صلةقبل
دراسة حول الخبر المتواتر

السيد هاشم الهاشمي




تمهيد :
    يدرس علماؤنا الخبر المتواتر إلا دراسة موجزة ، بينما بحثوا بتوسع عن الخبر الواحد ، وهم على حق في ذلك ، وذلك لأهمية الخبر الواحد ودوره في الاستنباط ، ولكن سوف نرى بأن للتواتر أيضا تأثيره في بعض البحوث العلمية ، وهم وإن لم يتعرضوا للخبر المتواتر في دراسة مستقلة في بعض الكتب الأصولية وخاصة الحديثة ـ لكنهم تعرضوا له في أبواب مختلفة من علم الأصول ، بل خصصوا له دراسة مستقلة موجزة في كتب الدراية وقد حاولت ذكر بعض التقسيمات والآراء التي ذكرها علماؤنا حول الخبر المتواتر في دراسة مستقلة اعتمدت فيها على كتب الأصول والدراية ، وأرجو أن أكون قد سلطت بعض الأضواء على مسائل هذا الموضوع وبحوثه ، وعلى شيء مما وصل إليه علماؤنا من تطور وتوسع في هذا المجال.
    تعريف الخبر المتواتر
    ذكرت للخبر المتواتر تعاريف عديدة نذكر بعضها :


35

    1 ـ ذكر في معالم الأصول أنه : « خبر جماعة يفيد بنفسه العلم بصدقه » (1).
    2 ـ وقد ذكر في الفصول أنه : « خبر جماعة يمنع تواطؤهم على الكذب » (2).
    3 ـ وقد ذكر في الفصول أيضا أنه : « خبر جماعة يفيد العلم بصدقه لكثرتهم » (3).
    4 ـ وتعريف الشهيد الثاني في كتابه شرح البداية أنه : « ما بلغت رواته في الكثرة مبلغا أحالت العادة تواطؤهم على الكذب ، واستمر ذلك الوصف في جميع الطبقات حيث تتعدد »(4).
    ومن هذه التعاريف نستنتج أن تعريف الخبر المتواتر : « هو الخبر الذي يفيد العلم بمضمونه ، وقد حصل هذا العلم نتيجة لإخبار جماعة كثيرة يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب واجتماعهم على الخطأ ، ويلزم أن تحتفظ كل طبقات السند ـ إذا كان للسند طبقات ـ بمثل هذا العدد المفيد للعلم ، وأن هذا العلم ناشيء من نفس الكثرة العددية ، لا من قرائن تنضم لهذا الخبر ».
    وقد تعرضت هذه التعاريف للمناقشة ، إذ الملاحظ في بعضها أنها لم تشتمل على عناصر الخبر المتواتر جميعها ، أو أنها اهتمت بنتيجة التواتر ، وهو العلم ، دون ملاحظة السبب في حصول هذه النتيجة ، إذ ربما يحصل العلم من الخبر الواحد مع اقترانه بالقرائن ، أو أنها لاحظت امتناع التواطؤ على الكذب فحسب ، بينما يلزم ملاحظة امتناع الخطأ والاشتباه أيضا ، فإن انتفاء الكذب وحده لا يحقق العلم من التواتر ، فيما لو بقي احتمال الخطأ.
    وغير ذلك.
    ولعل التعريف الذي يجمع عناصر الخبر المتواتر ما ذكر في كتاب الأصول
(1) معالم الأصول.
(2) الفصول.
(3) الفصول.
(4) شرح البداية في علم الدرية 1 : 62.

36

العامة : « ويراد به إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب ، وصدورهم جميعا عن خطأ أو اشتباه أو خداع حواس ، على أن يجري هذا المستوى في الأخبار في جميع طبقات الرواة حتى الطبقة التي تنقل عن المعصوم مباشرة » (5).
    ولكن ربما يلاحظ عليه أنه لم يذكر ما ذكره العلماء في التعريف ، من شرط العادة إذ يلزم إضافة ( يمتنع عادة ) ، وسيأتي ضرورة إضافة هذا القيد.
    ولعل عدم ذكر العلماء لعناصر الخبر المتواتر كلها في التعريف أنه ليس من شأن التعريف أن تذكر فيه كل أحكام المعرف وعناصره وشروطه ، وإنما تعطى فكرة عنه في التعريف ، ويبحث عن أحكامه وشروطه في مسائله.
حصول العلم من التواتر
    يشترط في الخبر لمتواتر ـ كما رأينا في التعريف ـ أن يفيد العلم بصدقه ، فإذا أدى إلى العلم يكون حجة ، لأن حجية العلم لا تحتاج للمواضعة والاعتبار.
    والتواتر بمعنى كثرة الناقلين للخبر ، يفيد العلم بطبيعته ، ولا تختص هذه الظاهرة بالأخبار الشرعية ، بل إنها تشمل الأخبار العرفية أيضا ، فيما لو كثر الناقلون الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب ، لحادثة واحدة ، فإنها تحقق العلم ، ويمثل له عادة بما لو أخبرت مثل هذه الجماعة عن وجود بلد ما ، فإنه يحصل للسامع اليقين بوجود مثل هذا البلد.
    ويدور بحثنا حول السبب في حصول العلم من التواتر ، فلماذا يحصل العلم واليقين من الخبر المتواتر ، بينما لا يحصل إلا الظن من الخبر الواحد ؟.
    وقد درس علماؤنا ـ منذ زمان طويل ـ ظاهرة حصول العلم من التواتر دراسة معمقة ، ونستعرض هنا بعض أحاديثهم في هذا المجال ، ونترك التوسع لمن
( 5 ) الأصول العامة للفقه المقارن : 194.
37

أراد التوسع.
    وبإيجاز فإنهم يعتمدون على ( تراكم الظنون ) ، في تفسير حصول العلم من التواتر ، وهناك الكثير من العلماء تعرضوا لهذه الفكرة ، وما نذكره عنهم هنا قليل من كثير ، فهناك الكثير من الأقوال حولها. يضيق المجال لو تتبعناها كلها ، والملاحظ أن بعض علمائنا يذكرون هذه الفكرة في البحث عن حجية الاجماع أيضا ، حيث أن الاجماع والخبر المتواتر يشتركان في الاعتماد على فكرة تراكم الظنون ، في إفادة العلم ، وإن ناقشوا في صحة الاستدلال بها في الاجماع ، لأن الاجماع من الإخبار عن أمر حدسي ، بينما يشترط في التواتر أن يكون الإخبار عن أمر محسوس ، ولكن اللهم أنهم يذكرون هذه الفكرة أيضا في بحث الاجماع.
    ونستعرض الآن هذه الأقوال بحسب التسلل الزمني :
    يقول المحقق الحلي في المعارج : « وتحقيقه : أنا إذا سمعنا بخبر عن واحد ، فقد أفادنا ظنا ، ثم كلما تكرر الإخبار بذلك قوي الظن حتى يصير الاعتقاد علما » (6).
    ويقول الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي : « فسبيله ـ أي سبيل العلم من التواتر أن نراقب أنفسنا ، فإذا أخبرنا بوجود شيء خبرا متواليا ، فإن قول الأول يحرك الظن ، وقول الثاني والثالث يؤكده ، وهلم جرا ، إلى أن يصير ضروريا » (7).
    والوحيد البهبهاني في كتابه الفوائد يقول في وجه حجية الاجماع : « وأيضا إذا رأينا فتوى من فقيه ماهر متشرع بشرع النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ ، يحصل في نظرنا رجحان بأن فتواه هذه حق ، وإن كنا نجوز الخطأ عليه ، لكن ليس وجود هذه الفتوى بعينها كعدمها من دون التفات أصلا ، ولذا يحصل لمقلد المجتهد ظن بحقية
(6) معارج الأصول : 139.
(7) وصول الأخيار إلى أصول الأخبار : 92.

38

فتواه بالبديهة ، بل ظن قوي بحيث يطمئن له ويعمل به ويجعله حكم الله تعالى في عباداته ومعاملاته ، وليس فتوى المجتهد مثل عدم الفتوى على السواء بالبديهة ، ومن يدعي ذلك فلا شك في أنه مكابر ، وإذا كان الراجح طرف الحقية ، فمع موافقته فتوى فقيه آخر وانضمامه ، يتقوى الظن والرجحان ، لأن بنفس الفتوى يحصل رجحان ، وبالانضمام والموافقة رجحان آخر ، وهكذا إذا انضم معه فتوى آخر يحصل رجحانات ، وهكذا إلى أن يصل إلى حد العلم ، كما هو الشأن في الخبر المتواتر » (8).
    فهو يقر بأن حصول العلم من الخبر المتواتر إنما يتم وفق هذه الطريقة ، ويدرس بعمق كيفية حصول الظن ، ثم العلم ، من الفتاوى والأخبار الكثيرة.
    ويقول الشيخ النراقي حول حجية الاجماع : « وقد يستتم هذه الطريقة بنظير ما يقال في الخبر المتواتر من حصول الظن من كل واحد واحد إلى أن ينتهي إلى القطع من تراكم الظنون واجتماعها » (9).
    وينقل الآشتياني عن المحقق التستري ، في وجه حجية الاجماع ، أنه يفيد العلم بسبب « توارد الظنون الموجب لذلك كما في التواتر » (10).
    فهو يعبر عن هذه الفكرة ب ( توارد الظنون ) بينما يعبرعنها الشيخ النراقي ب ( تراكم الظنون ).
    ويذكر الآشتياني أيضا : « ثم إني قد وقفت بعد تحرير المقام على النسق الذي عرفت ، على كلام لبعض أفاضل المتأخرين في وجه كشف الاجماع عن قول الإمام ـ عليه السلام ـ بحكم العادة القطعية يرجع حاصله : إلى أن من إفتاء كل واحد من العلماء يحصل الظن إما بالحكم الواقعي المستلزم للظن بحكم الإمام ـ عليه السلام ـ بعد العلم الاجمالي بصدور حكم الواقعة عنه ـ عليه السلام ـ ، أو بالحكم الصادر عنه
(8) فوائد الوحيد : 184.
(9) عوائد الأيام : 238.
(10) بحر الفوائد في شرح الفرائد : 124.

39

ابتداءا ، من حيث أن همتهم مصروفة في إدراك الحكم الصادر عنه ـ عليه السلام ـ ، ومن جودة أنظارهم وقوة أفكارهم ، وشدة ملكاتهم ، يحصل الظن من إفتاء كل واحد لا محالة ، ومن تراكم الظن وكثرته يحصل القطع بقول الإمام ـ عليه السلام ـ.
    وهذا الوجه وإن ذكره في تقريبات إثبات الطريقة المعروفة بين المتأخرين ، إلا أنه كما ترى منظور فيه من حيث أن خطأ الأنظار في المسائل العلمية النظرية ـ وإن توافقت وتراكمت ـ لا تحيله عادة أصلا ، غاية ما هناك حصول الظن أو التقوي منه » ( 11 ).
    فهو يناقش في تطبيق هذه الطريقة في خصوص الاجماع ، وفي نقل المسائل العلمية النظرية ، الذي لا يزول منها احتمال الخطأ في الاستدلال.
    وقد تعرض الشيخ هادي الطهراني في الجزء الأول من كتابه ( محجة العلماء ) لهذه الفكرة بصورة أكثر تفصيلا في عدة مواضع ، فإنه يذكر في كيفية حصول الاطمئنان والعلم « والحاصل أن الاحتمال وإن كان موجودا في الظن ، وإن بلغ من القوة أقصاها ، لكن كلما يزداد الرجحان قوة يزداد الاحتمال المخالف ضعفا ، ومن المعلوم اختلاف الآثار باختلاف الدرجات لاختلاف المعلول باختلاف العلة ».
    والملاحظ أنه يفرق بين الاطمئنان ، وبين القطع ، في درجة الرجحان وفي الآثار المترتبة على كل منهما ـ وسيأتي توضيح هذا الفرق ـ ، وتراكم الظنون يؤدي أولا إلى حصول الاطمئنان ، وبعد أن تكثر الظنون يؤدي للقطع.
    والملاحظ أيضا أنه يذكر المعادلة في القوة والضعف ، فكلما يقوى الاحتمال الموافق ، يضعف ـ بتلك النسبة ـ الاحتمال المخالف.
    ويقول الشيخ هادي الطهراني أيضا حول ظاهرة تراكم الظنون في تفسير
(11) بحر الفوائد في شرح الفرائد : 126.
40

موسع لها : « .. فإن إدراك المنافر والملائم ، باعث للشخص على الأفعال ، بل للطبائع ، وإن لم تبلغ مرتبة العقول ، كما يشاهد في الحيوانات بل الحشار بل الأعضاء كالمعدة والكبد في أفعالها الطبيعية ، غالبا تدور مدار الملائمة والمنافرة ، وأما الإصابة والخطأ فهو مقام آخر ، فالعقل يدرك الوظائف الجليلة ، والطبع ربما يحكم بأحكام خسيسة دنيئة من جهة الملائمة والمنافرة أيضا ، والعامل يعمل على مقتضى ما ينفذ فيه حكمه من العقل والطبع ، والمقصود أن الوظيفة المحركة على الفعل إنما هي بحسب الملائمة والمنافرة في نظر العامل ، فلا فرق في ذلك بين العلم والجهل المركب والظن البالغ درجة الاطمئنان ، والذي فوقه ودون العلم ، فإن الفاعل إنما يحركه المسكون الحاصل من رأيه إلى ما رآه ، بمعنى أنه لا يتزلزل من احتمال الخلاف ، فإن تساوي الاحتمالين علة لتساوي النظر إلى الطرفين ، وعدم ترجيح أحدهما في مرحلة العمل ، والوظيفة للمتحير لها مكان آخر ، وكلما ازداد أحد الاحتمالين قوة اختص بقوة الاقبال إلى متعلقه ورجحانه في مرحلة الفعل والاختيار وترتيب الآثار ، إلى أن يزول ، أو يبلغ من الضعف بمثابة يجعله كالعدم ، فلا يبقى للفاعل بالنسبة إليه هم واعتداد ، ويخرج من التزلزل والحيرة ، ويستقر أمره في مرحلة العمل ، ويسكن إلى ما يرجح في نظره إلى هذه الدرجة ».
    وما يذكره هنا ، لا يريد به تفسير لتواتر ، بل يستهدف تفسير أعمال الإنسان ، ومنطلقات سلوكه ، ولكن يفهم منه تفسير حصول العلم أو الاطمئنان من التواتر ، الذي يعتمد على قوة الرجحان ، الدافعة إلى العمل والسلوك وفقه.
    وفي موضع آخر يبحث حول التواتر ، ويشير فيه إلى هذه الفكرة ، فبعد أن يذكر الأسباب المؤدية لحصول العلم من الخبر يقول : « وحيث ظهر لك حقيقة الخبر ، تبين لك أن كشفه عن الواقع لا بد أن يكون مستندا إلى أمر آخر ، من عصمة المخبر ، وما بمنزلته كالعلم بأنه لا يكذب مطلقا ، أو في خصوص ما أخبرته ، مع العلم بأنه لم يخطئ ، نعم قد يبلغ من الكثرة مرتبة يستحيل معها التخلف عن الواقع ، بعد إحراز عدم تواطؤ المخبرين على الكذب ، وعدم وجود جامع لهم في


41

إخفاء الواقع ، وعدم إبراز ما في أنفسهم ، فحينئذ التوافق أما قضية اتفاقية وأما عن واقع جامع لهم في الأخبار ، والاتفاقية بعيدة في الاثنين ، وأبعد في الثلاثة مثلا ، إلى أن يبلغ درجة الاستحالة ، وهذا هو التواتر ».
    فتوافق هؤلاء المخبرين على الكذب ، أو الخطأ ، بعيد ، ويزداد هذا البعد كلما ازداد عدد المخبرين ، حتى يصل إلى درجة الاستحالة.
    وفي « فوائد الأصول » للشيخ النائيني : « وقيل : إن حجيته ـ أي الاجماع ـ مكان تراكم الظنون من الفتاوى ، إلى حد يوجب القطع بالحكم ، كما هو الوجه في حصول القطع من الخبر المتواتر » (12).
    ثم يناقش هذا الدليل في الاجماع ، وإن وافق عليه في الخبر.
    ومن كل ما ذكرناه من أقوال العلماء في هذا المجال ، نستطيع أن نلخص هذه الطريقة بما يلي :
    إن كل خبر من هذه الأخبار التي تنقلها هذه الجماعة يفيد درجة من الظن بصحة مدلول الخبر ووقوعه خارجا ، وحين ينظم إليه خبر آخر فإن هذه الدرجة من الظن سوف تشتد وتقوى ـ مع ضعف الاحتمال المخالف له ، وهكذا بازدياد عدد الأخبار والمخبرين ين سوف تبلغ الدرجة إلى الحد ينعدم معه احتمال الخلاف تماما ، وبذلك سوف يتحقق القطع والجزم بوقوع مضمون الخبر في الخارج ، فإن الظن متوقف على وجود احتمال الخلاف ، وأما المقطع واليقين فهو الذي يزول معه احتمال الخلاف.
    إذا فالكثرة في نقل الحادثة الواحدة لها هذه الخصوصية ، وهي التأثير في إزالة احتمال الخلاف بالتدريج إلى أن ينعدم ، فكل خبر لوحده يفيد الظن ، لكن بتجمع هذه الظنون وتراكمها سوف ينتهي هذا الظن إلى القطع (13).
(12) فوائد الأصول 2 : 52.
(13) يلاحظ : « مصباح الأصول » ، ومباني الاستنباط 1 : 25.

42

    وأخيرا.. بحث السيد الصدر ـ في كتبه الأصولية وغيرها ـ هذه الفكرة بصورة موسعة ومتطورة في كتابه « الأسس المنطقية للاستقراء ».
    وقد بحث المنطق القديم هذا الموضوع في بحث الاستقراء والمتواترات ، وبحثته أيضا الفلسفة الحديثة والفلاسفة المعاصرون بتوسع وتطور عند دراستهم لحساب الاحتمالات والاستقراء وإن كان يعني « الانتقال من الأحوال الجزئية إلى القانون العام الذي يحكمها » (14) ولكن يمكن الاستفادة منه في بحث التواتر ومدى حصول اليقين منه ، ولسنا في مجال الحديث عن آراء المنطق والفلسفة وتقويمها ، وإنما نحاول هنا إلقاء بعض الضوء على آراء علمائنا في هذا المجال.
نوع العلم الحاصل من التواتر
    بعد أن عرفنا أن التواتر يؤدي إلى العلم ، فما هي طبيعة هذا العلم الذي يفيده التواتر ، فهل المراد به القطع واليقين ، أو الاطمئنان والوثوق ؟.
    وقد ذكرنا أن الشيخ الطهراني يفرق بين القطع والاطمئنان ، كما ذكر هذا الفرق بعض العلماء ، حيث يفرق بينهما ، في درجة الرجحان ، وفي الآثار المترتبة على كل منهما ، يقول : « وأما الاطمئنان فلأن وجود الاحتمال المخالف فيه هو الفارق ـ بينه وبين القطع ـ فلا يستحيل التعبد بخلافه ، فهو ـ أي الاطمئنان ـ وإن كان ظنا لوجود احتمال النقيض فيه ، إلا أنه من الضعف بمثابة صار وجوده كالعدم ، فإن هذا هو معنى الاطمئنان ، إذا فهذا الأثر ـ وهو الحجية ـ للعلم بالذات بحيث يستحيل انفكاكه عنه ، وللظن الاطمئناني أيضا بالذات مع إمكان سلبه عنه ».
    وفي موضع آخر يفرق بينهما : " إن العلم في اللغة هر الاعتقاد الجازم
(14) يلاحظ في هذا المجال كتاب " مدخل جديد إلى الفلسفة " للدكتور عبد الرحمن بدوي ص 101 ، و " أسس الفلسفة " للدكتور توفيق الطويل ص 155 وغيرهما.
43

المطابق للواقع ، وإنما الظن الاطمئناني علم حكما ـ لا حقيقة ـ لوجود مناط الاعتبار فيه اقتضاءا ، والفرق بينه وبين العلم إمكان نفي الاعتبار عنه دون العلم ، وأن الاطمئنان له مراتب بخلاف العلم ».
    ومن هذا وغيره نعرف أن درجة الرجحان في القطع أقوى منها في الاطمئنان ، وأنه يملك قوة الدفع أكثر من الاطمئنان ، وينعدم فيه احتمال الخلاف تماما ، بينما في الاطمئنان يبقى احتمال للخلاف ، وإن كان احتمالا ضعيفا جدا بحيث يلحقه العقلاء بالعدم ، ولا يعتنون به عمليا ، وأن حجية القطع عقلية ، يحكم بها العقل ، ولا يمكن للمعتبر سلبها عن القطع ، ما دامت تملك ملازمة ذاتية للقطع ، ولا تنفك عنه ، بينما الاطمئنان... فإن حجيته عقلائية ، فالعقلاء هم الذين. يحكمون بحجيته ، والعمل وفقه ، ولأجل توفر احتمال الخلاف في الاطمئنان ، أمكن سلب الحجية عنه ؟ بينما القطع لا يملك أي احتمال للخلاف في ذهن القاطع ، لذلك لا يمكن سلب الحجية عنه ، وهذا ما يصرحون به في بحث القطع.
    وهناك خلاف بين العلماء القائلين بحصول العلم من الخبر المتواتر ، هل أن العلم الحاصل منه ضروري أو نظري كسبي ، ذهب بعضهم أمثال أبي الحسن البصري والغزالي والكعبي وغيرهم ، إلى النظري ، مستدلين بتوقف حصول العلم منه على مقدمات نظرية كانتفاء المواطاة ودواعي الكذب وكون المخربة محسوسا ، بينما ذهب الأكثر إلى أنه ضروري ، مستدلين بحصوله لمن لم يكن من أهل النظر والاستدلال كالصبيان والبله ولافتقر إلى الدليل فلا يحصل للعوام ، وهو حاصل. وفصل آخرون كالسيد المرتضى ، وحكي عن الشيخ في العدة ففي بعض الموارد العلم ضروري ، وفي أخرى نظري (15) ، وعلى كل حال فالمهم أنهم يقولون بحصول اليقين والعلم من الخبر المتواتر.
    وأقوال العلماء في تعريف التواتر ، وفي كيفية حصول العلم من التواتر ،
( 15 ) يراجع : شرح البداية في علم الدراية : 60 ، ومقباس الهداية : 28 وغيرهما.
44

وفي شروطه ، تفيد أنهم يستهدفون من العلم الحاصل من التواتر ، هو القطع ، لا مجرد الوثوق والاطمئنان ، وأنهم كثيرا ما يذكرون التواتر من أسباب القطع ، ولعل تعبيرهم بالاستحاله والامتناع يدل على ذلك أيضا ، بالإضافة أن الكثير من العلماء يذهبون إلى أن الملاك في حجية الخبر الواحد هو الوثوق ، فلو كان الخبر المتواتر يفيد الوثوق أيضا ، لما كان هناك فرق بين الخبر الواحد ، والخبر المتواتر.
    بالإضافة إلى صراحة أقوال بعض العلماء بذلك ، يقول العلامة الحلي في مبادئ الوصول : « الحق أن الخبر المتواتر يفيد العلم الضروري ، لأن جزمنا بوقوع الحوادث العظام كوجود محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ وكحصول البلدان الكبار ، لا يقصر عن العلم بأن الكل أعظم من الجزء ، وغيره من الأوليات ، وهو حاصل العوام ومن لم يمارس الاستدلال ، ولا يقبل التشكيك » (16).
    ويقول السيد الداماد في كتابه الرواشح : « وهو ـ أي الخبر المتواتر لا محالة يعطي العلم البتي بمفاده » (17).
    وأشار لذلك صاحب الجواهر حيث قال : « كما أنك عرفت في الأصول استفادة العلم الضروري من المتواتر الذي هو كعلم المشاهدة » (18).
    وقد ذكر الشهيد الثاني في البداية (19) بأن العلم الحاصل من التواتر لا يقبل التشكيك ، بينما الاطمئنان يقبل التشكيك والتفاوت في مراتبه ، كما رأينا في عبارتي الشيخ الطهراني والعلامة الحلي.
    هناك أقوال كثيرة تدل على أن مرادهم من العلم القطع واليقين ، يلاحظها القارئ من بعض ما نقلناه في هذه المقالة.
    ومع صراحة عباراتهم في ذلك ، لا مجال لما يذكر بأن مرادهم من العلم
(16) مبادئ الوصول إلى علم الأصول : 202.
(17) الرواشح : 40.
(18) الجواهر 41 / 130.
(19) شرح البداية في علم الدراية 1 : 59.

45

الحاصل من التواتر هو الوثوق والاطمئنان ، كما يذكر ذلك الشيخ النراقي في كتابه « عوائد الأيام ».
    يقول الشيخ النراقي في العوائد ـ بعد أن يبحث عن مفهوم العلم في الشرعيات ـ ص 153 ـ : « والحاصل أن العلم والظن في الأحكام الشرعية هو العلم والظن المتعارف إطلاق اللفظ عليهما عند العرف ، فإذا كان طرفا الحكم متساويين يسمونه ترديدا أو شكا وإن كان أحد الطرفين أقوى ، ولكن لا بحيث يستهجن تجويز خلافه ، ولا يعتنى عندهم إلى خلافه ولا يلتفتون إليه في مقاصدهم ، كان ذلك ظنا ، وطرف خلافه وهما ، وإن كان أحدهما بحيث يستقبح تجويز خلافه ، ولا يعتنى إليه عند متعارفهم ، وإن كان محتملا عقلا ، يسمونه علما ، وعليه بناؤهم في الامتثالات والمخالفات ، ومن هذا القبيل العلم الحاصل من المتواتر غالبا ، ومن الأخبار المحفوفة بالقرائن ».
    ولكن هذا المعنى للعلم هو المراد من الوثوق والاطمئنان الذي يستقبح ويستهجن العرف احتمال خلافه ، وليس هو القطع والعلم الحاصل من المتواتر ، ومثل هذا الوثوق هو ملاك حجية الخبر الواحد واعتباره ـ كما يذكر ذلك الشيخ الأنصاري في الرسائل ـ فلا يبقى فرق بينه وبين الخبر المتواتر ، وقد ذكرنا تصريح وتأكيد العلماء على أن التواتر من قبيل الضروريات.
    ولكن يحتمل أن يريد النراقي من العلم ، ليس الجزم العقلي ، بل الجزم العادي ، وبذلك يتوافق مع سائر آراء العلماء في هذا المجال ، وأن بقاء احتمال الخلاف في التواتر بالنظر العقلي ، لا في النظر العرفي وفي حدود العادة.
    ولكن نرى العلماء يضيفون لتعريف التواتر « يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب » أو « أنه يفيد العلم بصدقه عادة » ، يقول في الفصول : « بل المدار على إفادته للعلم عادة » ، فما مقصودهم من « العادة » هنا ؟
    لعل مرادهم من هذا التعبير يظهر من خلال فكرتين نذكرهما هنا :
    1 ـ إن المعتبر في تحقق التواتر وصدقه على الخبر هو علم الفرد العادي لا


46

الفرد غير العادي ، فإن هذا العدد من الرواة بهذه الخصائص لو حصل لكل إنسان عادي لحصل له القطع بوقوع المخبر به من نفس الكثرة العددية ، بحيث يكون لأخبار هذا العدد ملازمة عادة ونوعا مع وقوع المخبر به وحصول القطع به ، وهذا يعبر عنه ب « الملازمة العادية » وقد بحث عن هذه الفكرة في بحث الاجماع ونقل التواتر في مختلف الكتب الأصولية فلتراجع ، وتقابلها « الملازمة الاتفاقية » بأن يحصل لشخص ما القطع بوقوع المخبر من أقوال جماعة من دون أن يكون بين أقوالهم والمخبر به ملازمة عقلية أو عادية موجبة لحصول القطع لغير هذا الشخص ، فتكون هناك ملازمة اتفاقية وشخصية مع وقوع المخبر به وحصول القطع به ، ولكن هذا لا يحصل لكل أحد بل للبعض اتفاقا ، فلا يملك حالة نوعية عادية بل شخصية اتفاقية.
    ونحن نعلم أن المنقول إليه ، لم يحس بنفسه بالمخبر به وإنما الذي أحس بالمخبر به ـ بإحدى الحواس ـ هو الناقل والمخبر لذلك لا يحصل القطع للمنقول إليه بمجرد إخبار ناقل واحد ، بل لا بد أن يكثر عدد الناقلين إلى عدد يكون المنقول إليه وكأنه أحس بالمخبر به بنفسه ليحصل له القطع به ، فالمخبر به وإن كان أمرا حدسيا بالنسبة للمنقول إليه ، لأنه لم يحس به ، ولكن بتحقق التواتر والقطع به ، يصبح المخبر به أمرا حدسيا قريبا من الحس وكأنه قد أحس به.
    يقول الشيخ الأنصاري في الرسائل في موضوع الاجماع : « إن خبر مائة عادل أو ألف مخبر بشيء مع شدة احتياطهم في مقام الإخبار يستلزم عادة لثبوت المخبر به » فإن كثرة الناقلين لأمر حسي كموت زيد مثلا ، له ملازمة عادية مع ثبوت المخبر به وتحقق القطع بحصوله خارجا للمنقول إليه ، فعبر بالملازمة العادية.
    ففي صدق التواتر على الخبر وتحققه يكفي حصول العلم للنوع وللأفراد العاديين التي تخلو أذهانهم عن الشبهات والعوامل التي توجب عدم حصول اليقين من الخبر المتواتر ، ومما يؤكد هذا المعنى ما ذكر في البداية والعالم عن السيد المرتضى أنه قد لا يحصل العلم من التواتر للبعض ، ممن يعتقد ببعض الشبهات ،


47

كما قد ينكر بعض الأفراد بعض الضروريات لشبهات في أذهانهم ، كإنكارهم لاستحالة اجتماع النقيضين ، كما ذكروا ذلك في مناقشة السمنية ، وهي طائفة دهرية تنكر حصول العلم من التواتر.
    فالمقصود من العلم العادي الذي يلزم توفره في تحقق التواتر وصدقه ، هو العلم الحاصل للذهن العادي ـ لا الذهن غير العادي كالقطاع ـ أو كالشخص المتلبس بالشبهات.
    يقول صاحب الجواهر : « نعم ، قد يشتبه على بعض المتشرعين فيتخيل الظن الغالب علما ، كما أنه قد يقطع مما لا يفيد القطع ، خصوصا إذا انضم إليه بعض الأغراض النفسانية ، بخلاف العلم الحاصل بالأمور المفيدة له عرفا عند المستقيمين الخالين من الأغراض الذين لهم قابلية النقد والتميز بين المراتب ، فإنه لا يتخلف غالبا ، واتفاق تخلفه غير قادح ، كما أنه قد يتخلف العلم بالحس لاشتباه ونحوه » (20).
    ويجب أن يعلم أن كلامنا هو في تحقق التواتر وصدقه على الخبر ، لا في حصول العلم من الخبر أو عدمه ، أو في حجية هذا العلم.
    2 ـ إنهم يفرقون بين الاستحالة العادية والاستحالة العقلية الذاتية ، ويمثل للاستحالة العقلية باجتماع النقيضين ، حيث يكون ممتنعا في ذاته ، وأن العقل ـ بما هو عقل ـ يحكم باستحالة ، وأما الاستحالة العادية فيمثل لها بالطيران في الهواء بدون واسطة ، أو الصعود إلى السطح بدون سلم ، فإنه وإن أمكن عقلا وفي ذاته ، إلا أنه غير ممكن عقلا في نطاق العادة وحدودها ، ولعله على هذا الأساس أرجع صاحب الكفاية المقدمة العادية للمقدمة العقلية في بحث المقدمة.
    والخبر المتواتر مفيد لليقين عادة ، أي في حدود العادة لا يخطر احتمال الخلاف ، وفي حدود العادة يقطع بصدق الخبر المتواتر ، وإن هناك ملازمة عادية
(20) الجواهر 41 / 131.

صلة