02-1.htmlindex.html
تشـييد المراجَعـات
وتفنيد المكابَـرات
(2)(*)
حديث الإقتداء
السـيّد عليّ الحسيني الميلاني




بسم الله الرحمن الرحيم

     الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين ، من الاولين والاخرين .
     وبعد ، فلا يخفى أن السنة النبوية هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الاسلامي عند المسلمين ـ وإن وقع الخلاف بينهم في طريقها ـ فمنها ـ بعد القرآن الكريم ـ تستخرج الاحكام الالهية ، واصول العقائد الدينية ، والمعارف الفذة والاخلاق الكريمة ، بل فيها بيان ما أجمله الكتاب ، وتفسير ما أبهمه ، وتقييد ما أطلقه ، وإيضاح ما أغلقه .
     فنحن مأمورون باتباع السنة والعمل بما ثبت منها ، ومحتاجون إليها في جميع الشؤون ومناحي الحياة ، الفردية والاجتماعية الا أن الايدي الاثيمة تلاعبت بالسنة الشريفة حسب أهوائها وأهدافها . . . وهذا أمر ثابت يعترف به الكل . . . ولهذا وذاك انبرى علماء الحديث لتمييز الصحيح من السقيم ، والحق من
____________
(*) سبق أن نشر السيد الكاتب الحلقه الاولى من هذه السلسلة وموضوعها حديث « أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم « في كتاب مستقل . وصدر عن مجمع الذخائر الاسلامية ـ قم 1396 هـ .
( 8 )

الباطل . . فكانت كتب (الصحاح ) وكتب (الموضوعات) .
     ولكن الحقيقة هي تسرب الاغراض والدوافع الباعثة إلى الاختلاق والتحريف إلى المعايير التي اتخذوها للتمييز والتمحيص . فلم تخل ( الصحاح) من الموضوعات والاباطيل ، ولم تخل (الموضوعات) من الصحاح والحقائق . وهذا ما دعا آخرين إلى وضع كتب تكلموا فيها على ما اخرج في الصحاح وأخرى تعقبوا فيها ما أدرج في الموضوعات . . . وقد تعرضنا لهذا في بعض بحوثنا المنشورة .
     وحديث : « اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر « أخرجه غير واحد من أصحاب الصحاح وقال بصحته غيرهم تبعا لهم ومن ثم استندوا إليه في البحوث العلمية .
     ففي كتب العقائد . . . في مبحث الامامة . . . جعلوه من أقوى الحجج على إمامة أبي بكر وعمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . . . وفي الفقه . استدلوا به لترجيح فتوى الشيخين في المسألة إذا خالفهما غيرهما من الاصحاب
     وفي الاصول . . . في مبحث الاجماع . . . يحتجون به لحجية اتفاقهما وعدم جواز مخالفتهما فيما اتفقا عليه . . . فهل هو حديث صحيح حقا ؟
     لقد تناولنا هذا الحديث بالنقد ، فتتبعنا أسانيده في كتب القوم ، ودققنا النظر فيها على ضوء كلمات أساطينهم ، ثم عثرنا على تصريحات لجماعة من كبار أئمتهم في شأنه ، ثم كانت لنا تأملات في معناه . ومتنه . . .
     فإلى أهل الفضل والتحقيق هذه . الصفحات اليسيرة المتضمنة تحقيق هذا الحديث في ثلاثة فصول . . . والله اسأل أن يهدينا إلى صراطه المستقيم ، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم . . . إنه خير مسؤول .
علي الحسيني الميلاني


( 9 )

(1)
نظرات في أسانيد
حديث الاقتداء

     إن حديث الاقتداء من الاحاديث المشهورة في فضل الشيخين ، فقد رووه عن عدة من الصحابة وبأسانيد كثيرة . لكن لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما مطلقا ، ولم يخرج في شيء من الصحاح عن غير حذيفة وعبد الله بن مسعود ، وقد ذهب غير واحد من أعلام القوم إلى عدم قبول ما لم يخرجه الشيخان من المناقب ، وكثيرون منهم إلى عدم صحة ما أعرض عنه أرباب الصحاح .
     وعلى ما ذكر يسقط حديث الاقتداء مطلقا أو ما كان من حديث غير ابن مسعود وحذيفة .
     لكنا ننظر في أسانيد هذا الحديث عن جميع من روي عنه من الصحابة ، إلا أنا نهتم في الاكثر بما كان من حديث حذيفة وابن مسعود ، ونكتفي في البحث عن حديث الاخرين بقدر الضرورة فنقول :
     لقد رووا هذا الحديث عن :
     1 ـ حذيفة بن اليمان .
     2 ـ عبد الله بن مسعود .
     3 ـ أبي الدرداء .
     4 ـ أنس بن مالك .
     5 ـ عبد الله بن عمر .
     6 ـ جدة عبد الله بن أبي الهذيل .
     ونحن نذكر الاسناد إلى كل واحد منهم ، وننظر في رجاله :

*    *    *

( 10 )

حديث حذيفة


     رواه أحمد بن حنبل ، قال :
     « حدثنا سفيان بن عيينة ، عن زائدة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن ربعي بن حراش ، عن حذيفة : أن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، قال : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر » (1)
     وقال أيضا :
     « حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن عبد الملك بن عمير . عن مولى لربعي بن حراش ، عن ربعي بن حراش ، عن حذيفة : كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فقال : إني لست أدري ما قدر بقائي فيكم ، فاقتدوا باللذين من بعدي ـ وأشار إلى أبي بكر وعمر ـ قال : وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه » (2) .
     ورواه الترمذي حيث قال :
     « حدثنا الحسن بن الصباح البزاز أخبرنا سفيان بن عيينة ، عن زائدة ، عن عبد الملك بن عمير عن ربعي ، عن حذيفة ، قال : قال رسول الله صلى عليه [ وآله ] وسلم : اقتدوا باللذين من بعدي ابي بكر وعمر .
     وفي الباب عن ابن مسعود .
     هذا حديث حسن ».
     قال : « روى سفيان الثوري هذا الحديث عن عبد الملك بن عمير عن مولى لربعي ، عن ربعي ، عن حذيفة ، عن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ».
     قال : « حدثنا أحمد بن منيع وغير واحد ، قالوا : أخبرنا سفيان بن عيينة ، عن عبد الملك بن عمير ، نحوه ».
____________
(1) مسند أحمد 5 : 382 .
(2) مسند أحمد 5 : 385 .

( 11 )

     « وكان سفيان بن عيينة يدلس في هذا الحديث فربما ذكر . عن زائدة عن عبد الملك بن عمير ، وربما لم يذكر فيه عن زائدة ».
     « وروى هذا الحديث إبراهيم بن سعد ، عن سفيان الثوري ، عن عبد الملك بن عمير ، عن هلال مولى ربعي ، عن ربعي ، عن حذيفة ، عن النبي صلى الله [ وآله ] وسلم » (3) .
     وقال :
     « حدثنا محمود بن غيلان ، أخبرنا وكيع ، أخبرنا سفيان ، عن عبد الملك بن عمير ، عن مولى لربعي ، عن ربعي بن حراش ، عن حذيفة ، قال : كنا جلوسا . . . » (4) .
     ورواه ابن ماجة بسنده :
     « عن عبد الملك بن عمير . عن مولى لربعي بن حراش ، عن ربعي بن حراش . عن حذيفة بن اليمان . قال : قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم » (5) .
     ورواه الحاكم بإسناده :
     « عن عبد الملك بن عمير ، عن ربعي بن حراش ، عن حذيفة بن اليمان ، قال :
     سمعت رسول الله صلى عليه [ وآله ] وسلم يقول : إقتدوا باللذين من بعدي : أبي بكر وعمر ، واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن ام عبد ».
     وعنه ، عن ربعي ، عن حذيفة ، قال :
     « قال رسول الله صلى الله عليه [ واله ] وسلم : اقتدوا باللذين من بعدي ابي بكر وعمر ، واهتدوا بهدي عمار وإذا حدثكم ابن ام عبد فصدقوه ».
     وعنه :
____________
(3) صحيح الترمذي ـ مناقب أبي بكر وعمر .
(4) صحيح الترمذي ـ مناقب عمار بن ياسر .
(5) سنن ابن ماجة ـ مناقب أبي بكر .

( 12 )

     « عن هلال مولى ربعي ، عن ربعي بن حراش ، عن حذيفة . أن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قال : إقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر .
     بإسناده :
     « عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش ، عن حذيفة بن اليمان : أن رسول الله عليه [ وآله ] وسلم قال : إقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار ، وتمسكوا بعهد ابن ام عبد ».
     ثم قال الحاكم : « هذا حديث من أجل ما روي في فضائل الشيخين ، وقد أقام هذا الاسناد عن الثوري ومسعر : يحيى الحماني ، وأقامه أيضا عن مسعر : وكيع وحفص ابن عمر الايلي (6) ثم قصر بروايته عن ابن عيينة : الحميدي وغيره ، وأقام الاسناد عن ابن عيينة . إسحاق بن عيسى بن الطباع .
     فثبت بما ذكرنا صحة هذا الحديث وإن لم يخرجاه لما (7) .

نقد السند
     1 ـ هذه . أشهر طرق هذا الحديث عن حذيفة بن اليمان ، ويرى القارئ ، الكريم إنها جميعا تنتهي إلى :
     ـ « عبد الملك بن عمير « وهو رجل مدلس . ضعيف جدا ، كثير الغلط ، مضطرب الحديث جدا :
     قال أحمد : « مضطرب الحديث جدا مع قلة روايته ما أرى له خسمائة حديث .
____________
(6) لقد اقتصرنا في النقد على الكلام حول « عبد الملك بن عمير " الذي عليه مدار هذا الحديث الذي بذل الحاكم جهدا في تصحيحه فكان أكثر حرصا من الشيخين على رواية ما وصفه ب « أجل ما روي في فضائل الشيخين « وإلا فإن « حفص بن عمر الايلي « هذا مثلا إدرجه العقيلي في الضعفاء وروى عنه حديث الاقتداء ثم قال : « إحاديثه كلها إما منكر المتن ، أو منكر الاسناد وهو إلى الضعف أقرب " الضعفاء 2|797 .
     « ويحيى الحماني « قال الحافظ الهيثمي بعد أن روى الحديث عن الترمذي والطبراني في الاوسط : وفيه يحيى ابن عبد الحميد الحماني وهو ضعيف « مجمع الزوائد 9|295 .
(7 ) المستدرك 3|75 .

( 13 )

وقد غلط في كثير منها » (8)
     وقال : إسحاق بن منصور « ضعفه أحمد جدا » (9) .
     وقال أحمد أيضا : « ضعيف يغلط » (10) .
     أقول : فمن العجيب جدا رواية أحمد في مسنده . حديث الاقتداء وغيره . عن هذا الرجل الذي يصفه بالضعف والغلط ، قد جعل المسند حجة بينه وبين الله ! !
     وقال ابن معين : « مخلط » (11) .
     وقال أبوحاتم : « ليس بحافظ ، تغير حفظه » (12) .
     وقال أيضا : « لم يوصف بالحفظ » (13) .
     وقال ابن خراش : كان شعبة لا يرضاه . » (14) .
     وقال الذهبي : « وأما ابن الجوزي فذكره . فحكى الجرح وما ذكر التوثيق » (15)
     وقال السمعاني : « كان مدلسا » (16) .
     وكذا قال ابن حجر العسقلاني (17) .
     وعبد الملك ـ هذا ـ هو الذي ذبح عبد الله بن يقطر أو قيس بن مسهر الصيداوي وهو رسول الحسين عليه السلام إلى أهل الكوفة ، فإنه لما رمي بأمر ابن زياد من فوق القصر وبقي به رمق أتاه . عبد الملك بن عمير فذبحه ، فلما عيب ذلك عليه قال : إنما
____________
(8) تهذيب التهذيب 6 | 411 وغيره
(9) تهذيب التهذيب 2|412 . ميزان الاعتدال 2|660 .
(10) ميزان الاعتدال 6|660 .
(11) ميزان الاعتدال 6|660 المغني 7|407 ، تهذيب التهذيب 2|412
(12) ميزان الاعتدال 2|660 .
(13) تهذيب التهذيب 6|412 .
(14) ميزان الاعتدال 2|660 .
(15) ميزان الاعتدال 2 |660 .
(16) الانساب 10|50 في « القبطي ».
(17) تقريب التهذيب 1 | 521 .

( 14 )

     أردت أن اريحه » (18) !
     2 ـ ثم إن (عبد الملك بن عمير) لم يسمع هذا الحديث من (ربعي بن حراش) و(ربعي) لم يسمع من (حذيفة بن اليمان) . . . ذكر ذلك المناوي حيث قال : « قال ابن حجر : اختلف فيه على عبد الملك ، وأعله أبوحاتم ، وقال البزاز كابن حزم : لا يصح لان عبد الملك لم يسمعه من ربعي . وربعي لم يسمع من حذيفة . لكن له شاهد » (19) .
     قلت : الشاهد إن كان حديث ابن مسعود كما هو صريح الحاكم والمناوي فستعرف ما فيه .
     وإن كان حديث حذيفة بسند آخر عن ربعي فهو ما رواه . الترمذي بقوله :
     « حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الاموي ، نا وكيع ، عن سالم بن العلاء المرادي ، عن عمرو بن هرم ، عن ربعي بن حراش ، عن حذيفة ، قال : كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فقال : إني لا أدري ما بقائي فيكم ، فاقتدوا بالذين من بعدي ، وأشار إلى أبي بكر وعمر » (20) .
     ورواه ابن حزم بقوله :
     « وأخذناه أيضا عن بعض أصحابنا ، عن القاضي ابو الوليد بن الفرضي ، عن ابن الدخيل ، عن العقيلي ، ثنا محمد بن إسماعيل ، ثنا محمد بن فضيل ، ثنا وكيع ، ثنا سالم المرادي ، عن عمرو بن هرم . عن ربعي بن حراش وأبي عبد الله ـ رجل من أصحاب حذيفة ـ ، عن حذيفة » (21) .

وفي سند هذا الحديث :
     1 ـ « سالم بن العلاء المرادي « وعليه مداره :
____________
(18) تلخيص الشافي 3|35 . روضة الواعظين : 177 . مقتل الحسين : 185 .
(19) فيض القدير 2|56 .
(20) حصيح الترمذي ـ مناقب أبي بكر وعمر .
(21) الاحكام في أصول الاحكام 2|242 .

( 15 )

     قال ابن حزم بعد أن روى الحديث كما تقدم : « سالم ضعيف " .
     وفي : « ميزان الاعتدال »: « ضعفه ابن معين والنسائي » (22) .
     وفي « الكاشف » : « ضعف » (23) .
     وفي « تهذيب التهذيب » : « قال الدوري عن ابن معين : ضعيف الحديث » (24) .
     وفي « لسان الميزان » : « ذكره العقيلي . . . وضعفه ابن الجارود » (25) .
     2 ـ « عمرو بن هرم » وقد ضعفه القطان (26) .
     3 ـ « وكيع بن الجراح » وهو مقدوح (27) .
     ثم إن في سند الحديث عن حذيفة في أكثر طرقه « مول ربعي بن حراش » وهو مجهول كما نص عليه ابن حزم .
     وقد سمي هذا المولى في بعض الطرق ب « هلال » وهو أيضا مجهول ، قال ابن حزم :
     « وقد سمى بعضهم المولى فقال . هلال مولى ربعي ، وهو مجهول لا يعرف من هو أصلا » (28) .

حديث ابن مسعود

     رواه الترمذى حيث قال :

     « حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن سلمة بن كهيل ، عن أبي الزعراء ، عن ابن مسعود ، قال : قال رسول
____________
(22) ميزان الاعتدال 2|112 .
(23) الكاشف 1|344 .
(24) تهذيب التهذيب 3|440 .
(25) لسان الميزان 3|7 .
(26) ميزان الاعتدال 3|291 .
(27) ميزان الاعتدال 4|312 .
(28) الاحكام في أصول الاحكام 2|234 .

قبل