بعدقبل

الفصل الثالث

في المناجاة

قلت :
إلهي ، إذا قبض بناني عن الابتهال سوء عملي بسطه عفوك ، وإذا قطع لساني عن السؤال قبح زللي وصله غفرك (33) .
وإن ضاق عني باب مسالك النجاح ، اتسع لي سبيل سيبك (34) المتاح (35) .
وإن ادلهم أفق أفراحي ، تَبَّلَجَ من مطلع جودك قمر صلاحي .
وإن اظلمت بين يدي وجوه المطالب ، أضاءت لي من رفقك بي أنوار الرغائب .
فكم إحسان منك قابله جهلي بالكفران ، وذنب صدر عني قابله حلمك بالغفران .
ومن هموم تقلصت عني بها برود الصبر عليها ، فكان عطفك القاصد بالتفريح إليها .
إلهي ، كم ظمئت بمفازات القنوط فرويت من سماء نعمائك ، وكم
____________
(33) الغفر : الغفران .
(34) السيب : العطاء .
(35) المتاح : الطويل .

( 163 )

شرقت بدموع حسراتي فكفكفتها (36) بمنن آلائك .
إلهي ، إذا سريت في فلوات المدح لجلالك اتسعت في عين بصيرتي جهاتها ، وإذا سربت (37) بفجاج التنزه في كمالك انبسطت في مخايل فكري عرصاتها .
فيا من حاط (38) جلاله بسرادق عجزت العقول عن معرفة كيفيته ، وحرس مجده القديم عن تصور كنه ماهيته .
ارحم من قصرت الالباب عن وصف ضعف قدرته ، وعجزت الاذهان عن شرح وهن جملته (39) .
قد ألقى مهجته في يد الاستسلام ، وأعترف بلزوم الحجة في الغضب والاصطلام .
إن استعان جرارحه في الاعتذار عن جرائمه أكذبته ، وإن أشار إليها في تحقيق عظائمه صدقته .
فيا من عم الخلائق فيض أفضاله ، أول الصفح مخذول أبعاضه وأوصا له .
إلهي ، ارحم من انقطع رجاؤه إلا منك ، وعمي نظر أمله إلا عنك .
لا يجد نسيم بهجة إلا أن يحركه عطف رضوانك ، ولا روح سرور (40)
____________
(36) كفكف الدمع : مسحه .
(37) السارب : الذاهب على وجهه يسير في الارض .
(38) حاط الشيء : حماه ورعاه .
(39) الجملة : جماعة الشيء .
(40) الروح : النسيم .

( 164 )

إلا أن يرجو ، عن حرم صفحك بأمأنك .
إلهي ، لو نطقت بلسان كل مخلوق ضارعا ، لم أتذرع بذريعة أستوجب بها رحمتك .
ولو بكيت بعين كل مفجوع جازعا ، لم أتوسل بوسيلة أستحق بها مسامحتك .
ولو سلبت آماقي لذة الرقاد عمري رغبة إليك ، ما أديت حق محبتك .
ولو أجريت دم أجفاني في التوجه إليك ، ما نهضت بواجب مخالصتك (41) .
إلهي ، إذا خطربقلبي معنى الانس بك ، هام عقلي في التشوق إليك .
وإذا حضر بلبي حلاوة عطفك علي ، ألقيت روحي بين يديك .
إلهي ، كيف يلذ للجفون في ليالي الخلوات الاجتماع ، ومحبتك تأبى إلا تفريقها .
وكيف يفرح بكنوز الدنيا عارف ، عارف أن إرادتك تكره إلا تمزيقها .
إلهي ، إذا صرفتني عن بابك ، فبمن أسترفد ؟ !
وإذا ضللت في مهامه تعويلي عليك ، فبمن أسترشد ؟ !
وإذا حجبتني عن موائد كرمك ، فبمن أستطعم ؟ !
وإذا قطعت حبل أمانك لي ، فبمن أستعصم ? !
____________
(41) المخالصة : المحبّة والمصافاة .
( 165 )

وإذا قابلتني مقاصا ، فأين موضع تجاوزك عني ? !
وإذا لم تقلني العثرة ، فمن يقبل المعذرة مني ? !
وإذا طردتني عن مناهل (42) غوثك ، فمن يرويني ? !
وإذا نزعت ثوب رعايتك عني ، فمن يراعيني ? !
إلهي ، هربث إليك ، وحقيق بالهرب إليك عبد عصاك .
وعولت عليك ، وخليق بالتعويل عليك من لا يجد إلا إياك .
وحق جلالك ما عصيتك إقداما مني عليك ، فتحيق بي أخطار المقدمين .
ولا خالفتك متجرئا ، فتحيط بي مجازاة المتجرئين .
ولكن عصيتك إمامقرا بالتقصير .
أو خائفا مما أقدم عليه من الخطر الكبير .
أوراجيا صفحا يمحو خطيئتي .
أو آملا حلما يعفو (43) أثر زلتي .
أو غافلا عما يجب من حق السيد على العبيد .
أوساهيا عن فضائح يوم الوعيد .
وعلى جميع الاحوال فلا عذر لي ينصرني فأشير إليه ، أو حجاجا يسعدني فأعتمد عليه .
إلهي ، قد يحرص المملوك على خدمة مولاه ، فتعرض الشهوة في
____________
(42) المنهل : المورد .
(43) يعفو : يمحو .

( 166 )

طريقه .
وينتحب كئيبا ، فيصده الهوى عن توفيقه .
يا من خضعت له الرقاب العاتية ، ووجلت لهبته القلوب القاسية .
وتضعضع لجلاله ركن الجبارين ، وتتعتع (44) لملكوته سلطان المتكبرين .
فأصبحوا بعد الاحتشاد أفرادا ، وأمسوا في عرصات قبورهم آحادا .
تسحب عليهم الرياح أذيال أعاصيرها ، وتفرشهم الغِيَرُ (45) خشن حصيرها (46) .
تعطلت منهم منازل الاجتماع ، وكان غاية ملكهم إلى انقطاع .
وتفردت ـ إلهي ـ بملكك الذي لا يزول ، وشرفك الذي لا يحول (47) .
يا من نطق ببهاء مجده لسان الملكوت ، وأقر بسناء فخره نطق الجبروت .
يا من سكن في قلوب أوليائه فأعرضوا عما سواه ، وحل في خواطر أصفيائه فلم يختاروا إلا إياه .
____________
(44) تتعتع : اضطرب .
(45) الغير : تغير الحال وانتقالها من الصلاح الى الفساد .
(46) الحصير : البساط .
(47) يحول : يتغير .

( 167 )

فظلوا في روضات الانس به مرحين (48) ، وفي أوقات المحاورة له فرحين .
وعزتك وجلالك ، لو سحبتني على شوك القتاد أبد الاباد ، ما اتهمت عدلك .
ولو حرمتني من بين عبيدك جودك ، ما استغششت فضلك .
إلهي ، أنا عبدك وضيفك ، غذوتني بنعمتك صغيرا ويافعا وكبيرا .
وجبرت مني بعد الوهن عظما واهيا كسيرا .
وأسبغت علي من فضلك كثيرا .
وللضيف وإن أساء ذمام (49) على مضيفه ومؤويه ، ومن حل بربعه وناديه .
إلهي ، كذا ينطق لسان العبد العاصي في مخاطبة مولاه ، ومراجعة من ضل من يدعو إلا إياه .
ولو قابله سيده بسوء الصنيع الفظيع ، لافلج حجته ، وسد محجته .
إلهي ، أنا العبد الذي أحسنت إليه قبل إيجاده بإيجاد الاباء ، وأسبغت عليه فنون النعماء .
فأنفق نعمك في معاصيك سفها ، واعتاض بالعدل في المقاصد
____________
(48) في المخطوط : « أرحين » ولم أجد مادة هذه اللفظة في كتب اللغة التي بين يدي ، من تاج العروس حتى مختار الصحاح ، وقد أثبت ما في المتن لملاءمة السياق .
والمرح : النشاط والسرور .
(49) الذمام : الحرمة ، والحق .

( 168 )

جنفا ، واستبدل بالسلامة من الخطر تلفا .
فلم يمنعك ذلك من هطل سماء رحماتك ، وترادف تحف فنون هباتك .
إلهي ، كيف صدق قول من ادعى معرفتك وهو يبعد عنك ، وكيف وضح سبيل من تعاطى محبتك وهو يهرب منك .
كيف يهرب المحب من الحبيب ، ويبعد المريض من الطبيب ، ويتعوض العاقل المنزل الضنك (50) من الربع الرحيب ؟
إلهي ، إن كنت أذنت لي في سؤالك ، فالرجاء أن تظهر لي في أفق جودك إجابة سؤالي ، وإن لم تكن أذئت لي في سؤالك فعلى من أفد بآمالي ؟ !
إلهي ، إن يئست من رحمتك خصمني كتابك ، وإن رجوت رأفتك أظلني من سحاب وعدك ثوابك .
إلهي ، حكمتك سجرت (51) نار وعيدك ، ورأفتك (52) سخرت أسباب الظفر بمزيدك .
ولن يضيع بين رأفتك وحكمتك قصدي ، أو يتكدر في حماك لذلك وردي .
إلهي ، إن غفلت عن خطابك ، فمسكين مرحوم من غرق في بحار غفلته ، وإن عقلت القصد إليك ، فناج من ظفر من سيده بحجزته (53) .
____________
(50) الضنك : الضيق .
(51) سجر : أوقد .
(52) في المخطوط : « وحكمتك ورأفتك » ولا مكان للاولى هنا ، كما تدل على ذلك السجعة التالية .
(53) الحجزة : موضع شد الازار ، فأستعير الاخذ بالحجزة للاعتصام والالتجاء والتمسك بالشيء

==


( 169 )

إلهي ، لو لم ترد بي خيرا لم تنهج (54) لي مسالك دعائك ، وتدلني على استماحة عطائك ، وتستر قبحي عن جماعة عبيدك وإمائك .
إلهي ، من رفق بي في دار التأديب فلم يفضحني بجرائمي ، أهل أن يستر علي في دار الجزاء عظائمي .
إلهي ، إن كنت لا تقطع بسيف الحرمان لسانا في حال مناجاته ، ولا تسومه هوانا في تضاعيف دعواته .
فقد جعلت بخاطر الاشارة كل جزء مني ، لسانا يخاطب عني ، ويباعد الغضب مني .
يا من شحن (55) بيوت أموال الزاهدين بذخائر دار البقاء ، وسجن أهلها عنها في دار الفناء .
اجعلنا ممن لا يغفل عن الاجل بتعقل العاجل ، ويعتاض عن سعادة الابد لذة الايام القلائل .
يا من سهرت في طلب رضاة عيون العارفين ، وشهرت في محاربة أعدائه سيوف المكاشفين .
وسالت في الحنين إليه أحداق المحبين ، وسألت عن نهاية أسرار مراده خواطر الموحدين .
فرغني لخدمتك ، وأقرعيني برحمتك .
____________
==
والتعلق به : الاستجارة به .
(54) نهج الطريق : بينه وأوضحه .
(55) شحن : ملأ ووجدته في المعاجم التي بين يدي يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء ، ولذلك أضفت الباء إلى « ذخائر »

( 170 )

واجعلني ممن جرع عن الدنيا كأس السلوان ، وجزع من هول الاقدام على العصيان .
إلهي ، قادني إلى بابك ضعف المسؤولين ، وأوفدني على جنابك شح المؤملين .
فقصدتك وجميع أجزائي محتاجة إليك ، معولة في كل مقاصدها عليك .
طالبة صوب (56) كرمك الشامل ، قائلة وقد بسطت لديك ذليل الانامل :
يـامـن إذا وقــف الــوفـــــود بـبـابـه
ألـهــى شـريــدهـم عـــن الاوطـــان
أنـا عـبــد نـعـمـتـك الـتـي مــلات يدي
وربـيـب مـغـنـاك الــذي أغـــنـانــي
مناجاة أخرى

قلت : من قرع باب الجود ولجه .
ومن استمطر سحاب الكرم هتن (57) عليه .
ومن ضرع (58) لرحيم أعزه .
____________
(56) الصوب : نزول المطر ، وهو هنا استعارة للكرم الالهي .
(57) هتن المطر : قطر متابعا .
(58) ضرع : خضع وذل .

( 171 )

ومن استقال محسنا أقاله .
ومن قصد بكسره طبيبا جبره .
ومن استرفد غنيا رفده .
ومن استنصر عزيزا نصره .
ومن علق حبل وفي أجاره .
ومن استغاث (59) بمنيع دفع عنه .
ومن استجار بقوي آمنه .
ومن نظر رؤوفا نظر إليه .
ومن استتر بحليم ستره .
ومن استعطف لطيفا عطف عليه .
اللهم ، وقد قرعت باب جودك يدي .
واستمطر سحاب كرمك لساني .
وضرع لرحمتك ذلي .
واستقال عقد حقد اعترافي .
وقصد جبرك كسري .
واسترفد غناك فقري .
واستنصر عزك وهني .
وعلق حبلك رجائي .
____________
(59) في المخطوط : « استضاف » وهي مع عدم ملاءمتها للسياق ، فقد عديت بالباء ، والاستضافة لا تتعدى بالباء . وقد أثبت الملائم للسياق .
( 172 )

واستضاف معروفك أملي .
واستجار بقوتك ضعفي .
ونظر رأفتك بخوعي (60) .
واستتر بحلمك قبيحي .
واستعطف لطفك خوفي .
واستغاث بعظمتك كربي .
فتلق خضوعي هذا برحمتك .
واعترافي بمسامحتك .
ودعائي بإجابتك .
فقد قصدتك عارفا أن لا معدل لي عنك ، ولا عوض لي منك .
يا من وسع الجبارين حلمه وعدله ، وغمر الخلائق نبله وفضله .
كن لي مجيرا من خطر مخالفتك ، وفظيع عقوبتك .
اللهم ، اجعلني ممن أنس بليل الاقبال عليك ، واغتنم نهار القصد إليك ، وشرف بالذل خاضعا بين يديك .
يامن شفى العصاة من سقمهم بدواء مغفرته ، وسقى العطاش من سماء معروفه عذبا من رحمته .
واستنقذ العتاة بتوفيقه من إدراك التلف ، واستنفد صفحه زلل المكبلين بأصفاد(61) الجنف(62).
____________
(60) البخوع : الاقرار والخضوع .
(61) الاصفاد : جمع صفد ، وهو الغل .
(62) الجنف : الميل عن الحق .

( 173 )

أخـضـنـي الـمـقـام الـغـمـر إن كـان غـرنـي
سـنــا خـلـب أو زلــــــت الـقـدمــان
أتـتـركـنـي ضــنـك الـمـعـيـشـة جـهـدهـا
وكـفـاك مـن مـاء الـــنـدى تـكـفــان (63)
معنى
يتلوه بيتان بليغان بالمناجاة

قلت :
إذا أغرق العاقل في قوس الاعتبار (64) ، وجرى في ميدان الايراد والاصدار .
ظهر له استفظاع الجرائم من العاصين ، واستشناع المآثم من المسيئين .
اعتبارا بجلال المبارز بالخلاف ، وما أولاه من إحسان وإسعاف .
بحيث يكون المذهب هو الحاكم بالعقوبة على مهجته ، المقرر براهين اصطلام حشاشته .
اللهم إلا أن يلجأ إلى حرم الحلم بكليته ، ويلوذ بكعبة العفو بجملته .
قائلا بلسان الذل والاعتراف ، والاستكانة والاستعطاف :
____________
(63) في هامش المخطوط : « للعتابي ، واسمه كلثوم بن عمرو » .
(64) اغرق النازع في القوس : استوفى مدها .

( 174 )
لا شــيء أعـظـم مـن ذنـبــي سـوى أمـلي
وحـسـن صـفـحــك عـن جـرمي وعن زللي
فـإن يـكـن ذا وذا فــي القـدر قـد عـظـمـا
فـأنـت أعـظـم مــن ذنـبـي ومـن أمـلـي
معنى
يتلوه بيتان لائقان

قلت :
من اختص بكمال الذات ، وتمجد بمقدس الصفات .
كان لعبده أن يخاطبه عند تكرار الزلات ، وترادف الخطيات . في الخلوة والجلوة (65) ، فيقول :
سـيــدي قــد عـثــرت خــذ بـيـــدي
ولا تـدعـيـنـــي ولا تـقـل تـعــسـا
واعـطــف فـــإن عـدت فاعـف ثانـيــة
فـقـد يــداوي الـطـبـيـب مـن نـكـسـا (66)
* * *

____________
(65) الجلوة : الظهور والبروز .
(66) نكس المريض : عاد إليه مرضه بعد شفاء .

( 175 )

الفصل الرابع :
في المواعظ
معنى

قلت :
إذا خالط سواد الشعر وضح المشيب ، نزع بنان الفجيعة جلباب الثوب القشيب .
وآن للراقد الهبوب من كراه ، وللمستيقظ الجد في إصلاح أخراه .
ناكبين عن طريق الغرور ، بما وهباه من صحة جسد وبلوغ أرب .
إذ ذلك خداع يتفرى (67) جلبابه عن ندم ، وتضحك نواجذه عن كآبة .
إذا لاح الـمـشـيـب عـلـى قـــذال (68)
فـقـد نـاداك عـن كـثـب رحــيـل (69)
وإنما مثل الانسان في ذلك كمثل السنابل في أيام الربيع .
حيث يباكرها الندى ، ويهب عليها نسيم السحر .
فتميس عند ذلك شبيها بحال جذلان ، أمن حوادث الدهر وطوارق الزمن .
____________
(67) تفرى : تشقق .
(68) القذال : مؤخر الرأس .
(69) في هامش المخطوط : « لمصنف أدام الله أيامه » .

( 176 )

حتى إذا برزت الشمس بتوهجها ، وأشرقت ملقية شعابر تأججها .
ذهبت تلك النضارة ، وولت هاتيك البهجة المستعارة .
ووضح أن استهزاء القدر السريع ، كان كامنا في غضون (70) ذلك الزهو (71) مقارنا لذلك الاشر (72) .
إذا امـتـحــن الـدنـيـا لـبـيـب تـكـشـفـت
لـه عـن عــدو فـي ثــــيـاب صـديــق
معنى آخر

قلت :
من الغرور الطمأنينة إلى بلوغ الاثار ومواتاة الاقدار .
إذ الآفات قد تكون كامنة في مطاويها ، معللة بكمال بهجتها وحسن معانيها .
أحـسـنـت ظــنــك بـالايـــام إذ حـسـنت
ولـم تـخــف ســوء مـايـأتـــي بـه الـقـدر
وسـالـمـتـك الـلـيـالـي فـاغـتـررت بـهـا
وعـنـد صـفــو الـلـيـالـي يـحـدث الـكــدر

____________
(70) في المخطوط : « وتحت الصاد صغيرة مؤكدة لاهمالها .
(71) الزهو : الخيلاء .
(72) الاشر : البطر .

( 177 )

معنى آخر

قلت :
من أرسل طرفه مشغوفاً بزهرات دار الفناء هزئت منه وعيبته ، وسخرت منه وما أعتبته .
لمكاشفتها منه بسوء المقاصد ، وبيع العدد الجم بالواحد ، وتعرضه للاخطار المتلفة في المصادر والموارد .
نـظـرت إلـيـهـا فـاسـتـحـلـت بـنـظـرة
دمــي ودمــي غـال فـأرخـصـه الـحـب
وغـالـيـت فـي حـبـي لـهـا فـرأت دمــي
رخـيـصـا فـمـن هـذيـن خـالـطـها العجب
معنى

قلت :
العالم محجوج بمعرفته ، والشاك محجوج بمخالفته .
وكـيـف تـنـام الـعـيـن وهـي قـريــرة
ولـم تـدرفـي أي الـمــحـلــيـن تـنـزل
معنى

قلت ـ وقد سئلت عن النظر إلى ما لا يحل ـ : إنه لا يليق بالادب

( 178 )

والدِّين والمحبة .
وجه الاول : أنه لا يليق بالعبيد إذا دعاهم سيدهم إلى طعامه ، ومنحهم سيب إكرامه .
أن يكونوا مشغولين بالتطلع إلى إمائه وجواريه ، وما حظر عليهم النظر إلى معانيه .
وجه الثاني : أنه تعالى أمر بالعفاف ، وغض الاطراف .
وجه الثالث : أن المحبة إذا صدقت ملكت جملة المحب وحقيقته ، وقبحت له الاشارة إلى غير من ادعى محبته .
وكـيـف تـرى لـيـلى بـعـيـن تـرى بـهـا
سـواهـا ومـا طـهـرتـهـا بـالـمـدامـــع
وتـلـتـذ مـنـهـا بـالـحـديـث وقـد جــرى
حـديـث سـواهـا فـي خـروق الـمـسـامـع
* * *


( 179 )

الفصل الخامس
في أحوال الاخوان

قلت :
العجب ممن يصيخ إلى عذل عاذل ، فيمن لم يسمع فيه قط قول قائل .
وشـى إلـيـك بـي الـواشــي فـلـم تـرنـي
أهـلا لـتـكـذيـب مـا ألـقـى مـــن الـخـبـر
ولـو وشـى بـك عـنـدي فـي ألـذكـــرى
طـيـف الـخـيـال لـبـعـت الـنـوم بالسـهر (73)
قلت :
من أنفق روح عمره في معاشرة الاوداء (74) لزمت حجته عليهم ، وقصدت دالته (75) إليهم .
لضيق الوقت عن استدراك ما فات من العمر مع من عداهم ، وقصره عن تحصيل سواهم .
أحـبـابـنـا أنـفـقـت عـمـري عـنـدكـم
فـمـتـى أعـوض بـعـض مـا أنــفــقـتـة
____________
(73) في هامش المخطوط : « للرضي رضي الله تعالى عنه » ولم أجده في ديوانه المطبوع في بيروت ـ دار صادر .
(74) الاوداء : جمع ودود ، وهو المحبوب .
(75) الدالة : الحرمة والوجاهة للصديق على صديقه .

( 180 )

أأروم بــعــدكم صـديــقـا صــادقــا
هـيـهــات ضــاق الـعـمر عـمـا رمـتـه
معنى

قلت :
نصرة من أخلص في ولائه ، وحمد في إخائه .
نطق بها لسان العقل والشرع .
فإن قصر المحبوب عن ذلك ، تأكد عليه أن لا يكون في زمرة أرباب العداوة ، الراشقين بسهام الاذى .
تـخـذتـكـم درعــا حـصـيـنـا لـتـدفـعـوا
نـبـال الـعـدى عـنـي فـكـنـتم نــصـالـها
وقـد كـنـت أرجــو مـنـكـم خـيـر نـاصـر
عـلـى حـيـن خـذلان الـيــمـيـن شـمـالـها
فـإن أنـتــم لـم تـعـــــرفـوا لـمـودتـي
ذمـامـا فـكــونـــوا لا عـلـيـهـا ولا لـهـا
تـفـوا مـوقــف الـمعـذور عـنـي بـمـعـزل
وخـلـوا نـبـالـي والـعــــدى ونـبـالـهــا
معنى

قلت :
بمقام تقصير من استراح في مَحَلّ يتعب فيه صديقه ، ويشقى فيه

( 181 )

شقيقه .
وتــركـي مـواســاة الاخـلاء بـالـــذي
تـنــال يـدي ظـلـم لـهـم وعـقــــوق
وإنــي لاسـتـحـيـي مــــن الله أن أرى
مـكـان اتـسـاع والـصـديـــق مـضـيـق
معنى

قلت :
من أصغى إلى استماع القدح في معاشريه أو لا معاشريه ، كان بذلك حاثا على فنون نميمة وتمويه .
عـدمـت مــنـاي مـنـك إن كـان ذا الــذي
تـقـولــه الـواشــون عـنـى كـمـا قـالـوا
ولـكـنـهـم لـمـــا رأوك غـريـــة (76)
بهـجـري تـواصـوا بـالـنـمـيـمة واحـتـالوا
فـقـد عـدت أذنـا لـلـــوشـاة سـمـيـعـة
ينالون مـن عـرضـي ولـو شـئـت مـا نـالـوا
* * *
____________
(76) الغري : المولع .

( 182 )

معنى

قلت :
العتب قد يهب به نسيم الحكمة ، وقد لايهب .
وجه الاول : أن من المعاتبين من غفت عنه عيون الانصاف ، وعفت (77) لديه رسوم الاعتراف .
فيتعين عليه عند ذلك كحل العيون الهاجدة بميل العتب ، إيثارا لايقاظها من رقدتها ، وإنباهها من سنتها أو هجعتها .
فالمين (78) من عارف أولا عارف ، وخيم الجهات وبيءُ العرصات .
وطالما ظن بعض من يصحب أكثر العمر أنه في غاية محسن ، وهو في غاية مسيء .
إذ الملاطفة في الصحبة الظالمة بمنزلة خداع السراب ، الضار بتقدير ترك الاحتياط في الروى (79) من الماء .
وذلك مظنة العطب عند الحاجة إليه ، وخلو أمكنة الطلب عنه .
فالعدو المبارز على هذا قد يكون إلى النفع أقرب منه ، لانه موقظ للاستعداد بفنون الزاد .
____________
(77) عفت : امحت واندثرت .
(78) في المخطوط : « فالعين » ولا مكان لها في هذا النص . وقد استحلت في عيني بادي بدء كلمة « فالعتب » ولكن السياق أباها أيضا ، فأثبت ما وافق السياق .
والمين : الكذب .
(79) الروى : الكفاية من الماء .

( 183 )

بخلاف من أورد ثم خذل عند مزالق الاصدار ، ومداحض (80) الاخطار .
والصديق وإن كان له وسيلة إلى مسامحته ، فإن عليه دولة (81) في جواز مُخافتته (82) .
أنــت عـيـنـي ولـيـس مـن حــق عـيـنـي
غـــض أجــفــانـهــا عـلـى الاقــــذاء
وأما بيان الوجه الثاني : فهو العتب الذي لا يقترن بمصلحة ، ولا يناط برأي سديد .
ولذلك شرح ، تتشعب غصونه ، وتتفرع فنونه .
معنى
قلت : من انطوى على تجريم معاشريه ، وتظليم مخالطيه .
لائق به العتاب ، الذي فيه غسل لدرن الخواطر ، وتطهير الظمائر .
من هجر يتولد عن ترك العتاب ، ومناظرة الاحباب .
تــرك الـعـتـــاب إذا اسـتـحــــق أخ
مـنـك الـعـــتـاب ذريـعـة الـهـجـر
____________
(80) مداحض : جمع مدحض ، وهو المكان الزلق .
(81) كذا ، والدولة الانتقال من حال إلى حال .
(82) المخافتة : حفض الصوت والتشاور سرا .

( 184 )

معنى

قلت لشخص يقول لاخر معاتبا على جفاء : قل له : إن كنت فيما أنت فيه سالكا سبيل أمر الله فالحجة لك ، وإن كنت سالكا سبيل هوى فالحجة عليك .
وقل له : لو كنت في مراجعتك راغبا في دنيا أحتلب درتها ، وأجتلب ثمرتها ، لكانت الحجة علينا إذ ذاك .
أما والغرض سلوك سبيل وفاء قررت حسنه مكارم الاخلاق ، ونبهت عليه مراسم الشريعة ، فالحجة لنا في فعلها وعلينا في تركها .
(إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه انيب) (83) .
عـلـي نـحـث الـمـعـانـي مـن مـعـادنـها
ومـا عـلـيَّ لـهــم أن تــقـبـل الـعـبـر
معنى

قلت :
ينبغي للعاقل تصور شرف عمره مطردا (84) ، عارفا بأنه العرض الذي لايباع بالجواهر ، وإن جلت أقدارها وتكثرت أنواعها .
____________
(83) سورة هود ، الاية : 88 .
(84) اطرد الشيء : تبع بعضه بعضا وجرى .

( 185 )

وأن ثمنه ليس إلا السعادة الابدية والحياة السرمدية .
فإن قصر عن ذلك ، فلايقصرن عن تصور شرفه في نفس الامر .
لئلا يعرضه للبيع بثمن وكس (85) وعوض واه ، فإنه العرض الذي جل عن سوم وترفع عن تثمين .
فإن صحبت به شخصا فانظر كيف نظره إلى ما تنفق منه في صحبته .
فإن كان نظر غافل عن شرف ما سوغته من أعوامك ، ومزقت في مواصلته من أيامك ، وهو غير فارق بين قفولك (86) ومقامك .
فأوله بالاعراض الاعراض ، وامنحه الانقباض .
إذا أنـت لـم تــنـصـف أخــاك وجـدتــه
عـلـى طـرف الـهـجــران إن كان يـعــقـل
ويـركـب حـد الـسـيـف مـن أن تـضـيـمـه
إذا لـم يـكن عـن شـفـرة الـسـيف مـزحل (87)
وإن كان غير جاهل بما تبذله في صحبته ، متأثرا منك بمقاطعته (88) .
____________
(85) الوكس : الزهيد القليل .
(86) القفول : الرجوع من السفر ، والمقصود هنا القفول من سفر الدنيا إلى المنزل الحقيقي للانسان وهو الاخرة .
(87) زحل عن مكانه : تنحى وتباعد .
(88 ) في المخطوط : « بمفاظعتك » والسياق يأباها .

( 186 )

إلا أنه لايعمل بحسب ما يجب لك عليه .
فأوله الهجران ، واعتض من الوعيد في مقاطعته العيان .
جاذا حبل وصله بسيف قاطع لا تنبو شفراته ، مصليا (89) له بصد لا تخمد جمراته .
إذا أنـت لـم تـعـرف لـنـفـسـك حـقـهـا
هـوانـا بـهـا كـانـت عـلـى الـنـاس أهـونا
وإياك والرضى بدنس الذل ، والندم على فوائت ثمرات شجر الوهن .
وإنـي إذا مـا فـاتـنـي الامــر لــم أبــت
أقــلـب كـفـــي إثـــره مـتـندمـــا
ولـكـنــه إن جــاء عـفـوا قـبـلـتـــه
وإن فــات لــم أتـبـعــه هلا ولـيـتـمـا
وأقـبـض خـطـوي عن حـظـوظ كـثـيـرة
إذا لــم أنـلـهـا وافر الـعـرض مـكـرمـا
واكـرم نـفـسـي أن اضـاحــك عـابـسـا
وأن أتـلـقـى بالـمـديــح مـذمــمـا (90)
ومـاذا عـســى الـدنـيـا وإن جـل قـدرها
يـنـال بـهـا مـن صـيـر الـعـرض سـلما
____________
(89) الصلي : الشيّ بالنار .
(90) المذمم : المذموم جدا .

( 187 )

وإن قيد هذا الاطلاق بنصوص شرعية ـ في مجموع ما ذكرت ـ أو تدبيرات عقلية ، فالحكم للمقيد إذا .

* * *