بعدقبل

من ذخائر التراث



( 138 )



( 139 )

زهـرة الرياض

لابن طـاووس




أسد مولوي



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على صفوته من المخلوقين محمد وآله الطاهرين .
وبعد :
منذ وقعت بيدي النسخة المصورة من « زهرة الرياض » تأليف السيد أحمد ابن طاووس ، أعجبني مبناها ومعناها ، ورأيت في نشرها فائدة للناس ، فهي تبلّ بالندى الارج جفاف حياة هذا العصر المادية ، وتوجه قارئها ـ إن وهب الاستعداد ـ إلى الارتباط بالرؤوف الرحيم ، وتنفع المسلمين في إقامة ألسنتهم بلغتهم العربية المقدسة .
لذلك فقد هيأت النسخة التي بين يدي للنشر في مجلة من المجلات السائرة في الافاق ، وهي نشرة ـ كماترى ـ أولية ، وإن سد الله الخلل ونفى الوجل كان لنا مع زهرة الرياض شأن آخر ، إن شاء الله تعالى .

* * *


( 140 )

مؤلف الرسالة :
هو السيد أحمد بن موسى بن جعفر بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن محمد الطاووس ، العلوي ، الحسني ، الحلي ، أبوالفضائل ، جمال الدين .
قال عنه تلميذه ابن داوود : « مصنف ، مجتهد ، كان أورع فضلاء زمانه ، قرأت عليه . وكان شاعرا مصقعا بليغا منشئا مجيدا . . » .
وعد جملة من كتبه وقال : « وله غير ذلك تمام اثنين وثمانين مجلدا ، من أحسن التصانيف وأحقها ، وحقق الرجال والرواية والتفسير تحقيقا لا مزيد عليه .
رباني وعلمني وأحسن إلي ، وأكثر فوائد هذا الكتاب ونكته من إشاراته وتحقيقاته . جزاه الله عني أفضل جزاء المحسنين .
توفي سنة 673 هـ » (1) .

شيوخه :
منهم :
فخار بن معد الموسوي .
محمد بن جعفر بن نما ، نجيب الدين .
محمد بن أحمد أبي غالب .
الحسين بن حشرم ، أبوعلي .
محمد بن معد الموسوي (2) .
____________
(1) رجال ابن داوود 45 رقم 140 .
قال السيد الروضاتي في تحقيقه لروضات الجنات 1|149 هامش ـ في ذكر مترجمي السيد ـ : « وربما ليس في كثير مما ذكرنا [ يعني قائمة المترجمين الطويلة االتي ذكرها ] شيء سوى نقل كلام ابن داوود ، أو نزر يسير في ذكر الرجل » .
(2) طبقات أعلام الشيعة ( الانوار الساطعة) : 13 ـ 14 .

( 141 )

تلامذته :
منهم .
العلامة الحلي .
تقي الدين الحسن بن علي بن داوود .
شمس الدين محمد بن أحمد بن صالح القسيني .
ولده عبد الكريم بن أحمد بن موسى ابن طاووس (3) .

مؤلفاته :
1 ـ الاختيار في أدعية الليل والنهار مجلد .
2 ـ الازهار في شرح لامية مهيار ، مجلدان .
3 ـ بشرى المحققين ، في الفقه ، 6 مجلدات .
قرأه عليه تلميذه ابن داوود .
4 ـ بناء المقالة الفاطمية في نقض الرسالة العثمانية ، مجلد .
حققه صديقنا العلامة السيد علي العدناني وفقه الله .
5 ـ الثاقب المسخر على نقض المشجر ، في اصول الدين .
6 ـ حل الاشكال في معرفة الرجال .
كانت نسخة الاصل منه عند الشهيد الثاني رحمه الله ، وكان ينقل عنها كثيرا في تعليقاته على الخلاصة وغيرها ، ثم إنتقلت إلى ولده الشيخ حسن ، فصنف في تحريره وتهذيبه كتابه المسمى بالتحرير الطاووسي .
ونقل أنه اقتصر في حل الاشكال غالبا على التكلم في أسانيد ماله دخل
____________
(3) طبقات أعلام الشيعة ( الانوار الساطعة) : 13 .
( 142 )

بالرجال من خصوص أخبار الكشي أو الاختيار (4) .
وعمد الشيخ عبد الله بن حسين التستري فاستخرج منه ما أدرجه السيد فيه من كتاب الرجال الضعفاء لابن الغضائري ، وهو الموجود اليوم من رجال ابن الغضائري (5) .
7 ـ ديوان شعره :
قال الشهيد الثاني في إجازته للشيخ حسين بن عبد الصمد : « وقال السيد غياث الدين عبد الكريم ولده [ أي ولد مؤلف هذه الرسالة ] في إجازته للشيخ كمال الدين علي بن الحسين بن حماد ، ما هذا لفظه : وليرو عني ما أجازه لي والدي وعمي رضي الدين علي بن موسى ابن طاووس رضي الله عنهما ، من مروياتهما ومصنفاتهما وخطبهما ونثرهما ، وكل ما يصح روايتهما لي ، فإن مصنفاتهما كثيرة ، وديوان شعر والدي » (6) .
8 ـ الروح ، نقضاً على ابن أبي الحديد .
9 ـ زهرة الرياض ، في المواعظ ، مجلد .
وهو كتابنا هذا .
10 ـ السهم السريع ، في تحليل المبايعة مع القرض ، مجلد .
11 ـ شواهد القرآن ، مجلدان .
12 ـ عمل اليوم والليلة ، مجلد .
13 ـ عين العبرة في غبن العترة ، مجلد .
14 ـ الفوائد والعدة ، في اصول الفقه ، مجلد .
15 ـ الكر ، مجلد .
16 ـ المسائل ، في اصول الدين ، مجلد .
____________
(4) روضات الجنات 1 : 150 ـ 151 .
(5) مصفى المقال : 72 .
(6) أمل الامل 2 : 30 .

( 143 )

17 ـ الملاذ ، في الفقه ، 4 مجلدات .
قرأه عليه تلميذه ابن داوود .
وذكر له كحالة كتاب الكرم في مجلد ضخم (7) ، ولعله كتاب الكر .

المخطوطة :
النسخة التي حققت عليها هذه النشرة لرسالة زهرة الرياض ، أصلها مجلد محفوظ في مكتبة حضرة الامام الرضا (عليه السلام) في مشهد ، وهذا المجلد يشتمل على اثنتين وثلاثين رسالة منها رسالتنا هذه .
رقمها العمومي في المكتبة 8283 ، ورقمها الخاص 184 ، وعدد صفحاتها أربعون صفحة ، طول الصفحة 31 سم ، وعرضها 9 سم ، وعدد سطورها 23 سطرا .
وقد كتبت في 17 محرم الحرام سنة 986 هـ .
وقد شكلت النسخة بالحركات ، ولكنه شكل موهم ، فإن فيه من الاخطاء الشيء الكثير ، ولذلك لم أعتد بذلك الضبط ، وضبطت ألفاظ هذه الرسالة بالاستعانة بمعاجم اللغة .
وقد بقيت عدة كلمات لا تجاوز أصابع اليد الواحدة شككت فيها فأبقيتها على حالها ، لقلة المصادر .
وفي الختام أقول : إن من لا يشكر الناس لا يشكر الله ، ولذا فإني أتقدم بالشكر لادارة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لجلبهم النسخة المصورة ، واثني بالشكر لادارة مجلة « تراثنا » لتحملهم مشقة الاشراف على الطبع .
والله ولي التوفيق .

أسد مولوي


____________
(7) معجم المؤلفين 2 : 187 .
( 144 )

صورة الصفحتين الاوليين من مخطوطة « زهرة الرياض » المحفوظة في مكتبة الامام الرضا (عليه السلام) في مشهد .


( 145 )

* صورة الصفحتين الاخيرتين من مخطوطة « زهرة الرياض » المحفوظة في مكتبة الامام الرضا (عليه السلام) في مشهد .


( 146 )

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه الثقة

الحمد لله الذي سكنت إليه قلوب العارفين ، وسكبت سحب يديه غياثا للعالمين .
وركنت إلى وعده آمال المكاشفين ، وركبت مطايا القصد إليه همم الاملين .
وغرقت في بحار حبه نفوس المشتاقين ، وعزفت عن سواه عقول المحققين .
وحمدت لديه أعمال المخلصين ، وخمدت ببرد أنسه جمرات القلقين .
وجرت جداول محاريب خوفه بعيون الخطائين ، وجزت نفحات (1) فضله أعمال المتعبدين .
الذي ظهر على أسرار الخفيات ، وطهر من الدنس من رجع إليه بإقبال النيات .
ومرح (2) رغبة إليه جفن طالبيه ، وفرح بقربه خاطر مجاوريه .
وحسر لثام الغفلة عن المراقبين ، وحشر ليوم العرض عباده أجمعين .
____________
(1) النفحات : العطايا .
(2) مرحت العين : غزر دمعها .

( 147 )

وضرم (3) نار غيظه للعاصين ، وصرم (4) حبل رفقه بالمتمردين .
وحرم نار الابد على المؤمنين ، وجزم بلهبها السرمد للكافرين .
وصغر من انصرف بلباسى الخيلاء عنه ، وصعر خده وبعد منه .
وحرس ملكه بقدرته ، وخرس عن بهمته (5) كل عارف من بريته .
وقوض عن كثب خيام الحالين في دار التغيير ، ولم يفوض تدبير ملكه إلى معين وظهير .
ونقض ما بناه الغافلون بمرور الاعصار ونقص ما كنزه الكانزون بحوادث الليل والنهار .
وجذ حبل أنس المتواصلين في مخالفته ، وحد (6) بسوط الرهبة نفس من كوشف بعظمته .
ووعد بالسعادة الراهنة من قصده ، وأوعد بالاخطار الهائلة من خالفه وعانده .
وأسقى نمير ورده ظماء (7) خدمته ، وأشقى من حلاه (8) عن حوض رحمته .
وأصفى جزاء من وقف نفسه عليه ، وأضفى جلباب التشريف
____________
(3) ضرم النار : ألهبها ، والتشديد للمبالغة .
(4) صرم الحبل : قطعه ، والتشديد للتكثير .
(5) البهمة : المعضل من الامور ولعله يعني الغيب .
(6) حد النفس : أدبها بما يمنعها من المعاودة .
(7) الظماء : جمع ظامئ ، وهو العطشان .
(8) حلاه عن الورد : طرده .

( 148 )

والفخر لديه .
وجل من حل بوادي رضوانه ، وقل من فل جيش الطاعة بعصيانه .
وعز من اعتز بسلطانه ، وغر (9) من اغتر فبعد عن رفقه وأمانه .
وأشهد أن لا إله إلا هو ، شهادة تقدس قائلها وترفعه ، وتطهر معتقدها وتنفعه .
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى ، وخيرته من جميع الورى .
صلى الله عليه ، وعلى الصفوة من ذريته ، والبررة من دوحته .
وبعد :
فإن الاذهان تسرح في مجاري التدبر : العقول ترد وتصدر في شرائع التفكر .
فتدر عند ذلك بحسب مشاربها ومراعيها ، وحال مساربها (10) ومراعيها .
وفي هذه الايام كنت ممن سرح في رياض العبر فكره ، واستراح إلى نوع من أنواع المعقولات خاطرة وسره .
فدرت قريحتي بكلمات على قواعد الصوفية في عدة فنون ، وغير ذلك من معان ، والحديث ذو شجون .
مردفا كل معنى بشيء من شواهد الاشعار وغرر القريض
____________
(9) غر : غفل وجهل .
(10) المسارب : المراعي للشيء المعتني به .

( 149 )

المختار .
وقد رتبت ذلك ـ مع اختصاره ـ على فصول ، وتحرير مصقول :
الفصل الاول : في المعرفة والمحبة والاخلاص .
الفصل الثاني : في محبة الله تعالى .
الفصل الثالث : في المناجاة .
الفصل الرابع : في المواعظ .
الفصل الخامس : في أحوال الاخوان .
الفصل السادس : في الصبر .
الفصل السابع : في فنون شتى .

* * *


( 150 )

الفصل الاول
في المعرفة والمحبة والاخلاص

قلت :
من رضع ثدي المعارف الالهية ، ورصع (11) الحب في سرائره الزكية .
ذهل عما سوى ذلك المجد ، وتخلى مما عدا ذلك الشرف .
ورأى السعادة كامنة في محاربة جيوش الهوى ، معقودة بنواصي خيول مجاهدة الشهوة .
فامتطى منها سابحا معتادا خوض لُجج الجحافل ، واقتحام تيار القساطل (12) .
واستعد قلبا لا يدانيه الجزع ، وسيفا لا يثلمه القراع .
مرديا به شجعان كتائب المتالف ، هازما فيالق الغرور بفرسان جلاد العزم .
مستصغرا زهرات تصوح (13) عن كثب (14) ، وتزول عن قليل .
لاجئا إلى حرم العز الباقي .
مستظهرا بعظمة السلطان الاقدم .
____________
(11) رصع : ركب ولزق .
(12) القساطل : جمع قسطل وهو غبار المعركة .
(13) صوح الزهر : يبس .
(14) الكثب : القرب .

( 151 )
صادعا بفجر البصيرة غياهب (15) دنس المماذقة (16) .
صافيا من كدر شوائب الرياء .
محروسا من حبائل فضائح النفاق .
قائلا عند لمح جلال الخالق في أفق الالباب ، ومشاهدته في صفاء مطالع العقول ، وصرف النفس عن ميلها إلى ظهور البشر (17) على فعل قربة واعتماد طاعة :
فـلــــيتـك تـحـلو والـحيـــاة مـريـرة
ولـيـتـك تـرضـى والانــــــام غـضـاب
ويـالـيـت مـا بـيـنـي وبـيــنـك عـامـر
وبــيــني وبـيــن العـالمــيــن خــراب
معنى آخر

قلت :
بالمعرفة حن المشتاق إلى ذلك الجناب ، وسمح جفنه بالتسكاب ، واستعان على شجوه بخلصاء الاحباب .
لـــولا هـواك لـما اسـتـلمـعـت بـــارقـة
ولا سـألـــت حـمـــام الـــدوح إسـعـادي
ولا مــررت عـلى الــــــوادي أســائـلـه
بـالــــدمع حتـى رثـى لـي جـانـب الـوادي
____________
(15) الغياهب : الظلمات .
(16) المماذفة : عدم الاخلاص .
(17) أي حب تبين هذه القربة للناس ، وفيه شائبة الرياء .

( 152 )

معنىً آخر

قلت :
إذا سكبت سحائب المعرفة في صحاري القلوب الزاكية اهتزت ربواتها ، وتدبجت (18) بفيض ذلك السكب روضاتها .
وهبت نسائم المحبة على قلوب العارفين فحركت أتواقها (19) ، وحرمت الرقاد آماقها .
وراق الاسماع سماعها ، عند تنبه وجد الواجدين ، وارتياح المشتاقين ، وحياة أرواح المخاطبين .
إذا الـصـبـا سـحـبـت أذيـــــالـهـا سـحـرا
عـلى العـقيــق ومــرت فـي ربـا إضــم (20)
وحـرشـت بـيـن بـان الجـــزع (21) ظـالـمة
وشـيـحـه ، ومـضـت فـي الضـال والسـلم (22)
تـنـبـه الـوجــد واشـتـاق الـمـشـوق بـــها
وعـاشــت الــروح بـعـد الاخـذ بالـكـظم (23)
____________
(18) دبج المطر الارض : زينها بالرياض .
(19) أتواقها : أشواقها .
(20) إضم : موضع .
(21) الجزع : منعطف الوادي .
(22) البان والشيح والضال والسلم : نباتات برية .
(23) الكظم : مخرج النفس .

( 153 )

معنى آخر

قلت :
من عرف استصغر كبير خدمته .
واعترف بالحق عليه في خضوعه ومجاهدته .
واستعظم الاشارة إلى من بهر العقول شرف عظمته .
أجلـك أن أشـكو الـهـوى مـنـك إنـنــي
أجــلـك أن تـومـي إلــيك الاصـابـع
وأصـرف طـرفــي نـحـو غـيـرك عـامـدا
عـلـى أنـه بالـــرغـم نـحــوك راجــع
* * *


( 154 )

الفصل الثاني
في محبة الله تعالى

قلت :
من عدم لباس الانس بالمعارف الربانية ، وفقد روح المخاطبات الالهية .
كان بمعزل عن المسرة عند الخوض في هاتيك الفنون ، وأين الجذل الفرح من المحزون ? !
خـذا مــن صبـا نـجـد أمـانـا لـقـلـبه
فــقــد كـــاد ريـاهـا يـطـيـر بـلـبـه
وإيـاكــمـا ذاك الـنـســـيـم فـإنـــه
إذا هـــب كـان الــوجــد أيـسـر خطـبـه
خـلـيلـي لو أحـببــتـمـا لعـلمتـــمـا
مكـان الـهـوى مـن مـغـرم الـقـلـب صبـه
تـذكر والـذكرى يـســـوق وذو الـهـوى
يـتـــوق ، ومـن يـعـلـق بـه الـحب يصبه
غـرام عـلـى يـاس الـهـــوى ورجـائـه
وشــوق عـلـى بـعـد الـمـــزار وقـربـه
وفـي الـحي مـحـني الـضـلوع عـلى جوى
مـتــى يــدعـة داعـي الـغــرام يـلـبـه

( 155 )

إذا نـفـحـت (24) مـن جـانـب الغـور نفـحـة
تـنـبـه مـنــــهـا داؤه دون صـحـبــه
معنى آخر

قلت :
إذا صدقت المحبة طويت المسافة بين المحـب وحبيبه ، وسهل على المغرم سلوك بعيد (25) المزار وقريبه .
وكـنـت إذا مـا جـئــت سـعـدى بـأرضـهـا
أرى الارض تـطــوى لـي ويـدنـو بـعـيـدها
مـن الـخـفرات الـبــيـض ود جـلـيـسـهـا
إذا ما قـضــت أحـدوثــة لو تـعـيـدها (26)
* * *
____________
(24) نفح الطيب : فاح .
(25) في الاصل : « بعد » والمناسب ما أثبتناه .
(26) في هامش ص 5 : « من كتاب أنس الوحيد ، تصنيف شيخنا أبي جعفر تغمده الله بالرأفة والرحمة » .
قال صاحب الذريعة 2|368 رقم 1496 : « أنس الوحيد : مجموعة للشيخ أبى جعفر محمد ابن الحسن بن علي الطوسي ، المتوفى سنة 460 ، عده في فهرسته من تصانيفه » .
قلت : البيتان نقلهما الزبيدي في تاج العروس ( حدث) عن شرح الفصيح لابي جعفر اللبلي عن المبرد .

( 156 )

معنى

قلت :
معاهد الوفاء مألوفة لمن صح وفاؤه ، وخلص من العوارض صفاؤه .
فهو يحن إليها عند البعد منها ، والرحلة عنها .
أحـــــن إلــى وادي الاراك صـبــابــة
لعــهـد الـصـبـا فــيــه وتـذكار أول
كــأن نـسـيــم الـريــح فـي جـنـبـاتـه
نـسـيـم مـحـــب أو لـقــاء مـؤمـل
معنى

قلتُ :
إذا وجد المحب طريقا إلى مشاهدة المحبوب ، فرض على نفسه سلوك سهله ومستوعره ، وهون فنون إبعاده وخطره .
أسـائـلـكـم عـنـهـا فـهـل مـن مـخـبـر
بـنـعـم فـمالي بـعـد مَـكَّـيَّـنـا (27) عـلـم
____________
(27) المكي : الحاج ، يقول : ليس لي علم بنعم إلا ماجاء به الحجاج ، أما بعد ذلك فما أدري أين يمموا .
( 157 )

فـلـو كــنـــت أدري أيــــن خـيم أهـلـه
وأي بـــــلاد الله إذ ظـعنـوا أمــــوا (28)
إذا لـســــلـكــنـا مـسـلـك الـريـح خلفها
ولــو أصـبـحـت نـعـم ومـــن دونها النجم
معنى

قلت :
المحب يجد الالم لذة في رضى أهل محبته ، والصبر شهدا (29) في القرب من خلصائه في مودته .
حــلا لــي اشـتـهـاري وافـتـضـاحي بحـبكم
وأي مـــريــر فـيـكم لــي لا يــحـلو
عـــــذابي عــــذب ، واشـتـهاري صـيانة
وســـتــر ، وظـلـمي في مـحـبتكم عدل
يــهــددنــي بالـقــتـل جـهــرا عـداتـكم
ويـا حــبـذا فـي حب مـثـلـكـم الـقـتل
* * *

____________
(28) في المخطوط : « ثمو » .
(29) الصبر : دواء مر جدا . والشهد : العسل .

( 158 )

معنى

قلت :
الدعوى الصحيحة ما اعتضدت بالبرهان ، أو نطق بتصديقها لسان العيان .
لا ما شهدت الاعتبارات بتكذيب مدعيها ، وتلبيس أهليها .
ولـمـا ادعـيـت الـحـب قـالـت : كـذبـتـنـي
فـمـالـي أرى الاعـضـاء مـنـك كـواسـيـا
فــمــا الـحـب حـتـى يـلـصـق القلب بالحشا
وتـذبـل حـتـى لا تـجـــيـب الـمـنـاديـا
وتـنـحـل حـتـى لا يـبـــقـي لـك الـهـوى
سـوى مـقـلـة تـبـكـي بـهـا وتـنـاجـيـا
معنى

وهو أَوَّل شيء سطرته من هذه المعاني .
قلت : إنه يجيء على قواعد الصوفية القول بامتناع السهو في العبادات ، أو لزومه :
وجه الاول :
أنه إذا انتهت المحبة إلى أرفع درجات غاياتها ، وأبلغ مراتب مقاماتها .


( 159 )

كان المحب وقفا على امتثال مراسم المحبوب في النهي والامر ، لعدم خلوه منه في السر والجهر .
والله مـا طـلـعـت شـمـس ولا غـربــت
إلا وكـنــت مـنـى قـلـبـي ووسـواســي
ولا جـلـسـت إلـى قــوم أحـــدثـهــم
إلا وكـنـت حـديــــثـي بـيـن جـلاسـي
ولا شـربــت زلال الـمــاء من ظــمـأ
إلا وجــدت خـيــالا مـنــك فـي الـكـاس
ووجه الثاني :
أن الحب إذا صفا من الشوائب ، وخلص من المعايب .
حصل (30) المحب من المحبوب بقيود أسره ، واشتغل به عن استمرار تعقل أمره وزجره .
جـرى حـبـهـا مـجـرى دمــي مـفـاصـلـي
فـأصـبـح لـي عـن كـل شـغـل بـهـا شـغـل
معنى

قلت :
من علقه الغرام وحكم فيه ، وأصماه (31) الحب بنوافذ مراميه .
____________
(30) حصل : بقي وذهب ما سواه .
(31) أصماه : رماه فقتله .

( 160 )

كان ملتذا بسهر الجفون في طريق محبته ، مسرورا ببذل مهجته في رضى أحبته .
أهـوى الـغـرام لـقـلـبي فـي مـحـبـتـكـم
وأسـتـلـذ لـطـرفـي فــــــيـكـم الـسـهرا
لــو يــشـتـرى وصـلـكـم سـاومـت بائعه
بـمـهـجـتـي ، وبـذلـت الـسـمـع والـبـصـرا
معنى

قلت :
نتائج رؤية منازل الاحبة هطل جفون المحبين ، وحسرات المشتاقين .
لتذكارهم عهودا تقضت بعرصاتها ، ومسرات مضت بأقطارها وجهاتها .
فهم لذلك العهد راعون ، ولسالف الانس باكون .
وقـفـت عـلـى ربـع لـمـيـة نـاقـتــي
فـمـا زلـت أبـكـي عـنـده وأخـاطـبـه
وأسـقـيـه حـتـى كـاد مـمـا أبــثـــه
تـكـلـمـنـي أحـجـاره ومـلاعـــبـه
* * *


( 161 )

معنى

قلت :
إيثار المحب للبقاء حيث يندرج تحته القرب من أحبته ، والدنو من أنسه بمالكي زمام حشاشته .
فإن فقد ذاك ودع صفو حياته ، وخلع سربال مسراته .
لا أبـتـــغـي بـالـحـمى ظـلا ولـسـت بـه
إذأ نـــأيـــت فـمـا لـي بالـحـمـى وطــر
ولا أقـــول لارض لـســــت سـاكـنـهـا
جـاد الـربـيـــع ثـرى مـغـنـاك (32) والمطر
* * *

____________
(32) المغاني : المنازل التي بها أهلها .