صلةقبل

من ذخائر التراث


« الدنيا مزرعة الآخرة »
للشهيد الثاني

اُسامة آل جعفر



المقدمة :

الحمد لله كما هو أهله وبما يحب ربي ويرضى ، وصلى الله على نبيه المصطفى ، ووليه المرتضى ، وأهل بيته العروة الوثقى ، منائر الهدى وسفن النجاة .
وبعد :
فبدءاً أقول : إني لست بصدد استعراض حياة صاحب الرسالة ، أو اضيف إلى ما كتب شيئا ، وعذري فيما أذهب إليه سببان : أولهما : العجز عن الاحاطة ، وثانيهما : إن ذا الامر ليس بمحل بحث .
فما نحن فيه لا يعدو كونه أمرا لا مناص منه ، وعرفا أخذ الجميع به ، وتآلفوا عليه ، فلذا يبدو الاعراض عنه وتجاوزه أمرا شائنا يستقبحه القراء ، ويثير استغرابهم .
ولست أعني فيما ذهبت إليه أن كتب الرجال ، ومحطات السير قد أوفت الامر حقه ، وأجزلت فيه ما ينبغي أن يكون له ، ويكتفى به .
نعم ـ ولا مجافاة للصدق ـ أقول : إن على هذه الطائفة لكثير من العلماء الافذاذ عظيم فضل ، وسابغ عطاء ، هو بلا شك دين كبير لا سداد له سوى إحياء ما عفا عليه الزمن من علوم أفنوا عليها زهرات أعمارهم ، وفورة شبابهم ، وأعدوها بضاعة جاهزة ، وسفنا فارهة ، لمن أراد الرسو في شواطئ الامان بين هذه البحور المتلاطمة


( 212 )

بالفتن والبلايا .
ولعله من المسلم به أن لعلماء جبل عامل رضوان الله تعالى عليهم اليد الطولى ، والشطر الكبير من هذا العطاء السابغ ، ونحن إن كنا نعجز أن نفي الشيخ الطوسي والصدوق والشيخ المفيد بعضا من أفضالهم ، فبالنتيجة نحن أعجز من ذاك لذي الفضل من اولاء وبالتالي سيبقى الدين ينتظر الوفاء .
فبحق أقول : إن قرى تلك البلدة المباركة أتحفت الطائفة بسيل متدافع من العلماء الأفاضل بشكل يصعب حصره وعده ، حتى لقد قيل مثلا : « إنه إجتمع في جنازة قرية من قرى جبل عامل سبعون مجتهدا في عصر الشهيد وما قاربه » (1) .
وذا الرقم كما يستطرد عين القائل لا يتجاوز خمس العلماء المتأخرين ، وبداهة أن لهذه الصفوف المباركة آثارا وبصمات خالدة ستبقى أبد الدهر .
ناهيك عن أن هناك الجم الوفير من تلك النجوم سطعت في سماء الطائفة وتعلقت دائما في ذاكرتها وبين شفتيها ، أمثال : الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي العاملي الكفعمي (2) ، والشيخ عز الدين الحسين بن عبد الصمد العاملي الجبعي (3) ، والشيخ علي بن عبدالعالي العاملي (4) ، والشيخ محمد بن الحسن بن علي العاملي (5) ، والسيد محمد بن علي بن الحسين العاملي (6) ، والشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد
____________
(1) مجالس المؤمنين : 31 .
(2) من الفضلاء والاعلام ، له كتاب المصباح ، « وهو جنة الامان الواقية وجنة الايمان الباقية » وكتاب البلد الامين (840 ـ 905 هـ) .
(3) والد الشيخ البهائي ، له كتاب الأربعين حديثا ، وحاشية الارشاد ، وشرح الرسالة الألفية وغيرها.
(4) من اعلام الطائفة ، له مصنفات كثيرة منها : شرح القواعد ، شرح الشرائع ، شرح الألفية ، حاشية الارشاد ، وغيرها .
(5) الشيخ الحر ، صاحب الوسائل ، غني عن التعريف (ت 1104 هـ) .
(6) علم من أعلام الطائفة ، له كتاب مدارك الاحكام ، وحاشية الاستبصار وحاشية التهذيب ، وغيرها (ت 1009 هـ) .

( 213 )

أبن مكي العاملي (7) .
ولعل شهيدنا الثاني رضوان الله تعالى عليه قد خلف خلال سنيه القصيرة (911 ـ 965 هـ) تراثا ضخما ، ووجودا كبيرا ، تجده في مناحي الحياة المختلفة ، حيثما طرقت ، وأينما قصدت .
فقد جعل رحمه الله تعالى حياته برمتها عطاءا متواصلا ، وبحثا متصلا فأمسى وكما قيل فيه « . . وبالجملة ، فهو عالم الاوان ومصنفه ، ومعرض البيان ومشنفه ، بتآليف كأنها الخرائد ، وتصانيف أبهى من القلائد » (8) .
أعطاها ـ وما اقتصد ـ خلاصة جهده وعصارة فكره ، فأفاض فيها علما رغم شظف عيشه وقساوة حياته ، فلقد عرفه الناس بسيطا ، عائلا « يحرس الكرم ، ويحتطب لعياله ليلا ويطالع الدروس ، وفي الصباح يلقي الدروس على الطلبة » (9) .
بل كتب كل تلك الجواهر النضيدة تارة بين جدران بيوته الطينية البسيطة ، واخرى بين أشجار الكروم ، فأبدع في ذلك غاية الابداع ، فكان منها :
1 ـ حاشية الارشاد .
2 ـ منية المريد في آداب المفيد والمستفيد .
3 ـ شرح اللمعة الدمشقية .
4 ـ حاشية القواعد .
5 ـ شرح الشرائع .
6 ـ مسكن الفؤاد عند فقد الأحبة والـولاد .
7 ـ شرح الألفية (المختصر والمتوسط والمطول) .
وغيرها كثير من الكتب والرسائل .
____________
(7) الشهيد الاول ، أجل من ان يعرف ، استشهد عام 786 هـ .
(8) روضات الجنات 3 : 361
(9) لؤلؤة البحرين : 30 ، أعيان الشيعة 7 : 145 .

( 214 )

وعود على بدء ، فإن كان من كلمة تقال فإن للأصل الطيب والنشأة الطاهرة والتربية السليمة عظيم أثر ـ وذا لا يخفى ـ على إعداده ذاك الاعداد الذي عرف به .
فقد درج رضوان الله تعالى عليه بين جدران بيت تفوح من جنباته عبقات عطر العلم والمعرفة ، والبحث والتأليف .
فأبوه رحمه الله من فضلاء عصره ، وكذا ما ذكر عن جديه وعن باقي إخوته ، ولذا فقد التصق بالعلم التصاقا والتزمه التزاما .
فقد أخذ على أبيه قراءة الفنون العربية والفقه حتى عام 925 هـ عندما ابتلي باليتم مبكرا ، فشد الرحال نحو ميس حيث أخذ هناك على الشيخ علي بن عبد العالي « شرائع الاسلام » و« الارشاد » وأكثر القواعد ، ثم حدا نحو كرك عام 933 هـ وأخذ هناك على السيد حسن بن جعفر جملة من العلوم مثل « قواعد ميثم البحراني » في الكلام والتهذيب في اصول الفقه ، و« العمدة الجلية في الاصول الفقهية » وغيرها .
وبعدها قصد نحو دمشق وأخذ فيها على الشيخ شمس الدين محمد بن مكي ، والشيخ أحمد بن جابر ، فقرأ كتاب « شرح الموجز النفيسي » وكتاب « غاية القصد في معرفة الفصد » وهما من كتب الطب ، وكذا « فصول الفرغاني » وبعض « حكمة الاشراق » للسهروردي وغيرها .
وأما مصر فشهدته عام 942 هـ ، فأخذ فيها على جملة من فضلاء علمائها مثل الشيخ شهاب الدين أحمد الرملي الشافعي ، والملا حسين الجرجاني ، والملا محمد الاسترابادي وغيرهم .
وذكر أن « همته ارتفعت به إلى طلب التدريس في المدارس العامة ، فسافر إلى استانبول لذلك ، ونال قبولا تامّاً من أرباب الدولة ، واعطي تدريس المدرسة النورية في بعلبك ـ ولم يحتج إلى شهادة قاضي صيدا ، كما هو معمول عليه في ذلك الوقت ، ولا يمكن أخذ التدريس بدونه وذلك بسبب تأليفه خلال (18) يوما رسالة في عشر مسائل من مشكلات العلوم ـ فأقام فيها خمس سنين يدرس في المذاهب الخمسة ، ويعاشر كل فرقة بمقتضى مذهبهم ، والحق أن ذلك اقتدار عظيم ، وعلو همة ما عليه


( 215 )

من مزيد ، لا سيما مع شدة الخوف في تلك الاعصار بسبب التعصبات المذهبية » (10) .
وهكذا فقد كان رحمه الله تعالى له باعا طويلا في كل شيء ، فأتحف بعلمه الغزير طلاب العلم ومريدي البحث فتخرج منهم جملة من الفضلاء والعلماء ، أمثال :
1 ـ السيد نور الدين علي بن الحسين العاملي .
2 ـ السيد علي بن الحسين بن محمد الحسيني العاملي .
3 ـ الشيخ أبوالقاسم نور الدين علي بن عبد الصمد العاملي .
4 ـ السيد علي بن أبي الحسن الموسوي العاملي .
5 ـ السيد محمد بن الحسن (الملقب بالحر العاملي المشغري) .
وبقي رضوان الله تعالى عليه شعلة متقدة تلقي ببريقها اللامع نورا يضيء زوايا العتمة ، وينشر الخير في كل مكان ، حتى ضاق به حساده ، وذوي الافكار المنحرفة ، فأقدموا على الوشاية به إلى السلطان فأرسل في طلبه ، حيث قبض عليه بالمسجد الحرام بعد فراغه من صلاة العصر ، وأخرجوه إلى بعض دور مكة ، وبقي محبوسا هناك شهرا وعشرة أيام ، ثم ساروا به على طريق البحر إلى القسطنطينية وقتلوه بها ، وبقي مطروحا ثلاثة أيام ، ثم ألقوا جسده الشريف في البحر . . . وأخذ قاتله رأسه إلى السلطان فأنكر ذلك عليه . . وقتله (11) (12).

****

والنسخة المعتمدة هي التي في مكتبة الإمام الرضا عليه السلام في مشهد ، برقم 8889 ع ، تاريخها سنة 989 هـ ، والحمد لله رب العالمين .

اسامة آل جعفر


____________
(10) أعيان الشيعة 7 : 145 .
(11) لؤلؤة البحرين : 33 .
(12) لم نذكر إلا شذرات متفرقة من ترجمته ، ولمزيد من البحث ، انظرة أمل الآمل : 85 ، رياض العلماء 3 : 387 ، ريحانة الادب 3 : 280 ، الاعلام ـ للزركلي ـ 3 : 64 ، الفوائد الرضوية : 186 ، مصفى المقال : 183 ، إيضاح المكنون 4 : 479 ، الذريعة : متفّرقاً ضمن مؤلفاته ، أعيان الشيعة 7 : 143 ، لؤلؤة البحرين : 28 .

( 216 )

صورة الورقة الاولى من النسخة المحفوظة في مكتبة الامام الرضا عليه السلام في مشهد


( 217 )

صورة الورقة الأخيرة من النسخة


( 218 )

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمد لله حق حمده ، والصلاة على محمد نبيه وعبده ، وعلى آله وصحبه وجنده ، والتابعين لهم بإحسان من بعده وسلم تسليما .
وبعد :
فقد قال النبي صلى الله عليه وآله ـ فيما رواه عن (1) الخاص والعام من جوامع الكلام وأبلغ العظات المنبهة للنيام ـ : « الدنيا مزرعة الآخرة » (2) .
فنظرنا بعين الاعتبار وتأملنا بطريق الاستبصار ، فرأينا أن المزرعة تحتاج إلى بذر صاف من شوائب الاغيار خالص عن مخالطة ما يوجب التلاشي والبوار ، واقعا في وقته المعد لصلاحه ، مقدما عليه ما يحتاج إليه من الشرائط ورفع الموانع ، مراعيا حاله ، كذلك إلى أوان حصاده ، وإن أخل بشيء من ذلك أدى الاخلال إلى فساده .
ولا يخفى أن الزرع في هذه الدار للآخرة إنما هو الأعمال الصالحة ، ومتاجرها الرابحة ، وزمان ـ هذه المعاملة : العمر ، وكسبها وتحصيل غلتها : الجنة ، الدائم اكلها ، الخالية عن شوب (3) الاكدار والنقائص ، والهم والغم ، والحر والبرد ، وغير ذلك من المنافيات ، فهي سرور لا غم معه ، وبقاء لا فناء معه ، ولذة لا ألم معها ، وغنى لا فقر معه ، وكمال لا نقصان معه ، وعز لا ذل معه .
وبالجملة ، كل ما يطلبه الطالب ، أو يتصور طلبه ، فهو حاصل فيها ، وكل ما يهرب عنه ويرد العبد عنه فهو منفي عنها ، وحيث كان البذر هو الطاعات والمعارف ، فمحل البذر وأرضه هو النفس الانسانية ، وتكليفها بهذه العبادات بمنزلة تقليب الأرض وإعدادها للزراعة وسياقة الماء إليها .
____________
(1) كذا في المخطوط ، والصواب : عنه .
(2) عوالي اللآلي 1 : 367|66 ، كشف الخفاء ومزيل الالباس 1 : 495 |1320 .
(3) الشوب : الخلط . وقد شبت الشيء أشوبه فهو مشوب .

( 219 )


والنفس المستغرقة بحب الدنيا والميل إليها كالأرض السبخة ، التي لا تقبل الزرع والانبات بمخالطة الأجزاء الملحية ، ويوم القيامة يوم الحصاد ، ولا حصاد إلا من زرع ، ولا زرع إلا من بذر .
كما لا ينتفع البذر في أرض سبخة كذلك لا ينتفع إيمان ولا أعمال مع خبث النفس وسوء الأخلاق ، وينبغي للعاقل إذا أراد أن يرجو ثواب الله تعالى في الآخرة أن يقيس رجاءه لذلك برجاء صاحب الزرع ، لان النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل الدنيا مزرعة الآخرة بهذا المعنى .
فكما أن من طلب أرضا طيبة وبذرها في وقت الزراعة بذرا غير متعفن ولا متآكل ، ثم أخذه بالماء العذب وسائر ما يحتاج إليه في أوقاته ، ثم طهره عن مخالطة ما يمنع نباته من شوك ونحوه ، ثم انتظر من فضل الله رفع الصواعق والآفات المفسدة إلى تمام زرعه وبلوغ غايته ، كان ذلك رجاء في موضعه ، واستحق اسم الرجاء إذا كان في مظنة أن يفوز بمقاصده من ذلك الزرع ، ومن بذره في الارض كذلك ، لا أنه بذر في آخر الوقت ، ولم يبادر إليه في وقته ، أو قصر في بعض أسبابه ، ثم أخذ ينتظر ثمرة ذلك الزرع ، ويرجو سلامته فهو في جملة الراجين أيضا ، ولكنه لا يصل إلى مقدار محصول الاول .
ومن لم يحصل على بذر صالح أو بذر في أرض سبخة ، أو ذات شاغل عن الانبات ، ثم أخذ ينتظر الحصاد فذلك الانتظار حمق ، والرجاء كاذب ، وهكذا حال العبد ، إن بذر المعارف والاعمال الصالحة في أرض نفسه في وقته وهو مقبل (4) العمر ، وداوم على سقيه بالطاعات ، واجتهد في طهارة نفسه عن شوك الاخلاق الردية ، التي تمنع نماء ما زرع ، وانتظر من فضل الله أن ينته على ذلك إلى زمان وصوله وحصاد عمله ، فذلك الانتظار هو الرجاء المحمود ، وهو درجة السابقين .
وإن ألقى في نفسه لكنه قصر في بعض أسبابه ، أما بتقصيره في تنقية البذر ،
____________
(4) كذا في المخطوط ، والصواب : في مقتبل .

( 220 )

أو في السقي ، أو غير ذلك مما يوجب ضعفه ، ثم أخذ منتظرا وقت الحصاد ، ويتوقع من فضل الله أن يبارك له فيه ، ويعتمد على أنه الرزاق ذو القوة المتين ، فيصدق عليه أيضا أنه راج ، لكن مرتبته بعيدة عن مرتبة الاول ، ورجاءه أضعف .
وإذا لم يزرع في نفسه أصلا ، أو زرع ولم يسقه بماء الطاعة ، أو ترك نفسه مشغولة بشوك الاخلاق المذمومة الردية ، وانهمك في طلب آفات الدنيا ، ثم انتظر المغفرة والفضل من الله تعالى ، فذلك الرجاء غرور ، وليس برجاء في الحقيقة .
وهذا هو القائل يوم القيامة يوم الحسرة والندامة ( يا ليتني قدمت لحياتي * فيومئذ لا يعذب عذابه أحد * ولا يوثق وثاقه أحد) (5) .
وفي هذا المعنى قيل :
إذا أنت لم تزرع وعاينت حاصدا * ندمت على التفريط في زمن البذر(6)

وقال صلى الله عليه وآله وسلم : « الاحمق من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله » (7) .
وقال تعالى ( فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الادنى ويقولون سيغفر لنا ) (8) .
وإلى المراتب الثلاث أشار علي عليه السلام في كلامه بقوله : « ساع سريع نجا ، وطالب بطئ رجا ، ومقصر في النار » (9) .
____________
(5) الفجر 89 : 24 ـ 25 .
(6) العقد الفريد 3 : 133 ، كشف الخفاء ومزيل الالباس 1 : 496 ، وفيهما بدل ، « عاينت : أبصرت » ونسبه صاحب العقد إلى خالد بن معدان .
(7) سنن ابن ماجة 2 : 1432|4260 ، مسند أحمد 4 : 124 ، مستدرك الحاكم 1|57 ، وكذا 4 : 251 ، الجامع الصحيح 4 : 638|2459، وفيها جميعا بدلا عن « الاحمق » : « العاجز » .
(8) الاعراف 7 : 169 .
(9) من خطبة له عليه السلام لما بويع في المدينة مطلعها : « ذمتي بما أقول رهينة ، وأنا به زعيم . . . ». انظر : نهج البلاغة ـ تنظيم الدكتور صبحي الصالح ـ ص 58 ، ومثله في المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 16 .

( 221 )

واعلم أيضا أن التأهب للصلاة في أول وقتها بالطهارة والستر قبلها بمنزلة تطيب الارض للزراعة قبلها .
والصلاة في أول الوقت بمنزلة الزرع في أول وقت المطر .
ومراعاة الاخلاص والاقبال على الصلاة بالقلب وتخليصها من شوائب الرياء والعجب وغيره بمنزلة البذر في أرض خالصة ، وتنقيته من الشوك والحشيش الغريب .
وهذا هو السابق الذي يحسن منه رجاء الغلة الوافرة والحصاد في وقته .
فأما فعل الفرائض بدون السنن في أول الوقت ، فبمنزلة البذر في أرض أولا بغير تقديم الفلاحة .
وشوبها بالاخلاق الفاسدة ، والغفلة بمنزلة الشوك والحشيش المضر بالزرع ، وإن كان بذره جيدا .
والصلاة في آخر الوقت بمنزلة الزرع في آخره ، لا يدرك من غلته ما يدركه المبادر فإن انضم إلى ذلك فساد الارض وقلة الماء وغيرهما فسد رأسا .
فما ظنك بمن يترك الزرع أصلا ، فهذا مجمل القول في سر قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « الدنيا مزرعة الآخرة » .
واعلم أن أوامر الله على فرائض ونوافل ، فالفرائض : رأس المال ، وبه أصل التجارة ، والنفل هو : الربح ، وبه الفوز بالدرجات .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : قال الله تعالى « ما تقرب إلي المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم ، ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى احبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به » (10) .
____________
(10) الكافي 2 : 262|7 ، المصنف ـ لعبد الرزاق ـ 11 : 193|20301 ، الفردوس ـ للديلمي ـ 3 : 215|4472 .

( 222 )

ولن تصل أيها الطالب إلى القيام بأوامر الله تعالى إلا بمراقبة قلبك وجوارحك في لحظاتك وأنفاسك ، من حين تصبح إلى حين تمسي .
واعلم أن الله تعالى يطلع على ضميرك ، ومشرف على ظاهرك وباطنك ، ومحيط على خطراتك ولحظاتك وخطواتك ، وسائر سكناتك وحركاتك ، في مخالطتك وخلواتك ، متردد بين يديه ، فلا يسكن في الملك والملكوت ساكن ، ولا يتحرك متحرك إلا وجبار السماوات مطلع عليه .
فتأدب أيها المسكين ظاهرا وباطنا بين يدي الله تعالى ، تأدب العبد الذليل في حضرة القاهر القادر ، واجتهد أن لا يراك مولاك حيث نهاك ، ولا يفقدك حيث أمرك ، فذلك هو التقوى التي أمر الله تعالى بها ، ورتب عليها في كتابه الكريم فوائد كثيرة ( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) (11) ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب) (12) .
ولا يتم لك ذلك إلا بأن تخصص عمرك القصير ، بأن توزع أوقاتك ، وترتب أورادك من صباحك إلى مسائك ، فإصغ إلى ما يلقى إليك من أوامر الله تعالى ، فإذا استيقظت من منامك فاجتهد أن تستيقظ قبل طلوع الفجر ، وليكن أول ما يجري على قلبك ولسانك ذكر الله تعالى ، وقل عند ذلك : الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور (13) ، أصبحنا وأصبح الملك لله (14) ، والعظمة لله ، والسلطان لله ، والعزة لله ، والقدرة لله ، أصبحنا على فطرة الاسلام ، وعلى كلمة الاخلاص ، وعلى دين نبيا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وعلى ملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين (15) .
اللهم إنا نسألك أن تبعثنا في هذا اليوم إلى كل خير ، ونعوذ بك آن نجترح
____________
(11) النمل 16 : 128 .
(12) الطلاق 65 : 2 ـ 3
(13) مصباح المتهجد : 109 .
(14) مكارم الاخلاق 277 ، الوفا بأحوال المصطفى ـ لابن الجوزي ـ 2 : 548 .
(15) مصباح المتهجد : 190 .

( 223 )

فيه سوءً ، ونجره إلى مسلم بقول أو عمل ، نسألك خير هذا اليوم وخير ما فيه ، ونعوذ بك من شره وشر ما فيه .
فإذا لبست ثيابك فانو به امتثال أوامر الله تعالى في ستر عورتك ، واحذر أن يكون قصدك من لباسك مراءاة الخلق .
فإذا قصدت بيت الخلاء لقضاء حاجة فقدم في الدخول رجلك اليسرى ، وفي الخروج رجلك اليمنى (16) ، ولا تستصحب شيئا عليه اسم الله تعالى ، وقل عند الدخول : بسم الله ، أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم ، وعند الخروج : الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني ، وأبقى علي ما ينفعني ، يالها نعمة (17) .
فإذا أردت الوضوء فلا تترك السواك ، فإنه مطهرة للفم ، ومرضاة للرب (18) ، وصلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بغير سواك (19) .
ثم اجلس للوضوء مستقبل القبلة ، فخير المجالس ما استقبل به (20) .
وقل : بسم الله الرحمن الرحيم ، ثم اغسل يديك وقل : اللهم إني أسألك اليمن والبركة ، وأعوذ بك من الشؤم والهلكة .
ثم إنو بالوضوء استباحة الصلاة لله تعالى ، وتمضمض واستنشق ثلاتا ثلاثا كل مغرفة .
وقل في المضمضة : اللهم لقني حجتي يوم ألقاك ، وأنطق لساني بذكرك .
وعند الاستنشاق : اللهم لا تحرم علي طيبات الجنان ، واجعلني ممن يشم ريحها وروحها وطيبها .

____________
(16) الفقيه 1 : 17 ذ . ح 6 ، التهذيب 1 : 62 ذ . ح 62 .
(17) التهذيب 1 : 25|63 المحاسن 1 : 56|946 .
(18) الفقيه 1 : 34|126 ، ثواب الاعمال 34 : 1 ، المحاسن 1 : 562 .
(19) الفقيه 1 : 33 | 118 ، المحاسن 1 : 56|949 .
(20) جامع الاحاديث ـ للقمي ـ : 87 ، تحف العقول : 20 ، الجامع الصغير 1 : 370|2421 ، الترغيب والترهيب 4 : 59|5 .

( 224 )

وعند غسل وجهك : اللهم بيض وجهي يوم تسود فيه الوجوه ، ولا تسود وجهي يوم تبيض فيه الوجوه .
وعند غسل اليد اليمنى : اللهم أعطني كتابي بيميني ، والخلد في الجنان بشمالي ، وحاسبنى حسابا يسيرا .
وعند غسل اليسرى : اللهم لا تعطني كتاب بشمالي ، ولا تجعلها مغلولة إلى عنقي ، وأعوذ بك من مقطعات النار .
وعند مسح الرأس : اللهم غشني برحمتك وبركاتك .
وعند الرجلين : اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل فيه الاقدام ، وإجعل سعيي فيما يرضيك عني ، ياذا الجلال والاكرام (21) .
فإذا فرغ (22) من الوضوء قال (23) : اللهم إني أسألك تمام الوضوء وتمام الصلاة وتمام رضوانك والجنة (24) .
فإذا أردت الخروج إلى المسجد فقل عند دخوله : بسم الله وبالله ، ومن الله وإلى الله ، وخير الاسماء لله ، توكلت على الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، اللهم صل على محمد وآل محمد ، وافتح لي أبواب رحمتك ، وأغلق عني أبواب معصيتك ، واجعلني من زوارك وعمار مساجدك ، وممن يناجيك بالليل والنهار ومن ( الذين هم في صلاتهم خاشعون (25)) (26) .
____________
(21) بهذا الشكل ورد وضوء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، انظر : أمالي الصدوق : 445|11 ، ثواب الاعمال : 31|1 ، الكافي 3 : 70|6 ، التهذيب 1 : 53|153 ، المحاسن 1 : 45|61 ، روضة الواعظين 2 : 305 .
(22) كذا في المخطوط والصواب : فرغت ، لتتفق مع السياق .
(23) كذا في المخطوط والصواب : قل ، لتتفق مع السياق .
(24) جامع الاخبار : 62 (باب الوضوء ، من وصايا الرسول صلى الله عليه وآله للامام علي عليه السلام) .
(25) المؤمنون 23 : 2 .
(26) مصباح المتهجد : 29 ، وكذا : 251 ، البلد الامين : 7 ، مكارم الاخلاق : 298 .

( 225 )

ولا تدع الصلاة جماعة إلا من علة (27) ، فإن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة ، فإن كانت خلف عالم كانت بألف صلاة (28) ، فإن كنت تتساهل (في هذا مثل) (29) الربح فأنت أحمق ، لان من باع سلعة قيمتها مائة بخمسين عد غير رشيد ، هذا مع كون الربح ما يفنى ، فكيف بما يبقى ثوابه أبد الآبدين ، وإذا اضيف إلى ذلك ثواب الصلاة في المسجد الجامع فهي بمائة صلاة في غيره (30) ، وإن لم تكن جماعة ، ولا صلاة لجار المسجد إلا فيه (31) .
وروي أن المساجد شكت إلى الله تعالى من جيرانها الذين لا يشهدونها ، فأوحى الله تعالى إليها : وعزتي وجلالي لا قبلت لهم صلاة واحدة ، ولا أظهرت لهم في الناس عدالة ، ولا نالتهم رحمتي ، ولا يجاوروني في جنتي (32) .
فإذا دخلت المسجد فابدأ أولا بركعتين تحية للمسجد (32) ، وكذا تفعل كلما دخلته ، إلا أن تخاف ضيق الوقت ، فابدأ بالفريضة ، وتأدت بها التحية .
ثم صل سنة الفجر ركعتين ، وقل بعدهما : اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي . . إلى آخر الدعاء (34) ، فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يواظب على ذلك .
فإذا فرغت من الدعاء فلا تشتغل إلى أداء الفريضة إلا بذكر أو تسبيح أو
____________
(27) روى الصدوق في ثواب الاعمال : 277 عن الامام محمد الباقر عليه السلام : « . . . ومن ترك الجماعة رغبة عنها وعن جماعة المؤمنين من غير علة ، فلا صلاة له » .
(28) ذكر هذا القول في شرح اللمعة الدمشقية 1 : 377 .
(29) كذا في المخطوط ، والصواب : في مثل هذا .
(30) الفقيه 1 : 152|703 ، ثواب الاعمال : 51 ، التهذيب 3 : 253|698 ، روضة الواعظين 2 : 338 .
(31) التهذيب 1 : 92|244 .
(32) أمالي الطوسي : 2 : 307 .
(33) معاني الاخبار 2 : 333|1 ، الخصال 2 : 523 | 13 .
(34) مصباح المتهجد : 164 .

( 226 )

قراءة قرآن ، فإذا سمعت المؤذن فاقطع ما أنت فيه ولو كان قراءة قرآن ، واشتغل بجواب المؤذن ، وقل مثل قوله في كل كلمة إلا في الحيعلتين ، فقل فيهما : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (35) ، فإذا أقام الصلاة فقل مثله أيضا إلا في قوله : قد قامت الصلاة ، فقل : أقامها الله وأدامها مادامت السماوات والارض .
فإذا فرغت من جواب المؤذن فقل : اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة ، والدرجة العالية الرفيعة ، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته ، إنك لا تخلف الميعاد (36) .
فإذا أحرم الامام بالفرض فلا تشتغل إلا بالاقتداء ، فإذا فرغت من الصلاة فقل اللهم صل على محمد وآل محمد ، اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك يرجع السلام ، حينا ربنا بالسلام ، فأدخلنا دار السلام ، تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والاكرام ، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقولها إذا انصرف من صلاته ، وفي بعض الروايات إنه كان يقول : اللهم أنت السلام ومنك السلام ، تباركت يا ذا الجلال والاكرام (37) .
ثم تقول : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو على كل شيء قدير ، عشر مرات (38) .
ثم تقول : لا إله إلا الله ، إلها واحدا ، ونحن له مسلمون . . إلى آخر الدعاء (39) .
____________
(35) روي مثل هذا القول في مكارم الاخلاق : 298 ، والمراد بالحيعلتين هي « حي على الصلاة وحي علي الفلاح » حيث ذكر في باب القول عند سماع الاذان . . . وإذا قال « حي على الصلاة حي على الفلاح » فقل : » لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم » ولكنه ذكر ـ في كتابه مسالك الافهام 1 : 21 الحيعلات الثلاث جميعا ، ومثله في دعائم الاسلام 1 : 145 .
(36) مصباح المتهجد : 27 .
(37) الفقيه 1 : 212|947 ، الفقه المنسوب للامام الرضا عليه السلام : 115 ، دعوات الراوندي : 109 .
(38) مصباح المتهجد : 186 . البلد الامين : 24.
(39) . مصباح المتهجد : 177 .

( 227 )

ثم تسبح تسبيح الزهراء عليها السلام ، علمها إياه النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وقد روي أن : ما عبد الله بشيء أفضل منه ، ولو كان شيئا أفضل منه لنحله رسول لله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام (40) ، وهو : ثلاثة وثلاثون تسبيحة ، وثلاثة وثلاثون تحميدة ، وأربعة وثلاثون تكبيرة ، ويتخير بين البدأة بالتسبيح كما ذكرنا وبين البدأة بالتكبير ، وكل منهما مروي (41)
ثم يقول : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، ثلاثين مرة ، فإنها تدفع الهرم ، والحرق ، والغرق ، والتردي في (البئر) (42) ، وأكل السبع ، وميتة السوء ، والبلية التي نزلت على العبد في ذلك اليوم (43) ، ثم ادع بعد ذلك بالادعية الجوامع الكوامل المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
فمنها عنه صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم إني أسألك من الخير كله ، عاجله وآجله ، ما علمت منه وما لم أعلم ، أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ونية ، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ونية ، أسألك بما سألك به عبدك ونبيك وحبيبك محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، اللهم ما قضيت لي من أمر فاجعل عاقبته رشدا .
ثم قل : يا حي ياقيوم ، برحمتك أستغيث ، فلا تكلني إلى نفسي ، ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين ، وأصلح لي شأني كله .
ثم قل : اللهم أنت ثقتي في كل كربة ، وأنت رجائي في كل شدة ، وأنت لي
____________
(40) التهذيب 2 : 105|398 ، مكارم الاخلاق : 301 .
(41) الفقيه 1 : 210 |945 وكذا 1 : 211|974 ، علل الشرائع : 366|1 ، الفقه المنسوب للامام الرضا عليه السلام : 115 .
(42) في المخطوط : النير ، وما أثبتناه هو الصحيح ، كما في المصادر كافة ، وما يقتضيه السياق .
(43) ثواب الاعمال : 26|4 ، معاني الاخبار 324|1 ، التهذيب 2 : 107|406 ، عوالي اللآلي ـ 1 : 350|2 ، مكارم الاخلاق : 306 .

( 228 )

في كل أمر نزل بي ثقة وعدة ، فاغفر لي ذنوب كلها ، واكشف همي ، وفرج غمي ، وأغنني ، بحلالك عن حرامك ، وبفضلك عن من سواك ، وعافني في اموري كلها ، وعافني من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ، وأعوذ بك من شر نفسي ، ومن شر غيري ، ومن شر السلطان والشيطان ، وفسقة العرب والعجم ، وفسقة الجن والانس ، وركوب المحارم كلها [ و] (44) من نصب لاولياء الله ، اخير نفسى بالله من كل سوء ، عليه توكلت ، وهو رب العرش العظيم (45) .
وقل : أستودع الله العلي العظيم الاعلى الجليل العظيم ، ديني ونفسي وأهلي ومالي وولدي ، وجميع ما رزقني ربي ، وجميع من يعنيني أمره ، أستودع الله المرهوب المخوف ، المتضعضع لعظمته كل شيء ، ديني ونفسي وأهلي ومالي وولدي وإخواني المؤمنين ، وجميع ما رزقني ربي ، وجميع ما يعنيني أمره (46) .
وقل : أعوذ نفسي وديني وأهلي ومالي وولدي وإخواني في ديني ، وما رزقني ربي ، ومن يعنيني أمره بالله الواحد الاحد الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ، وبرب الفلق من شر ما خلق ، ومن شر النفاثات في العقد ، ومن شر حاسد إذا حسد ، وبرب الناس ، ملك الناس ، إله الناس ، من شر الوسواس الخناس ، الذي يوسوس في صدور الناس ، من الجنة والناس (47) .
وقل : حسبي الله ربي ، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ، ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، أشهد وأعلم أن الله على كل شيء قدير ، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما .
اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي ، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها ،
____________
(44) اثبتناها من المصدر .
(45) مصباح المتهجد : 49 .
(46) مصباح المتهجد : 50 .
(47) مصباح المتهجد : 50 .

( 229 )

إن ربي على صراط مستقيم (48) .
وتقرأ اثني عشر مرة ( قل هو الله أحد ) ، وتقول : اللهم إني أسألك باسمك المكنون المخزون ، الطاهر المطهر المبارك ، وأسألك باسمك العظيم ، وسلطانك القديم ، يا واهب العطايا ، يا مطلق الاسارى ، يا فاك الرقاب من النار أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد ، وأن تعتق رقبتي من النار ، وأخرجني من الدنيا سالما ، وأدخلني الجنة آمنا ، وأن تجعل دعائي أوله فلاحا ، وأوسطه نجاحا ، وآخره صلاحا ، إنك أنت علام الغيوب (49) .
وتقول : اللهم ببرك القديم ، ورأفتك ببريتك اللطيفة ، وشفقتك [ بصنعتك ] (50) المحكمة ، وقدرتك بسترك الجميل ، صلِّ على محمد وآل محمد ، وأحي قلوبنا بذكرك ، واجعل ذنوبنا مغفورة ، وعيوبنا مستورة ، وفرائضنا مشكورة ، ونوافلنا مبرورة ، وقلوبنا بذكرك معمورة ، ونفوسنا بطاعتك مسرورة ، وعقولنا على توحيدك مجبورة ، وأرواحنا على دينك مفطورة ، وجوارحنا على خدمتك مقهورة ، وأسماءنا في خواصك مشهورة ، وحوائجنا لديك ميسورة ، وأرزاقنا من خزائنك مدرورة ، إنك أنت الله لا إله إلا أنت ، لقد فاز من والاك ، وسعد من ناجاك ، وعز من ناداك ، وظفر من رجاك ، وغنم من قصدك ، وربح من تاجرك (51) .
فإذا فرغت من الدعاء فاسجد سجدتي الشكر ، وعفر جبينك بينهما ، وقل في كل واحدة : شكرا شكرا ، ثلاثا ثلاثا (52) . وما زاد فهو أفضل ، وقل فيهما أيضا : رب ظلمت نفسي ، واعترفت بذنبي ، فاغفر لي ، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت (53) .

____________
(48) مصباح المتهجد : 50 .
(49) مصباح المتهجد : 51 .
(50) في المخطوط : بصنعك ، واثبتنا الصحيح من المصدر .
(51) مصباح المتهجد : 52 ، البلد الامين : 26 .
(52) الكافي 3 : 325|17 .
(53) الكافي 3 : 326|19 .

( 230 )

تمت مقدمة « الدنيا مزرعة الآخرة » تأليف الشيخ الفاضل الكامل العالم العامل خاتمة المجتهدين المرحوم الشيخ زين الدين تغمده الله تعالى برحمته وأسكنه بحبوحة جنته بمحمد وآله وعترته ، على يد الفقير إلى الله الغني ، علي بن شجاع الكركي ، للسيد الفاضل الكامل العالم العامل التقي النقي حسين ابن السيد حيدر الحسيني الكركي ، وفقه لمراضيه ، ومنحه ما يرضيه بمحمد وآله وذراريه ، وغفر الله لنا ولوالدينا وله ولوالديه بمحمد وآله الطاهرين ، وكان ذلك ضحوة الاثنين سادس من شهر ربيع الاول سنة 989 .

***