للشهيد الثاني |
اُسامة آل جعفر
الحمد لله كما هو أهله وبما يحب ربي ويرضى ، وصلى الله على نبيه المصطفى ،
ووليه المرتضى ، وأهل بيته العروة الوثقى ، منائر الهدى وسفن النجاة .
وبعد :
فبدءاً أقول : إني لست بصدد استعراض حياة صاحب الرسالة ، أو اضيف
إلى ما كتب شيئا ، وعذري فيما أذهب إليه سببان : أولهما : العجز عن الاحاطة ، وثانيهما :
إن ذا الامر ليس بمحل بحث .
فما نحن فيه لا يعدو كونه أمرا لا مناص منه ، وعرفا أخذ الجميع به ، وتآلفوا
عليه ، فلذا يبدو الاعراض عنه وتجاوزه أمرا شائنا يستقبحه القراء ، ويثير استغرابهم .
ولست أعني فيما ذهبت إليه أن كتب الرجال ، ومحطات السير قد أوفت الامر
حقه ، وأجزلت فيه ما ينبغي أن يكون له ، ويكتفى به .
نعم ـ ولا مجافاة للصدق ـ أقول : إن على هذه الطائفة لكثير من العلماء
الافذاذ عظيم فضل ، وسابغ عطاء ، هو بلا شك دين كبير لا سداد له سوى إحياء ما
عفا عليه الزمن من علوم أفنوا عليها زهرات أعمارهم ، وفورة شبابهم ، وأعدوها بضاعة
جاهزة ، وسفنا فارهة ، لمن أراد الرسو في شواطئ الامان بين هذه البحور المتلاطمة
ولعله من المسلم به أن لعلماء جبل عامل رضوان الله تعالى عليهم اليد
الطولى ، والشطر الكبير من هذا العطاء السابغ ، ونحن إن كنا نعجز أن نفي الشيخ
الطوسي والصدوق والشيخ المفيد بعضا من أفضالهم ، فبالنتيجة نحن أعجز من ذاك
لذي الفضل من اولاء وبالتالي سيبقى الدين ينتظر الوفاء .
فبحق أقول : إن قرى تلك البلدة المباركة أتحفت الطائفة بسيل متدافع من
العلماء الأفاضل بشكل يصعب حصره وعده ، حتى لقد قيل مثلا : « إنه إجتمع في جنازة
قرية من قرى جبل عامل سبعون مجتهدا في عصر الشهيد وما قاربه » (1) .
وذا الرقم كما يستطرد عين القائل لا يتجاوز خمس العلماء المتأخرين ، وبداهة
أن لهذه الصفوف المباركة آثارا وبصمات خالدة ستبقى أبد الدهر .
ناهيك عن أن هناك الجم الوفير من تلك النجوم سطعت في سماء الطائفة
وتعلقت دائما في ذاكرتها وبين شفتيها ، أمثال : الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي
العاملي الكفعمي (2) ، والشيخ عز الدين الحسين بن عبد الصمد العاملي الجبعي (3) ،
والشيخ علي بن عبدالعالي العاملي (4) ، والشيخ محمد بن الحسن بن علي العاملي (5) ،
والسيد محمد بن علي بن الحسين العاملي (6) ، والشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد
ولعل شهيدنا الثاني رضوان الله تعالى عليه قد خلف خلال سنيه القصيرة
(911 ـ 965 هـ) تراثا ضخما ، ووجودا كبيرا ، تجده في مناحي الحياة المختلفة ، حيثما
طرقت ، وأينما قصدت .
فقد جعل رحمه الله تعالى حياته برمتها عطاءا متواصلا ، وبحثا متصلا فأمسى
وكما قيل فيه « . . وبالجملة ، فهو عالم الاوان ومصنفه ، ومعرض البيان ومشنفه ، بتآليف
كأنها الخرائد ، وتصانيف أبهى من القلائد » (8) .
أعطاها ـ وما اقتصد ـ خلاصة جهده وعصارة فكره ، فأفاض فيها علما رغم
شظف عيشه وقساوة حياته ، فلقد عرفه الناس بسيطا ، عائلا « يحرس الكرم ،
ويحتطب لعياله ليلا ويطالع الدروس ، وفي الصباح يلقي الدروس على الطلبة » (9) .
بل كتب كل تلك الجواهر النضيدة تارة بين جدران بيوته الطينية البسيطة ،
واخرى بين أشجار الكروم ، فأبدع في ذلك غاية الابداع ، فكان منها :
1 ـ حاشية الارشاد .
2 ـ منية المريد في آداب المفيد والمستفيد .
3 ـ شرح اللمعة الدمشقية .
4 ـ حاشية القواعد .
5 ـ شرح الشرائع .
6 ـ مسكن الفؤاد عند فقد الأحبة والـولاد .
7 ـ شرح الألفية (المختصر والمتوسط والمطول) .
وغيرها كثير من الكتب والرسائل .
وعود على بدء ، فإن كان من كلمة تقال فإن للأصل الطيب والنشأة الطاهرة
والتربية السليمة عظيم أثر ـ وذا لا يخفى ـ على إعداده ذاك الاعداد الذي عرف به .
فقد درج رضوان الله تعالى عليه بين جدران بيت تفوح من جنباته عبقات
عطر العلم والمعرفة ، والبحث والتأليف .
فأبوه رحمه الله من فضلاء عصره ، وكذا ما ذكر عن جديه وعن باقي إخوته ،
ولذا فقد التصق بالعلم التصاقا والتزمه التزاما .
فقد أخذ على أبيه قراءة الفنون العربية والفقه حتى عام 925 هـ عندما ابتلي
باليتم مبكرا ، فشد الرحال نحو ميس حيث أخذ هناك على الشيخ علي بن عبد العالي
« شرائع الاسلام » و« الارشاد » وأكثر القواعد ، ثم حدا نحو كرك عام 933 هـ وأخذ
هناك على السيد حسن بن جعفر جملة من العلوم مثل « قواعد ميثم البحراني » في
الكلام والتهذيب في اصول الفقه ، و« العمدة الجلية في الاصول الفقهية » وغيرها .
وبعدها قصد نحو دمشق وأخذ فيها على الشيخ شمس الدين محمد بن
مكي ، والشيخ أحمد بن جابر ، فقرأ كتاب « شرح الموجز النفيسي » وكتاب « غاية
القصد في معرفة الفصد » وهما من كتب الطب ، وكذا « فصول الفرغاني » وبعض
« حكمة الاشراق » للسهروردي وغيرها .
وأما مصر فشهدته عام 942 هـ ، فأخذ فيها على جملة من فضلاء علمائها مثل
الشيخ شهاب الدين أحمد الرملي الشافعي ، والملا حسين الجرجاني ، والملا محمد
الاسترابادي وغيرهم .
وذكر أن « همته ارتفعت به إلى طلب التدريس في المدارس العامة ، فسافر إلى
استانبول لذلك ، ونال قبولا تامّاً من أرباب الدولة ، واعطي تدريس المدرسة النورية
في بعلبك ـ ولم يحتج إلى شهادة قاضي صيدا ، كما هو معمول عليه في ذلك الوقت ، ولا
يمكن أخذ التدريس بدونه وذلك بسبب تأليفه خلال (18) يوما رسالة في عشر
مسائل من مشكلات العلوم ـ فأقام فيها خمس سنين يدرس في المذاهب الخمسة ،
ويعاشر كل فرقة بمقتضى مذهبهم ، والحق أن ذلك اقتدار عظيم ، وعلو همة ما عليه
وهكذا فقد كان رحمه الله تعالى له باعا طويلا في كل شيء ، فأتحف بعلمه
الغزير طلاب العلم ومريدي البحث فتخرج منهم جملة من الفضلاء والعلماء ، أمثال :
1 ـ السيد نور الدين علي بن الحسين العاملي .
2 ـ السيد علي بن الحسين بن محمد الحسيني العاملي .
3 ـ الشيخ أبوالقاسم نور الدين علي بن عبد الصمد العاملي .
4 ـ السيد علي بن أبي الحسن الموسوي العاملي .
5 ـ السيد محمد بن الحسن (الملقب بالحر العاملي المشغري) .
وبقي رضوان الله تعالى عليه شعلة متقدة تلقي ببريقها اللامع نورا يضيء
زوايا العتمة ، وينشر الخير في كل مكان ، حتى ضاق به حساده ، وذوي الافكار
المنحرفة ، فأقدموا على الوشاية به إلى السلطان فأرسل في طلبه ، حيث قبض عليه
بالمسجد الحرام بعد فراغه من صلاة العصر ، وأخرجوه إلى بعض دور مكة ، وبقي
محبوسا هناك شهرا وعشرة أيام ، ثم ساروا به على طريق البحر إلى القسطنطينية وقتلوه
بها ، وبقي مطروحا ثلاثة أيام ، ثم ألقوا جسده الشريف في البحر . . . وأخذ قاتله رأسه
إلى السلطان فأنكر ذلك عليه . . وقتله (11) (12).
*
*
*
والنسخة المعتمدة هي التي في مكتبة الإمام الرضا عليه السلام في مشهد ،
برقم 8889 ع ، تاريخها سنة 989 هـ ، والحمد لله رب العالمين .اسامة آل جعفر
وبه نستعين
الحمد لله حق حمده ، والصلاة على محمد نبيه وعبده ، وعلى آله وصحبه وجنده ،
والتابعين لهم بإحسان من بعده وسلم تسليما .
وبعد :
فقد قال النبي صلى الله عليه وآله ـ فيما رواه عن (1) الخاص والعام من جوامع
الكلام وأبلغ العظات المنبهة للنيام ـ : « الدنيا مزرعة الآخرة » (2) .
فنظرنا بعين الاعتبار وتأملنا بطريق الاستبصار ، فرأينا أن المزرعة تحتاج إلى
بذر صاف من شوائب الاغيار خالص عن مخالطة ما يوجب التلاشي والبوار ، واقعا
في وقته المعد لصلاحه ، مقدما عليه ما يحتاج إليه من الشرائط ورفع الموانع ، مراعيا
حاله ، كذلك إلى أوان حصاده ، وإن أخل بشيء من ذلك أدى الاخلال إلى فساده .
ولا يخفى أن الزرع في هذه الدار للآخرة إنما هو الأعمال الصالحة ، ومتاجرها
الرابحة ، وزمان ـ هذه المعاملة : العمر ، وكسبها وتحصيل غلتها : الجنة ، الدائم
اكلها ، الخالية عن شوب (3) الاكدار والنقائص ، والهم والغم ، والحر والبرد ، وغير ذلك
من المنافيات ، فهي سرور لا غم معه ، وبقاء لا فناء معه ، ولذة لا ألم معها ، وغنى لا
فقر معه ، وكمال لا نقصان معه ، وعز لا ذل معه .
وبالجملة ، كل ما يطلبه الطالب ، أو يتصور طلبه ، فهو حاصل فيها ، وكل ما
يهرب عنه ويرد العبد عنه فهو منفي عنها ، وحيث كان البذر هو الطاعات والمعارف ،
فمحل البذر وأرضه هو النفس الانسانية ، وتكليفها بهذه العبادات بمنزلة تقليب
الأرض وإعدادها للزراعة وسياقة الماء إليها .
والنفس المستغرقة بحب الدنيا والميل إليها كالأرض السبخة ، التي لا تقبل
الزرع والانبات بمخالطة الأجزاء الملحية ، ويوم القيامة يوم الحصاد ، ولا حصاد إلا
من زرع ، ولا زرع إلا من بذر .
كما لا ينتفع البذر في أرض سبخة كذلك لا ينتفع إيمان ولا أعمال مع خبث
النفس وسوء الأخلاق ، وينبغي للعاقل إذا أراد أن يرجو ثواب الله تعالى في الآخرة
أن يقيس رجاءه لذلك برجاء صاحب الزرع ، لان النبي صلى الله عليه وآله وسلم
جعل الدنيا مزرعة الآخرة بهذا المعنى .
فكما أن من طلب أرضا طيبة وبذرها في وقت الزراعة بذرا غير متعفن ولا
متآكل ، ثم أخذه بالماء العذب وسائر ما يحتاج إليه في أوقاته ، ثم طهره عن مخالطة ما
يمنع نباته من شوك ونحوه ، ثم انتظر من فضل الله رفع الصواعق والآفات المفسدة
إلى تمام زرعه وبلوغ غايته ، كان ذلك رجاء في موضعه ، واستحق اسم الرجاء إذا كان
في مظنة أن يفوز بمقاصده من ذلك الزرع ، ومن بذره في الارض كذلك ، لا أنه بذر في
آخر الوقت ، ولم يبادر إليه في وقته ، أو قصر في بعض أسبابه ، ثم أخذ ينتظر ثمرة ذلك
الزرع ، ويرجو سلامته فهو في جملة الراجين أيضا ، ولكنه لا يصل إلى مقدار محصول
الاول .
ومن لم يحصل على بذر صالح أو بذر في أرض سبخة ، أو ذات شاغل عن
الانبات ، ثم أخذ ينتظر الحصاد فذلك الانتظار حمق ، والرجاء كاذب ، وهكذا حال
العبد ، إن بذر المعارف والاعمال الصالحة في أرض نفسه في وقته وهو مقبل (4) العمر ،
وداوم على سقيه بالطاعات ، واجتهد في طهارة نفسه عن شوك الاخلاق الردية ، التي
تمنع نماء ما زرع ، وانتظر من فضل الله أن ينته على ذلك إلى زمان وصوله وحصاد عمله ،
فذلك الانتظار هو الرجاء المحمود ، وهو درجة السابقين .
وإن ألقى في نفسه لكنه قصر في بعض أسبابه ، أما بتقصيره في تنقية البذر ،
وإذا لم يزرع في نفسه أصلا ، أو زرع ولم يسقه بماء الطاعة ، أو ترك نفسه
مشغولة بشوك الاخلاق المذمومة الردية ، وانهمك في طلب آفات الدنيا ، ثم انتظر
المغفرة والفضل من الله تعالى ، فذلك الرجاء غرور ، وليس برجاء في الحقيقة .
وهذا هو القائل يوم القيامة يوم الحسرة والندامة ( يا ليتني قدمت لحياتي *
فيومئذ لا يعذب عذابه أحد * ولا يوثق وثاقه أحد) (5) .
وفي هذا المعنى قيل :
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : « الاحمق من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على
الله » (7) .
وقال تعالى ( فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا
الادنى ويقولون سيغفر لنا ) (8) .
وإلى المراتب الثلاث أشار علي عليه السلام في كلامه بقوله : « ساع سريع
نجا ، وطالب بطئ رجا ، ومقصر في النار » (9) .
واعلم أيضا أن التأهب للصلاة في أول وقتها بالطهارة والستر قبلها بمنزلة
تطيب الارض للزراعة قبلها .
والصلاة في أول الوقت بمنزلة الزرع في أول وقت المطر .
ومراعاة الاخلاص والاقبال على الصلاة بالقلب وتخليصها من شوائب
الرياء والعجب وغيره بمنزلة البذر في أرض خالصة ، وتنقيته من الشوك والحشيش
الغريب .
وهذا هو السابق الذي يحسن منه رجاء الغلة الوافرة والحصاد في وقته .
فأما فعل الفرائض بدون السنن في أول الوقت ، فبمنزلة البذر في أرض أولا
بغير تقديم الفلاحة .
وشوبها بالاخلاق الفاسدة ، والغفلة بمنزلة الشوك والحشيش المضر بالزرع ،
وإن كان بذره جيدا .
والصلاة في آخر الوقت بمنزلة الزرع في آخره ، لا يدرك من غلته ما يدركه
المبادر فإن انضم إلى ذلك فساد الارض وقلة الماء وغيرهما فسد رأسا .
فما ظنك بمن يترك الزرع أصلا ، فهذا مجمل القول في سر قوله صلى الله
عليه وآله وسلم : « الدنيا مزرعة الآخرة » .
واعلم أن أوامر الله على فرائض ونوافل ، فالفرائض : رأس المال ، وبه أصل
التجارة ، والنفل هو : الربح ، وبه الفوز بالدرجات .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : قال الله تعالى « ما تقرب إلي
المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم ، ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى
احبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي
ينطق به » (10) .
ولن تصل أيها الطالب إلى القيام بأوامر الله تعالى إلا بمراقبة قلبك
وجوارحك في لحظاتك وأنفاسك ، من حين تصبح إلى حين تمسي .
واعلم أن الله تعالى يطلع على ضميرك ، ومشرف على ظاهرك وباطنك ، ومحيط
على خطراتك ولحظاتك وخطواتك ، وسائر سكناتك وحركاتك ، في مخالطتك وخلواتك ،
متردد بين يديه ، فلا يسكن في الملك والملكوت ساكن ، ولا يتحرك متحرك إلا وجبار
السماوات مطلع عليه .
فتأدب أيها المسكين ظاهرا وباطنا بين يدي الله تعالى ، تأدب العبد الذليل في
حضرة القاهر القادر ، واجتهد أن لا يراك مولاك حيث نهاك ، ولا يفقدك حيث أمرك ،
فذلك هو التقوى التي أمر الله تعالى بها ، ورتب عليها في كتابه الكريم فوائد كثيرة
( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) (11) ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا *
ويرزقه من حيث لا يحتسب) (12) .
ولا يتم لك ذلك إلا بأن تخصص عمرك القصير ، بأن توزع أوقاتك ، وترتب
أورادك من صباحك إلى مسائك ، فإصغ إلى ما يلقى إليك من أوامر الله تعالى ، فإذا
استيقظت من منامك فاجتهد أن تستيقظ قبل طلوع الفجر ، وليكن أول ما يجري على
قلبك ولسانك ذكر الله تعالى ، وقل عند ذلك : الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه
النشور (13) ، أصبحنا وأصبح الملك لله (14) ، والعظمة لله ، والسلطان لله ، والعزة لله ، والقدرة
لله ، أصبحنا على فطرة الاسلام ، وعلى كلمة الاخلاص ، وعلى دين نبيا محمد صلى
الله عليه وآله وسلم ، وعلى ملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين (15) .
اللهم إنا نسألك أن تبعثنا في هذا اليوم إلى كل خير ، ونعوذ بك آن نجترح
فإذا لبست ثيابك فانو به امتثال أوامر الله تعالى في ستر عورتك ، واحذر أن
يكون قصدك من لباسك مراءاة الخلق .
فإذا قصدت بيت الخلاء لقضاء حاجة فقدم في الدخول رجلك اليسرى ، وفي
الخروج رجلك اليمنى (16) ، ولا تستصحب شيئا عليه اسم الله تعالى ، وقل عند
الدخول : بسم الله ، أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم ،
وعند الخروج : الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني ، وأبقى علي ما ينفعني ، يالها نعمة (17) .
فإذا أردت الوضوء فلا تترك السواك ، فإنه مطهرة للفم ، ومرضاة للرب (18) ،
وصلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بغير سواك (19) .
ثم اجلس للوضوء مستقبل القبلة ، فخير المجالس ما استقبل به (20) .
وقل : بسم الله الرحمن الرحيم ، ثم اغسل يديك وقل : اللهم إني أسألك
اليمن والبركة ، وأعوذ بك من الشؤم والهلكة .
ثم إنو بالوضوء استباحة الصلاة لله تعالى ، وتمضمض واستنشق ثلاتا ثلاثا
كل مغرفة .
وقل في المضمضة : اللهم لقني حجتي يوم ألقاك ، وأنطق لساني بذكرك .
وعند الاستنشاق : اللهم لا تحرم علي طيبات الجنان ، واجعلني ممن يشم ريحها
وروحها وطيبها .
وعند غسل وجهك : اللهم بيض وجهي يوم تسود فيه الوجوه ، ولا تسود
وجهي يوم تبيض فيه الوجوه .
وعند غسل اليد اليمنى : اللهم أعطني كتابي بيميني ، والخلد في الجنان بشمالي ،
وحاسبنى حسابا يسيرا .
وعند غسل اليسرى : اللهم لا تعطني كتاب بشمالي ، ولا تجعلها مغلولة إلى
عنقي ، وأعوذ بك من مقطعات النار .
وعند مسح الرأس : اللهم غشني برحمتك وبركاتك .
وعند الرجلين : اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل فيه الاقدام ، وإجعل
سعيي فيما يرضيك عني ، ياذا الجلال والاكرام (21) .
فإذا فرغ (22) من الوضوء قال (23) : اللهم إني أسألك تمام الوضوء وتمام الصلاة
وتمام رضوانك والجنة (24) .
فإذا أردت الخروج إلى المسجد فقل عند دخوله : بسم الله وبالله ، ومن الله
وإلى الله ، وخير الاسماء لله ، توكلت على الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ،
اللهم صل على محمد وآل محمد ، وافتح لي أبواب رحمتك ، وأغلق عني أبواب معصيتك ،
واجعلني من زوارك وعمار مساجدك ، وممن يناجيك بالليل والنهار ومن ( الذين هم في
صلاتهم خاشعون (25)) (26) .
ولا تدع الصلاة جماعة إلا من علة (27) ، فإن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد
بسبع وعشرين درجة ، فإن كانت خلف عالم كانت بألف صلاة (28) ، فإن كنت تتساهل
(في هذا مثل) (29) الربح فأنت أحمق ، لان من باع سلعة قيمتها مائة بخمسين عد غير
رشيد ، هذا مع كون الربح ما يفنى ، فكيف بما يبقى ثوابه أبد الآبدين ، وإذا اضيف
إلى ذلك ثواب الصلاة في المسجد الجامع فهي بمائة صلاة في غيره (30) ، وإن لم تكن
جماعة ، ولا صلاة لجار المسجد إلا فيه (31) .
وروي أن المساجد شكت إلى الله تعالى من جيرانها الذين لا يشهدونها ،
فأوحى الله تعالى إليها : وعزتي وجلالي لا قبلت لهم صلاة واحدة ، ولا أظهرت لهم في
الناس عدالة ، ولا نالتهم رحمتي ، ولا يجاوروني في جنتي (32) .
فإذا دخلت المسجد فابدأ أولا بركعتين تحية للمسجد (32) ، وكذا تفعل كلما
دخلته ، إلا أن تخاف ضيق الوقت ، فابدأ بالفريضة ، وتأدت بها التحية .
ثم صل سنة الفجر ركعتين ، وقل بعدهما : اللهم إني أسألك رحمة من عندك
تهدي بها قلبي . . إلى آخر الدعاء (34) ، فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يواظب
على ذلك .
فإذا فرغت من الدعاء فلا تشتغل إلى أداء الفريضة إلا بذكر أو تسبيح أو
فإذا فرغت من جواب المؤذن فقل : اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة
القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة ، والدرجة العالية الرفيعة ، وابعثه المقام المحمود
الذي وعدته ، إنك لا تخلف الميعاد (36) .
فإذا أحرم الامام بالفرض فلا تشتغل إلا بالاقتداء ، فإذا فرغت من الصلاة
فقل اللهم صل على محمد وآل محمد ، اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك يرجع
السلام ، حينا ربنا بالسلام ، فأدخلنا دار السلام ، تباركت وتعاليت يا ذا الجلال
والاكرام ، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقولها إذا انصرف من صلاته ،
وفي بعض الروايات إنه كان يقول : اللهم أنت السلام ومنك السلام ، تباركت يا ذا
الجلال والاكرام (37) .
ثم تقول : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ،
وهو على كل شيء قدير ، عشر مرات (38) .
ثم تقول : لا إله إلا الله ، إلها واحدا ، ونحن له مسلمون . . إلى آخر الدعاء (39) .
ثم تسبح تسبيح الزهراء عليها السلام ، علمها إياه النبي صلى الله عليه وآله
وسلم .
وقد روي أن : ما عبد الله بشيء أفضل منه ، ولو كان شيئا أفضل منه لنحله
رسول لله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام (40) ، وهو : ثلاثة وثلاثون
تسبيحة ، وثلاثة وثلاثون تحميدة ، وأربعة وثلاثون تكبيرة ، ويتخير بين البدأة بالتسبيح
كما ذكرنا وبين البدأة بالتكبير ، وكل منهما مروي (41)
ثم يقول : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، ثلاثين مرة ، فإنها
تدفع الهرم ، والحرق ، والغرق ، والتردي في (البئر) (42) ، وأكل السبع ، وميتة السوء ، والبلية
التي نزلت على العبد في ذلك اليوم (43) ، ثم ادع بعد ذلك بالادعية الجوامع الكوامل
المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
فمنها عنه صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم إني أسألك من الخير كله ، عاجله
وآجله ، ما علمت منه وما لم أعلم ، أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ونية ، وأعوذ
بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ونية ، أسألك بما سألك به عبدك ونبيك
وحبيبك محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، اللهم ما قضيت لي من أمر فاجعل عاقبته
رشدا .
ثم قل : يا حي ياقيوم ، برحمتك أستغيث ، فلا تكلني إلى نفسي ، ولا إلى أحد
من خلقك طرفة عين ، وأصلح لي شأني كله .
ثم قل : اللهم أنت ثقتي في كل كربة ، وأنت رجائي في كل شدة ، وأنت لي
وقل : أستودع الله العلي العظيم الاعلى الجليل العظيم ، ديني ونفسي وأهلي
ومالي وولدي ، وجميع ما رزقني ربي ، وجميع من يعنيني أمره ، أستودع الله المرهوب
المخوف ، المتضعضع لعظمته كل شيء ، ديني ونفسي وأهلي ومالي وولدي وإخواني
المؤمنين ، وجميع ما رزقني ربي ، وجميع ما يعنيني أمره (46) .
وقل : أعوذ نفسي وديني وأهلي ومالي وولدي وإخواني في ديني ، وما رزقني ربي ،
ومن يعنيني أمره بالله الواحد الاحد الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له
كفوا أحد ، وبرب الفلق من شر ما خلق ، ومن شر النفاثات في العقد ، ومن شر حاسد
إذا حسد ، وبرب الناس ، ملك الناس ، إله الناس ، من شر الوسواس الخناس ،
الذي يوسوس في صدور الناس ، من الجنة والناس (47) .
وقل : حسبي الله ربي ، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ، ما شاء الله كان ،
وما لم يشأ لم يكن ، أشهد وأعلم أن الله على كل شيء قدير ، وأن الله قد أحاط بكل
شيء علما .
اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي ، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها ،
وتقرأ اثني عشر مرة ( قل هو الله أحد ) ، وتقول : اللهم إني أسألك باسمك
المكنون المخزون ، الطاهر المطهر المبارك ، وأسألك باسمك العظيم ، وسلطانك القديم ،
يا واهب العطايا ، يا مطلق الاسارى ، يا فاك الرقاب من النار أسألك أن تصلي على
محمد وآل محمد ، وأن تعتق رقبتي من النار ، وأخرجني من الدنيا سالما ، وأدخلني الجنة
آمنا ، وأن تجعل دعائي أوله فلاحا ، وأوسطه نجاحا ، وآخره صلاحا ، إنك أنت علام
الغيوب (49) .
وتقول : اللهم ببرك القديم ، ورأفتك ببريتك اللطيفة ، وشفقتك [ بصنعتك ] (50)
المحكمة ، وقدرتك بسترك الجميل ، صلِّ على محمد وآل محمد ، وأحي قلوبنا بذكرك ،
واجعل ذنوبنا مغفورة ، وعيوبنا مستورة ، وفرائضنا مشكورة ، ونوافلنا مبرورة ، وقلوبنا
بذكرك معمورة ، ونفوسنا بطاعتك مسرورة ، وعقولنا على توحيدك مجبورة ، وأرواحنا
على دينك مفطورة ، وجوارحنا على خدمتك مقهورة ، وأسماءنا في خواصك مشهورة ،
وحوائجنا لديك ميسورة ، وأرزاقنا من خزائنك مدرورة ، إنك أنت الله لا إله إلا أنت ،
لقد فاز من والاك ، وسعد من ناجاك ، وعز من ناداك ، وظفر من رجاك ، وغنم من
قصدك ، وربح من تاجرك (51) .
فإذا فرغت من الدعاء فاسجد سجدتي الشكر ، وعفر جبينك بينهما ، وقل في
كل واحدة : شكرا شكرا ، ثلاثا ثلاثا (52) . وما زاد فهو أفضل ، وقل فيهما أيضا : رب
ظلمت نفسي ، واعترفت بذنبي ، فاغفر لي ، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت (53) .
تمت مقدمة « الدنيا مزرعة الآخرة » تأليف الشيخ الفاضل الكامل العالم
العامل خاتمة المجتهدين المرحوم الشيخ زين الدين تغمده الله تعالى برحمته وأسكنه
بحبوحة جنته بمحمد وآله وعترته ، على يد الفقير إلى الله الغني ، علي بن شجاع
الكركي ، للسيد الفاضل الكامل العالم العامل التقي النقي حسين ابن السيد حيدر
الحسيني الكركي ، وفقه لمراضيه ، ومنحه ما يرضيه بمحمد وآله وذراريه ، وغفر الله
لنا ولوالدينا وله ولوالديه بمحمد وآله الطاهرين ، وكان ذلك ضحوة الاثنين سادس
من شهر ربيع الاول سنة 989 .
*
*