اُسامة آل جعفر
نشر على صفحات نشرة « تراثنا » وفي عددها الثاني
عشر ، من ص 79 ـ 133 ، كتاب مقتل الامام علي عليه السلام
لابن أبي الدنيا ، ولما يحمله هذا المقتل من تجن على الحقيقة
وما فيه من المغالطات ، فلقد قمنا وبعون الله تعالى بجمع جملة من
الروايات الواردة في كتب أهل السنة والتي أشارت إلى
الحقائق الناصعة التي أهملها ابن أبي الدنيا في مقتله المذكور . |
لا يغالي المرء عندما يجزم بأن التاريخ الاسلامي بسجله الحافل وصفحاته
الواسعة لم تستوقفه شخصية ما بعد رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم
ـ الرحمة الالهية المهداة ـ غير شخصية الامام علي بن أبي طالب عليه السلام ، ولا
يذهب ـ قطعا ـ إلى هذا القول بسطاء الناس وعامتهم ، ولا فقط من يحمل عليهم
البغض ويصمهم بشتى النعوت وأقسى الاوصاف ، كالمغالاة ، والحب المفرط ، بل
قلما يجد المرء ـ بعد عسير الجهد ومشقة البحث ـ من يتجاهلها ، وهم اولاء لا يعدو
كونهم إلا ممن أعمتهم الشمس الساطعة . . . فاتهموها بالكسوف . ناهيك عن
فالتجرد الواعي ، والنزاهة السليمة لابد وأن تكون محك البحث ،
ومقياس الحكم ، ومداد الاقلام ، حيث أن مئات من السنين العجاف التي ألمت
بالعالم الاسلامي لابد وأن تستوقف كل ذي عقل لبيب ، وذهن فطن .
فالصراع الازلي بين الظلمة والنور ، وبين الخير والشر لا يمكن أن يسترسل
على منوال واحد وسبيل معروف ، ومن الخطأ التسليم بأن لا جديد تحت الشمس ،
فالتلون أمسى ستارا يستخفي خلفه ذوو المآرب الدنيئة والنفوس الفاسدة .
ولعله من قبيل الامر المسلم به أن الامويين وقفوا كالشوكة المدببة ،
والذئب الضاري ، يعمل أنيابه الناتئة وأضراسه الحادة في كل ما خلفه علي
عليه السلام نسلا وحرثا وتراثا .
وهذي أمهات الكتاب حبلى من آثار تلك البصمات الوسخة التي
حاولت جاهدة أن تخفي نور النهار بمساحة الكف .
وإذا كان الظلم قد أنشب أظافره بادئ ذي بدء بذاك الجسد الطري
للصبي الذي كان أول من نطق بالشهادتين (2) ، فإن هذا الظلم لازمه ولصق به
حتى يومنا هذا ، فلذا ما أصدق قوله عليه السلام : « أنا أول من يجثو بين يدي
وروي عن زيد بن أرقم قوله : « كان أول من أسلم علي بن أبي طالب » الرياض النضرة 2 ـ
3|110 وقال : خرجه أحمد والترمذي .
وإذا كان للزمن أثر ، فما تركه الامويون من آثار لهي من الكثرة بمكانة
بحيث تستوجب التأمل والتريث في أخذ ما مر تحت أنظارهم وما تناقلته ألسنتهم ،
فقد « عمل الامويون على طمس مناقب الامام علي وفضائله بسبب حقدهم عليه ،
[ ولم يكتفوا بذلك بل ] كانوا يهددون كل من تحدث بمناقبه » (5) ، ولعل روايات
مقتله عليه السلام جانب من تلك الجوانب التي امتدت إليها أصابع التزوير
وتركت فيها آثارا واضحة لا تخفى على من وهبه الله تعالى بصيرة يستهدي بها
ويتجنب العثار .
فحقد الامويين هذا وسعيهم الدؤوب في طمس فضائل الامام علي
عليه السلام دفع الكثيرين إلى التساؤل . . . لم ؟! ولا تفسير أبلغ لهذا السؤال من
قول مروان للامام علي بن الحسين عليهما السلام عندما سأله عن مغزى الاصرار
على شتم علي عليه السلام على المنابر ، فقال : « لا يستقيم لنا هذا إلا بهذا » (6) .
بيد أن ما يسمو بعلي ويزيد في غيظ أعدائه قول رسول الله صلى الله عليه
وآله له : « يا علي ، إنك أول من يقرع باب الجنة فتدخلها بغير حساب بعدي » (7) .
وإن كنت قد حشرت نفسي في ساحة لا موطئ قدم لي فيها ، فإني قد
استللت بعض الروايات التي تروي جانبا من قصة هذا المقتل ، وبشكل مختصر ،
وأوردتها في أبواب تساير الفتنة وحتى الاستشهاد . . . والله من وراء القصد .
ابن إسحاق ، وابن شهاب ، أنه كتب حلية أمير المؤمنين عليه السلام عن
ثبيت الخادم ، فأخذا عمرو بن العاص فزم بأنفه ، فقطعها وكتب : إن أبا تراب
كان شديد الادمة ، عظيم البطن ، حمش الساقين . . . ونحو ذلك ، فلذلك رقع
الخلاف في حليته (8) .
1 ـ كان علي ربعة من الرجال ، أدعج العينين عظيمهما ، حسن الوجه
كأنه قمر ليلة البدر ، عظيم البطن إلى السمن ، عريض ما بين المنكبين ، لمنكبه
مشاش كمشاش السبع الضاري ، لا يبين عضده من ساعده قد ادمج إدماجا ،
ششن الكفين ، عظيم الكراديس ، أغيد كأن عنقه إبريق فضة ، أصلع ليس في
رأسه شعر إلا من خلفه ، كثير شعر اللحية ، وكان لا يخضب ، وقد جاء عنه
الخضاب ، والمشهور أنه كان أبيض اللحية ، وكان إذا مشى تكفأ ، شديد الساعد
واليد ، وإذا مشى إلى الحروب هرول ، ثبت الجنان قوي ، ما صارع أحدا إلا
صرعه ، شجاع منصور عند من لاقاه (9) .
2 ـ وقال ابن عباس رحمه الله في وصفه : وكان علي أمير المؤمنين يشبه
القمر الزاهر ، والاسد الهادر ، والفرات الزاخر ، والربيع الباكر ، أشبه من القمر
ضوءه وبهاءه ، ومن الاسد شجاعته ومضاءه ، ومن الفرات جوده وسخاءه ، ومن
الربيع خصبه وحياءه (10) .
3 ـ وروى العلامة المحدث الشيخ علي بن محمد بن أحمد المالكي ، الشهير
4 ـ حدثنا الشيح أبو الحجاج ، قال : رأيت عليا يخطب ، وكان من أحسن
الناس وجها ، كان كأنما كسر ثم جبر ، لا يغير شيبه ، خفيف المشي ، ضحوك (12) .
5 ـ وذكر العلامة الشيخ عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري البغدادي
في باب مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام :
كان مربوع القامة ، أدعج العينين عظيمهما ، حسن الوجه كأن وجهه
القمر ليلة البدر ، عظيم البطن أعلاه علم وأسفله طعام ، وكان كثير شعر اللحية ،
قليل شعر الرأس ، كأن عنقه إبريق فضة (13) .
6 ـ وروى السيد محمد مرتضى الواسطي الحنفي في حديث ابن عباس : ما
رأيت أحسن من شرصة علي رضي الله عنه (14) .
7 ـ . . . وكان رضي الله عنه ربعة من الرجال ، أدعج العينين عظيمهما ،
حسن الوجه كأنه قمر ليلة البدر . . . (15) .
8 ـ وروى ابن العماد الحنبلي في وصف علي عليه السلام بأنه كان أدعج
العينين ، حسن الوجه . . عريض المنكبين لهما مشاش كالسبع (16) . . .
1 ـ روى الحسن بن علي بن الاسود ، عن يحيى بن آدم ، عن إسرائيل ، عن
إبراهيم بن عبد الاعلى ، عن طارق بن زياد ، قال : قام علي بالنهروان فقال : إن نبي
الله قال لي : سيخرج قوم يتكلمون بكلام الحق ـ لا يجوز حلوقهم ، يخرجون من الحق
خروج السهم ـ أو مروق السهم ـ سيماهم أن فيهم رجلا مخدج اليد ، في يده
شعرات سود ، فإن كان فيهم فقد قتلتم شر الناس (17) .
2 ـ أخبرنا أحمد بن عثمان بن علي الزراري ـ إجازة إن لم يكن
سماعا ـ ، بإسناده عن أبي إسحاق الثعلبي ، أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد ،
حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين ، أخبرنا محمد بن يحيى ، أخبرنا عبد الرزاق ،
أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي سعيد الخدري ،
قال : بينا رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يقسم قسما ـ قال ابن عباس
كانت غنائم هوازن يوم حنين ـ إذ جاءه ذو الخويصرة التميمي ، وهو حرقوص بن
زهير ، أصل الخوارج ، فقال : إعدل يا رسول الله ! فقال : ويحك ، ومن يعدل إذا لم
أعدل . . . الحديث (18) .
3 ـ وعن أبي سعيد ، قال : حضرت رسول الله صلى الله عليه [ وآله ]
وسلم يوم حنين وهو يقسم ، قلت : ـ فذكر الحديث إلى أن قال : ـ علامتهم رجل
يده كثدي المرأة كالبضعة تدر در ، فيها شعيرات كأنها سبلة سبع (19) .
1 ـ فثار أهل الشام في سواد الليل ينادون [ عن قول معاوية وأمره ] : يا
أهل العراق ، من لذراريها إن قتلتمونا ، ومن لذراريكم إذا قتلناكم ، الله الله في
البقية ، وأصبحوا قد رفعوا المصاحف على رؤوس الرماح . . . ومصحف دمشق
الاعظم يحمله عشرة رجال على رؤوس الرماح وهم ينادون : كتاب الله بيننا
وبينكم . . .
فقال علي عليه السلام : يا أيها الناس ، إني أحق من أجاب إلى كتاب
الله ، ولكن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط وابن أبي سرح وابن
مسلمة ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن . . .
فجاءه من أصحابه زهاء عشرين ألفا مقنعين في الحديد ، شاكي السلاح ،
سيوفهم على عواتقهم ، وقد اسودت جباههم من السجود ، يتقدمهم مسعر بن
مذكي وزيد بن حصين وعصابة من القراء الذين صاروا خوارج من بعد ، فنادوه
باسمه لا بإمرة المؤمنين : يا علي ، أجب القوم إلى كتاب الله إذ دعيت إليه وإلا
قتلناك (20) .
2 ـ إن عليا عليه السلام لما دخل الكوفة ودخلها معه كثير من الخوارج ،
وتخلف منهم بالنخيلة وغيرها خلق كثير لم يدخلوها ، فدخل حرقوص بن زهير
السعدي وزرعة بن البرج الطائي ـ وهما من رؤوس الخوارج ـ على علي عليه السلام
فقال له ـ حرقوص : تب من خطيئتك واخرج بنا إلى معاوية نجاهده ! فقال له علي
عليه السلام : إني كنت نهيتكم عن الحكومة فأبيتم ، ثم الان تجعلونها ذنبا . . . !؟
أما إنها ليست بمعصية ، ولكنها عجز من الرأي ، وضعف عن التدبير ، وقد نهيتكم
عنه ، فقال زرعة : أما والله لئن لم تتب من تحكيمك لاقتلنك (21) .
3 ـ حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا ابن إدريس ، قال : سمعت إسماعيل
ابن سميع الحنفي ، عن أبي رزين ، قال : لما وقع التحكيم ورجع علي من صفين
رجعوا مباينين له ، فلما أنتهوا إلى النهر أقاموا به ، فدخل علي في الناس الكوفة
ونزلوا بحروراء (22) .
1 ـ قال أبو العباس : ثم مضى القوم [ أي الخوارج ] إلى النهروان ، وقد
كانوا أرادوا المضي إلى المدائن . . . [ فأصابوا ] في طريقهم مسلما ونصرانيا فقتلوا
المسلم لانه عندهم كافر إذ كان على خلاف معتقدهم !! واستوصوا بالنصراني ،
وقالوا : احفظوا ذمة نبيكم ! (23) .
2 ـ وروى ابن ديزيل في كتاب صفين ، قال : كانت الخوارج في أول ما
انصرفت عن رايات علي عليه السلام تهدد الناس قتلا . . . !! (24) .
3 ـ قال أبو العباس : ولقيهم عبد الله بن خباب في عنقه مصحف على حمار
ومعه امرأته وهي حامل ، فقالوا له : إن هذا الذي في عنقك ليأمرنا بقتلك ،
فقال لهم : ما أحياه القرآن فأحيوه ، وما أماته فأميتوه .
فوثب رجل منهم على رطبة سقطت من نخلة فوضعها في فيه ، فصاحوا به
فلفظها تورعا . . . وعرض لرجل منهم خنزير فضربه فقتله ، فقالوا : هذا فساد في
الارض ، وأنكروا قتل الخنزير . . .
ثم قالوا لابن خباب : فما تقول في علي بعد التحكيم والحكومة ؟ قال : إن
عليا أعلم بالله وأشد توقيا على دينه وأنفذ بصيرة ، فقالوا : إنك لست تتبع الهدى ،
إنما تتبع الرجال على أسمائهم ، ثم قربوه إلى شاطئ النهر فأضجعوه فذبحوه. (25)
4 ـ . . . وأقبلوا إلى المرأة ، فقالت : إني إنما أنا امرأة ألا تتقون الله ، فبقروا
بطنها . . !! وقتلوا ثلاث نسوة من طي ، وقتلوا أم سنان الصيداوية (26) .
1 ـ فلما بلغ عليا قتلهم عبد الله بن خباب واعتراضهم الناس ، بعث إليهم
الحارث بن مرة العبدي ليأتيهم وينظر ما بلغه عنهم ويكتب به إليه ولا يكتمه ،
فلما دنا منهم يسائلهم قتلوه ، وأتى عليا الخبر والناس معه ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ،
علام ندع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في عيالنا وأموالنا ؟! سر بنا إلى القوم فإذا فرغنا
منهم سرنا إلى عدونا من أهل الشام (27) .
2 ـ قال أبو مخنف : حدثني مالك بن أعين ، عن زيد بن وهب ، أن عليا
أتى أهل النهر فوقف عليهم فقال : أيتها العصابة التي أخرجتها عداوة المراء
واللجاجة ، وصدها عن الحق الهوى ، وطمح بها النزق ، وأصبحت في اللبس
والخطب العظيم ، إني نذير لكم أن تصبحوا تفليكم الامة غدا صرعى
بأثناء هذا النهر ، وبأهضام هذا الغائط ، بغير بينة من ربكم ، ولا برهان بين (28) .
3 ـ. . . فتنادوا [ أي الخوارج ] : لا تخاطبوهم ، ولا تكلموهم ، وتهيؤا
للقاء الرب ، الرواح الرواح إلى الجنة !!
فخرج علي معبئا الناس ، فجعل على ميمنته حجر بن عدي ، وعلى ميسرته
شبث بن ربعي ـ أو معقل بن قيس الرياحي ـ ، وعلى الخيل أبا أيوب الانصاري ،
وعلى الرجالة أبا قتادة الانصاري ، وعلى أهل المدينة ـ وهم سبعمائة أو ثمانمائة
رجل ـ قيس بن سعد بن عبادة .
قال : وعبأت الخوارج ، فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حصين الطائي ،
وعلى الميسرة شريح بن أوفى العبسي ، وعلى خيلهم حمزة بن سنان الاسدي ، وعلى
4 ـ وقد روى جماعة أن عليا كان يحدث أصحابه قبل ظهور الخوارج أن
قوما يخرجون يمرقون من الدين كما
يمرق السهم من الرمية ، علامتهم رجل مخدج
اليد . سمعوا ذلك منه مرارا ، فلما خرج أهل النهروان سار بهم إليهم علي ، وكان
منه معهم ما كان ، فلما فرغ أمر أصحابه أن يلتمسوا المخدج فالتمسوه ، فقال
بعضهم : ما نجده حتى قال بعضهم : ما هو فيهم ، وهو يقول : والله إنه لفيهم ،
والله ما كذبت ولا كذبت ، ثم إنه جاءه رجل فبشره . . . وقيل [ إنه ] خرج في
طلبه . . . فوجده في حفرة على شاطئ النهر في خمسين قتيلا . . . فلما رآه قال : الله
أكبر ، ما كذبت ولا كذبت (30) .
1 ـ حدثني عباس بن هشام الكلبي ، عن أبيه ، عن لوط ، أن يحيى وعوانة
ـ ابنا الحكم ـ وغيرهما قالوا : اجتمع ثلاثة نفر من الخوارج بمكة ، وهم عبد الرحمن
ابن ملجم الحميري . . . والبرك بن عبد الله التميمي ، وعمرو بن بكير ، وتذاكروا
أمر إخوانهم الذين قتلوا بالنهروان . . . فتعاهدوا وتعاقدوا ليقتلن علي بن أبي طالب
فقال : أما الثلاثة الاف والعبد والقينة فمهر ، وأما قتل علي بن
أبي طالب فما ذكرته لي وأنت تريديني ، فقالت : بلى ، تلتمس غرته ، فإن أصبته
وسلمت شفيت نفسي ونفعك العيش معي ، فقال : والله ماجاء بي إلا قتل
علي (31) .
2 ـ فقدم ابن ملجم ، وجعل يكتم أمره ، فتزوج قطام بنت علقمة ، من تيم
الرباب ـ وكان عليا قتل أخاها ـ فأخبرها بأمره ، وكان أقام عندها ثلاث ليال ،
فقالت له في الليلة الثالثة : لشد ما أحببت لزوم أهلك وبيتك وأضربت عن
الامر الذي قدمت له ! فقال : إن لي وقتا واعدت عليه أصحابي ولن أجاوزه (32) .
3 ـ قالوا : لم يزل ابن ملجم تلك الليلة عن الاشعث بن قيس يناجيه
حتى قال له الاشعث : قم فضحك الصبح . وسمع ذلك من قوله حجر بن عدي
الكندي فلما قتل علي قال له حجر : يا أعور ، أنت قتلته!
وقال المدائني : قال مسلمة بن المحارب : سمع الكلام عفيف عم
الاشعث ، فلما قتل علي قال عفيف : هذا من عملك وكيدك يا أعور (33) .
=
4 ـ فبعثت [ أي قطام ] إلى رجل من تيم الرباب يقال له : وردان ،
فكلمته في ذلك فأجابها ، وجاء ابن ملجم برجل من أشجع يقال له : شبيب بن
بحرة ، فقال له : هل لك في شرف الدنيا والاخرة !! قال : وما ذاك ؟ قال : قتل
علي بن أبي طالب ! قال : ثكلتك أمك ، لقد جئت شيئا إدا ، كيف تقدر على
ذلك ؟ ! قال : اكمن له في المسجد ، فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه
فإن نجونا شفينا أنفسنا وأدركنا ثارنا ، وإن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا !!
(34) .
1 ـ حدثنا دعلج بن أحمد السجزي ـ ببغداد ـ ثنا عبد العزيز بن معاوية
البصري ، ثنا عبد العزيز بن الخطاب ، ثنا ناصح بن عبد الله الملحمي ، عن عطاء بن
السائب ، عن أنس بن مالك ، قال : دخلت مع النبي على علي بن أبي طالب
يعوده وهو مريض ، وعنده أبو بكر وعمر فتحولا حتى جلس رسول الله صلى الله
عليه [ وآله ] وسلم ، فقال أحدهما لصاحبه : ما أراه إلا هالك ! فقال رسول الله
صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : إنه لن يموت إلا مقتولا ، ولن يموت حتى يملأ
غيظا (35) .
2 ـ قال النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : أشقى الاولين عاقر الناقة ،
وأشقى الاخرين من هذه الامة الذي يطعنك يا علي ، وأشار إلى حيث
طعن (36) .
3 ـ قال علي : قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : من أشقى
الاولين ؟ قلت : عاقر الناقة ، قال : صدقت . قال : فمن أشقى الاخرين ؟ قلت :
4 ـ عن عبد الله بن سبع ، قال : سمعت عليا على المنبر يقول : ما ينظر
أشقاها ؟ والذي خلق الحبة وبرأ النسمة عهد إلي أبو القاسم رسول الله صلى الله
عليه [ وآله ] وسلم : لتخضبن هذه من هذه ، وأشار إلى لحيته ورأسه ، فقالوا : يا
أمير المؤمنين ، من هو ؟ لنبيرنه . . . قال : أنشدكم الله أن يقتل غير قاتلي (38) .
5 ـ لما خرج علي عليه السلام لطلب الزبير ، خرج حاسرا ، وخرج إليه
الزبير دارعا مدججا . . . قال علي عليه السلام : إنه ليس بقاتلي ، إنما يقتلني رجل
خامل الذكر ضئيل النسب غيلة ، في غير ما قط حرب ولا معركة ولا رجال ،
ويل له ، إنه أشقى البشر ، ليودن أن أمه هبلت به ، أما إنه واحيمر ثمود لمقرونان
في قرن (40) .
6 ـ حدثني العباس بن علي ومحمد بن خلف ، قالا : حدثنا أحمد بن منصور
الرمادي ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن ابن
سيرين ، عن عبيدة السلماني ، قال : كان علي بن أبي طالب إذا أعطى الناس
فرأى ابن ملجم قال :| أريد حياته ويريد قتلي | عذيرك من خليلك من مراد(40) |
7 ـ عن سكين بن عبد العزيز العبدي أنه سمع أباه يقول : جاء عبد الرحمن
ابن ملجم يستحمل عليه فحمله ، ثم قال : إن هذا قاتلي ، قيل : فما منعك منه ·
قال : إنه لم يقتلني بعد (41) .
1 ـ روى ابن الاثير ، قال : وأنبأنا جدي ، حدثنا زيد بن علي ، عن
عبيد الله بن موسى ، حدثنا الحسن بن كثير ، عن أبيه ، قال : خرج علي لصلاة
الفجر فاستقبله الاوز يصحن في وجهه ، قال : فجعلنا نطردهن عنه ، فقال : دعوهن
فإنهن نوائح . . . (42) .
2 ـ روى العلامة القندوزي في ينابيع المودة : في جواهر العقدين : عن
الحسين بن كثير ، عن أبيه ، قال : فلما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها ، أكثر
الخروج والنظر إلى السماء ، وجعل يقول : والله ما كذبت ولا كذبت ، وإنها
الليلة التي وعدت لي (43) .
3 ـ أنبأنا عمر بن محمد بن طبرزد ، أنبأنا أبو القاسم بن السمرقندي ، أنبأنا
أبو بكر بن الطبري ، أنبأنا أبو الحسن بن بشران ، أنبأنا أبو علي بن صفوان ، حدثنا
ابن أبي الدنيا ، حدثني هارون بن أبي يحيى ، عن شيخ من قريش أن عليا لما
ضربه ابن ملجم قال : فزت ورب الكعبة ، ثم قال : لا يفوتنكم الرجل ، فشد
الناس عليه فأخذوه (44) .
4 ـ . . . عن الزهري أن ابن ملجم طعن عليا حين رفع رأسه من الركعة ،
فانصرف وقال : أتموا صلاتكم (45) .
5 ـ أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن أحمد ، أنبأنا أحمد بن محمد بن أحمد ،
أنبأنا عيسى بن علي ، أنبأنا عبد الله بن محمد البغوي ، أنبأنا أحمد بن منصور ، أنبأنا
1 ـ دعا [ علي بن أبي طالب عليه السلام ] حسنا وحسينا ، فقال : أوصيكما بتقوى الله ، وألا تبغيا الدنيا الفانية وإن بغتكما ، ولا تبكيا علىشيء زوي
عنكما ، وقولا الحق ، وارحما اليتيم ، وأعينا الضائع ، واصنعا للاخرة ، وكونا للظالم
خصما وللمظلوم ناصرا ، اعملا بما في الكتاب ، فلا تأخذكما في الله لومة لائم .
ثم نظر إلى محمد بن الحنفية فقال : هل حفظت ما أوصيت به أخويك ؟
قال : نعم . قال : فإني أوصيك بمثله ، وأوصيك بتوقير أخويك لعظيم حقهما
عليك ، ولا تؤثر أمرا دونهما .
ثم قال للحسن والحسين : أوصيكما به ، فإنه أخوكما وابن أبيكما ، وقد
علمتما أن أباكما كان يحبه . . . (47) .
هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب :
أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده
ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، ثم
إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له ، وبذلك أمرت
وأنا من المسلمين.
ثم اوصيك يا حسن وجميع ولدي وأهلي ومن يبلغه كتابي بتقوى الله
ربكم ، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ، واعتمصوا بحبل الله جميعا ، ولا تفرقوا ، فإني
سمعت أبا القاسم عليه السلام يقول : إن صلاح ذات البيت أفضل من عامة
الصلاة والصيام .
انظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم يهون عليكم الحساب .
الله الله في الايتام فلا تغيروا أفواههم ، ولا يضيعوا بحضرتكم .
الله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم ، مازال يوصي بهم حتى ظننا أنه
سيورثهم .
الله الله في القرآن فلا يسبقنكم بالعمل به غيركم .
الله الله في الصلاة فإنها عماد دينكم .
الله الله في بيت ربكم فلا يخلون ما بقيتم ، فإنه إن ترك لم تناظروا .
الله الله في شهر رمضان ، فإن صيامه جنة من النار .
الله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم .
الله الله في الزكاة فإنها تطفئ غضب الرب .
الله الله في ذمة أهل بيت نبيكم ، فلا يظلموا بين ظهرانيكم .
الله الله في أصحاب نبيكم فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
أوصى بهم .
الله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم .
الله الله فيما ملكت أيمانكم ، فإن آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه
وآله أن قال : أوصيكم بالضعيفين ، نساؤكم وما ملكت أيمانكم .
الصلاة الصلاة ، لا تخافن في الله لومة لائم ، يكفيكم من أرادكم وبغي
عليكم ، وقولوا للناس حسنا كما أمركم الله ، ولاتتركوا الامر بالمعروف والنهي
عن المنكر فيتول الامر شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم ، عليكم بالتواصل
والتباذل وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق ، وتعاونوا على البر والتقوى ، واتقوا
الله إن الله شديد العقاب .
حفظكم الله من أهل بيت ، وحفظ فيكم نبيكم ، أستودعكم الله ، وأقرأ
عليكم السلام ورحمة الله . . . (48) .
3 ـ عن أبي وائل بن سعد ، قال : كان عند علي مسك ، فأوصى أن يحنط
به ، وقال : هو فضلة حنوط رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم (49) .
1 ـ ذكروا أن جندب بن عبد الله دخل على علي عليه السلام يسليه [ بعد
إصابته ] فقال : يا أمير المؤمنين ، إن فقدناك فلا نفقدك فنبايع الحسن · قال :
نعم (50) .
2 ـ أخبرني حبيب بن نصر المهلبي ، قال : حدثنا عمر بن شبة ، قال :
حدثنا علي بن محمد المدائني ، عن أبي بكر الهذلي ، قال : أتى أبا الاسود الدؤلي (51)
نعي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وبيعة الحسن عليه السلام ، فقام
على المنبر فخطب الناس ونعى لهم عليا عليه السلام ـ حتى قال : وقد أوصى
بالامامة بعده إلى ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وابنه وسليله وشبيهه
في خلقه وهديه ، وإني لارجو أن يجبر الله عزوجل به ما وهى ، ويسد به ما انثلم ،
ويجمع به الشمل ، ويطفئ به نيران الفتنة ، فبايعوه ترشدوا .
فبايعت الشيعة كلها (52) .
1 ـ قال الامام علي عليه السلام : إنه أسير ، فأحسنوا نزله وأكرموا
مثواه (53) فإن بقيت قتلت أو عفوت ، وإن مت فاقتلوه قتلتي ، ولا تعتدوا إن الله
لا يحب المعتدين (54) .
2 ـ . . . أنظر يا حسن ، إن أنا مت من ضربته هذه فاضربه ضربة
بضربة ، ولا تمثل بالرجل فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم
يقول : إياكم والمثلة ولو أنها بالكلب العقور (55) .
3 ـ قال له [ أي الامام علي عليه السلام لابن ملجم ] : ولقد كنت أعلم
أنك قاتلي ، وإنما أحسنت إليك لاستظهر بالله عليك ، ثم قال لبنيه : يا بني ، إن
هلكت النفس بالنفس ، اقتلوه كما قتلني ، وإن بقيت رأيت فيه رأيا (56) .
4 ـ . . . يا بني عبد المطلب ، لا تخوضوا دماء المسلمين خوضا تقولون : قتل
أمير المؤمنين ، قتل أمير المؤمنين ، ألا لاتقتلن بي إلا قاتلي ، انظروا ، إذا أنا مت من
ضربته هذه فاضربوه ضربة ، ولاتمثلوا به ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه
[ وآله ] وسلم يقول : إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور (57) .
5 ـ قال علي عليه السلام عندما أدخل عليه ابن ملجم بعد أن ضربه :
النفس بالنفس ، إن هلكت فاقتلوه كما قتلني ، وإن بقيت رأيت فيه رأيي . وقال
لابن ملجم : يا عدو الله ألم أحسن إليك ؟! . . . ألم أفعل بك . . . ؟! قال :
بلى (58) .
1 ـ أنبأنا عبد الوهاب بن أبي منصور بن سكينة ، أنبأنا أبو الفتح محمد بن
عبد الباقي بن سليمان ، أنبأنا أحمد بن الحسين بن خيرون وأحمدبن الحسن
الباقلاني ـ كلاهما إجازة ـ ، قالا : أنبأنا أبو علي بن شاذان ، قال : قراءة على أبي
محمد بن الحسن بن محمد بن يحيى العلوي ، حدثني جدي ، حدثنا أحمد بن محمد
ابن يحيى ، حدثني إسماعيل بن أبان الازدي ، حدثني فضيل بن الزبير ، عن عمرو
ذي مر ، قال : لما اصيب علي بالضربة دخلت عليه وقد عصب رأسه ، قال :
قلت : يا أمير المؤمنين أرني ضربتك . قال : فحلها . فقلت : خدش وليس بشيء .
قال : إني مفارقكم فبكت أم كلثوم من وراء الحجاب . فقال لها :
اسكتي ، فلو ترين ما أرى لما بكيت . قال : فقلت : يا أمير المؤمنين ، ماذا ترى ؟
قال : هذه الملائكة وفود النبيون ، وهذا محمد صلى الله عليه [ وآله ] وسلم
يقول : يا علي أبشر فما تصير إليه خير مما أنت فيه (59) .
2 ـ . . . ثم كتب وصيته ولم ينطق إلا بلا إله إلا الله ، حتى مات (60) .
3 ـ . . . لما فرغ علي من وصيته قال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،
ثم لم يتكلم إلا بلا إله الا الله حتى توفي (61) .
4 ـ عن ابن شهاب ، قال : قدمت دمشق وأنا اريد العراق ، فأتيت
عبد الملك لاسلم عليه ، فودته في قبة على فرش تفوت القائم وتحته سماطان ،
فسلمت ثم جلست ، فقال لي : يا ابن شهاب ، أتعلم ما كان في بيت المقدس
صباح قتل علي بن أبي طالب ؟ قلت : نعم . قال : فقمت من وراء الناس حتى
أتيت خلف القبة ، وحول إلي وجهه وأحنى علي فقال : ما كان ؟! فقلت : لم
5 ـ أخبرنا أبو محمد الشاهد ، أنبأنا أبو بكر الحافظ ، أنبأنا أبو الحسن
المقرئ ، أنبأنا علي بن أحمد بن أبي قيس .
حيلولة ، وأخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي ، أنبأنا محمد بن محمد ، أنبأنا
أبو الحسين علي بن محمد بن بشران ، أنبأنا عمر بن الحسن ، قالا : أنبأنا ابن أبي
الدنيا ، أنبأنا سعيد بن يحيى الاموي ، عن أبيه ، عن ابن إسحاق .
وقال ابن السمرقندي : أنبأنا أبي ، عن محمد بن إسحاق ، قال : مات علي
في إحدى وعشرين ليلة مضت من شهر رمضان (63) .
6 ـ أخبرني أحمد بن بالويه العقصي ، ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، ثنا
عباد بن يعقوب ، ثنا نوح بن دراج ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري أن أسماء
الانصارية قالت : ما رفع حجر بإيلياء ليلة قتل علي إلا ووجد تحته دم عبيط (64) .
7 ـ روى الحاكم ، عن أبي عبد الله الحافظ أنه بلغه : قال علي للحسن
والحسين رضي الله عنهم : إذا مت أنا فاحملاني على سرير ، ثم أئتيا أبي الغري ـ وهو
نجف الكوفة ـ فإنكما تريان صخرة بيضاء تلمع نورا ، فاحتفرا فإنكما تجدان فيها
ساجة ، فادفناني فيها (65) .
8 ـ . . . ثنا المعتمر ، قال : قال أبي : حدثنا الحريث بن مخشى أن عليا
قتل صبيحة إحدى وعشرين من رمضان ، قال : فسمعت الحسن بن علي يقول وهو
يخطب ـ وذكر مناقب علي ـ فقال : قتل ليلة أنزل القرآن ، وليلة أسري بعيسى ،
وليلة قبض موسى (66) .
1 ـ فلما مات علي رضي الله عنه ، استدعى الحسن ابن ملجم ، فقال له
ابن ملجم : إني أعرض عليك خصلة . قال : وما هي ؟ قال : إني كنت عاهدت
الله عند الحطيم أن أقتل عليا ومعاوية أو أموت دونهما ، فإن خليتني ذهبت إلى
معاوية ، على أني إن لم أقتله أو قتلته وبقيت فلله علي أن أرجع إليك حتى أضع
يدي في يدك ، فقال الحسن : كلا والله حتى تعاين النار فلا . ثم قدمه فقتله (67) .
2 ـ فلما قبض عليه السلام بعث الحسن إلى ابن ملجم فقال للحسن : هل
لك في خصلة ، إني والله ما أعطيت الله عهدا إلا وفيت به ، إني كنت قد
أعطيت الله عهدا عند الحطيم أن أقتل عليا ومعاوية أو أموت دونهما ، فإن
شئت . . . فقال الحسن : أما والله حتى تعاين النار فلا ، ثم قدمه فقتله . . . (68) .
3 ـ ودعا الحسن ـ بعد دفنه ـ بابن ملجم ـ لعنه الله ـ فأتي به فأمر بضرب
عنقه ، فقال له : إن رأيت أن تأخذ علي العهود أن أرجع إليك حتى أضع يدي في يدك
بعد أن أمضي إلى الشام ، فأنظر ما صنع صاحباي بمعاوية ، فإن كان قتله
وإلا قتلته ثم أعود إليك تحكم في بحكمك ، فقال له الحسن : هيهات والله
لا تشرب الماء البارد أو تلحق روحك بالنار ، ثم ضرب عنقه (69) .