صلةقبل

من ذخائر التراث

      المقام الأسنى
في تفسير الأسماء الحسنى

الشيخ فارس الحسون



بسم الله الرحمن الرحيم

     الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد وآله المعصومين ، واللعن على اعدائهم اجمعين .
     وبعد ، غير خفي على اولي الالباب : ان الدعاء هو الرابط الروحي بين العبد والمولى ، وانه من احب الاعمال الى الله ، لانه مخ العبادة وسلاح المؤمن ، ومفاتيح الجنان ، ومقاليد الفلاح وشفاء من كل داء وهو يرد ما قدر ومالم يقدر حتى لايكون .
     وتبلغ أهمية الدعاء درجة بحيث يامر الله سبحانه عباده بالدعاء ويضمن لهم الاجابة ويجعل الذين لا يدعونه من المستكبرين فيدخلون جهنم داخرين .
     ولكن اي دعاء هذا بحيث يتصف بهذه الصفات · واي دعاء هذا بحيث يامر المولى به ويضمن الاجابة عليه · نعم هو الدعاء الخارج من قلب مملوء حبا للمولى ، من قلب مجروح من قلب عاشق ، من قلب طاهر . . .
     هو الدعاء الذي تسبقه العبرة والدمعة الدالة على الاشتياق الى لقاء المحبوب . . .


( 128 )

     هو الدعاء الذي يرق قلب داعيه ويقشعر جلده . . .
     هو الدعاء في جنح الليل المظلم ، اذا نامت العيون وهدات الاصوات وسكنت القلوب . . .
     هو الدعاء الذى يسبقه الاقرار بالذنب . . .
     هو الدعاء الذي يكون داعيه كانه يرى نفسه واقفة بين يدي المولى . . .
     هو الدعاء الذي يسبقه الثناء على الله والمدح والتمجيد له ، والصلاة على النبي وآله ، فالدعاء محجوب حتى يصلى على محمد وآله ـ صلى الله عليه وآله . . . .
     فيثني الداعي على الله قبل الدعاء ويمدحه ويمجده بذكر اسمائه الحسنى التى نعت بها نفسه ، او نعته بها اولياؤه وخلفاؤه وحججه فاسماء الله سبحانه توقيفية والعبد لا يستطيع ان يتجرا على المولى ويسميه باسم ما او يصفه بصفة ما ، ولولا رخصة الله تعالى لعباده بالدعاء بل امره اياهم به ، لما استطاع احد من العباد ان يتجرا على المولى ويقف بين يديه ويعبده ، ويطلب منه حاجته . . . لكن وسعت رحمته كل شيء .
     وعلى كل حال فالثناء والمدح بذكر اسمائه الحسنى اذا كان خارجا من قلب عارف عالم بها واقف على معانيها افضل بكثير من غيره ، اذ المعرفة بها والوقوف على معانيها تهيى للعبد شرائط الدعاء وتجلب الدمعة وترق القلب .
     وهذه الرسالة التي نحن بصددها ، تتكفل ببيان هذا الامر وتوضيحه ، اقدمها الى القراء الكرام ، راجبا منهم أن لاينسوني من صالح الدعوات .

المؤلف :
     الشيخ تقي الدين ابراهيم بن علي بن الحسن بن محمد بن صالح بن اسماعيل ، الكفعمي مولدا ، اللويزي محتدا ، الجبعي أبا (1) .
____________
(1) فالكفعمي : نسبة الى (كفر عيما ) قرية من ناحية الشقيف في جبل عامل قرب جبشيت ، واقعة في سفح الجبل مشرقة على البحر ، واللويزي : نسبة الي اللويزة ، قرية في جبل عامل ، ويقال : اللويزاوي
( 129 )

     احد اعيان القرن التاسع الجامعين بين العلم والادب ، والكمال والعرفان والزهد والعبادة ، ويحكى في كثرة عبادته : أنه كان يقوم بجميع العبادات المذكورة في مصباحه ، وتقوم زوجته بما لا يتسع له وقته منها .

مشايخ اجازته الذين يروي عنهم :
     يروي الشيخ الكفعمي عن :
     والده الشيخ زين الدين علي بن الحسن ، وكان من أعاظم الفقهاء والورعين ، وقد ينقل عنه في كتابه الكبيرين ، معتبرا عنه : بالفقيه الاعظم الاورع .
     اخيه الشيخ شمس الدين محمد ، صاحب كتاب زبدة البيان في عمل شهر رمضان .
     السيد الشريف الفاضل حسين بن مساعد الحسيني الحائري صاحب كتاب تحفة الابرار في مناقب الائمة الاطهار .
     الشيخ زين الدين البياضي صاحب كتاب الصراط المستقيم .
     السيد الحسيب علي بن عبد الحسين الموسوي الحسيني صاحب كتاب رفع الملامة عن علي في ترك الامامة وكان بينهما مكاتبات ومراسلات بالنظم والنثر .

اقوال العلماء في حقه :
     المحدث الحر العاملي : كان ثقة فاضلا شاعرا عابدا زاهدا ورعا (امل الامل 1 | 28) .
     العلامة المجلسي : من مشاهير الفضلا والمحدثين والصلحاء المتورعين ( اعيان الشيعة 2|185 نقلا عن تكلمة الرجال لعبد النبي الكاظمي حيث ذكر انه نقله عن خط الشيخ المجلسي) .
____________
ايضا من باب زيادات النسب والجمعي نسبة الى جيع ، ويقال جماع بالمد . وهي قرية على راس جبل عامل ، ويقال ايضا : الجباعي من باب زيادات النسب .
( 130 )

     العلامة المجلسي : وكتب الكفعمي اغنانا اشتهارها وفضل مؤلفها عن التعرض لحالها وحالها (البحار 1|34)
     المولى عبد الله الافندي : العالم الفاضل الكامل الفقيه المعروف بالكفعمي ، من اجلة علماء الاصحاب . . . له يد طولى في انواع العلوم سيما العربية والادب ، جامع حافل كثير التتبع في الكتب (رياض العلماء 1|21) .
     العلامة الخوانساري : الشيخ العالم الباذل الورع الامين والثقة النقة الاديب الماهر المتقن (روضات الجنات 1|20)
     القمي : كان ثقة فاضلا اديبا شاعرا زاهدا عابدا ورعا (الكنى والالقاب 3|95) .
     العلامة المالقاني : من مشاهير الفضلاء والمحدثين والصلحاء والمتورعين ، وكان بين زماني الشهيدين رحمهما الله ووصفه في فهرست الوسائل بالورع ، وعدالته لا تكاد تحتاج الى بيان (تنقيح المقال : 1|27) .
     السيد الامين : وكان واسع اطلاع طويل الباع في الادب سريع البديهة في الشعر والنثر كما يظهر من مصنفاته خصوصا من شرح بديعته حسن الخط (اعيان الشيعة 2|185)
     السيد الصدر : هو العالم الكامل المعروف بالكفعمي ( تكلمة الامل : 76)
     العلامة الاميني : احد اعيان القرن التاسع الجامعين بين العلم والادب ، الناشرين لالوية الحديث والمستخرجين كنوز الفوائد والنواد ، وقد استفاد الناس بمؤلفاته الجمة واحاديثه المخرجة وفضله الكثير ، كل ذلك مشفوع منه بورع موصوف وتقوى في ذات الله الى ملكات فاضلة ونفسيات كريمة ، حلى جيد زمنه بقلائدها الذهبية وزين معصمه باسورتها وجلل هيكله بابرادها القشيبة وقيل ذلك كله نسبه الزاهي بانوار الولاية المنتهي الى التابعي العظيم الحارث بن عبد الله الاعور الهمداني ذلك العلوي المذهب العلي شانه الجلي برهانه الذي هو من فقهاء الشيعة . . . (الغدير 11|213) .


( 131 )

     المقري : وما رأيت مثله في سعة الحفظ (أعيان الشيعة 185|2 نقلا عن نفح الطيب 4|1397|.
     الزركلي : أديب من فضلاء الامامية . . . له نظم ونثر (الاعلام 1|53) . كحالة : مفسر محدث فقيه اديب وشاعر (معجم المؤلفين 1|165) .

مولده ووفاته :
     لم يذكر أحد ممن ترجم الشيخ الكفعمي من الاوائل تاريخ ولادته ووفاته ، على عادة اصحابنا في التهاون بتاريخ المولد والوفاة ومعرفة الطبقات بل مطلق التاريخ مع حافظة غيرهم على ذلك مع ما فيه من الفوائد .
     وما حدده بعض العلماء من تاريخ ولادته ووفاته استنادا الى بعض القرائن ، فهو الى الحدس اقرب منه الى الحس .
     بل ما ذكره السيد الامين في الاعيان 2|184 من انه : ولد سنة 840 كما استفيد من ارجوزة له في علم البديع ذكر فيها انه نظمها في سن الثلاثين وكان الفراغ من الاجوزة سنة 870 فهو بعيد عن الصواب جدا ، لان السيد الامين نفسه قال في الاعيان 2|185 : وجد بخطه اي الكفعمي كتاب دروس الشهيد قدس سره فرغ من كتابته سنة 850 وعليه قراءته وبعض الحواشي الدالة على فضله . وعد في ص 186 من تاليفه كتاب حياة الارواح وقال : فرغ من تاليفه سنة 843 .
     قال السيد حسن الصدر في تكلمة الامل ص 81 : وفرغ من نسخ كتاب الدروس للشهيد وهو عندى بخطه وعليه قراءته وبعض حواشيه ـ 850 ولا اظنه ينقص عن الثلاثين عند فراغه من الدروس فيكون يوم فراغه من المصباح في حدود 75 .
     وقال المولى الافندي في الرياض 1|22 : وله مجموعة كثيرة الفوائد مشتملة على مؤلفات عديدة رايتها بخطه في بلدة ايروان من بلاد آذربايجان وكان تاريخ اتمام


( 132 )

كتابة بعضها سنة 808 لخمس بقين من شهر رمضان وتاريخ بعضها سنة 849 ، وتاريخ بعضا 852 .
     وعلى قول السيد الامين يكون الشيخ الكفعمي عند فراغه من تاليف المصباح ابن 55 سنة ، مع انا نراه في قصيدته الرائية في مدح الامام امير المؤمنين عليه السلام المذكورة في المصباح : 710 يقول :
بـحقـك مولاي فاشفـع لمن      اتـاك بمـدح شـفاء الصـدور
هو الجبـعي المـسـئ الفقير      الى رحمـات الرحـيـم الغفور
خطـاياه تحكي رمال الـفلاة      ووزن اللكــام واحـد وثـور
وشيــخ كبـيــر له لمـة      كســاها التعـمر ثوب القـتير

     فجموع ما ذكرناه يعطينا خبرا ان المترجم له كان في سنة 843 مولفا صاحب ، راي ونظر يثني على تاليفه الاسانيدة الفطاحل وانه حينما الف المصباح سنة 894 كان شيخا هرما كبيرا .
     وما استظهره العلامة الطهراني من القرائن في الذريعة 3|73 و143 من انه ولد سنة 828 فلا يخلو من بعد .
     وذكر الحاج خليفة في كشف الظنون 2|1982 انه توفي سنة 905 وكذا ذكره العلامة الطهراني في الذريعة 7|115 و3 | 73 و143 تبعا لصاحب كشف الظنون وفي الاعيان 2|184 : وفي الطليعة انه توفي في سنة 900 .
     وعلى كل حال فالقدر المتيقن انه ولد اوائل القرن التاسع في قرية كفر عيما ، وكان عصره متصلا بزمن خروج الشاه اسماعيل الصفوي .
     واقام الشيخ الكفعمي مدة في كربلاء المقدسة ، وعمل لنفسه في كربلا ازجا لدفنه بارض الحسين
     عليه السلام تسمي عقيرا فانشد وهو وصية منه الى اهله واخوانه في ذلك :


( 133 )

سـألتـكـم بالله ان تدفـنوني      اذا مـت في قبر يارض عقـير
فاني بـه جـار الشهيد بكربلا      سليل رسول الله خـيبـر مجير
فاني به في حفرتي غير خائف      بلا مـرية مـن منكـر ونـكير
امنـت به في موقفي وقيامـتي      اذا الناس خافوا من لـظى وسعير
فاني رايت العرب يحمي نزيلها      ويمنعه من ان ينال بـــضـير
فكيف بسبط المصطفى ان يذود      من بحاثرة ثا ويغير بـــضـير

     ثم عاد الى جبل عامل وتوفي بها ، ووفاته اما في آخر القرن التاسع او اوائل القرن العاشر والله اعلم . ودفن في قرية جبشيت من قرى جيل عامل ، ثم خرجت القرية فنزح اهلها منها واصبحت محرثا فلما خرجت اختفى قبره بما تراكم عليه من التراب ولم يزل مستورا بالتراب الى ما بعد المائة الحادية عشر ولا يعرفه احد فظر عند حرث تلك الارض وعرف بما كتب عليه وهو : هذا قبر الشيخ ابراهيم بن علي الكفعمي رحمه الله .
     قال المولى الافندي في الرياض 1|22 : وحكي لي بعض افاضل الثقات من سادات جبل عامل متعنا الله بدوام عمره وافضاله عن بعض ثقات اهل تلك النواحي من عجيب ما اتفق فيه قريبا من هذه الاعصار : ان حراثا منهم كان يكرب الارض بثوره فاتفق ان اتصل راس جارته حين الكراب بصخرة عظيمة اقتلعها من الارض فاذا هو من تحتها بجثمان مكفون قد رفع راسه من التراب كالمتحير الفرق المستوحش ينظر مرة عن يمينه واخرى عن شماله ويسال الراعي من عظم الواقعة فلما افاق من غشيته وجعل يبحث عن حقيقة الامر راى مكتوبا على وجه تلك الصخرة صفة صاحب العنوان : هذا (قبر ) ابراهيم بن علي الكفعمي رحمه الله .
     وقال السيد حسن الصدر في تكملة الامل ص 76 : وحدثني بعض الاجلة الثقات ان قبره كان مخفيا وظفر به في المائة الحادية عشر ، وله حكاية غريبة


( 134 )

مشهورة ، وايضا قد روى هذه الحكاية سيدنا آية الله العلامة صدر الدين العاملي عن بعض الثقات من اهل البلاد .
     وقال السيد الامين في الاعيان 2|184 وبعض الناس يروي لظهوره حديثا لايصح وهو : ان رجلا كان رجلا كان يحرث فعلقت جارته بصخرة فانقلعت فظهر من تحتها الكفعمي بكفنه غضا طريا فرفع راسه من القبر كالمدهوش والتفت يمينا وشمالا وقال : هل قامت القيامة · ثم سقط فاغمي على الحارث فلما افاق اخبر اهل القرية فوجدوه قبر الكفعمي وعمروه ، وقد سرى تصديق هذه القصة الى بعض مشاهير علماء العراق والحقيقة ما ذكرناه ويمكن ان يكون الحارث الذي عثر على القبر زاد هذه الزيادة من نفسه فصدقوه عليها . انتهى .
     وحكمه هذا ـ اي : عدم صحة الواقعة وامكان ان يكون الحارث زاد هذه الزيادة من نفسه في غير محله ، اذ لا استبعاد من وقوع مثل هذه الواقعة بالاخص من الشيخ الكفعمي شيخ العارفين فهل يستبعد العقل ان يجعل الله هذه الكرامة للشيخ الكفعمي ليبين فضله للناس · وما حاجة الحارث الى اختلاف هذه القصة .

آثاره :
     قال المولى الافندي في الرياض 1|21 : ثم له عفى الله عنه يد طول في انواع العلوم سيما العربية والادب ، جامع حافل ، كثير التتبع في الكتب وكان عنده كتب كثيرة جدا ، واكثرها من الكتب الغربية اللطيفة المعتبرة وسماعي انه قدس سره ورد المشهد الغروي واقام به وطالع في كتب خزانة الخصرة الغروية ، ومن تلك الكتب الف كتبه الكثيرة في انواع العلوم المشتملة على غرائب الاخبا ، وبذلك صرح في بعض مجاميعه التي رايتها بخطه . انتهى .

فمن مؤلفاته القيمة :
     (1) البلد الامين والدرع الحصين ، كتاب كبير ، اكبر من المصباح ، الفه


( 135 )

قبله ، ينقل منه العلامة المجلسي في البحار ، وضمنه مضافا إلى الادعية والعوذ والاحراز والزيارات والسنن والاداب وغيرها أدعية الصحيفة السجادية ، وألحق به عدة رسائل منها : محاسبة النفس ، والمقام الاسنى .
     (2) تاريخ وفيات العلماء .
     (3) تعليقات على كشف الغمة .
     (4) التخليص في مسائل العويص ، والمسائل العويص للشيخ المفيد .
     (5) الجنة الواقية والجنة الباقية ، المعروف بمصباح الكفعمي لسبقه بمصباح المتهجد وعلى منواله نسج الكفعمي ، وهو كبير كثير الفوائد ، وعليه حواش لطيفة للمصنف يشرح بها ما أجمله من البين ، وضمنه عدة رسائل منها المقام الاسنى ، فرغ منه سنة 595 هـ .
     (6) الجنة الواقية ، وهو مختصر للمصباح لطيف ، وتردد الشيخ المجلسي في نسبة الكتاب للكفعمي ، فقال في البحار 1|17 : وكتاب الجنة الواقية لبعض المتأخرين ، وربما ينسب إلى الكفعمي ، وكذا تأمل المولى الافندي في الرياض 1|23 في نسبة الكتاب للكفعمي .
     (7) حجلة العروس .
     (8) حديقة أنوار الجنان الفاخرة وحدقة أنوار الجنان الناظر .
     (9) الحديقة الناضرة .
     (10) حياة الارواح ومشكاة المصباح ، مجموع لطيف لايمل أحد من دوام مطالعته ، فهو بالحقيقة حياة الارواح ، مشتمل على 78 بابا في اللطائف والاخبار والاثار والاداب والمواعظ والاوامر والنواهي ، فرغ من تأليفه سنة 843 وقيل 854 .
     (11) الرسالة الواضحة في شرح سورة الفاتحة .
     (12) زهر الربيع في شواهد البديع .
     (13) صفوة ـ صفو ـ الصفات في شرح دعاء السمات ، ذكر فيه سنه هذا

قبل