بعدقبل


الفصل السادس :
في الصبر والشجاعة
معنى
قلت :
يجب على أرباب العزمات مقابلة حوادث الدهر ، بصبر يقل معه مضضها (91) ، ويصغر عنده ألمها .
تـنـكـر لـي دهـــري ولــم يـدر أنـنــي
أعـز وأحـــداث الـزمــان تـهـــون
وبـات يـريـنــي الخـطـب كـيـف اعـتداؤه
وبـت أريــه الـصـبـر كـيـف يـكـون
معنى

قلت :
الصبر على حوادث الدهر شيمة نبلاء الرجال ، وخلائق الاماثل .
إذ في إظهار الكآبة التي لا تجدي كسر الصديق وجبر العدو .
مع خلو ذلك من ثمرة يرغب العقل في تحصيلها بالشكوى ، وإحرازها بالقلق .
ولو لم يكن للشاكي عدو يبتهج بأذاه ، أو صديق يتضرر بضرره ،
____________
(91) المضض : الوجع والالم .
( 189 )

لكان إلغاء الجزع أيضا مذهبا صحيحا وطريقا واضحا .
ولـسـت كـمـن أخـنـى (92) علـيـه زمـانـه
فـظـل عـلـى أحـــداثــه يـتـعـتــب
تـلـذ لـه الـشـكـوى وإن لـــم يـجـد بـهـا
صـلاحـا كـمـا يـلـتـذ بـالـحـك أجـرب
معنى

أقول :
إن من مارس حوادث الدهر ، وعالج خطوب الايام ، ألف فنون فوادحها (93) ، وهان عليه ورود جوائحها (94)
وإن ظن مغموما قد يكون مبتهجا بما منح من مزال (95) كتائب المكاره ، وأستحلاء شري (96) متجددات النوازل .
تـعـــودت مـس الـضـر حـتـى ألـفـتـه
وأسـلـمـني حـسـن الـعـزاء إلى الـصـبـر
ووطــن نـفـسـي لـلاذى الانــس بـالأذى
وكـنـت به حـيـنـا يـضـيـق بـه صـدري
____________
(92) أخنى عليه الدهر : أهلكه .
(93) الفوادح : جمع فادحة ، وهي الامر الباهض .
(94) الجوائح جمع جائحة ، وهي الشدة .
(95) لعلها من أزلت إليه ، أي أعطيت له .
(96) الشري : الحنظل ، واحدته شرية .

( 190 )
إذا أنــا لـم أقـبـل مـن الـدهــر كـل مـا
تـكـرهـت مـنـه طـال عـتـبـي عـلى الـدهر
وصـيـرنــي يـأسـي مـن الـناس راجـيـا
لـكـثـرة عـفـو الله مــن حـيث لا أدري (97)
____________
(97) في هامش المخطوط : « أنشد هذه حاضر مولى يحيى بن عبد الله بن حسن ، ولها قصة » .
قلت : والقصة ، كما في مقاتل الطالبيين 425 ـ 427 ، هي :
. . . حدثنا محمد بن أبي العتاهية قال : حدثني أبي :
لما امتنعت من قول الشعر وتركته أمر المهدي بحبسي في سجن الجرائم ، فأخرجت من بين يديه إلى الحبس ، فلما أدخلته دهشت وذهل عقلي ، ورأيت منظرا هالني ، فرميت بطرفي أطلب موضعا آوي إليه أو رجلا آنس بمجالسته ، فإذا أنا بكهل حسن السمت ، نظيف الثوب ، يبين عليه سيماء الخير ، فقصدته فجلست إليه من غير أن أسلم عليه أو أسأله عن شيء من أمره ، لما انا فيه من الجزع والحيرة ، فمكثت كذلك مليا وأنا مطرق مفكر في حالي ، فأنشد هذا الرجل هذين البيتين . فقال :
تـعـودت مس الضـرحتى ألفـتـه * وأسلـمني حسـن العزاء إلى الـصبـر
وصيـرني يأسـي من النـاس واثقا * بحسـن صنـيع الله من حيـث لا أدري
فاستحسنت البيتين وتبركت بهما وثاب إلي عقلي ، فأقبلت على الرجل فقلت له : تفضل ـ أعزك الله ـ بإعادة هذين البيتين .
فقال لي : ويحك يا إسماعيل ـ ولم يكنني ـ ما أسوأ أدبك ، وأقل عقلك ومروءتك ، دخلت إلي ولم تسلم على بتسليم المسلم على المسلم ، ولا توجعت لي توجع المبتلى للمبتلى ، ولا سألتني مسألة الوارد على المقيم ، حتى إذا سمعت مني بيتين من الشعر الذي لم يجعل الله فيك خيرا ولا أدبا ، ولا جعل لك معاشا غيره ، لم تتذكر ما سلف منك فتتلافاه ، ولا اعتذرت مما قدمته وفرطت فيه من الحق حتى استنشدتني مبتديا ، كأن بيننا أنسا قديما ، ومعرفة شافية ، وصحبة تبسط المنقبض !
فقلت له ؛ اعذرني متفضلا ، فإن دون ما أنا فيه يدهش .

==


( 191 )

معنى

قلت عند قصة تروى من طريق البخاري عن ابن عمر أنه وجد
____________
==
قال : وفي أي شيء أنت ، إنما تركت قول الشعر الذي كان جاهك عندهم وسبيلك إليهم ، فحبسوك حتى تقوله ، وأنت لابد من أن تقوله فتطلق ، وأنا يدعى بي الساعة فأطالب بإحضار عيسى بن زيد ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فإن دللت عليه فقتل لقيت الله بدمه ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله) خصمي فيه ، وإلا قتلت ، فأن أولى بالحيرة منك ، وأنت ترى احتسابي وصبري .
فقلت : يكفيك الله ، وأطرقت خجلا منه .
فقال لي : لا أجمع عليك التوبيخ والمنع ، اسمع البيتين : أحفظهما . فأعادهما علي مرارا حتى حفظتهما . ثم دعي به وبي ، فلما قمنا قلت : من أنت أعزك الله ?
قال : أنا حاضر صاحب عيسى بن زيد .
فأدخلنا على المهدي ، فلما وقف بين يديه قال له : أين عيسى بن زيد ?
قال : ما يدريني أين عيسى ، طلبته وأخفته فهرب منك في البلاد ، وأخذتني فحبستني ، فمن أين أقف على موضع هارب منك وأنا محبوس ؟ !
فقال له : فأين كان متواريا ؟ ومتى آخر عهدك به ؟ وعند من لقيته ؟
فقال : ما لقيته منذ توارى ، ولا أعرف له خبرا .
قال : والله لتدلني عليه ، أولاضربن عنقك الساعة . قال : اصنع ما بدالك ، أنا أدلك على ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لتقتله ، فألقى الله ورسوله وهما يطالباني بدمه ! والله لوكان بين ثوبي وجلدي ما كشفت عنه .
قال : اضربوا عنقه . فقدم فضرب عنقه .
ثم دعاني فقال : أتقول الشعر أوألحقك به .
فقلت : بل أقول الشعر .
فقال : أطلقوه .

( 192 )

جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) في القتلى ، وفي جسده بضع وتسعون طعنة ورمية ، ليس منها في دبره شيء (98) :
إن علة ذلك كونه (عليه السلام) واجه جهة الكفار ، واشتاق إلى دار القرار .
فـأثـبـت فـي مـسـتـنـقـع الـمـوت رجله
وقـال لـهـا : مـن تـحـت أخـمصـك الحـشـر
تـردى ثـيـاب الـمـوت حـمـرا فـمـا أتـى
لـهـا الـلـيـل إلا وهـي مـن سـنـدس خـضـر
معنى

قلت في سياق كلام بسيط متعلق بمدح شجاعة مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه وإقدامه ، وحسن نهضاته في حراسته الاسلام وقيامه :
فمبارزوه تحت بطون الكواكب مصرعون ، ومنابذوه لبواتره ضارعون .
يحطم منهم أجسادا ، ويوسعهم في المعارك جلادا ، ويصطلمهم في فيالقهم إصدارا وإيرادا .
____________
(98) البخاري 5 : 182 باب غزوة مؤتة ح 1 .

( 193 )

فكأنهم بغاث (99) لاقت صقراً قرماً (100) كاسرا ، أو غنم واجهت ليثا خادرا .
أو رماد أشتدت به ريح عادية (101) ، وسموم (102) نارية .
لم تقصد غمراته الشريفة جيشا لملما (103) إلا حطمته ، أو مجرا (104) عَرَمْرَماً (105) إلا اجتاحته .
تـخـالـه اسـدا يـحــمــي الـعـــرين إذا
يـوم الـهـيـاج بـأبطـال الـوغـا زحـفـا
يـظـلـه الـنـصـر والرعـب الـذان هــمـا
كـانـا لـه عـادة إن ســـار أو وقـــفــا
شــواهـد فـرضـت فـي النـاس طـاعـتـه
بـرغـم كـل حـسـود مـال وانـحـرفــا
فمواقفه الهاشمية أظهر من البرهان ، ومجاهداته لاتحتاج إلى بيان .
فهو بدر الكتائب وبنوه كواكبها ، وصدر الجحافل وأقربوه مناكبها ، وقطب رحا الهيجاء وأغصانه جوانبها .
____________
(99) البغاث : صنف من الطير لا يصيد .
(100) القرم : شدة شهوة أكل اللحم .
(101) الريح العادية : يعني الريح التي أهلكت قوم عاد .
(102) السموم : الريح الحارة .
(103) اللملم : الجيش الكثير المجتمع .
(104) المجر : الجيش الكثير لثقله وضخمه .
(105 ) العرمرم : الجيش الكثير .

( 194 )
قـوم سـمـاؤهـم الـسـيـوف وأرضـهـم
أعـداؤهـم ودم الـسـيــوف بـحــورهـــا
يـسـتـمـطـرون مـن الـعـجـاج سحائبا
صـوب الـحـتوف عـلـى الـزحـوف مطورها
وحـنـادس الـفـتـن الـتـي إن أظـلمـت
فــشـمـوسـهـا آراؤهـــم ويـــدورهــا
مـلـكـوا الجـنان بـفـضـلهم فـريـاضها
طُـرَّاً لـهـــم وخـيـامـهـا وقـصــورهـا
وإذا الـذنـوب تـضـاعـفـت فـبـحـبهم
يـعـطـي الامـان أخـا الـذنـوب غـفـورهـا
تـلك الـنـجـوم الـزهر فـي أبـراجـهـا
ومــن الــسـنـيـن بـهـم تـتـم بـدورهـا
معنى

قلت في بعض ما ألفته ذاكرا قصة فتح مكة حرسها الله تعالى ، وأن الحارث بن هشام في جماعة لجئوا إلى أم هانئ بنت أبي طالب ، فقصد علي (عليه السلام) دارها وقال : أخرجوا من آويتم ، فجعلوا يذرقون كما تذرق الحبارى (106) خوفا منه .
____________
(106) الحبارى : طائر يستوي مفرده ومثناه وجمعه ، ومؤنثه ومذكره ، في هذا اللفظ ، ومن المعروف عن الحبارى أنها اذا انحط عليها الصقر ليصيدها أستلقت على ظهرها ورمته بذرقها ،

==


( 195 )

قلت : ومن كانت السباع نقده (107) حاد القرن عنه ، فهو كما وصفه العارف به :
يـقـــرن أرواح الـكـمــــاة بـالــردى
لـذاك حــاصـــت(108) دونـــه أقـرانـه
تـبـكـي الـطلى(109) إن ضحكـت أسـيـافـه
وتــرتــوي إن عــطـشــت سـنـانـــه
تـرى سـبــاع الـبـيــد تـقـفــو إثــره
لانــهـا يـوم الـوغـا ضــيـفـانـــــه
معنى

قلت في كلام بسيط عند شيء من ذكر مولانا الحسين عليه الصلاة والسلام في شجاعته ، وما أقر لسان البسالة به من عظيم نجدته : فوجد في رأسه المقدس ثلاث وثلاثون جراحة ، وفي ثوبه مائة وبضعة عشر خرقا من رشق السهام .
وهو يأبى قبول الاستسلام ، شبيها بحال متشوق إلى الحمام .
____________
==
وذرقها حار يحرق ريشه . ولهذا قيل في الحبارى : « سلاحها سلاحها » .
(107) النقد : جنس من الغنم ، يضرب بها المثل فيقال : « أذل من النقد » .
(108) حاصت : مالت وحادت عنه .
(109) الطلى : الا عناق .

( 196 )
مـشـهـر مـعـلـم (110) و الحـرب كـاشـفة
عـنـهـا الـقـنـاع وبـحـر الـمـوت يـطـرد
لا قـائـلا كـم أسـاقــي الـمـوت شـاربــة
في كـأسـه والمـنايـا شـرع (111) ورود (112)
* * *

____________
(110) المعلم : هو الفارس اذي يجعل لنفسه علامة في الحرب ليعرف .
(111) شرع : رافعة رؤوسها ظاهرة .
(112) ورد : جمع واردة ، ولم أجد هذا الجمع فيما بين يدي من معاجم اللغة .

( 197 )

الفصل السابع
في فنون شتى

قلت في كتابي المسمى بالاداب الحكمية :
من الحيف أن يملك ذوو الشهوة نفوسهم مآربها كيف كانت .
ثم يزاحمون على المراتب السامية أعداء الشهوات ، المصارمين للذات .
يـحـسـدنـي قـومــي عـلـى صـنـعـتـي
لانــنــي فــي صــنــعـتــي فــارس
ســهــرت فـي لـيـلـي واسـتـنـعـسـوا
هـل يـسـتــوي الــســـاهـر والـناعـس
معنى

قلت :
جماعة لاحيلة فيهم :
الحاسد .
ورجل يقيس مقاصدك الشريفة بمقاصده الذميمة غالطا في العلة .
ورجل يبغضك لا لعلة يعرفها يبني عليها ، أولعلة يبني عليها لست منها في شيء ، أو كنت منها في شيء معذورا ، كمن يؤذيك مصرا فيبني على أنك تبغضه مقاصا فيبغضك .
ورجل خسيس المقاصد ، عارف أن مقاصدك تنافيه ، فيقاصك


( 198 )

بالبغضة ظلما ، لتوهمه بغضك له عدلا .
ورجل يغار من محاسنك فيرميك بقدوحه الحالة فيه إيثاراً لناسبتك له .
بـــلاء لــيـــس يــشــبــهه بـلاء
عــداوة غــيـر ذي حـسـب وديــــن
يـبـيـحـك مـنـه عـــرضــا لـم يصنه
ويـرتـع مـنـك فــي عـرض مـصـون
وقال الشريف الرضي رضي الله عنه :
ذنـبـي إلى الـبـهـم (113) الكوادن (114) أنـنـي الـ
مطرف (115) المطهم (116) والاغر الاقرح (117)
يـولـونـــنـي خـزر (118) الـعـيـون لانـنـي
غـلـسـت فـي طـلـب الـعـلـى وتـصبحوا
____________
(113) البهم : جمع « الابهم » وهو الخالي الذي ليس معه شيء من المكارم ، ويصح أن تقرأ « البهم » وتعني الحيوانات .
(114) الكوادن : جمع « الكودن » وهو البرذون ، ويشبه به البليد .
(115) الطرف : المهر الكريم .
(116) المطهم : التام الخلق والخلق .
(117) الاقرح : الذي في وجهه بياض أقل من الغرة .
(118) الخزر : النظر بحدة .

( 199 )
وجـذبـت بالـطـوال (119) الـذى لم يـجذبوا
ومـتـحـت بـالـغـرب (120) الـذي لم يمتحوا
لـولـم تـكـن لـي فـي الـقـلـوب مـهابـة
لـم يـطـعـن الاعــداء فـي ويـقــدحــوا
نـظــروا بـعـيـن عـداوة ولــو أنــهـا
عـيـن الـرضـى لاسـتـحـسـنـوا ما استقبحوا
معنى

قلت : في كلام جم مجيبا فيه من فخر على بني هاشم ففجر : وبعد :
فليس الفخر بالغلبة والانتصار بل الفخر بمعاني الرجال في أنفسهم وشرفهم في ذوات أقدارهم .
فالشريف شريف وإن تعدته الاعراض (121) والرذل رذل وإن أصاب بسهام الاغراض عيون الاغراض (122) .
والاسد لا يخرجه عن جوهره صول الاقدار عليه ، والوزغة (123) لايلحقها بالشرف مواتاة الاقدار لها .
____________
(119) الطول : الحبل .
(120) الغرب : الدلو العظيمة .
(121) الاعراض : الاموال .
(122) الاغراض : جمع غرض ، وهو ما ينصبه المتسابقون في رمي السهام هدفا لهم .
(123) الوزغة : حشرة من فصيلة أبي بريص .

( 200 )

وإذا كان الامر كذا فإن فخر بني هاشم بجواهر النفوس وميمون الخصائص ، لا يوهي ركنه تسلط ، ولا يمحقه قهر .
وإن نازع أعداؤهم بواسطة مشاركتهم في النسب ، ومجاذبتهم إياهم فخار أولية ، فقد بينا القدح في ذلك .
ونسلم الدعوى . ولكن . . . ليس أمية كهاشم ، ولا حرب كعبد المطلب ، ولا أبو سفيان كأبي طالب ، ولا المهاجر كالطليق ، ولا المحق كالمبطل .
( وما يستوي الاعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الاحياء ولا الاموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور إن أنت إلا نذير ) (124) (وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج) (125) .
أبــوهـما واحـــد والــفـرع بـيـنـهـمـا
مـنه الخـشاش (126) ومـنـه الـمـثـمـر الـيـنع (127)
معنى

قلت : من جرد سيف الهمم بأيمن الطلاب (128) ، ومن رضي
____________
(124) سورة فاطر ، الاية 19 ـ 23 .
(125) سورة فاطر ، الاية 12 .
(126) الخشاش : الرديء
(127) الينع : الثمر الناضج الذي بلغ غاية الكمال من النضج واللطافة .
(128) الطلاب : الطلب .

( 201 )

بالعجز دفع عن سامي المقاصد بحجاب .
دون الـمـعـالـي مـرتـقـــى شـامـــخ
فـطـــر إلـى ذروتـــــه أوقـــــع
مــن لــم يـخـض غـمـرتــه لم يـشـد
قـواعــد الـمـجــد ولـــم يـرفــــع
غيره :
ومـايـسـبــح الانـسـان في لـج غـمـرة
مـن الـعـز إلا بـعــد خـوض الـشـدائـد
معنى

قلت :
شرف الرجل بثمراته النفسانية ، أتم من شرفه بثمراته الشهوانية .
يـقـولـون : ذكـر الـمـرء يـحـيـى بـنـسـله
ولـيــس لـه ذكـر إذا لــم يـكـن نـســــل
فـقـلـت لـهــم : ذكـــري بـدائع حـكـمـتي
فـإن لـم يـكـن نـسـل فـإنـا بـهـا نـسـلـو
معنى

قلت :
إذا كشفت المحاسن قناع أسرارها ، وظهرت البدور التمام بساطع


( 202 )

أنوارها .
غارت نجوم المنافسين المقصرين ونطقوا بلسان عانين (129) .
حـسـدوا الـفـتى اذ لـم يـنـالــوا فـضـلـه
فـالــنــاس أعــداء لـه وخـصــــوم
كـضـرائـر الحـسـنـاء قـلـن لـوجـهـهـا
حـســـدا وبـغـيــا إنـه لـذمـــيــم
معنى

قلت :
إذا حاز الاول قصبات السبق في المعاني الحكمية ، والالفاظ الادبية .
فلمن خلفه أن ينشد عاجزا عن إبداء المعنى الغريب ، واللفظ البديع العجيب :
ولا ذنــب لـلافـكــار أنــت تــركـتـهــا
إذا احـتشـدت لـم يـنـتـفع باحـتـشــارها
سـبـقــت بـأفــراد الـمـعــانــي وألـفـت
خــواطـرك الالـفـاظ بـعـد شــرادهــا
فــإن نـحــن حـاولـنـا اخـتـراع بـديـعــة
حـصـلـنـا عـلى مـسروقـهـا ومـعادهـا

____________
(129) عانين : جمع عان ، وهو الخاضع الذليل .
( 203 )

قلت :
من عجنت بماء العروبية (130) طينته ، ونطقت بالدرر النفيسة لهجته .
كان ممدوح من قال :
ولـفـظ كـأيـام الـربـيـع تـبـسـمـت
ثـغـور الـربـى فـيـه إلـى أوجـه الـورد
وخـط كـمـوشـي الـريـاض تـحـوكـه
يد المزن في عفراء (131) ذات ثرى جعد (132)
مـطـــرزة بـالاقــحـوان كـأنـمـا
شـقـائـقـهـا خـد أضــيــف إلـى خـد
كـأن ابـن إسـمـاعـيـل أنـبط مـشربا
مـن الـفـكـر مـحمي الـشـريعـة والـورد
يـساقـط فـي الـقـرطـاس زهـر لالـئ
لـو انـتـظـمت كـانـت فـرائـد لـلـعـقد
أو ممدوح الامير أبي فراس العربي في مثل هذا المراد ، إذ يقول :
وروضـة مـن ريـاض الــفـكـر دبـجـهـا
صـوب الـقـرائـح لا صـوب مـن الـمـطـر
____________
(130) العروبية : خلوص العربية .
(131) العفراء : الارض التي لونها أبيض ليس بالشديد البياض .
(132) الجعد : اللين .

( 204 )
كـأنـمـا نـشـرت يـمـنـاك بـيـنـهـمـا
بـردا مـن الـوشـي أو ثـوبـا مـن الـحـبــر
أو ممدوح من وصفه بنسمات السحر تحمل أرج الزهر ، إذ قال :
يـامـورد الاسـمـاع وهـي حـوائـم (133)
مـن لـفـظـه الـمـعـسـول أعـذب مـشـرب
ومن جنسه قول البحتري :
أمـا مـســامــعـنـا الـظّـمـاءُ فـإنـهـا
تـروى بـمــاء كــلامــك الـرقـــراق
وإذا الـنـوائـب أظـلـمــــت أحـداثـهـا
لـبـسـت بـوجـهـك أحــســن إلاشـراق
ولقد أحسن ابن الرومي في أبيات تتعلق بالفصاد ، (134) وهي :
يـافـاصــد الـعـرق الـمـبـارك فـصـده
قـسـمـا لـقـد صـفـيـت غـيـر مـكـدر
عـرق فــراه شـبـا الحـديدة (135) عـن دم
كـعـصـارة الـمـسـك الـذكـي الاذفـــر
لـو كـان مـاء لـلـوجــوه لاشـرقـــت
ورأت لـهـا الابـصـار أحـسـن مـنـظــر
____________
(133) الحوائم : جمع الحائمة ، وهي العطشى .
(134) الفصاد : جمع الفاصد ، وهو الذي يقطع عرقا من عروق الانسان علاجا من داء .
(135) شبا الحديدة : حد طرفها .

( 205 )
إني أظـن قـرارة (136) حـظـيـت (137) به
ستـكـون أخـرى الـدهـر مـعـدن عـنبــر
أتــلــف بــه داء وأخــلــف صـحـة
وألـبـس جـديـد الـعـيـش لـبـس مـعـمر
ولقد أحسن العطوي في المرثية إذا يقول
لـيـس صـريـر الـنـعـش مـا يـسـمـعونـه
ولكـنهـا أصـلاب قـــوم تـقـصـف (138)
ولـيـس نـسـيـم الـمـسـك ريـا (139) حنوطه
ولــكـنـه ذاك الـثــنــاء الـمـخـلـف
قلت :
من ضرب في المجد بقدح (140) غالب ، ورشق أغراض الفخر بسهم صائب .
تـلـقـاه وهــو مـع الاحــسان مــعـتـذر
وقــد يـســيء مــســيء وهـو مـنـان

____________
(136) القرارة : منخفض من الارض مستدير الشكل يجتمع فيه ماء المطر ، والقرارة : ما بقي في القدر ، فلعل الشاعر جوز معنى إحدى هاتين الكلمتين . أو أنها تعني القارورة .
(137) في المخطوط : « خطت » .
( 138) القصف : الكسر .
(139) الريا : الريح الطيبة .
(140) القدح : سهم الميسر .

( 206 )
إذا بــدا وجــه ذنـــب فـهــو فـي سـنــة
وإن بـدا وجـــه خـطــب فـهـو يـقـظــان
يـقـظـان مـن ورع وسـنـان مــن درع (141)
يـاحـبــذا سـيـدا يـقـــظــان وسـنــان
يـصـحـيـه ذهــن ويـأبــى صـحـوه كـرم
مـسـتــحـكـم فـهــو صـاح وهـو سكـران
إذا تـيـمـمــك الـعـافـى (142) فـكـوكـبـه
سعد (143) ومـرعاه فـي واديـك سـعـدان (144)
أحـيـا بـك الله هــذا الـخـلــق كــلَّـهُــم
فــأنــت روح وهــذا الـخـلــق جـثـمـان
الابيات لابن الرومي .
ولقد أحسن في قوله :
كــل الـخــلال الـتــي فـيـكـم مـجانـسـة
تـشـابـهـت مـنـكــم الاخــلاق والـخـلــق
____________
(141) كذا في المخطوط .
(142) العافي : السائل .
(143) سعود النجوم عشرة ، وهي : سعد بلع ، وسعد الاخبية ، وسعد الذابح ، وسعد السعود ، وسعد ناشرة ، وسعد الملك ، وسعد البهام ، وسعد الهمام وسعد البارع ، وسعد مطر . وهي كواكب يتيمن بها .
(144) السعدان : نبت من أفضل مراعي الابل ، ومنه المثل « مرعى ولا كالسعدان » .

( 207 )
فـإنـكـم شـجـر الاتـرج طــاب مـعــا
حـمـلا ونـورا (145) وطـاب الـعـود والـورق
وله :
يـسـتـــعــبـد الاحــرار إلا أنــــه
يـسـتــعــبــد الاحــرار بالاعــتــاق
والـرق فـي الاعـتـاق حـكــم لـلـعـلـى
حـكـمــت بــه والاســر فـي الاعـتــاق
وأحسن أبو تمام ـ رحمة الله تعالى ـ في قوله :
يـامـهـجة الـقـلـب يـاقـلب الـسـماحة يا
روح الـمـعـالـى وعـيـن الـظــرف والادب
ولقد أحسن البحتري في قوله :
ويـدعـي الـفـضـل أقـوام فـيـفـضـلهم
مـوحـد بـغــريـب الـذكــر مـنـفـــرد
تـوحـد الـقـمـر الـسـاري بـشــهرتـه
وأنـجــم الـلــيـل بـد حـوله بــدد (146)
واحسن ابن الرومي في قوله :
وما نـفـحات الـروض تـثـني عـلى الحـيا
بـأطـيـب مــن ذكـر لـكـم فـي الـمـحافل
____________
(145) النور : الزهر .
(146) بد ، وبدد : متفرقة .

( 208 )

قلت :
من أضاءت في مطالع الكرم أبداره ، وسطعت في آفاق الجود أنواره .
كان أهلا أن يخاطب ببيتي البحتري :
أبـا حـســن أنــشـأت فـي أفــق الـنـدى
لـنــا كـرمـا آمـالــنـا فـي ظــلالــــه
مـضـى مـنك وسمي (147) فـجد بوليه (148)
وعـودت مـن نـعـمــاك فـضــلا فـوالــه
أقول :
إن كل قول موقوف على اقترانه بالافعال ، ومصاحبته لميمون الخلال (149) .
فإن قصرا عنه فهو كسحاب أظل وماطل (150) .
وإن بلغاه فهو كمزنة هطل سماؤها ، وانفجر ماؤها .
وفي مثله يقول الموسوي :
الـقـول يـعــرض كالهـلال فـإن مـشــى
فــيـه الـفـعـال فـذاك بــدر تــمــام
____________
(147) الوسمي : مطر الربيع الاول ، لأنه يسم الارض بالنبات .
(148) الولي : المطر بعد الوسمي ، سمي وليا لانه يلي الوسمي .
(149) الخلال : الصفات والاخلاق .
(150) طل : مطر .

( 209 )

قلت :
اذ مرد الناس ، فان سامحتهم فسد دينك ، وإن شاقصتهم (151) فسدت دنياك .
فمباعدتك لهم ربما كانت مظنة صلاح الحالين .
وهو ربح تام يرغب فيه أرباب البصائر .

الـنـاس بــحـر عــمــيـق * * والـبـعـد مـنـهـم سـفـيـنـه
وقـد نـصـحـتـك فـانـظــر * * لـنـفـسـك الـمــسـكــيـنه

معنى
يتعلق بذم التوغل في معاداة الناس
قلت :
أحد الاقسام المحذورة في معاداة الناس ، أنه تطريق لتمزيق مالا قيمة له من العمر بالمصارمة ، أو تعرض لما يذهب به معنى الحياة باحتمال المكاره .
تـكـثـر مـن الاخـوان ما استـطعـت إنـهـم
عـمـاد إذا اسـتـنـجـدتـهــم وظــهـيـر
فــمــا بـكــثـير ألـف خـل وصاحــب
وإن عــــدوا واحــــــدا لــكـثـيـر
____________
(151) شاقصتهم : شاركتهم .