بعدقبل

معنى
يتعلق بالقصد في تناول الطعام

أقول :
إن البطنة مثار لاخطار متعددة :
أحدها : البعد عن خدمة إله الوجود ، والانس به ، والتلذذ بالنشاط .
ومن آفاتها طمس ضياء الحس ، وفساد الجسد .
وكثرة صدور الخبث ، ومعالجة إزالته ، وإفساد الطعام بغير ما وجه صحيح .
ونسيان الجائع ، والحيلولة بين فاضل الطعام وبين مضطر إليه .
وشغل الوقت والهمة بتحصيله وتناوله ، وقد يكون تحصيله مبنياً على أخطار دينية أو دنيوية أو مجموعهما .
والمشابهة للذوات البهيمية .
ويتفرغ عما ذكرت إدخال عدو مسلط إلى شريف بواطن الامعاء ، مع وجوب إبعاد العدو عن التسلط على أذى ظواهر الاعظاء .
وتضييع العمر ، لان البطنة جدا يبعد معها صفو اللذة ويتوجه الالم ، ومن كان هذا حاله كان في مقام مفقود .
ومن آفاتها أن يكون فاعل ذلك في مقام محصل للافات القادحة في العقل والمزاج ، حيث يكون غيره ـ من سفهاء وناقصين ـ مجدا في


( 211 )

الخلاص منها .
فعلى هذا منزلته أخس من منازل السفهاء .
ولئن كان له نسبة ، فإنما تكون بسفية عدم (152) عقله ، فهو يقدم على مايلائم مزاجه في الحال الحاضرة غير ناظر في عاقبة .
وقد يكون من البطنة مايؤلم في الحال ، وهو شيء قد يتباعد السفيه عنه .
وإنما يكون الاقدام على تناول الطعام عند ذلك ، مع منافاة العقل ومخاصمة طائفة من جيش الطبع ، بطبع خسيس رذل بهيمي .
وإنـك مـهـمـا تـعــط بـطـنـك سـؤلـه
وفــرجـك نـالا مـنـتـهـى الـذم أجـمـعـا
معنى
يتعلق بذم الغيبة

نقلته من كتاب الذي أنشأته وسميته كتاب الاداب الحكمية ، قلت :
الغيبة إما أن تكون مع قطع بالعيب ، أومع القطع بعدمه ، أومع الشك .
والاول يلزمه من المحذور شغل الوقت بما لا يجدي ، والتعوض بذلك مما يجدي ، مع مقت الله تعالى ومقت العقلاء ، وتسليط المغتاب على المقابلة بالقبيح إن كان غير مأمون .
____________
(152) عدم : فقد .

( 212 )
إذا الـنـاس غـطـونــي تـغـطـيـت عـنـهـم
وإن بـحـثـونـي كـان فـيـهـم مـبـاحــث
وإن كان مأمونا فالاشكال على المغتاب لمثله أشد .
ومن مستفظع الغيبة الاشارة بها إلى من لم يصدر عنه أذى .
ومن شواهد قبحها والبواعث على حسن تركها ، كونها شعارا لارباب السفه والغفلة .
ثم إن الغيبة إما أن تؤثر ضررا في جانب المغتاب أولا .
فإن لم تؤثر ضررا فما حصل المغتاب غرضه ، بل حصل بمجرد الاثم ودنس الغيبة وفنون أخطارها ، أو فنون من أخطارها .
وإن أثرت ضررا فهو إما في نفس ، أو عرض ، أو مال ، أو مايترتب من ذلك .
وأخطار ذلك شديدة .
وإذ قد وضح قبح الغيبة في جانب من عرف عيبه .
فما ظنك بها في جانب من عرفت نزاهته ، أوشك فيها .
وذلك تمام القسمة .
وقد يكون لذكر الشخص بالقبيح من فعاله وجه حسن ، إذا كان المقول فيه معلنا (153) .
والغرض بعيبه وجه الله تعالى على الشروط المعتبرة .
أو على سبيل الشكوى من فاعل القبيح ، ليدفع الذام ظلمه
____________
(153) أي معلنا بالقبيح .

( 213 )

عنه ، أو عن بعض المظلومين .
وكـنـت إذا قـوم رمـونــي رمـيـتـهــم
فـهـل أنـا فـي ذا يـال هـمـــدان ظـالـم
متى تجمـع الـقــلـب الـذكــي وصـارمـا
وأنـفاً حـمـيـا تـجـتـنـبـك الـمـظـالـم
معنى
يتعلق بالكرم
قلت :
بحسب حال النفوس في سموها ، وعلوها في سؤددها ، يمر بها نسيم مكارم الاخلاق ، ويسري عليها روح عربي عشق المحاسن .
فتميس للصنائع الجمة أغصانها ، وتميد أفنانها ، وتطيب ظلالها ، وتزكو ثمارها .
وتصير مقيلا للقريب والبعيد ، والداني والشريد .
فتمنحهم من ثمارها أمتعها ، ومن حباها أعذبه وأمرأه .
جامعة بين الاسعاف الجزيل وتصغيره ، وتعجيله وستر قليله وكثيره .
والاعتراف باليد لمن عرض نفسه للصنيعة ، وعرضها للاسترقاق .
ألا أيـهــا الـــزوار لا يــد عـنـد كــم
أيـاديـكــم عـنـــدي أجـل وأكـيـر

( 214 )
وإن كـنـتــم أفـردتـمـونـي لـلــرجــا
فـشــكـري لـكـم من شـكـركـم لي أكـثـر
عارفا بأن الحق لمن عوض من الاحسان شكرا ، وأبقى بالمدح ذكرا .
فـإنـك إن ذوقــتـــنـي ثـمـر الـغــنــى
حـمـدت الـذي أجـنـيك (154) من ثـمـر الشكر
فـإن يـغـن مـاتـعـطـيه فـي الـيـوم أو غـد
فـإن الـذي أعـطـيـك يـبـقـى عـلى الـدهـر
ويتفرع عن هذا قبح المنة به ، والاذلال باعتماده .
أمـيـل مـع الذمـام (155) عــلى ابــن أمـي
وآخـذ لـلـصـديـق مــن الـشـقـــيـق
وإن ألـفـيـتــنـي مـلــكـا مـطـاعــــا
فـإنـك واجـــدي عـبــد الـصــديــق
أفــرق بـيــن مــعــروفـي ومـــنــي
وأجـمـع بـيـن مــالــي والـحـقـــوق
ومن صفة الغرمين بالسخاء وإسداء النعماء ، أن تكون جوارحهم عليهم ، لوجري في خواطرهم المنع ، وتردد في صدورهم الاعتذار .
____________
(154) أجنيك : أجني لك .
(155) الذمام : الحق .

( 215 )
كـريـم إذا مـاجـئــت طـالـب حـاجـــة
حـبـاك بـمـا تـحـوي عـلــيـه أنـامـلـه
ولـو لـم يـكـن فـي كـفـه غـيـر نـفـسـه
لـجـاد بـهـا فـلـيــتــق الله ســائــلـه
تـعـود بـسـط الـكـف حـتـــى لـو انــه
ثــنـاهـا لـقـبـض لـم تـطـعه أنـامـلـه
تــراه إذا مــاجـــئـــتـه مـــتـهـللا
كـأنـك تـعـطـيـــه الـذي أنت سـائـلــه
هـو الـبـحـر مــن أي الـنـواحـي أتــيته
فـلـجـتـه الـمـعـروف والــجـود سـاحـله
أقول :
إن هذه الابيات اندرجت على أوصاف لائقة ، ومحاسن رائقة .
إلا في قوله :
. . . . . . . . . . . . . . . . * كـأنـك تـعـطيه الـذي أنـت سـائـله
فإني أراه في غاية من مراتب الذم ، ونهاية من مقابح ، العيب كيف يكون الاريحي ـ الذي تضمنت مدحه هذا القريض ـ مبتهجا عند شدة المبالغة بما يصل إليه من إحسان ، أو يظفر به من نوال .
هذا نقص ظاهر وعيب فظيع .
إلا أن يكون الشاعر قصد أمرا بعدت عن فهمه وضللت عن دركه .


( 216 )

ومن معاني البذل الابتداء به قبل السؤال ، وذل أرباب الامال .
إذا كـان الـعـطـاء بـبـذل وجـهـــي
فـقـد أعـطـيـتـنـي وأخـذت مــنــي
ومن معانيه اقترانه بالوفور سادّاً للخلة (156) معينا ، عن غير من أسداه وطوقه وأولاه .
ومن معانيه أن لايرجع المحسن عن قاعدته في إكرام من قصد الصنيعة إليه ، بل يزيده إجلالا ماكان يعتمده لديه .
ومن معانيه قطع الخاطر واللسان عن ذكر الصنيعة وإسداء المكارم .
ومن تمام معانيه شرف المحل في جانب المعطي ، إما قصدا أو لاقصدا ، وهو مع القصد أتم .
ومن شروطه الشرعية مقارنة ذلك بنية الاخلاص وصفاء الطوية .
ومن شروطه الشرعية كون مايبذل زاكيا حلالا ، اعبتارا بأن الله تعالى لايقبل إلا ما أخذ من حله فوضع في حقه .
ومن معاينه الاعتراف التام لله تعالى بالنعمة إذا قدر على المعروف .
وهو معنى يختص به كمال الخالق ، فشرك عبده الضعيف فيه .
ومن معانيه التواضع في حال الاعطاء ، واستشعار لباس الحياء
____________
(156) الخلة : الحاجة .

( 217 )

ومن معانيه أن يكون إيصاله لا من يد المسعف ، صونا لوجه من يسعف من خجل المواجهة .
ومن معانيه ـ جملة ـ أن يكون صافيا من كدر تتضع به منزلته ، حاويا لكل فضيلة ترتفع بها درجته .
ومن معانيه صدوره عن المعطي في حال الغضاضة (157) والشباب ، وطمعه في البقاء وبلوغ المحاب .
جـاد بالقـرص والطـوى (158) مـلء جـنـبـيه
وعـاف الـطـعـام وهـو سـغــوب (159)
فـأعــاد الـقـرص الـمـنـيـر عـلـيـه الـ
ـقـرص والمقـرض الـكرام كـسـوب (160)
معنى
يتعلق بالحلم

قلت :
الصفح عن أرباب الجرائم خلق من اعتبر ، ومذهب من تبصر .
____________
(157) الغضاضة : الطراوة وحال الشباب .
(158) الطوى : الجوع .
(159) السغوب : الجائع .
(160) في هامش المخطوط : « لعلي بن نما في أمير المؤمنين (عليه السلام) والتحية والاكرام » .

( 218 )

اعتبارا بجلال من تلين القلوب القاسية بين يديه ، وتصغر الاقدار السامية عنده .
واعتبارا بما أنه بمقام خجل من أضرم نار غيظه عند ذنب صدر من مشابه له في البشرية ، وهو يواقع أضعافه في إسخاط خالق البرية .
أهـمـلـت نـفـسـك فـي هـواك ولـمـتـنــي
لـوكـنـت تـنـصـف لـمـت نـفـسـك دونـي
مـابـــال عـيـنــك لاتــرى أقــذاءهـــا
وتـرى الـخـفـي مـن الـقــذى بـجـفـونـي
واعتبارا بما أن الانتقام من المجرم حاصله شفاء غيظ ، لايستلزم ثوابا دائما ، وسعادة راهنة .
وفي الصفح مع مقارنة النية الصالحة تحصيل ذلك .
واعتبارا بأن الكبرياء والعظمة مختصة بكمال جلال إله الوجود ، وفي البطش بالانتقام نوع منازعة لذلك الاختصاص .
واعبارا بما أن عاقبة الصفح ثناء أرباب العقول ، ومحبة المصفوح عنه ، وحلية جميلة لمن اعتمده وقرب منه .
وذلك مما يرغب فيه الراغب ويطلبه الطالب .
أخـمــد بـحـلـمـك مـايـذكــيـه ذو ســفـه
مـن نـار غـيـظـك واصـفـح إن جـنـى جـاني
فـالـحـلـم أحـسـن مـا ازدان الـلـبـيـب بـه
والاخـذ بـالـعـفـو أحـلـى مـا جـنـى جـانـي

( 219 )

واعتبارا بما أنه قد تستهجن في العادة مؤاخذة العبد لمثله ، كان محلا لصفح سيده عنه .
واعتبارا بما أنه قد تستهجن في العادة مؤاخذة العبد لمثله ، إذا حكمه سيده فيه ، وأطلق له قيد تسويغ الانتقام منه .
فكذا يليق بمن أقدره سيد الخلائق على عبده ، وهو مثله ، أن يتجاوز عنه .
واعتبارا بما أن الذنب لايخلو أن يكون صغيرا أو كبيرا .
فإن كان الاول ، فغير مستبدع صفح عن جرم صغير وذنب يسير .
وإن كان الثاني ، فالاخذ بالحلم ألزم ، اعتبار بكثرة الثواب في جانب المسامح ، ووفور الشكر .
وهذا المعنى لايحصل قبل سفه سعر نارا بردها الحلم .
وقد نبه الغنوي على هذا بقوله في مرثية أخيه :

حـلـيــم إذا مـا سـورة الـجـهـــل أطـلـقـت
حـبـا (161) الـشـيـب لـلـقـرن اللجوج غلوب
ولقد أحسن الكميت ـ رحمه الله تعالى ـ في مدحه الغرر من بني هاشم عند الصفح ووفور الجرائم ، فقال :
____________
(161) الحبا : جمع حبوة ، وهي أن يجمع الجالس بين ظهره وساقيه بعمامة ليستند .

( 220 )
ومـداريــك لـلــذحـول (162) مـتــاريــ
ـك ـ وإن أحـفـظــوا (162) ـ لعور الكام (164)
لاحـبـاهـم تـحـل للـمـنـطـق الــشــغـ
ـب (165) ولا للـطـــام يــوم الـلـطـــام
ومن أنصف نفسه أحرز لها عظيم الاجربهيج الذكر .
واعتبارا بما أن القدرة تبرد أوار (166) نار الحفيظة ، وتطفئ نار الغضب .
شمس (167) العداوة حتى يـسـتـقـاد (168) لهم
وأعــظــم الــنــاس أحــلامـــا إذا قــدروا
واعتبارا بما أن الجاني إما أن يكون أشرف من المجني عليه ، أو مثله ، أودونه .
____________
(162) الذحول : جمع الذحل ، وهو الثأر .
(163) أحفظوا : أغضبوا .
(164) عور الكلام : قبائحه .
(165) الشغب : تهييج الشر .
(166) الاوار : الحرارة .
(167) الشمس : جمع الشموس ، وهو الرجل العسر في عداوته .
(168) استقاد : اعطى مقادته وخضع وذل .

( 221 )

والاول يسامح لفضيلته .
والثاني لتصير مرتبة المجني عليه أعلى من مرتبته .
والثالث للانفة من مؤخذته .
إذا كـان دونــي مـن بـلـيـت بـجـهـلــه
إبـيـب لـنـفسـي أن أقـابـل بـالـجـهـل
وإن كـان مـثـلـي فـي مـحـلي مـن الـنهى
أخـذت بـحـلـمـي كـي أجـل عـن الـمثل
وإن كـنـت أدنـى مـنـه في الفضل والحـجـى
عـرفـت لـه حـق الـتـقـدم والـفـضــل
وقد يصفح عن الشريف رغبة في مودته ، وعن الدني لرذالته .
وأغـفـر عـوراء الـكــــريـم ادخـــاره
وأعـرض عـن شـتــــم الـلـئـيـم تـكرما
وقد يقتص من المذنب خوف تمرده
إذا أنـت أكـرمـت الـكـريـم مـلـكـتــه
وإن أنـت أكــرمــت الـلـئـيـم تـمـــردا
هذا ما خطر في الوقت الحاضر ، واستفراغ خزائن العقول يحتاج إلى لبث في الموارد والمصادر .

* * *


( 222 )

معنى
يتعلق بالوفاء

أقول :
إن الوفاء من أسرار مذاهب العرب ، وخلق أرباب الدين والادب .
فكم نفس زهقت في طريقه ، ودماء أريقت في تحقيقه .
وجفون سهرت في إحراز محاسنه ، والغوص عليه في أماكنه .
وهمم ركبت خيول الجد فيه ، وعزمات نهضت في تحصيل معانيه .
فتقلد أربابها لذلك عقود جواهر فخر ، لاتنزع وإن نزع حر الارواح ، وأنوار لاتخبو في المساء والصباح .
فهم وإن حلوا بين صفائح القبور ، أحياء الصنائع منشور و المحامد ، ذوو أعمار طويلة وإن قصرت في الشاهد .
فياحبذا أرجا يتضوع من رياض هاتيك الاخلاق ، وعرفا يذكو بنور وصفهم لا بنار الاحراق .
ونشرا يهب بطيب تذكارهم وعطر فخارهم .
وما نفـحـات الروض تـثـنـي على الـحـيـا
بـأطـيــب مـن ذكـر لهـم في الـمـحـافـل
وحصل بدنس العذر (169) من رضي بالدون .
وسهل فضائح العار ، في إخفار ذمة وإسلام جار .
____________
(169) العذر : كثرة العيوب .

( 223 )
مـن ذا يـبـلـغ عـنـي الـنـاس مـعــذرة
إذا غــدا جـار بـيـتـي وهـو مـأكــول
تـنـازع الـطـير بـالـبـطاحاء حشوته (170)
يـقـال : مـن جـار هـذا ؟ غـالـه غـول
صغروا من محاسن الاخلاق ما عظمته العقول وشرفته الهمم ، فماتوا قبل الموت ودفنوا قبل الدفن .
وبقي بعد الموت من ضرب في المجد بقدح ، وفاز من الوفاء بنصيب .
ردت صـنـائـعــه عـلـيــه حـيــاتـه
فـكــأنـه مــن نــشـرهــا مـنـشـور
معنى

قلت :
إذا صدقت العزمات صدق خبر الخصائص (171) ، وإذا كذبت الهمم صدق خبر النقائص .
اعتبارا في الاول بسعة أبواب المجد لمن أرادها ، وفسيح جدد (172) طرق الشرف لمن أمها .
____________
(170) الحشوة : الامعاء .
(171) الخصائص : الفضائل .
(172) الجدد : الارض المستوية .

( 224 )

وليس معذورا من ادعى حجبا عن أبواب الشرف ، أو منعا في طرق المجد .
إذا الشرف النفساني لايحجب عنه قاصده ، والفخر التحقيقي لايطرد عن نمير ورده وارده .
إذا أعــجــبــتـــك خـلال امــــرئ
فـجــد تـكـن مـثـل مـن يـعـجـبــك
فـلـيـس عـلى الـفـضـل والـمـكـرمـات
إذا جـئـتـهـا حـاجـب يـحـجــبـــك
واعتبارا في الثاني بما أن الشرف المحض لايدرك بغير جد ، والفخر الحق لاينال بغير كلفة .
لاتـحـسـب الـمـجـد تـمــرا أنــت آكــلـه
لن تـدرك الـمـجـد حتى تـلعـق الـصــبـرا
معنى

أقول : إن من قدر على تحصيل المعاني الشريفة محجوج عند اصطلائه بنار حسد من ظفر بها .
اعتبارا بما أن الغم الذي يجده لا يستعقب سعادة ، ولا يملك زمام انتصار .
ولو صرف همه ـ أوبعضه ـ في مخاصمة المحسود محرزا للخصائص ، لاستظهر عليه سالما من فوادح الحسد ، ساريا تحت رايات الانتصار .

( 225 )
مــســربـلا بـــرداء مـن مـنـاقـبــه
يـظـلـه الـنـصـر والاقـبـال والـظـفـر
معنى

قلت :
طلائع العقول وأناسي أحداق (173) البصائر ، ظاهرتان على أسرار دقق التدبير في سترها ، وبالغ الفكر في إخفاء خبرها .
اعتبارا بالتجارب الدالة على ذلك ، وبأن شباك الفهم تصيد قصدا أو لا قصدا .
فغلط ـ إذا ـ وهم من اطمأن إلى تتابع الزمن ، صائنا لما ستره التدبير وأخفته الحيلة .
ومـهـمـا تـكــن عـنـد امرئ من خـلـيـقـة
وإن خـالـهـا تـخـفـى عـلى الـنـاس تـعـلم
معنى

قلت :
لما ثبت في صريح الاذهان ، كون العقل والهوى جزءين متنافيين غالبا ، ولا مخلص للانسان منهما .
وجب عليه أن يتبع أشرف القبيلين وأنصر الجزءين ، محاربا للاخر .
____________
(173) الاناسي : جمع الانسان ، وإنسان العين : المثال الذي يرى في سوادها ، أي سواد العين .

( 226 )

اعتبارا بشرف الاول ، ومايرجى من السعادة بصحبته ، وأنفة من رذالة الاخر ، وسوء العاقبة في مقاربته .
ولا شبهة في كون الشرف معقودا بألوية الحزب الذي يدني من شرف الملائكة .
والخساسة لازمة للحزب الذي يدني من سقوط منزلة البهائم .
والاول حزب العقل .
والثاني حزب الشهوة ، المقترن بالخسائس وفضائح النقص .
ومـن يـتـبـع مـايـعـجـب الـنفس لم يزل
مـطـيـعـا لهـا في فـعـل شـيء يضـيـرها
فـنـفـسـك أكـرم عـن أمــور كـثـيـرة
فـمـالـك نـفس بعــدهـا تستـعـيــرهـا
ولا تــقـرب الامــر الحـرام فـإنــمــا
حـلاوتـه تــفـنـى ويـبــقـى مــريرها
معنى

أقول :
إن العقول في استخراجها دفائن المطالب ، وظهورها على إسرار المآرب .
محتاجة إلى رياضات في ميدان تجربة تحفى (174) فيه جياد الهمم ،
____________
(174) الحفى : رقة القدم أو الحافر من كثرة المشي .

( 227 )

وتتعب فيه فرسان الاعتبار .
فإن اضطر العاقل إلى التلبس بأمر خذلت عنده التجارب ، وقصرت عنه وسائل الممارسة .
فالحكم عليه في اجتناء التدبير من شجر بصائر ذوي الرأي ، المصادمين لكتائب الحوادث ، الخائضين في بحار معالجة الدهر ، السالكين مسالك الصواب .
إذا بـلـغ الـــرأي الـمـشـورة فـاسـتـعـن
بـرأي نـصـــيــح أو نـصـاحـة حـازم
ولا تـجـعـل الـشورى عـلـيك غـضـاضـة
فــإن الـخـوافـي (175) قــوة لـلقــوادم
معنى

قلت :
حيث الغالب في بني الدهر الحيد (176) عن مسالك الصواب ، والمباينة لشرف المذاهب .
فالواجب أن يعترف لمن خلص من عثرات المقاصد أوكاد .
معناه حذاراً من تلبس بثياب بغي ، وإقدام على خطر حيف (177)
____________
(175) الخوافي : مادون الريشات العشر من مقدم الجناح .
(176) الحيد : الميل .
(177) الحيف : الظلم .

( 228 )
قـل الـثـقــات فــإن ظـفـرت بـواحـــد
فـاشــدد يـديـك عـلـيـه فـهـو وحـيـــد
معنى

قلت :
شرف عزمات الرجال يلوح في أفق مخالفة الهوى ، ويظهر في مطالع مجاهدة الشهوة .
لا في وفور أفعال الجوارح الخالي من نزال أعداء الحركات ، وأضداد المقاصد الصالحة .
وكــم مـن خـلــة أعـرضـت عــنـها
لـغـيـر قـلـى وكـنـت بـهـا ضــنـيـنا
أردت بـعـادهـا فـصـددت عـنـهــــا
ولـو هـام الـفـؤاد بــهـا جـنـونـــــا
وكذا أقول :
إن برهان العقول مطوي في الاصابة مع قلة الاعتبار وكثرة العوارض ، لا مع وفور الفكرة وسلامة النفس من الشواغل ، أوعدم اطراد الاصابة أو شذوذها .
بـديـــهـتـــه وفـكـــرتـه ســــواء
إذا اشـتـبـهـــت على الــنــاس الامــور
وأحـــزم مـا يـكـون الـدهـر يـومــــا
إذا عــي الـــمـشــــاور والـمـشـيــر

( 229 )

وصـــدر فـيــه لـلـهـــم اتــسـاع
إذا ضـاقــــت مـن الـهـم الصــــدور
معنى
يتعلق بالمحبة
كان يمكن ذكره فيما مضى

من يدعي محبة معالي الامور ، وبغضة خسائس المقاصد .
وهو مع ذلك خدن صريح لاعداء من أحب ، صديق مخلص لخلصاء من أبغض .
من إجابة داعي الراحة والاقبال على مفاكهة سمار الدعة .
خدني النقص ، عدوي شرف المقاصد .
هذا غير معقول في مذاهب المحبين ، وقواعد المتحابين .
وقـف الـهـوى بـي حـيـت أنت فـلـيـس لي
مـتـأخــــر عـنـه ولا مـتـتـقـــــدم
أجـد الـمـلامــة فـي هـــواك لـذيـــذة
حـبـا لـذكــرك فـلـتـلـمـنـي الـلـــوم
أشـبـهــت أعـدائي فـصــرت أحـبـهــم
إذ كـان حـظـي مـنـك حـظـي مــنــهـم
وأهـنـتـنـي فـأهـنـت نـفـسـي صـاغــرا
مـامــن يـهـون عـليــك مـمـن يـكــرم

( 230 )

معنى
عرضته على مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) لما حضرت مشهده
ذمة العرب ، وشمائل قريش ، وعزمات بني هاشم ، ومجدك يا أمير المؤمنين .

وسائل إليك في غوث من حل بربعك ، ولاذ بجنابك ، وتمسك بإذيال جوارك ، واعتصم بحرم دفعك (178) .
فامتنع بحسن نصرك ، وسرى تحت رايات الاعتضاد بك .
قاضية (179) بتنكب طرق التردد ، ونزع لباس الحيرة ، في الوصول بك إلى بغية ، والظفر منك بمراد .
إذ روح الوعد منها يهب به نسيم شرفها ، ويهتف به مقدس فخرها .
وإن لم تنطق به الالسن أو تتحرك به الشفاه .
والكريم إذا أظل سحابه هطل ، وإذا تجلى غمام وعده سكب .
ذكـرت مـواعـيـــد الامـام ابـن هـاشـــم
ومـثـل الـعـطـايـا فـي الاكـف عـداتـــه
فباتت بـنـات الصـدر (180) مـنـي سواكـنـا
وقــد كــان دهــــرا لاتــقـربـنـا تـه
وزكـيـت مــا لــم أحـوه مــن عـداتــه
فـكـنـت كـمـن حـلـت عـلـيـه زكـاتـه
____________
(178) يعني دفع أمير المؤمنين (عليه السلام) الضيم عمن حل بجواره .
(179) صفة « وسائل » المقدمة قريبا .
(180) بنات الصدر 6 الهموم .

( 231 )

فلا يخيبن ـ يا أمير المؤمنين ـ بين هذه الوسائل الامل ، ولا يكذبن من أبواب جودك الرجاء .
فـقــد ضـمـنــت لامـالــي مـآربـهـا
إذا حـلـلت بـوادي ربـعـك الخـضـل (181)
معنى

قلت :
الحنين يحكم فيه قضاة هاتيك المحاسن .
ويسجل بمعناه حكام ظاهر تلك الاخلاق .
وتوضح عن أسراره أنوار محيا ذلك السؤدد .
وتذكربه ملاقاة الاضداد لشرفه ، ومفاجأة الاغيار المنائية (182) لفخره .
فالقلب والعين ممنوعان بالرحلة من رياضتهما ، محجوبان عن بغيتهما .
لايسرحان في رياض نزهة ، ولا يستلمعان بارق أنس .
وهـل أردن مـــاء وردنــــا بـمـثـلــه
جـمـيـعا ، وفي غـصـن الهـوى ورق رطـب
____________
(181) الخضل : الخصيب . وفي هامش المخطوط : « لمصنفه أدام الله أيامه » .
(182) المنائية : المعادية .

( 232 )
وهـل لـي بـدار أنـت فـــيـهـا إقـامــة
فـانـشـر مـاتـطـوي الرسـائل والـكـتـب
سـلـوت الـمـعـالـي إن سلـوتـك سـاعـة
ومـا أنـا إلا بـالـعــلـى مـغـرم صــب
معنى

قلت :
الاخبار عن الحبة يحيي ميت القلوب ، ويفرج مرتج (183) الكروب .
يلذها المحبون كما يلذ المريض الشفاء ، والمسافر المبعد اللقاء .
ويرونها عوضا من مفاكهة من أحبوه ، ومحادثة من أخلصوه .
لـي كـلـمـا ذكــرت أمـيــمـة بـهـجة
ومـسـرة وتـسـعـــر الاشــــــواق
طـابـت وطـاب حـديثهــا فـأعـده لـي
إن الـحـديـث عـن الـحبـــيـب تلاقـي
معنى

قلت :
العجب ممن أعرض بعد إقبال ، وصارم غب وصال .
____________
(183) المرتج : المغلق .

( 233 )

لغير ما جريمة أحدثها الدهر ، أو إساءة ولدها الزمن .
مـنـحـوه بـالـجـزع الـسـلام وأعـرضـوا
بـالـغـور عـنـه فـمـا عـدا مـمـا بــدا
معنى

قلت :
قد ينفث بالقلق الجليد ، وينطق بالجزع الشجاع .
كـم أداري الـزمـان وهـو عـلى الـصـعـ
ـب مـقـيـم ؟ وكــم أكـون جـلـيـدا ؟
عـيـل صـبـري عـلـى نـوائـبـه الـغـر
فـمـا حـيـلـتـي وقـد صـرن ســودا
معنى

قلت :
النفوس غالبا تتطلع إلى ماتقصر عنه خصائصها ، ولا تستوجبه محاسنها .
فإذا صدت عن لوازم حقوقها المفروضة ، وَ وظائف معانيها الميمونة .
ممنوعة عن مقام تنسم ذروته المقصرون ، وبلغ قلته العاجزون .


( 234 )

أبت أو كادت (184) .
إذا لـم يـكــن لـلـفـضـل ثـم مـزيــــة
علـى الـجـهـل فـالـويــل الـطويل من العيـن
معنى

قلت :
ينبغي لذي الاعتبار الصحيح ، أن يغرق في قوس الطلب مظنة تحصيل الاغراض السامية .
غير متعلل عن الاجتهاد بفوات مراده في الاصدار والايراد
عـسـى مـنـهـل يصفـو فـتـروى ظـمـيـة
أطـال صـداها الـمـنـهـل الـمـتـكـــدر
لسان المعرقين في العروبية ، المتسربلين بالاخلاق السرية .
يقول عنهم عند شعفهم (185) ببذل الندى ، واهتزازهم بنسيم الاريحية ، وغرامهم بخوص (186) نحر الجلاد ( 187) .
إذا كـان مـنـا واحـد فـي قـبـــيــلـة
جـلاهـا وإن ضـاق الـخـنـاق حـمــامها
____________
(184) جواب « إذا » .
(185) الشعف : الحب الذي يحرق القلب .
(186) خوص الابل : قربها .
(187) الجلاد : الابل الغزيرات اللبن .

( 235 )
ومـا اشـتــورت إلا وأصـبـح شـيـخـهـا
ولا احـتـربــت إلا وكـان فــتـاهـــا
ولا ضـربـت بـيـن الـقـبابـت خـيـامــه
فـكـان لـمـأوى الـطـارقـيـن سـواهـا
أو يقول عند استنشاق أرج الطارقين ، ووضوح أخبار الواردين :
ومـســتــنـبح والـلـيل هـــاد دعـوتـه
بـشـقـراء (188) مـثـل الـفجـر ذاك وقـودها
فـقـلـت لـه أهـــلا وسـهـلا ومـرحـبـا
بـوارد نــار مـكـــرم مـن يـرودهـــــا
فـإن شـئــت آويــنــاك فـي الحي مكرما
وإن شـئـت بـلـغـنـاك أرضـا تـريــدهـــا
قلت : حيث يعرف الاحبة صحة غرام المحب ، ووفور وفاء الودود .
فلائق بهم بناء بعده على أثبت آساس الاعذار ، وأوضح طرق العجز .
أشـتـاقـكـم حـتـى إذا نـهـض الـهــوى
بــي نـحـوكــم قـعـدت بـي الايـــام
وها أنا أختم هذه المعاني بدعوات ، ضارعا فيها لمليك الارضين والسماوات .
فأقول :
____________
(188) الشقراء : يعني النار .

( 236 )

دعاء

اللهم صل محمد وآل محمد ، واجعل نعمك علينا وقفا على خدمتك ، مبذولة في أشرف متاجر طاعتك .
اللهم لاتجعلها حجة علينا يوم العرض عليك ، والوصول إليك .
حيث العجز عن حجاج عاذر ، وجدال ناصر .
إنك غني كريم ، لطيف عليم .
يخاطبك فقير لئيم حقير قليل .
وقد بسط يديه ، راغبا في هطل برك عليه .
يامــن إليه مددت كفــي * * عطــاؤك الوافــر الجزيل

تم الكتاب ، والحمد لله رب العالمين ، وصلاته على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين .

* * *


( 237 )

وقد وقع الفراغ من تنميقه قبيل الظهر من يوم الثلاثاء السابع عشر من شهر محرم الحرام ، أول سنة ست وثمانين وتسعمائة ، ببلدة أصفهان صينت عن طوارق الحدثان ، بيمين من للعتبة العلمية العلوية الرضية الرضوية على مشرفها الصلاة والسلام والتحية ، من أحقر (؟) بل الكلب الباسط ذراعيه بالوصيد ، العبد الفقير الحقير ، تاج الدين حسين ، وهو بالصاعد شهير ، يسر عليه كل عسير .
والكتاب هذا هو الذي سماه كتاب (زهرة الرياض ونزهة المرتاض) من كلام السيد الفقيه العالم العامل ، جمال الدين ركن الاسلام ، أفضل السادة أنموذج السلف الطاهر ، أبي الفضائل أحمد بن موسى بن جعفر بن محمد الطاووس شرف الله قدره وقدس في الملأ الاعلى ذكره .
وشخص المنقول عنه ماكتب في آخره : بلغ عرضا من نسخة عليها خط محمد بن يحيى بن كرم ، وخط الشيخ العالم محمد بن الحسن الصغاني .
وقد عورض هذا بذاك في ضمن مطالعة ، في مجالس آخرها أول النصف الاخر من ليلة الاحد الواقعة في أوائل النصف الثاني ، من الشهر الاول من السنة السادسة ، من العشر التاسع من المائة العاشرة ، من الهجرة المقدسة (189) ، على من شرفت به وآله الاطهار الابرار المعصومين شرائف
____________
(189) هذا التاريخ يعني أول النصف الثاني من ليلة الاحد ، 16 محرم الحرام ، سنة 986 هـ .
وهو كما ترى ، فقد وهم تاج الدين الصاعد في تأريخ اليوم ، فإن كان يوم الاحد 16| محرم ، فإن يوم الثلاثاء سيكون الثامن عشر منه . فكيف صار يوم الثلاثاء 17| محرم · والله ولي التوفيق .
وإقول : نجز العمل في ضبط نص هذا الكتاب يوم الخميس السادس عشر من ربيع

==


( 238 )

صلوات الله ولطائف تسليماته ، والحمد لله رب العالمين .
ثم الصلاة والسلام والتحية والاكرام على سيد المرسلين وآله الطيبين الطاهرين ، سيما باب مدينة علمه ومرساة سفينة حمله أمير المؤمنين .
ثم الحمد لله رب العالمين على الحمد لله رب العالمين .

* * *
____________
==
الآخر سنة 1410 من الهجرة النبوية على صاحبها وآله ألف ألف صلاة وسلام وتحية .
والحمد لله رب العالمين .