____________
(7) معجم المؤلفين 2 : 187 .
( 144 )
صورة الصفحتين الاوليين من مخطوطة « زهرة الرياض » المحفوظة في مكتبة الامام الرضا (عليه السلام) في مشهد .
( 145 )
* صورة الصفحتين الاخيرتين من مخطوطة « زهرة الرياض » المحفوظة في مكتبة الامام الرضا (عليه السلام) في مشهد
.
( 146 )
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه الثقة

الحمد لله الذي سكنت إليه قلوب العارفين ، وسكبت سحب يديه
غياثا للعالمين .

وركنت إلى وعده آمال المكاشفين ، وركبت مطايا القصد إليه همم
الاملين .

وغرقت في بحار حبه نفوس المشتاقين ، وعزفت عن سواه عقول
المحققين .

وحمدت لديه أعمال المخلصين ، وخمدت ببرد أنسه جمرات
القلقين .

وجرت جداول محاريب خوفه بعيون الخطائين ، وجزت نفحات
(1)
فضله أعمال المتعبدين .

الذي ظهر على أسرار الخفيات ، وطهر من الدنس من رجع إليه
بإقبال النيات .

ومرح
(2) رغبة إليه جفن طالبيه ، وفرح بقربه خاطر مجاوريه .

وحسر لثام الغفلة عن المراقبين ، وحشر ليوم العرض عباده
أجمعين .
____________
(1) النفحات : العطايا .
(2) مرحت العين : غزر دمعها .
( 147 )

وضرم
(3) نار غيظه للعاصين ، وصرم
(4) حبل رفقه بالمتمردين .

وحرم نار الابد على المؤمنين ، وجزم بلهبها السرمد للكافرين .

وصغر من انصرف بلباسى الخيلاء عنه ، وصعر خده وبعد منه .

وحرس ملكه بقدرته ، وخرس عن بهمته
(5) كل عارف من بريته .

وقوض عن كثب خيام الحالين في دار التغيير ، ولم يفوض تدبير
ملكه إلى معين وظهير .

ونقض ما بناه الغافلون بمرور الاعصار ونقص ما كنزه الكانزون
بحوادث الليل والنهار .

وجذ حبل أنس المتواصلين في مخالفته ، وحد
(6) بسوط الرهبة
نفس من كوشف بعظمته .

ووعد بالسعادة الراهنة من قصده ، وأوعد بالاخطار الهائلة من
خالفه وعانده .

وأسقى نمير ورده ظماء
(7) خدمته ، وأشقى من حلاه
(8) عن حوض
رحمته .

وأصفى جزاء من وقف نفسه عليه ، وأضفى جلباب التشريف
____________
(3) ضرم النار : ألهبها ، والتشديد للمبالغة .
(4) صرم الحبل : قطعه ، والتشديد للتكثير .
(5) البهمة : المعضل من الامور ولعله يعني الغيب .
(6) حد النفس : أدبها بما يمنعها من المعاودة .
(7) الظماء : جمع ظامئ ، وهو العطشان .
(8) حلاه عن الورد : طرده .
( 148 )
والفخر لديه .

وجل من حل بوادي رضوانه ، وقل من فل جيش الطاعة بعصيانه .

وعز من اعتز بسلطانه ، وغر
(9) من اغتر فبعد عن رفقه وأمانه .

وأشهد أن لا إله إلا هو ، شهادة تقدس قائلها وترفعه ، وتطهر
معتقدها وتنفعه .

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى ، وخيرته من جميع
الورى .

صلى الله عليه ، وعلى الصفوة من ذريته ، والبررة من دوحته .

وبعد :

فإن الاذهان تسرح في مجاري التدبر : العقول ترد وتصدر في شرائع
التفكر .

فتدر عند ذلك بحسب مشاربها ومراعيها ، وحال مساربها
(10)
ومراعيها .

وفي هذه الايام كنت ممن سرح في رياض العبر فكره ، واستراح
إلى نوع من أنواع المعقولات خاطرة وسره .

فدرت قريحتي بكلمات على قواعد الصوفية في عدة فنون ، وغير
ذلك من معان ، والحديث ذو شجون .

مردفا كل معنى بشيء من شواهد الاشعار وغرر القريض
____________
(9) غر : غفل وجهل .
(10) المسارب : المراعي للشيء المعتني به .
( 149 )
المختار .

وقد رتبت ذلك ـ مع اختصاره ـ على فصول ، وتحرير مصقول :

الفصل الاول : في المعرفة والمحبة والاخلاص .

الفصل الثاني : في محبة الله تعالى .

الفصل الثالث : في المناجاة .

الفصل الرابع : في المواعظ .

الفصل الخامس : في أحوال الاخوان .

الفصل السادس : في الصبر .

الفصل السابع : في فنون شتى .
* * *
( 150 )
الفصل الاول
في المعرفة والمحبة والاخلاص

قلت :

من رضع ثدي المعارف الالهية ، ورصع
(11) الحب في سرائره الزكية .

ذهل عما سوى ذلك المجد ، وتخلى مما عدا ذلك الشرف .

ورأى السعادة كامنة في محاربة جيوش الهوى ، معقودة بنواصي
خيول مجاهدة الشهوة .

فامتطى منها سابحا معتادا خوض لُجج الجحافل ، واقتحام تيار
القساطل
(12) .

واستعد قلبا لا يدانيه الجزع ، وسيفا لا يثلمه القراع .

مرديا به شجعان كتائب المتالف ، هازما فيالق الغرور بفرسان
جلاد العزم .

مستصغرا زهرات تصوح
(13) عن كثب
(14) ، وتزول عن قليل .

لاجئا إلى حرم العز الباقي .

مستظهرا بعظمة السلطان الاقدم .
____________
(11) رصع : ركب ولزق .
(12) القساطل : جمع قسطل وهو غبار المعركة .
(13) صوح الزهر : يبس .
(14) الكثب : القرب .
( 151 )

صادعا بفجر البصيرة غياهب
(15) دنس المماذقة
(16) .

صافيا من كدر شوائب الرياء .

محروسا من حبائل فضائح النفاق .

قائلا عند لمح جلال الخالق في أفق الالباب ، ومشاهدته في صفاء
مطالع العقول ، وصرف النفس عن ميلها إلى ظهور البشر
(17) على فعل
قربة واعتماد طاعة :
|
فـلــــيتـك تـحـلو والـحيـــاة مـريـرة |
|
ولـيـتـك تـرضـى والانــــــام غـضـاب |
|
ويـالـيـت مـا بـيـنـي وبـيــنـك عـامـر
| |
وبــيــني وبـيــن العـالمــيــن خــراب | |
معنى آخر

قلت :

بالمعرفة حن المشتاق إلى ذلك الجناب ، وسمح جفنه بالتسكاب ،
واستعان على شجوه بخلصاء الاحباب .
|
لـــولا هـواك لـما اسـتـلمـعـت بـــارقـة |
|
ولا سـألـــت حـمـــام الـــدوح إسـعـادي |
|
ولا مــررت عـلى الــــــوادي أســائـلـه |
|
بـالــــدمع حتـى رثـى لـي جـانـب الـوادي |
|
____________
(15) الغياهب : الظلمات .
(16) المماذفة : عدم الاخلاص .
(17) أي حب تبين هذه القربة للناس ، وفيه شائبة الرياء .
( 152 )
معنىً آخر

قلت :

إذا سكبت سحائب المعرفة في صحاري القلوب الزاكية اهتزت
ربواتها ، وتدبجت
(18) بفيض ذلك السكب روضاتها .

وهبت نسائم المحبة على قلوب العارفين فحركت أتواقها
(19) ،
وحرمت الرقاد آماقها .

وراق الاسماع سماعها ، عند تنبه وجد الواجدين ، وارتياح
المشتاقين ، وحياة أرواح المخاطبين .
|
إذا الـصـبـا سـحـبـت أذيـــــالـهـا سـحـرا |
|
عـلى العـقيــق ومــرت فـي ربـا إضــم (20) |
|
وحـرشـت بـيـن بـان الجـــزع (21) ظـالـمة |
|
وشـيـحـه ، ومـضـت فـي الضـال والسـلم (22) |
|
تـنـبـه الـوجــد واشـتـاق الـمـشـوق بـــها |
|
وعـاشــت الــروح بـعـد الاخـذ بالـكـظم (23) |
|
____________
(18) دبج المطر الارض : زينها بالرياض .
(19) أتواقها : أشواقها .
(20) إضم : موضع .
(21) الجزع : منعطف الوادي .
(22) البان والشيح والضال والسلم : نباتات برية .
(23) الكظم : مخرج النفس .
( 153 )
معنى آخر

قلت :

من عرف استصغر كبير خدمته .

واعترف بالحق عليه في خضوعه ومجاهدته .

واستعظم الاشارة إلى من بهر العقول شرف عظمته .
|
أجلـك أن أشـكو الـهـوى مـنـك إنـنــي |
|
أجــلـك أن تـومـي إلــيك الاصـابـع |
|
وأصـرف طـرفــي نـحـو غـيـرك عـامـدا |
|
عـلـى أنـه بالـــرغـم نـحــوك راجــع | |
* * *
( 154 )
الفصل الثاني
في محبة الله تعالى

قلت :

من عدم لباس الانس بالمعارف الربانية ، وفقد روح
المخاطبات الالهية .

كان بمعزل عن المسرة عند الخوض في هاتيك الفنون ، وأين
الجذل الفرح من المحزون ? !
|
خـذا مــن صبـا نـجـد أمـانـا لـقـلـبه
| |
فــقــد كـــاد ريـاهـا يـطـيـر بـلـبـه
| |
وإيـاكــمـا ذاك الـنـســـيـم فـإنـــه
| |
إذا هـــب كـان الــوجــد أيـسـر خطـبـه
| |
خـلـيلـي لو أحـببــتـمـا لعـلمتـــمـا
| |
مكـان الـهـوى مـن مـغـرم الـقـلـب صبـه
| |
تـذكر والـذكرى يـســـوق وذو الـهـوى
| |
يـتـــوق ، ومـن يـعـلـق بـه الـحب يصبه
| |
غـرام عـلـى يـاس الـهـــوى ورجـائـه
| |
وشــوق عـلـى بـعـد الـمـــزار وقـربـه
| |
وفـي الـحي مـحـني الـضـلوع عـلى جوى
| |
مـتــى يــدعـة داعـي الـغــرام يـلـبـه
| |
( 155 )
|
إذا نـفـحـت (24) مـن جـانـب الغـور نفـحـة |
|
تـنـبـه مـنــــهـا داؤه دون صـحـبــه |
|
معنى آخر

قلت :

إذا صدقت المحبة طويت المسافة بين المحـب وحبيبه ، وسهل
على المغرم سلوك بعيد
(25) المزار وقريبه .
|
وكـنـت إذا مـا جـئــت سـعـدى بـأرضـهـا
| |
أرى الارض تـطــوى لـي ويـدنـو بـعـيـدها
| |
مـن الـخـفرات الـبــيـض ود جـلـيـسـهـا
| |
إذا ما قـضــت أحـدوثــة لو تـعـيـدها (26)
| |
* * *
____________
(24) نفح الطيب : فاح .
(25) في الاصل : « بعد » والمناسب ما أثبتناه .
(26) في هامش ص 5 : « من كتاب أنس الوحيد ، تصنيف شيخنا أبي جعفر تغمده الله بالرأفة
والرحمة » .
قال صاحب الذريعة 2|368 رقم 1496 : « أنس الوحيد : مجموعة للشيخ أبى جعفر محمد
ابن الحسن بن علي الطوسي ، المتوفى سنة 460 ، عده في فهرسته من تصانيفه » .
قلت : البيتان نقلهما الزبيدي في تاج العروس ( حدث) عن شرح الفصيح لابي جعفر
اللبلي عن المبرد .
( 156 )
معنى

قلت :

معاهد الوفاء مألوفة لمن صح وفاؤه ، وخلص من العوارض
صفاؤه .

فهو يحن إليها عند البعد منها ، والرحلة عنها .
|
أحـــــن إلــى وادي الاراك صـبــابــة
| |
لعــهـد الـصـبـا فــيــه وتـذكار أول
| |
كــأن نـسـيــم الـريــح فـي جـنـبـاتـه
| |
نـسـيـم مـحـــب أو لـقــاء مـؤمـل
| |
معنى

قلتُ :

إذا وجد المحب طريقا إلى مشاهدة المحبوب ، فرض على
نفسه سلوك سهله ومستوعره ، وهون فنون إبعاده وخطره .
|
أسـائـلـكـم عـنـهـا فـهـل مـن مـخـبـر
| |
بـنـعـم فـمالي بـعـد مَـكَّـيَّـنـا (27) عـلـم
| |
____________
(27) المكي : الحاج ، يقول : ليس لي علم بنعم إلا ماجاء به الحجاج ، أما بعد ذلك فما أدري أين
يمموا .
( 157 )
|
فـلـو كــنـــت أدري أيــــن خـيم أهـلـه
| |
وأي بـــــلاد الله إذ ظـعنـوا أمــــوا (28)
| |
إذا لـســــلـكــنـا مـسـلـك الـريـح خلفها
| |
ولــو أصـبـحـت نـعـم ومـــن دونها النجم
| |
معنى

قلت :

المحب يجد الالم لذة في رضى أهل محبته ، والصبر شهدا
(29) في
القرب من خلصائه في مودته .
|
حــلا لــي اشـتـهـاري وافـتـضـاحي بحـبكم
| |
وأي مـــريــر فـيـكم لــي لا يــحـلو
| |
عـــــذابي عــــذب ، واشـتـهاري صـيانة
| |
وســـتــر ، وظـلـمي في مـحـبتكم عدل
| |
يــهــددنــي بالـقــتـل جـهــرا عـداتـكم
| |
ويـا حــبـذا فـي حب مـثـلـكـم الـقـتل
| |
* * *
____________
(28) في المخطوط : « ثمو » .
(29) الصبر : دواء مر جدا . والشهد : العسل .
( 158 )
معنى

قلت :

الدعوى الصحيحة ما اعتضدت بالبرهان ، أو نطق بتصديقها
لسان العيان .

لا ما شهدت الاعتبارات بتكذيب مدعيها ، وتلبيس أهليها .
|
ولـمـا ادعـيـت الـحـب قـالـت : كـذبـتـنـي
| |
فـمـالـي أرى الاعـضـاء مـنـك كـواسـيـا
| |
فــمــا الـحـب حـتـى يـلـصـق القلب بالحشا
| |
وتـذبـل حـتـى لا تـجـــيـب الـمـنـاديـا
| |
وتـنـحـل حـتـى لا يـبـــقـي لـك الـهـوى
| |
سـوى مـقـلـة تـبـكـي بـهـا وتـنـاجـيـا
| |
معنى

وهو أَوَّل شيء سطرته من هذه المعاني .

قلت : إنه يجيء على قواعد الصوفية القول بامتناع السهو في
العبادات ، أو لزومه :

وجه الاول :

أنه إذا انتهت المحبة إلى أرفع درجات غاياتها ، وأبلغ مراتب
مقاماتها .
( 159 )

كان المحب وقفا على امتثال مراسم المحبوب في النهي
والامر ، لعدم خلوه منه في السر والجهر .
|
والله مـا طـلـعـت شـمـس ولا غـربــت
| |
إلا وكـنــت مـنـى قـلـبـي ووسـواســي
| |
ولا جـلـسـت إلـى قــوم أحـــدثـهــم
| |
إلا وكـنـت حـديــــثـي بـيـن جـلاسـي
| |
ولا شـربــت زلال الـمــاء من ظــمـأ
| |
إلا وجــدت خـيــالا مـنــك فـي الـكـاس
| |

ووجه الثاني :

أن الحب إذا صفا من الشوائب ، وخلص من المعايب .

حصل
(30) المحب من المحبوب بقيود أسره ، واشتغل به عن
استمرار تعقل أمره وزجره .
|
جـرى حـبـهـا مـجـرى دمــي مـفـاصـلـي
| |
فـأصـبـح لـي عـن كـل شـغـل بـهـا شـغـل
| |
معنى

قلت :

من علقه الغرام وحكم فيه ، وأصماه
(31) الحب بنوافذ مراميه .
____________
(30) حصل : بقي وذهب ما سواه .
(31) أصماه : رماه فقتله .
( 160 )

كان ملتذا بسهر الجفون في طريق محبته ، مسرورا ببذل مهجته في
رضى أحبته .
|
أهـوى الـغـرام لـقـلـبي فـي مـحـبـتـكـم
| |
وأسـتـلـذ لـطـرفـي فــــــيـكـم الـسـهرا
| |
لــو يــشـتـرى وصـلـكـم سـاومـت بائعه
| |
بـمـهـجـتـي ، وبـذلـت الـسـمـع والـبـصـرا
| |
معنى

قلت :

نتائج رؤية منازل الاحبة هطل جفون المحبين ، وحسرات
المشتاقين .

لتذكارهم عهودا تقضت بعرصاتها ، ومسرات مضت بأقطارها
وجهاتها .

فهم لذلك العهد راعون ، ولسالف الانس باكون .
|
وقـفـت عـلـى ربـع لـمـيـة نـاقـتــي
| |
فـمـا زلـت أبـكـي عـنـده وأخـاطـبـه
| |
وأسـقـيـه حـتـى كـاد مـمـا أبــثـــه
| |
تـكـلـمـنـي أحـجـاره ومـلاعـــبـه
| |
* * *
( 161 )
معنى

قلت :

إيثار المحب للبقاء حيث يندرج تحته القرب من أحبته ، والدنو
من أنسه بمالكي زمام حشاشته .

فإن فقد ذاك ودع صفو حياته ، وخلع سربال مسراته .
|
لا أبـتـــغـي بـالـحـمى ظـلا ولـسـت بـه
| |
إذأ نـــأيـــت فـمـا لـي بالـحـمـى وطــر
| |
ولا أقـــول لارض لـســــت سـاكـنـهـا
| |
جـاد الـربـيـــع ثـرى مـغـنـاك (32) والمطر
| |
* * *
____________
(32) المغاني : المنازل التي بها أهلها .