مقولة « جسم لا كالاجسام »
بين
موقف هشام بن الحكم ومواقف سائر أهل الكلام
السيد محمد رضا الحسيني
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام التامين على سيد الانبياء والمرسلين ،
محمد الصادق الامين ، الصادع بالوحي المبين ، وعلى خلفائه الائمة المعصومين ، الامناء
على الدنيا والدين .
وبعد :
فقد تعرض للحق ـ المتمثل في الاسلام ، منذ نشأته ، والناس حديثو عهد
باصوله ـ أعداء ألداء تحينوا كل فرصة للكيد له ، والنيل منه .
لكنهم أخفقوا ، ولم ينالوا مناهم ، فلم يصمدوا لصلابته ، فباءوا بالفشل ،
وأنهزموا خاسرين .
ولما أعيتهم أساليب القمع والفتك ، لجأوا إلى الاتهام ، وكيل الافك . وتزوير
الباطل ، وتحريف الحقيقة ، بهدف تشويه وجه الحق ، وتعكير صفائه ، وإطفاء نوره ،
وبهائه .
لكن لم تنطل أكاذيبهم على أهل الحق وطالبيه ، ولم تحجب شبهاتهم ساطع
ضوئه ، وصادق برهانه ، فخابوا ، وانقلبوا خاسئين .
ولما يئس الاعداء الحاقدون من المساس باصول الدين واسس عقائده ،
( 8 )
عمدوا إلى أعمدته وقواعده ، وهم رجاله ومناصروه ، فخاضوا فيهم قتلا وإبادة ، حتى
استنفدوا أساليب الغيلة والغدر فاعجزتهم عن إخضاع اولئك الاساطين ، فلجأوا إلى
اسلوب بث الدعاية ، وكيل التهم ، لتشويه سمعة أبطال الاسلام وصناديده ،
وهدفهم أن يجعلوا الاسلام غريبا لا ناصر له .
فملاوا الدنيا بما لاكته ألسنة السوء من الباطل ، وما لفظته أبواق الزور من
البهتان الزائل .
وقد فشلوا أمام وعد الله ببقاء جذوة الحق وقادة ، حيث قال : ( يريدون أن
يطفئوا نورالله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) [ سورة
التوبة (9) الآية (32) ] وقال : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) [ سورة
الحجر (15) الآية (9) ] .
ولما يئسوا من أن يصيبوا الحق وأعلامه بسوء ، انكفأوا على الباطل ، وانضووا
إلى المنافقين بتكديس المدائح المفتعلة لهم ، ووضع الفضائل واختلاقها فيهم ، وترويج
باطلهم ، وتحسين قبائحهم ، والستر على فضائحهم ، والتطبيل لهم ، والتزمير للغطهم ،
سعيا في ضرب الحق ، وإخفاء شعاعه ، وإظهار الباطل ، ودجله ، وخداعه .
أخرج ابن الجوزي ، عن طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال . سألت
أبي : ما تقول في علي ومعاوية ؟
فأطرق ، تم قال إعلم أن عليا كان كثير الاعداء ، ففتش أعداؤه له عيبا فلم
يجدوا ، فعمدوا إلى رجل حاربه فأطروه ، كيدا منهم لعلي .
فأشار بذلك إلى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل مما لا أصل له (1) .
وقال ابن قتيبة : أهملوا من ذكره [ يعني الامام عليا عليه السلام ] أو روى
حديثا من فضائله ، حتى تحامى كثير من المحدثين أن يتحدثوا بها ، وعنوا بجمع فضائل
____________
(1) ذكرابن حجر في فتح الباري 7|83 . وذكره الهيتمي في الصواعق المحرقة : 76 قال . أخرج السلفي في
« الطيوريات » .
( 9 )
عمرو بن العاص ومعاوية ، كأنهم لا يريدونهما بذلك وإنما يريدونه (2) .
وابتلي الحق ـ ثانية ، وهو متمثل في التشيع باولئك الاعداء ، مقنعين باسم
السلف والسنة ، حيت تصذوا له بالمنابذة والمعارضة ، فواجهتهم أدلته القاطعة وحججه
الصارمه الناصعة .
ولما تعرضوا لائمة الحق من آل محمد ، خلفاء الرسول من عترته الطاهرة ،
أعجزتهم قوة اولئك السادة العلماء بالحق ، وصلابة اولئك الاوتاد العرفاء بالله ،
وإخلاصهم في التفاني من أجله ، بما لم يثنهم عن ذلك ، حتى الاغتيال والقتل الذريع ،
والسجن والهتك الفظيع ، بل ظلوا صامدين ، مصرين على قول الحق وفعل الصدق ،
رغم كل أساليب العدوان وأقاويل البهتان التي استعملها الاعداء ضدهم .
ولقد اضطر أعداء الحق للخضوع أمام عظمتهم ، والاعتراف لم بكل
كرامة :
يقول ابن حجر الهيتمي ـ وهو يتحدث عن ( حديت الثقلين ) المحتوي على
قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن وأهل البيت ـ : « لا تقدموهما فتهلكوا ،
ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم » (3) .
قال : في قوله صلى الله عليه وآله وسلم دليل على أن من تأهل منهم للمراتب
العلية والوظائف الدينية كان مقدما على غيره (4) .
ويقول الذهبي ـ في ترجمة الامام الثاني عشر محمد بن الحسن عليه السلام ـ :
محمد ، هذا ، هو الذي يزعمون أنه « الخلف الحجة » وأنه « صاحب الزمان » وأنه حي
لا يموت حتى يخرج ، فيملا الارض عدلا وقسطا ، كما ملئت ظلما وجورا .
[ قال الذهبي : ] فوددنا ذلك ـ والله ـ !
____________
(2) الاختلاف في اللفظ : 48 .
(3) انظر : مصادر حديث الثقلين ، بألفاظه المختلفة في مقال « أهل البيت في المكتبة العربية » المنشور في مجلة (تراثنا)
العدد (15) السنة الرابعة ، 1409|ص 84 .
(4) الصواعق المحرقة لابن حجر : 136 .
( 10 )
فمولانا علي من الخلفاء الراشدين ! . . . نحبه أشذ الحب !
وابناه الحسن والحسين ، فسبطا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وسيدا
شباب أهل الجنة ، لو استخلفا لكانا أهلا لذلك ! ؟
وزين العابدين كبير القدر ، من سادة العلماء العاملين ، يصلح للامامة !
وكذلك ابنه أبو جعفر الباقر سيد ، إمام ، فقيه ، يصلح للخلافة !
وكذا ولده جعفر الصادق كبير الشأن ، من أئمة العلم ، كان أولى بالامر من
أبي جعفر المنصور .
وكان ولده موسى كبير القدر ، جيد العلم أولى بالخلافة من هارون . . . (5).
ولئن اضطرهم الامر للاعتراف ـ هكذا ـ بالحق . والحق مر على أذواق غير
أهله ، فبدلا من أن يبحثو عن الطرق التي توصلهم إلى هؤلاء الائمة السادة القادة ،
قرناء الكتاب ، وامناء الشرع ، فبدلا من ذلك انثالوا على كل ما يمت إليهم بصلة ،
فانهمكوا بإنكاره وتكذيبه ، وعلى أصحابهم وأوليائهم فتعقبوهم بالمطاردة والتنكيل
والتهديد ، وعلى رواة حديثهم فرموهم بالقدح والتجريح .
فلم يبخلوا ـ لا در درهم ـ بتهمة أن يلصقوها بكبار شيعة أهل البيت ،
اولئك الذين وضعوا ثقتهم عند هؤلاء الائمة عليهم السلام ، وانصاعوا للحق المتمثل
في آرائهم .
ونظرة عجلى ، في الميزان للذهبي واللسان لابن حجر ، تكشف أبعادا من
التجاوز الذي جاء على أتباع أئمة أهل البيت عليهم السلام ، في هذه المجالات !
ولقد استهدفوا من ذلك نفس الهدف الذي كان لاعداء الحق المتمثل في
الاسلام ـ أولا ـ وبنفس الاساليب التي انتهجها اولئك ، يحاولون إخلاء ساحة الحق
من أنصاره الصادقين ، وتشويه ناصع الحق بإلصاق كل تهمة ، وتلطيخ سمعة أهله بأية
صورة ، ظلما ، وعدوانا ، وزورا ، وبهتانا .
____________
(5) سير أعلام النبلاء 13|119 ـ 121 ، وانظر : كلمه حول الرؤيه ـ شرف الدين ـ : 42 .
( 11 )
فهذا « هاشم بن الحكم » الذي التزم بهدي أهل البيت عليهم السلام وهو
« شاب » (6) « أول ما اختطت لحيته » (7) و« غلام ، أول ما اختط عارضاه » (8) ،
فتمسك بالحق الذي هم عليه ، واستضاء بنور علومهم ، وكان من أنصار الاسلام ، وحمل
مشعل الحق في ذلك العصر المظلم ، المدلهم ، الموبوء بالتيارات الالحادية ، والآراء
المستجدة على ساحة الفكر والعقيدة ، فكان ـ لما يتمتع به من نبوغ فائق ، وعقلية
مقتدرة ـ نبراسا منيرا ، يتهافت حواليه شغب المشككين في الاسلام القويم ، وتندحر
به شبه المنحرفين عن صراط أهل البيت عليهم السلام المستقيم .
ولعظمة هشام ، وسمؤ مقامه في الحق ، وعمق أتره في دحر الباطل ، وقف أعداء
أهل البيت منه موقفا عدائيا صارخا ، وسعوا لتشويه سمعته ، وإبعاده عن الساحة ،
وإفقاد جبهة الحق لمثل هذا العنصر النصير ، لما له من دور في الذب عن حياضه ، ورد
كيد المبطلين إلى نحورهم ، لما يتمتع به من قوة على المناظرة وتفنيد شبهات المنحرفين ،
والاعتراض على باطلهم بما يعجزون عن مقاومته ، ويوقفهم على صراح الحق بحيث
يكلون عن تجاوزه وتخطيه .
ولقد أفرطوا في كيل التهم ، بأشكال مختلفة ، وفي مجالات عديدة ، لهذا الرجل العظيم.
وركزوا ـ بالخصوص ـ على اتهامه في « التوحيد » باعتقاد التجسيم للبارئ
تعالى شأنه ، فصوروا منه « رأسا » في هذا المعتقد الباطل ، ونسبوا إليه خرافات تأباها
عقول المبتدئين في العلم ، فضلا عن مثل هشام الذي « كان حاذقا في صناعة الكلام »
و« فتق الكلام في الامامة ، وهذب المذهب بالنظر » (9) و« له غور في الاصول »
____________
(6) الاحتباج عل اهل اللباج : 367 وانطر : اختيار معرفة الرجال : 271 .
(7) الاحتجاج على أهل اللجاج : 365 .
(8) الفصول المختارة : 28 ، وانطر : معالم العلماء ـ لابن شهرآشوب ـ : 128 .
(9) الفهرست ـ للنديم ـ : 223 .
( 12 )
و« لا يغفل عن إلزاماته » (10) .
مع ما يظهر على تلك التهم من التناقض الواضح ، والتهافت المفضوح !
ومحور ما نقلوه عنه في هذه التهمة أنه كان يقول : إن البارئ تعالى شأنه
« جسم لا كالاجسام » .
ومع أن هذه المقولة لا تدل على ما يرومون إلصاقه بهشام من الاعتقاد
بالتجسيم ، فإن أكثرهم اعتمد ما قاله الخصوم في نقلهم عن هشام ، واستند إلى تلك
التهم في ترويج الدعايات المضللة ضد هذا العالم العظيم .
والعجب أن نجد في المتطاولين على هشام كثيرا من المنتسبين إلى السلف
والمنتمين إلى السنة ، ممن يذهب إلى إثبات الاعضاء للبارئ جل شأنه ، بعنوان أن
الاعضاء « صفات خبرية » له تعالى ، مع التزامهم بإمكان رؤيته ، ومع ذلك يلهثون ،
ليخدشوا كرامة هشام بهذه التهمة !
ولا يقنع الاعداء باتهام هشام ، حتى اختلقوا مذهبا وهميا باسم « الهشامية »
نسبوه إليه ، وذكروا فيه كل خرافة ، وكفر ، وتناقض ، وباطل !
والاغرب أن تعويلهم في جميع ما تناقلوه ، على ما ذكره خصوم هشام فيه ،
وكل واحد منهم يقصع بجرة سابقه ، حتى تكاثروا ، وألهاهم التكاثر عن رؤية الحق
ودرك الحقيقة (11) .
ورأيت بعض الكتاب من المعاصرين قد استسلم لتلك الشائعات ، منصاعا
لما استهدفته تلك التهم من الاغراض الفاسدة ، فنقل ما لفقه اولئك السابقون من
الاكاذيب ، وعنون لفرقة باسم « الهشامية » في فرق الشيعة .
____________
(10) الملل والنحل ـ للشهرستانى|185 .
(11) إقرأ عن هذا التكاثر ، ما كتبه ألاستاذ القدير المحامى توفيق الفكيكي رحمه الله في مقال « مع الدكتور كمال . . . »
في مجله « الايمان » النجفيه ، العدد 5 ـ 6 ، السنه الاولى ، ص 8 ـ 399 .
وفي العزم أن نكتب عما جناه مؤلفو كتب المقالات والفرق في شأن هشام ، وتفنيد مزاعمهم المفتراة عليه ، وفقنا
الله لانجازه ، إنه هو الموفق للخير والمعين عليه .
( 13 )
غافلا عن أن مصادرنا ـ على الاطلاق ـ خالية عن ذكر فرقة بهذا الاسم !
والخصوم والاعداء ـ على رغم تكاثرهم ـ لم يعتمدوا فيما نسبوه إلى هشام من آراء
وعقائد ، وأفكار ، وأدلة ، وشواهد ، وحجج ، على مصدر شيعي أبدا ، ولو على واحد !
ولقد حز في نفسي كل هذا الحيف ! فصممت على كتابة هذا البحث ، لعلي
اسهم به في إسفار الحقيقة عن وجهها ، أو أنفض عنه غبار الزمان ، وعجاج العدوان .
والله المستعان .
وكتب السيد محمد رضا الحسيني
الجلالي
في 20|جمادى الثانية|1410 هـ