الدكتور السيد مصطفى جمال الدين
الاصول ، في اللغة : جمع أصل وهو : « أسفل كل شيء » (1) . وقال
الراغب : « أصل الشيء قاعدته التي لو توهمت مرتفعة لارتفع بارتفاعها سائرة ،
لذلك قال تعالى : أصلها ثابت وفرعها في السماء » (2) .
ويطلق الاصوليون كلمة « أصل » على معان منها :
1 ـ (الدليل) أو المصدر الذي يستندون إليه في استنباط الحكم الشرعي ،
فيقولون مثلا : « الاصل في هذه المسألة : آية المائدة » أو : « الاصل : حديث ابن
مسعود » وأمثال ذلك .
2 ـ ومنها (القاعدة الاصولية) التي مهدوها لكيفية استنباط الحكم من
الدليل ، كقولهم : « الاصل أن النص مقدم على الظاهر » و« الاصل أن عام
الكتاب قطعي » وهكذا .
3 ـ ومنها أن كلمة الاصل تطلق على « الوظيفة » التي يعمل بها المكلف
عند عدم عثوره على دليل من الادلة التي يستنبط منها الحكم إلى أن يعثر على
4 ـ ومنها ما يقابل الفرع في العملية القياسية ، فيقولون : « الخمر أصل
النبيذ » أي أن حكم النبيذ ينبني على حكم الخمر ، لتساويهما في العلة .
5 ـ ومنها ما يدل على « الرجحان » ، فيقولون : « الاصل الحقيقة » أي إذا
تردد الامر بين حمل الكلام على الحقيقة أو المجاز فإن الحقيقة أرجح .
ولعل المعاني الثلاثة الاولى هي الاقرب إلى ما نسميه بـ « اصول الفقه »
فإن أصول الفقه تعني : الادلة التي يستنبط منها الفقه ، كما تعني القواعد التي تتم
بها عملية الاستنباط من الادلة ، وتعني أيضا الاصول العملية التي نجري عليها عند
خفاء تلك الادلة ، وهذه الثلاثة تشترك بالمعنى اللغوي للاصل ، أي : « الاساس
الذي ينبني عليه الشيء » .
وفي تشخيص الادلة والاصول العملية اتفق الاصوليون على : النص
الشرعي - من الكتاب والسنة ـ والاجماع ، ثم اختلفوا ، بعد ذلك ، في أدلة ما لا
نص فيه : القياس ، ودليل العقل ، والاستحسان ، والاستصحاب ، والمصالح
المرسلة ، وغيرها .
وفي القواعد الممهدة لعملية الاستنباط من الادلة اتفقوا على اليسير منها ،
واختلفوا في الاكثر ، فتراهم مختلفين في : طرق وصول النص ، وأوجه دلالته ، وفي
كيفية حصول الاجماع ونقله ، وفي أركان القياس ومسالك علته ، وفي مصاديق ما
يمكن أن يكون مسرحا لادراك العقل حكم الله فيه ، وأمثال ذلك .
*
*
وقد كان لمنهج البحث الاصولي أثره الكبير في منهج البحث النحوي في
كل من الناحيتين : تشخيص الادلة . . . وأوجه دلالتها . وربما علل بعض النحويين
ذلك : بأن « النحو معقول من منقول ، كما أن الفقه معقول من منقول » (4) .
لذلك نجد في تشخيصهم لادلة النحو نفس ما وجدناه عند الاصوليين
من : النص « السماع » ، والقياس ، والاجماع ، والاستحسان ، والاستصحاب ،
وغيرها . وفي أوجه دلالتها نراهم يبحثون ـ كما يبحث الاصوليون ـ في : طرق حمل
النص ، وثقة النقلة والرواة (5) ، وعن التواتر والاحاد ، والمرسل ، والمجهول ،
وشروط ذلك (6) ، كما يتحدثون عن إجماع أهل العربية ، ومتى يكون حجة ، ومتى
تجوز مخالفته (7) ، وعن أنواع من الاجماع أخرى ، كإجماع العرب ، والاجماع
السكوتي ، وإحداث قول ثالث (8) .
وتكلموا عن أقسام القياس : قياس العلة ، وقياس الشبه ، وقياس
الطرد (9) . وعن أركانه الاربعة من : أصل ، وفرع ، وحكم ، وعلة ، وشروط هذه
الاركان (10) . ولان ابن جني كان حنفيا ، والاحناف يعتبرون العلة هي ركن
وفي مسالك العلة تحدث السيوطي عن : النص عليها والايماء إليها ،
والاجماع ،
والسير والتقسيم ، والشبه ، والطرد ، وعدم الفارق (12) . وكل هذه
المسالك هي التي يذكرها الاصوليون ، عادة ، في مسالك العلة الشرعية .
وعرفوا الاستصحاب بما يشبه تعريف الاصوليين : « إبقاء حال اللفظ على
ما يستحقه عند عدم دليل النقل عن الاصل » (13) ووضعوه في نفس المرتبة التي
وضعها بها الاصوليون بالنسبة للادلة الاخرى ، أي أنه لا يجوز العمل به عند وجود
الادلة والامارات .
أما الاستحسان فقد ذكره ابن جني ، لان أصحابه من الحنفية يأخذون
به ، ولكن الانباري والسيوطي لم يجعلاه من أدلتهما ـ مع ذكرهما له ـ لانهما
شافعيان ، والامام الشافعي يبطله ويقول في رسالته : « الاستحسان تلذذ » (14)
ونقل عنه قوله : « من استحسن فقد شرع » أو « فإنه أراد أن يكون شارعا » (15) .
ولم ينس النحويون أن يختموا أصولهم بما تختم به أصول الفقه عادة من
باب « التعارض والترجيح » وقد ذكروا في هذا الباب : تعارض النصوص ،
وتعارض الاقيسة ، وتعارض النص والقياس وأمثال ذلك (16) .
بعد هذا العرض الموجز لما يسميه هؤلاء المؤلفون بـ « أصول النحو »
نستطيع ، بأدنى نظر ، أن نشخص الاثر الكبير لمنهجة أصول الفقه عليه ، خاصة وأن
الذين ألفوا هذه الاصول ـ وإن ادعى كل منهم أنه مبتكرها ـ كانوا حريصين على
الاعتراف باتباعهم حد أصول الفقه . يقول ابن جني ـ وهو أول من كتب في هذه
الاصول ـ : « لم نر أحدا من علماء البلدين ـ البصرة والكوفة ـ تعرض لعمل أصول
النحو على مذهب أصول الكلام والفقه » (17) .
وقال الانباري : « وألحقنا بالعلوم الثمانية ـ يقصد علوم الادب ـ علمين
وضعناهما : علم الجدل في النحو ، وعلم أصول النحو . . . على حد أصول الفقه ،
فإن بينهما من المناسبة ما لا خفاء به ، لان النحو معقول من منقول كما أن الفقه
معقول من منقول » (18) .
وقال السيوطي عن كتابه « الاقتراح » : « في علم لم اسبق إلى ترتيبه ،
ولم أتقدم إلى تهذيبه ، وهو أصول النحو الذي هو بالنسبة إلى النحو كاصول الفقه
بالنسبة إلى الفقه » (19) مع أنه نقل في كتاب جل ما قاله الانباري في اللمع ، وما
قاله ابن جني في الخصائص .
وكل من تتبع أصول النحو في هذه الكتب الثلاثة ـ وبخاصة اللمع
والاقتراح ـ يجد أثر أصول الفقه شائعا في تعريفاتها ، وتقسيماتها ، وشروطها ،
وأحكامها . بل كانت الظاهرة الشائعة في العصور المتأخرة تقليد المؤلفين من النحاة
للفقهاء والاصوليين في وضع كتب على غرارهم ، كما قال أبو البركات في مقدمة
كتابه « الانصاف » أنه وضعه في « المسائل الخلافية بين نحويي البصرة والكوفة ،
على ترتيب المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة » ومثل ذلك قال في مقدمة
« الاغراب في جدل الاعراب » وتبعه السيوطي في « الاشباه والنظائر النحوية » كذلك.
وليس المهم هنا هو معرفة تأثر النحاة بالاصوليين ، ولكن المهم أن نسأل
عن الطريقة التي اتبعها هؤلاء النحاة في تأصيل هذه الاصول ، لنحكم بعد ذلك
على مقدار قيمتها .
المعروف أن النحو ولد أشبه ما يكون بالصناعة الكاملة ـ من ناحية المنهج
والاستنتاج ـ في كتب المدرستين القديمة ، وبخاصة في كتاب سيبويه ومعاني
الفراء ، وإذا كانت هناك إضافات تستحق الذكر ، بعدهما ، فهي بلا شك
حدثت قبل تأسيس الاصول النحوية هذه ، وذلك لان النحو بعد القرن الرابع بدأ
يلوك نفسه ، ويدور ـ كما هو معروف ـ في حلقة مفرغة من التعليلات والاوهام ،
ولكنها لا تخرج غالبا عما جاءت به المدرستان من مسائل وأحكام .
والذي نعرفه عن « الاصول » ـ أية أصول سواء أكانت للفقه ، أم للنحو ،
أم للادب ، أم لاي فن آخر ـ ما هي إلا مناهج وأصول بحث تقوم عليها أحكام
ذلك الفن وقضاياه ، من أجل ذلك ينبغي أن تكون أصول البحث في رتبة
سابقة ، أو موازية للبحث أو المبحوث فيه ، وهذه طبيعة كل أساس يراد البناء
عليه ، فماذا يراد إذن بهذه الاصول التي جاءت متأخرة جدا عن النحو ، باعتباره
صناعة قائمة ، هذه الاصول التي استعارها (مبتكروها) من أصول علم آخر قام
جنبا إلى جنب مع النحو ، وبدأ بناة العلمين معا يقيمونهما في عصر متقارب ،
ولابد أن يكون لكل منهما أسسه ومناهجه الملائمة لطبيعته ؟
من حيث الاساس هناك تفسيران مقبولان لتدوين أصول أي علم بعد
قيامه واكتماله :
وهي أن يكون هذا التدوين « نقديا نظريا » وذا طبيعة جدلية منطقية ،
أي أن واضعي تلك الاصول نظروا في أحكام ومسائل الفن القائم ، فلم تعجبهم
وعلى هذه الطريقة أسس الامام الشافعي أصوله وبنى فقهه ، وخالفه فيه
الفقه القائم في مدرستي الكوفة والمدينة ـ أصولا وأحكاما ـ وفيهما فقه استاذيه :
مالك بن أنس ، ومحمد بن الحسن الشيباني ، وذلك أن أصول الشافعي
ومناهجه الجديدة تبطل من أصول مالك ما كان يعتمده من « إجماع أهل
المدينة » و« المصالح المرسلة » و« سنة الصحابة » وغيرها . وتبطل من أصول
العراقيين ـ أبي حنيفة وطلابه ـ ما كانوا يرونه من « الاجماع السكوتي »
و« الاستحسان » و« الرأي » ، وما كانوا يشترطونه للسنة من شروط تضيق دائرة
الاعتماد على الحديث النبوي .
ثم جاء المتكلمون من أتباع المذهب الشافعي وغيرهم ، فصقلوا هذه
الاصول ووسعوها وأحكموا قواعدها ، وخالفوا ـ في بعضها ـ ما ذهب إليه إمام
المذهب ، ولذلك كانت هذه الطريقة تسمى أحيانا بـ « طريقة الشافعيه »
وأحيانا بـ « طريقة المتكلمين » .
وهي أن يكون هذا التدوين ـ في جملته ـ « وصفا » لخطوات أصحاب الفن
القائم ، وطبيعته حينئذ طبيعة تاريخية ، أي أن واضعي هذه الاصول رجعوا إلى
مسائل هذا العلم وأحكامه ، فلاحظوا أن العلماء السابقين كانوا يبنون حكمهم في
هذه المسألة على هذا الاصل ، وفي تلك المسألة على ذلك الاصل ، وفي ثالثة على
أصل ثالث ، وهكذا إلى أن استقروا مسائل العلم كلها ، وضموا الاصول المتشابهة
بعضها إلى بعض ، فحصل لهم ، نتيجة استقرائهم الشامل وملاحظتهم الدقيقة ،
مجموعة من أصول هذا العلم ومناهجه .
وعلى هذه الطريقة دونت أصول الفقه عند الحنفية ، وسميت بـ « طريقة
من خلال هذه التفسيرين نستطيع أن نقوم « أصول النحو » التي جاءت
متأخرة عن النحو ، لنجد أنها ليست تأسيسية نظرية ، وليست وصفية تاريخية ،
وإنما هي عمل تقليدي صرف لاصول علم آخر ، يبعد كثيرا بطبيعته ومصادر
أحكامه عن علم النحو .
1 ـ أن بناة هذه الاصول لم يعملوا عمل الشافعي ، فيغيروا من مناهج
النحو ومسائله ومصادر أحكامه التي كانت قائمة في مدرستي الكوفة والبصرة
النحويتين ـ كما فعل الشافعي مع أصول مدرستي الكوفة والمدينة الفقهيتين ـ
فيقدموا لنا « نحوا جديدا » على غرار فقه الشافعي وجدة مناهجه ، بل إن كل ما
أحدثوه أنهم عمدوا إلى تلك المسائل والاحكام السابقة ، فبحثوا في عللها
وأسبابها ، وتجادلوا في ذلك ثم طال بهم الجدل ، حتى انتقلوا من علة الحكم إلى
علة العلة ، وعلة علة العلة ، التي سميت أحيانا بالعلل الاول ، والعلل الثواني ،
والعلل الثوالث ، وأحياينا ب : العلل التعليمية ، والعلل القياسية ، والعلل
الجدلية(20) .
=
وحين جاء رجل مثل ابن مضاء القرطبي ( ـ 592 هـ ) رد على النحاة هذه
العلل الثواني والثوالث ، وقبل العلة الاولى في رفع « زيد » من « قام زيد » لانه
فاعل ، وذلك لان ما عدا هذه العلة « لا يزيدنا علما بأن الفاعل مرفوع ، ولو
جهلنا ذلك لم يضرنا جهله ، إذ قد صح عندنا رفع الفاعل الذي هو مطلوبنا ،
باستقراء المتواتر الذي يوقع العلم » (21) .
والحق في ذلك مع ابن مضاء ، لان في هذه التعليلات المتتالية إثقالا
لهذه الصناعة اللغوية ، بمصطلحات صناعات أخرى ، كل امتيازاتها أنها كانت أكثر
جلبة منها ، فظهرت كتبهم النحوية المتأخرة خليطا من فنون مختلفة ، وهذاشيء
لا حاجة به للاطالة ، لانه معروف .
2 ـ أن بناة هذه الاصول كانوا يصرحون بأن طريقتهم في جمعها هي
« طريقة الفقهاء » أي أنهم جمعوها مما تفرق من مناهج النحاة السابقين ، كما جمع
الاحناف أصولهم مما تفرق من مناهج فقهاء المذهب .
يقول ابن جني ـ وهو أقدم واضعي هذه الاصول ، وأكثرهم دقة ،
وملاحظة واستيعابا ، بعد بحث مستفيض في تخصيص العلل ـ : « واعلم أن هذه
المواضع التي ضممتها ، وعقدت العلة على مجموعها قد أرادها أصحابنا ـ يعني
البصريين ـ وعنوها ، وإن لم يكونوا جاءوا بها مقدمة محروسة ، فإنهم لها أرادوا
إذا سئل عن « زيد » في « قام زيد » : لم رفع · فيقال : لانه فاعل = « العلة الاولى أو
التعليمية » .
ثم يسأل : ولم رفع الفاعل · فيقال : للفرق بينه وبين المفعول = « العلة الثانية أو القياسية » .
ثم إذا سئل : ولم لم يعكس الامر فيعطى الرفع للمفعول والنصب للفاعل ؟ فيقال : لان
الفاعل واحد والمفاعيل قد تكون أكثر من واحد ، فأعطي الرفع ـ وهو الاثقل ـ للاقل ، والنصب ـ وهو
الاخف ـ للاكثر ، ليقل في كلامهم ما يستثقلون ويكثر ما يستخفون = وهذه « العلة الثالثة أو
الجدلية » .
أنظر في ذلك : الخصائص ـ لابن جني ـ 1 |48 والرد على النحاة ـ لابن مضاء ـ : 151 .
ثم يشبه عمله هذا بعمل الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة فيقول :
« وكذلك كتب محمد بن الحسن رحمه الله ، إنما ينتزع أصحابنا ـ وهنا يعني فقهاء
الحنفية (23) ـ منها العلل ، لانهم يجدونها منثورة في أثناء كلامه ، فيجمع بعضه إلى
بعض بالملاطفة والرفق ، ولا تجد له علة في كلامه مستوفاة محررة ، وهذا معروف
من هذا الحديث عند الجماعة غير منكور » (24) .
فلاننا ـ مع هذا التصريح الواضح من ابن جني أنه اتبع في تأسيس أصوله
« طريقة الفقهاء » وهي وصفية تاريخية ـ نجد أن أصوله النحوية وأصول من تأخر
عنه ، ليست لها تلك الطبيعة الوصفية التسجيلية لاصول الاحناف ، وذلك لان
ملاحظاته وملاحظات أصحابه ، في الواقع ، لم تأخذ طريقها الطبيعي فتعتمد إلى
مسائل النحو الذي يؤرخون له ، ومواضع الخلاف بين أقطابه كعيسى بن عمر
والخليل وسيبويه من البصريين ، والكسائي والفراء وهشام الضرير من الكوفيين ،
انظر في ذلك : كتاب الاستاذ سعيد الافغاني « في أصول النحو » : 100 ، 226 ، والدكتور
تمام حسان في كتابه « الاصول » : 182 ، والدكتور محمد عيد في « أصول النحو العربي » : 122 .
ومع ذلك فلننظر في قيمة هذه الاصول التي نقلوها من الفقه إلى النحو ،
لنجد هل وفقوا في هذا النقل ·
ونبدأ من هذه الاصول بما رجحنا أن أدلة النحو لا تتعداه ، وهي أدلة
« السماع والقياس » .
وهذا الاصلان ، وإن وجد في الفقه ما يقابلهما من : « النص »
و« القياس على النص » ، إلا أن طبيعة « الحكم » الذي يستنبطه الفقيه ، ومجال
حركته يختلف تماما عن طبيعة « الحكم » النحوي فيهما ، لذلك فلا يكون مورد
الفقيه والنحوي من هذين المصدرين واحدا ، لاختلاف نظر الوارد ، ولتفصيل
ذلك نشير إلى بعض ما نأخذه على النحاة من فروق يختلف فيها استنباط الحكم ،
من النص والقياس عليه ، بين كل من النحوي والفقيه ، ثم مقدار ما قدمه كل
من النحاة والفقهاء من « تأصيل » لهذه الادلة التي ادعي اشتراكهما فيها ، وصقل
للقواعد والضوابط التي أعانتهم في أوجه دلالتها ، وأهمها عند الطرفين :
هناك نصوص مشتركة بين الفقهاء والنحاة أهمها : القرآن والسنة ،
ولكن يصعب أن نوحد بين مناهج البحث فيهما ، فيستعير النحاة كل ما وضعه
الاصوليون من قواعد لاوجه دلالتها على المطلوب ، لان هذا « المطلوب » ليس
واحدا بين الطرفين ، ولا يكفي ما نقلناه عن ابن الانباري من « ان كلا من النحو
والفقه معقول من منقول » لان جهة النظر العقلي فيهما مختلفة .
والقرآن هو أهم الادلة السمعية المشتركة ، وأهميته نابعة من كونه النص
المتواتر وصوله إلى كل من النحوي والفقيه ، ولكن استفادة كل منهما من هذا
الدليل المقطوع به تختلف باختلاف طبيعة المستدل عليه عندهما ، ونحن نسجل
ذلك في النقاط الاتية :
1 ـ إن النحو يمكن أن يستنبط من كل آية في كتاب الله ، لان طبيعة
أحكامه تتعلق بلفظ القرآن ونظمه ، وليس الامر كذلك بالنسبة للفقه ، لان
أحكامه لا تصدر إلا عن الايات المتعلقة بأفعال المكلفين مما نسميه « آيات
الاحكام » وهي لاتتجاوز خمسمائة آية .
فمصدر النحوي من القرآن إذن غير مصدر الفقيه .
لان نظر هذا يتعلق بالشكل ، ونظر ذلك يتعلق بالمضمون .
ويحتج هذا بكل ما في كتاب الله ، ويحتج ذلك ببعض آياته .
ودلالة النص القرآني على المطلوب تختلف بين الفقيه والنحوي ، فهي
عند النحوي « دلالة قطعية » . وعند الفقيه « دلالة ظنية » ، لان حكم النحوي
برفع الفاعل ونصب المفعول مثلا ، لا يختلف بين أن تكون الاية « نصا » في مدلولها
أو « ظاهر نص » ، ولكن حكم الفقيه يختلف بين النص الظاهر ، حتى اضطر
الاصوليون لان يبحثوا كثيرا في دلالات الصيغ من : الامر ، والنهي ، والعموم
من أجل ذلك كان ينبغي أن تكون « قواعد الاستنباط » من هذا النص
تختلف بين مستنبط ومستنبط .
2 ـ إن مسألة اختلاف القراءات وحجيتها ، مسألة لا تبحث عادة في
أصول الفقه ، وربما في الفقه إلا نادرا ، مثل جواز القراءة في الصلاة بإحدى هذه
القراءات ، ولكن هذه المسألة مهمة جدا بالنسبة للنحوي ، لان أكثر القراءات
متواترة ومرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وآله ، وحتى لو افترضنا بأن القرآن لم
ينزل إلا بواحدة منها ، تبقى الاخريات من أقوى الحجج النحوية ، لانها نصوص
عربية فصيحة ، ورواتها من الصحابة والتابعين قوم فصحاء ، وفي قمة العصر الذي
يحتج به النحاة عادة .
ولكن النحاة ـ مع ذلك ـ لم يبحثوا في حجة القراءات ، ولم يحققوا فيها
كما حقق الاصوليون في حجية الظواهر ، بل إن النحاة ـ وبخاصة نحاة البصرة ـ لم
يجعلوا القراءات ـ مع تواترها ـ أولى بالاحتجاج من شواهدهم التي أقاموا عليها
قواعدهم ، وردوا كثيرا منها متهمين أصحابها باللحن أو الشذوذ ، لانها تخالف
القاعدة التي بنوها على الشاهد والشاهدين ، وربما كان هذا الشاهد لشاعر مجهول ،
أو امرأة من أسد أو تميم غير معروفة ، حتى انتقد ذلك الفخر الرازي (ـ 606 هـ )
في أثناء شرحه لقوله تعالى في أول النساء : (واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام وقراءة حمزة ومجاهد لها بجر « الارحام » التي رفضها البصريون ، لانها
مخالفة لقاعدتهم بعدم جواز العطف على الضمير من غير إعادة حرف الجر ، وتجويز
سيبويه لذلك مستشهدا ببيتين مجهولي القائل ، مثل :
وقبل الرازي كان الشيخ الطوسي (ـ 460 هـ ) يقول عن الاحتجاج بمثل
هذه الاشعار على صحة الشيء المشتبه في القرآن : « لان غاية ذلك أن يستشهد
عليه ببيت شعر جاهلي ، أو لفظ منقول عن بعض الاعراب ، أو مثل سائر عن
بعض أهل البادية ، ولا تكون منزلة النبي صلى الله عليه وآله ـ وحاشاه من
ذلك ـ أقل من منزلة واحد من هؤلاء ، ولا ينقص عن رتبة النابغة الجعدي ، وزهير
ابن كعب وغيرهم ، ومن طرائف الامور أن المخالف إذا أورد عليه ـ أي القرآن ـ
شعر من ذكرناه ومن هو دونهم سكنت نفسه ، واطمأن قلبه ، وهو لا يرضى بقول
محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، ومهما شك الناس في نبوته ، فلا مرية في نسبه
وفصاحته ، فإنه نشأ بين قومه الذين هم الغاية القصوى في الفصاحة ، ويرجع
إليهم في معرفة اللغة . . . وكيف يجوز أن يحتج بشعر الشعراء عليه ، ولايجوز أن
يحتج بقوله عليهم · ! . . . لانهم ليسوا بأن يجعلوا عيارا عليه ، بأولى من أن يجعل هو
عليه السلام عيارا عليهم » (27) .
وإليك نماذج مما رد به النحاة هذه القراءات الصحيحة ، واتهامهم
لقرائها وهم من فصحاء العرب :
1 ـ ردوا قراءة نافع المدني وابن عامر الدمشقي قوله تعالى : ( وجعلنا لكم
فيها معائش ) [ الاعراف : 10 ] لانها بالهمز ، حتى قال المازني : (إن نافعا لم يدر
ما العربية » (28) . وحجتهم في ذلك أن القاعدة تقضي أن حرف العلة إذا كان
زائدا يقلب عند التكسير همزة مثل : « صحيفة وصحائف » و« عجوز وعجائز » ،
ولكنه إذا كان أصليا لا يقلب مثل : « معيشة ومعايش » ـ وعليه قراءة الجمهور ـ
ولكن استقراءهم كان ناقصا ، والقاعدة غير مطردة ، فالعرب تجمع مصيبة على
2 ـ ردوا قراءة ابن عباس ، وعروة بن الزبير ، ومقاتل ، ومجاهد ، وابن أبي
عبلة وغيرهم قوله تعالى : (ما ودعك ربك وما قلى) ـ بالتخفيف بحجة أن
العرب أماتت ماضي « يدع » ومصدره ، مع أن هؤلاء الذين قرأوها بالتخفيف هم
من العرب ومن فصحائهم ، ومنن يحتج بكلامهم ، ومع أن الفعل جار على
القياس ، وبعض اللغويين يثبتون ذلك استنادا إلى حديث رسول الله صلى الله
عليه وآله : « لينتهين قوم عن ودعهم الجمعات أو ليختمن على قلوبهم » (29) ومع أنهم يروون عن إمام النحاة أبي الاسود الدولي قوله :
3 ـ إن البصريين حين أسسوا قاعدة عدم جواز الفصل بين المضاف
والمضاف إليه بغير الظرف والمجرور ، ردوا قراءة ابن عامر المتواترة : ( وكذلك
زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم) ـ الانعام : 137 ـ وقراءة غيره :
(ولا تحسبن الله مخلف وعده رسله) ـ إبراهيم : 47 ـ مع أن لهما شواهد شعرية
ونثرية يذكرها الكوفيون وشراح ابن مالك عادة ، ولكن البصريين غالوا في ردها
جميعا ، وما ورد في الشعر أجازوه للضرورة ، حتى أتهم الزمخشري في الكشاف
عبد الله بن عامر ـ وهو أحد القراء السبعة ، ومن كبار التابعين ، ومن صميم العرب
الذين يحتج بكلامهم ـ بقوله : « إن الذي حمله على ذلك أن رأى في بعض
المصاحف (شركائهم) مكتوبا بالياء » (31) مما يوحي بأنه اختراع القراءة من
نفسه ، وقد ناقشه الاستاذ سعيد الافغاني في كتابه « في أصول النحو » مناقشة
جيدة ، ختمها بقوله : « وكان على الزمخشري ، وهو أعجمي تخرج بقواعد النحاة
المبنية على الاستقراء الناقص ، أن يتجرأ لنقد رجل عربي قويم الملكة ، فصيح
وأما سنة رسول الله صلى الله عليه وآله والمفروض أنها من أوسع
المصادر المشتركة بين الفقيه والنحوي ، فإننا نجد الفوارق الاتية بينهما :
1 ـ ما تقدم في الكلام عن القرآن من تعلق نظر الفقيه بالمعنى والمضمون ،
وتعلق نظر النحوي بشكل السنة ونظمها ، على أن الفقهاء يوسعون دائرة السنة
لتشمل فعله صلى الله عليه وآله وتقريره ، والنحو لا علاقة له بالفعل والتقرير .
2 ـ إن النحاة السابقين لم يشاركوا الفقهاء بالاحتجاج حتى بالسنة
القولية ، مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله أفصح من نطق بالضاد ، وذلك
لسببين ادعاهما أبو حيان وغيره من المتأخرين : وقوع التصحيف واللحن في بعض
الاحاديث . . . وأن كثيرا ممن يوثق بدينه ينقل الحديث بالمعنى ، وأساس الحكم
النحوي قائم على صحة اللفظ وإن صدر عن كافر مبتدع ، لذلك أهمل النحاة
الاستشهاد بالحديث ، حتى قال أبو حيان الاندلسي : « إن الواضعين الاولين لعلم
النحو ، المستقرين للاحكام من لسان العرب ، كأبي عمرو ، وعيسى بن عمر ،
والخليل وسيبويه ، من أئمة البصريين ، والكسائي ، والفراء ، وعلي بن مبارك
الاحمر ، وهشام الضرير من أئمة الكوفيين ، لم يفعلوا ذلك ـ يقصد الاحتجاج
بالحديث ـ وتبعهم على هذا المسلك المتأخرون من الفريقين ، وغيرهم من نحاة
الاقاليم ، كنحاة بغداد ، وأهل الاندلس » (33) .
وقد استشهد ابن خروف (ـ 609 هـ ) بالحديث فتعقبه ابن الضائع
(ـ 680 هـ ) في شرح الجمل ، ورد عليه متحاملا ، ثم جاء دور ابن مالك
(672 هـ ) فأكثر من الاستشهاد بالحديث في التسهيل ، وقسا عليه شارحه أبو حيان
وبإهمال النحاة الاحتجاج بالسنة ، أفقدوا نحوهم أوسع مصادره الموثوقة ،
واقتصروا على شواهد من الشعر والامثال ، فوقعوا فيما وقعوا فيه من نقص
الاستقراء ، في حين استفاد أصحابهم اللغويون من احتجاجهم بالسنة فأثروا
معجماتهم بمفردات عربية سليمة .
3 ـ إنهم لم يعتمدوا في تحقيق ما احتجوا به من شواهد الشعر والامثال ،
كما اعتمد الفقهاء والمحدثون في تحقيق السنة النبوية ـ سندا ومتنا ـ لذلك جاء
الكثر من شواهدهم مجهول القائل والرواية ، بل وجد فيما احتجوا به نفس السببين
اللذين أنكروهما على الاحاديث : وقوع التصحيف واللحن . . . والنقل بالمعنى
أحيانا ، كما أنهم لم يتحرجوا في الاحتجاج بما نقله مثل حماد الرواية الذي كان
ـ كما يقول يونس ـ : « يلحن ، ويكسر الشعر ، ويكذب ، ويصحف » (35) ، ويروى
أن الكميت امتنع عن إملاء شعره عليه ، وقد طلب منه ذلك ، وقال له : « أنت
لحان ولا أكتبك شعري » (36) .
وإذا كان الامر كذلك ، فلم استعار واضعو هذه الاصول من أصحاب
أصول الفقه كل ما قالوه في طرق حمل النص ، وثقة النقلة والرواة ، والتواتر ،
والاحاد ، والمرسل ، والمجهول وأمثالها مما لم يلتزموا به في نقلهم لغة العرب ، الامر
الذي دعا الفخر الرازي إلى أن ينحو باللائمة على أصحابه الاصوليين ، لانهم لم
ولو أن النحاة قاموا بتحقيق نصوصهم التي يحتجون بها لما دعا الرازي
أصحابه إلى ذلك .
يعرف القياس عند النحاة ، كما يعرف عند الاصوليين : « حمل غير
المنقول على المنقول ، في حكم ، لعلة جامعة » (38) وربما فضل الاصوليون أن يقولوا :
« حمل غير المنصوص على المنصوص . . . » أو : « حمل فرع على أصل في حكم ، بجامع
بينهما » (39) أو ما يشبه ذلك مما يتضمن أركانه الاربعة : الاصل ، والفرع ،
والحكم ، والعلة المشتركة . ولكن هذه التعريفات عند كل من النحاة والاصوليين
متأخرة جدا عن نشأة القياس عندهما ، وهذا أمر طبيعي خاضع لقانون التطور في
أي فن من الفنون .
ويبدو لي أن القياس نشأ عند الطرفين ، في عصر متقارب ، وقد يكون
الفقهاء أسبق من النحاة قليلا ، وكانت نشأته عندهما نشأة بدائية ، قوام القياس