديث الخوخة ، وما ترتب على ذلك من نظرات وبحوث عند الشراح وكبار أئمة الحديث .
قلب الحديث :
لقد قلبوا حديث « سد الأبواب » عن « علي » إلى « أبي بكر » ووضعوا أيضا « حديث الخوخة » وأخرجه البخاري ومسلم في كتابيهما والترمذي وأحمد ... وغيرهم ممن تقدم وتأخر ...
والعمدة ما جاء في كتابي البخاري ومسلم ... فإذا درسناه وتوصلنا إلى واقع الحال فيه أغنانا عن النظر في غيره ... ولربما تعرضنا لغيره في خلال البحث .
الحديث المقلوب عند البخاري :
والبخاري أخرجه في أكثر من باب ...
ففي « باب الخوخة والممر في المسجد » قال : « حدثنا عبد الله بن محمد الجعفي ، قال : حدثنا وهب بن جرير ، قال : حدثنا أبي ، قال : سمعت يعلى بن حكيم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : خرج رسول الله صلي الله عليه ( وآله ) وسلم في مرضه الذي مات فيه عاصبا رأسه بخرقة فقعد على المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إنه ليس من الناس أحد أمن علي في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة ، ولو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن خلة الإسلام أفضل ، سدوا عني كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر » .
وفي « باب هجرة النبي وأصحابه إلى المدينة » قال : « حدثنا إسماعيل بن عبد الله ، قال : حدثني مالك ، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن عبيد ـ يعي ابن حنين ـ
(62)
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم جلس على المنبر فقال : إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده ، فبكى أبو بكر وقال : فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، فعجبنا له وقال الناس : أنظروا إلى هذا الشيخ ، يخبر رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده ، وهو يقول : فديناك بآبائنا وأمهاتنا . فكان رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم هو المخير وكان أبو بكر هو أعلمنا به .
وقال رسول صلى الله عليه ( وآله ) وسلم : إن من أمن الناس في في صحبته وماله أبا بكر ، ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر إلا خلة الإسلام ، لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر » .
الحديث المقلوب عند مسلم :
وأخرجه مسلم في باب فضائل الصحابة فقال :
« حدثني عبد الله بن جعفر بن يحيى بن خالد ، حدثنا معن ، حدثنا مالك ، عن أبي النضر ، عن عبيد بن حنين ، عن أبي سعيد : أن رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم جلس على المنبر فقال : عبد خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده ، فبكى أبو بكر وبكى فقال : فديناك بآبائنا وأمهاتنا .
قال : فكان رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا به .
وقال رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم : إن أمن الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر ، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أخوة الإسلام ، لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر .
حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا فليح بن سليمان ، عن سالم أبي النضر ، عن عبيد بن حنين وبسر بن سعيد ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : خطب رسول الله صلى
