صلةقبل

رأي في أصول النحو
وصلته باصول الفقه

الدكتور السيد مصطفى جمال الدين



مقدمة وتمهيد :
الاصول ، في اللغة : جمع أصل وهو : « أسفل كل شيء » (1) . وقال الراغب : « أصل الشيء قاعدته التي لو توهمت مرتفعة لارتفع بارتفاعها سائرة ، لذلك قال تعالى : أصلها ثابت وفرعها في السماء » (2) .
ويطلق الاصوليون كلمة « أصل » على معان منها :
1 ـ (الدليل) أو المصدر الذي يستندون إليه في استنباط الحكم الشرعي ، فيقولون مثلا : « الاصل في هذه المسألة : آية المائدة » أو : « الاصل : حديث ابن مسعود » وأمثال ذلك .
2 ـ ومنها (القاعدة الاصولية) التي مهدوها لكيفية استنباط الحكم من الدليل ، كقولهم : « الاصل أن النص مقدم على الظاهر » و« الاصل أن عام الكتاب قطعي » وهكذا .
3 ـ ومنها أن كلمة الاصل تطلق على « الوظيفة » التي يعمل بها المكلف عند عدم عثوره على دليل من الادلة التي يستنبط منها الحكم إلى أن يعثر على
____________
(1) لسان العرب ، دار صادر 11|16 .
(2) مفردات الراغب الاصفهاني : 15 .

( 99 )

الدليل ، فيقال : « الاصل براءة الذمة » ، أو : « الاصل استصحاب الحال السابقة » ، أو : « الاصل الاحتياط » .
4 ـ ومنها ما يقابل الفرع في العملية القياسية ، فيقولون : « الخمر أصل النبيذ » أي أن حكم النبيذ ينبني على حكم الخمر ، لتساويهما في العلة .
5 ـ ومنها ما يدل على « الرجحان » ، فيقولون : « الاصل الحقيقة » أي إذا تردد الامر بين حمل الكلام على الحقيقة أو المجاز فإن الحقيقة أرجح .
ولعل المعاني الثلاثة الاولى هي الاقرب إلى ما نسميه بـ « اصول الفقه » فإن أصول الفقه تعني : الادلة التي يستنبط منها الفقه ، كما تعني القواعد التي تتم بها عملية الاستنباط من الادلة ، وتعني أيضا الاصول العملية التي نجري عليها عند خفاء تلك الادلة ، وهذه الثلاثة تشترك بالمعنى اللغوي للاصل ، أي : « الاساس الذي ينبني عليه الشيء » .
وفي تشخيص الادلة والاصول العملية اتفق الاصوليون على : النص الشرعي - من الكتاب والسنة ـ والاجماع ، ثم اختلفوا ، بعد ذلك ، في أدلة ما لا نص فيه : القياس ، ودليل العقل ، والاستحسان ، والاستصحاب ، والمصالح المرسلة ، وغيرها .
وفي القواعد الممهدة لعملية الاستنباط من الادلة اتفقوا على اليسير منها ، واختلفوا في الاكثر ، فتراهم مختلفين في : طرق وصول النص ، وأوجه دلالته ، وفي كيفية حصول الاجماع ونقله ، وفي أركان القياس ومسالك علته ، وفي مصاديق ما يمكن أن يكون مسرحا لادراك العقل حكم الله فيه ، وأمثال ذلك .

***

أما النحاة فيعنون بما يسمونه : « أصول النحو » ما عناه الاصوليون من « أصول الفقه » بشقيها ، أي الادلة والمصادر التي يبنى عليها النحو . . . والقواعد الممهدة لاستنباط الحكم النحوي من هذه الادلة والمصادر . وأبرز من كتب في أصول النحو ـ ولعله أول من أسس ذلك ـ هو أبو الفتح عثمان بن جني (ـ 392 هـ) في « الخصائص » ثم تلاه أبو البركات الانباري (ـ 577 هـ) في كتابه


( 100 )

« لمع الادلة » ثم جلال الدين السيوطي (ـ 911 هـ) في كتابه « الاقتراح » ، ولم أعثر ، في حدود جهدي ، على كتب لقدماء النحاة تعنى بهذه الاصول غير ما ذكرت (3) .
وقد كان لمنهج البحث الاصولي أثره الكبير في منهج البحث النحوي في كل من الناحيتين : تشخيص الادلة . . . وأوجه دلالتها . وربما علل بعض النحويين ذلك : بأن « النحو معقول من منقول ، كما أن الفقه معقول من منقول » (4) .
لذلك نجد في تشخيصهم لادلة النحو نفس ما وجدناه عند الاصوليين من : النص « السماع » ، والقياس ، والاجماع ، والاستحسان ، والاستصحاب ، وغيرها . وفي أوجه دلالتها نراهم يبحثون ـ كما يبحث الاصوليون ـ في : طرق حمل النص ، وثقة النقلة والرواة (5) ، وعن التواتر والاحاد ، والمرسل ، والمجهول ، وشروط ذلك (6) ، كما يتحدثون عن إجماع أهل العربية ، ومتى يكون حجة ، ومتى تجوز مخالفته (7) ، وعن أنواع من الاجماع أخرى ، كإجماع العرب ، والاجماع السكوتي ، وإحداث قول ثالث (8) .
وتكلموا عن أقسام القياس : قياس العلة ، وقياس الشبه ، وقياس الطرد (9) . وعن أركانه الاربعة من : أصل ، وفرع ، وحكم ، وعلة ، وشروط هذه الاركان (10) . ولان ابن جني كان حنفيا ، والاحناف يعتبرون العلة هي ركن
____________
(3 ) أما « أصول ابن السراج » فإن كلمة « الاصول » فيه أشبهت بعض الباحثين فاعتبره من نوع هذه الكتب ، وهو ليس منها ، ولعل كلمة الاصول هنا تعني القواعد النحوية ، لا الادلة التي تنبني عليها القواعد ، وما في أصول ابن السراج لا يتعدى النحو الاعتيادي في الغالب .
(4) نزهة الالباء ـ لابن الانباري ـ : 54 ، والاشباه والنظائر ـ للسيوطي ـ 1|5 .
(5) الخصائص ـ لابن جني ـ 3|309 .
(6) لمع الادلة ـ لابن الانباري ـ : 32 ـ 40 .
(7) الخصائص 1|189 .
(8 ) الاقتراح ـ للسيوطي ـ 34 ـ 36 .
(9) لمع الادلة : 53 ـ 60 .
(10 ) الاقتراح : 39 ـ 50 .

( 101 )

القياس الوحيد ، وما عداها فهي شرائط (11) لذلك خص العلة ببحوث غاية في الدقة ، تحدث فيها عما تحدث عنه الاصوليون ، فذكر في الخصائص أبوابا : لتخصيص العلة 1|144 ، والفرق بين العلة والسبب 1|162 ، وتعارض العلل 1|166 ، والعلة المتعدية والعلة القاصرة 1|169 ، والمعلول بعلتين 1|174 وأمثال ذلك مما بحثه الاصوليون في باب العلة القياسية .
وفي مسالك العلة تحدث السيوطي عن : النص عليها والايماء إليها ، والاجماع ، والسير والتقسيم ، والشبه ، والطرد ، وعدم الفارق (12) . وكل هذه المسالك هي التي يذكرها الاصوليون ، عادة ، في مسالك العلة الشرعية .
وعرفوا الاستصحاب بما يشبه تعريف الاصوليين : « إبقاء حال اللفظ على ما يستحقه عند عدم دليل النقل عن الاصل » (13) ووضعوه في نفس المرتبة التي وضعها بها الاصوليون بالنسبة للادلة الاخرى ، أي أنه لا يجوز العمل به عند وجود الادلة والامارات .
أما الاستحسان فقد ذكره ابن جني ، لان أصحابه من الحنفية يأخذون به ، ولكن الانباري والسيوطي لم يجعلاه من أدلتهما ـ مع ذكرهما له ـ لانهما شافعيان ، والامام الشافعي يبطله ويقول في رسالته : « الاستحسان تلذذ » (14) ونقل عنه قوله : « من استحسن فقد شرع » أو « فإنه أراد أن يكون شارعا » (15) .
ولم ينس النحويون أن يختموا أصولهم بما تختم به أصول الفقه عادة من باب « التعارض والترجيح » وقد ذكروا في هذا الباب : تعارض النصوص ، وتعارض الاقيسة ، وتعارض النص والقياس وأمثال ذلك (16) .
____________
(11) أنظر : كشف الاسرار على أصول البزودي 3|344 ـ 345 ، وأصول السرخسي 2|174 .
(12) الاقتراح : 58 ـ 63 .
(13) الاقتراح : 72 ، واللمع : 87 .
(14) الرسالة : 507 .
(15) المستصفى ـ للغزالي ـ 1|137 ، وحجة الله البالغة ـ للدهلوي ـ 1|311 . .
(16) أنطر : اللمع : 80 ـ 86 ، والاقتراح : 77 ـ 81 .

( 102 )

بعد هذا العرض الموجز لما يسميه هؤلاء المؤلفون بـ « أصول النحو » نستطيع ، بأدنى نظر ، أن نشخص الاثر الكبير لمنهجة أصول الفقه عليه ، خاصة وأن الذين ألفوا هذه الاصول ـ وإن ادعى كل منهم أنه مبتكرها ـ كانوا حريصين على الاعتراف باتباعهم حد أصول الفقه . يقول ابن جني ـ وهو أول من كتب في هذه الاصول ـ : « لم نر أحدا من علماء البلدين ـ البصرة والكوفة ـ تعرض لعمل أصول النحو على مذهب أصول الكلام والفقه » (17) .
وقال الانباري : « وألحقنا بالعلوم الثمانية ـ يقصد علوم الادب ـ علمين وضعناهما : علم الجدل في النحو ، وعلم أصول النحو . . . على حد أصول الفقه ، فإن بينهما من المناسبة ما لا خفاء به ، لان النحو معقول من منقول كما أن الفقه معقول من منقول » (18) .
وقال السيوطي عن كتابه « الاقتراح » : « في علم لم اسبق إلى ترتيبه ، ولم أتقدم إلى تهذيبه ، وهو أصول النحو الذي هو بالنسبة إلى النحو كاصول الفقه بالنسبة إلى الفقه » (19) مع أنه نقل في كتاب جل ما قاله الانباري في اللمع ، وما قاله ابن جني في الخصائص .
وكل من تتبع أصول النحو في هذه الكتب الثلاثة ـ وبخاصة اللمع والاقتراح ـ يجد أثر أصول الفقه شائعا في تعريفاتها ، وتقسيماتها ، وشروطها ، وأحكامها . بل كانت الظاهرة الشائعة في العصور المتأخرة تقليد المؤلفين من النحاة للفقهاء والاصوليين في وضع كتب على غرارهم ، كما قال أبو البركات في مقدمة كتابه « الانصاف » أنه وضعه في « المسائل الخلافية بين نحويي البصرة والكوفة ، على ترتيب المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة » ومثل ذلك قال في مقدمة « الاغراب في جدل الاعراب » وتبعه السيوطي في « الاشباه والنظائر النحوية » كذلك.
____________
(17) الخصائص 1|2 .
(18) نزهة الالباء : 53 ـ 54 .
(19) الاقتراح : 2 .

( 103 )

وليس المهم هنا هو معرفة تأثر النحاة بالاصوليين ، ولكن المهم أن نسأل عن الطريقة التي اتبعها هؤلاء النحاة في تأصيل هذه الاصول ، لنحكم بعد ذلك على مقدار قيمتها .

الطرق المتبعة لتأسيس الاصول
المعروف أن النحو ولد أشبه ما يكون بالصناعة الكاملة ـ من ناحية المنهج والاستنتاج ـ في كتب المدرستين القديمة ، وبخاصة في كتاب سيبويه ومعاني الفراء ، وإذا كانت هناك إضافات تستحق الذكر ، بعدهما ، فهي بلا شك حدثت قبل تأسيس الاصول النحوية هذه ، وذلك لان النحو بعد القرن الرابع بدأ يلوك نفسه ، ويدور ـ كما هو معروف ـ في حلقة مفرغة من التعليلات والاوهام ، ولكنها لا تخرج غالبا عما جاءت به المدرستان من مسائل وأحكام .
والذي نعرفه عن « الاصول » ـ أية أصول سواء أكانت للفقه ، أم للنحو ، أم للادب ، أم لاي فن آخر ـ ما هي إلا مناهج وأصول بحث تقوم عليها أحكام ذلك الفن وقضاياه ، من أجل ذلك ينبغي أن تكون أصول البحث في رتبة سابقة ، أو موازية للبحث أو المبحوث فيه ، وهذه طبيعة كل أساس يراد البناء عليه ، فماذا يراد إذن بهذه الاصول التي جاءت متأخرة جدا عن النحو ، باعتباره صناعة قائمة ، هذه الاصول التي استعارها (مبتكروها) من أصول علم آخر قام جنبا إلى جنب مع النحو ، وبدأ بناة العلمين معا يقيمونهما في عصر متقارب ، ولابد أن يكون لكل منهما أسسه ومناهجه الملائمة لطبيعته ؟
من حيث الاساس هناك تفسيران مقبولان لتدوين أصول أي علم بعد قيامه واكتماله :

1 ـ الطريقة التأسيسية النظرية :
وهي أن يكون هذا التدوين « نقديا نظريا » وذا طبيعة جدلية منطقية ، أي أن واضعي تلك الاصول نظروا في أحكام ومسائل الفن القائم ، فلم تعجبهم


( 104 )

أصوله ومناهجه المهزوزة ، لذلك طفقوا يحققون القواعد والاصول المثلى التي يجب أن يقوم عليها بناء الفن ، سواء أكانت مسائله وأحكامه السابقة صحيحة في معيار هذه الاصول الجديدة أم فاسدة .
وعلى هذه الطريقة أسس الامام الشافعي أصوله وبنى فقهه ، وخالفه فيه الفقه القائم في مدرستي الكوفة والمدينة ـ أصولا وأحكاما ـ وفيهما فقه استاذيه : مالك بن أنس ، ومحمد بن الحسن الشيباني ، وذلك أن أصول الشافعي ومناهجه الجديدة تبطل من أصول مالك ما كان يعتمده من « إجماع أهل المدينة » و« المصالح المرسلة » و« سنة الصحابة » وغيرها . وتبطل من أصول العراقيين ـ أبي حنيفة وطلابه ـ ما كانوا يرونه من « الاجماع السكوتي » و« الاستحسان » و« الرأي » ، وما كانوا يشترطونه للسنة من شروط تضيق دائرة الاعتماد على الحديث النبوي .
ثم جاء المتكلمون من أتباع المذهب الشافعي وغيرهم ، فصقلوا هذه الاصول ووسعوها وأحكموا قواعدها ، وخالفوا ـ في بعضها ـ ما ذهب إليه إمام المذهب ، ولذلك كانت هذه الطريقة تسمى أحيانا بـ « طريقة الشافعيه » وأحيانا بـ « طريقة المتكلمين » .

2 ـ الطريقة الوصفية التسجيلية :
وهي أن يكون هذا التدوين ـ في جملته ـ « وصفا » لخطوات أصحاب الفن القائم ، وطبيعته حينئذ طبيعة تاريخية ، أي أن واضعي هذه الاصول رجعوا إلى مسائل هذا العلم وأحكامه ، فلاحظوا أن العلماء السابقين كانوا يبنون حكمهم في هذه المسألة على هذا الاصل ، وفي تلك المسألة على ذلك الاصل ، وفي ثالثة على أصل ثالث ، وهكذا إلى أن استقروا مسائل العلم كلها ، وضموا الاصول المتشابهة بعضها إلى بعض ، فحصل لهم ، نتيجة استقرائهم الشامل وملاحظتهم الدقيقة ، مجموعة من أصول هذا العلم ومناهجه .
وعلى هذه الطريقة دونت أصول الفقه عند الحنفية ، وسميت بـ « طريقة


( 105 )

الفقهاء » على أساس أن المأثور عن أقطاب المذهب وفقهائه ـ أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد بن الحسن ـ : هي كتب الفقه فقط ، وكانت هذه الكتب تضم المسائل التي تعرض لهم فيحكمون فيها ، وقد يختلفون فيما بينهم فيحتج كل منهم لرأيه ، ومن هذه الحجج استنتج فقهاء المذهب ـ بعد ذلك ـ الاصول التي كان الفقهاء الثلاثة يبنون أحكامهم عليها ، ولذلك تجد أصول الفقه عند الاحناف كثيرة الاستشهاد بفروع المذهب الفقهية .

أصول النحو ليست نظرية ولا وصفية :
من خلال هذه التفسيرين نستطيع أن نقوم « أصول النحو » التي جاءت متأخرة عن النحو ، لنجد أنها ليست تأسيسية نظرية ، وليست وصفية تاريخية ، وإنما هي عمل تقليدي صرف لاصول علم آخر ، يبعد كثيرا بطبيعته ومصادر أحكامه عن علم النحو .

أ ـ أما أنها ليست تأسيسية نظرية فلسببين :
1 ـ أن بناة هذه الاصول لم يعملوا عمل الشافعي ، فيغيروا من مناهج النحو ومسائله ومصادر أحكامه التي كانت قائمة في مدرستي الكوفة والبصرة النحويتين ـ كما فعل الشافعي مع أصول مدرستي الكوفة والمدينة الفقهيتين ـ فيقدموا لنا « نحوا جديدا » على غرار فقه الشافعي وجدة مناهجه ، بل إن كل ما أحدثوه أنهم عمدوا إلى تلك المسائل والاحكام السابقة ، فبحثوا في عللها وأسبابها ، وتجادلوا في ذلك ثم طال بهم الجدل ، حتى انتقلوا من علة الحكم إلى علة العلة ، وعلة علة العلة ، التي سميت أحيانا بالعلل الاول ، والعلل الثواني ، والعلل الثوالث ، وأحياينا ب : العلل التعليمية ، والعلل القياسية ، والعلل الجدلية(20) .
____________
(20) المصطلح الاول لابن مضاء في « الرد على النحاة » : 102 ، والثاني للزجاجي في « الايضاح » :

=


( 106 )

وحين جاء رجل مثل ابن مضاء القرطبي ( ـ 592 هـ ) رد على النحاة هذه العلل الثواني والثوالث ، وقبل العلة الاولى في رفع « زيد » من « قام زيد » لانه فاعل ، وذلك لان ما عدا هذه العلة « لا يزيدنا علما بأن الفاعل مرفوع ، ولو جهلنا ذلك لم يضرنا جهله ، إذ قد صح عندنا رفع الفاعل الذي هو مطلوبنا ، باستقراء المتواتر الذي يوقع العلم » (21) .
والحق في ذلك مع ابن مضاء ، لان في هذه التعليلات المتتالية إثقالا لهذه الصناعة اللغوية ، بمصطلحات صناعات أخرى ، كل امتيازاتها أنها كانت أكثر جلبة منها ، فظهرت كتبهم النحوية المتأخرة خليطا من فنون مختلفة ، وهذاشيء لا حاجة به للاطالة ، لانه معروف .
2 ـ أن بناة هذه الاصول كانوا يصرحون بأن طريقتهم في جمعها هي « طريقة الفقهاء » أي أنهم جمعوها مما تفرق من مناهج النحاة السابقين ، كما جمع الاحناف أصولهم مما تفرق من مناهج فقهاء المذهب .
يقول ابن جني ـ وهو أقدم واضعي هذه الاصول ، وأكثرهم دقة ، وملاحظة واستيعابا ، بعد بحث مستفيض في تخصيص العلل ـ : « واعلم أن هذه المواضع التي ضممتها ، وعقدت العلة على مجموعها قد أرادها أصحابنا ـ يعني البصريين ـ وعنوها ، وإن لم يكونوا جاءوا بها مقدمة محروسة ، فإنهم لها أرادوا
____________
64 ـ 65 ، وترتيب هذه العلل على الشكل الاتي :
إذا سئل عن « زيد » في « قام زيد » : لم رفع · فيقال : لانه فاعل = « العلة الاولى أو التعليمية » .
ثم يسأل : ولم رفع الفاعل · فيقال : للفرق بينه وبين المفعول = « العلة الثانية أو القياسية » .
ثم إذا سئل : ولم لم يعكس الامر فيعطى الرفع للمفعول والنصب للفاعل ؟ فيقال : لان الفاعل واحد والمفاعيل قد تكون أكثر من واحد ، فأعطي الرفع ـ وهو الاثقل ـ للاقل ، والنصب ـ وهو الاخف ـ للاكثر ، ليقل في كلامهم ما يستثقلون ويكثر ما يستخفون = وهذه « العلة الثالثة أو الجدلية » .
أنظر في ذلك : الخصائص ـ لابن جني ـ 1 |48 والرد على النحاة ـ لابن مضاء ـ : 151 .
(21) الرد على النحاة : 152 .

( 107 )

وإياها نووا ، ألا ترى أنهم إذا استرسلوا في وصف العلة وتحديدها قالوا : إن علة (شد) و(مد) ونحو ذلك في الادغام ، إنما هي اجتماع حرفين متحركين من جنس واحد . . . » ثم يضرب أمثلة أخرى يقول في نهايتها : « فهذا الذي يرجعون إليه فيما بعد متفرقا قدمناه نحن مجتمعا » (22) .
ثم يشبه عمله هذا بعمل الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة فيقول : « وكذلك كتب محمد بن الحسن رحمه الله ، إنما ينتزع أصحابنا ـ وهنا يعني فقهاء الحنفية (23) ـ منها العلل ، لانهم يجدونها منثورة في أثناء كلامه ، فيجمع بعضه إلى بعض بالملاطفة والرفق ، ولا تجد له علة في كلامه مستوفاة محررة ، وهذا معروف من هذا الحديث عند الجماعة غير منكور » (24) .

ب ـ وأما أنها ليست وصفية تاريخية :
فلاننا ـ مع هذا التصريح الواضح من ابن جني أنه اتبع في تأسيس أصوله « طريقة الفقهاء » وهي وصفية تاريخية ـ نجد أن أصوله النحوية وأصول من تأخر عنه ، ليست لها تلك الطبيعة الوصفية التسجيلية لاصول الاحناف ، وذلك لان ملاحظاته وملاحظات أصحابه ، في الواقع ، لم تأخذ طريقها الطبيعي فتعتمد إلى مسائل النحو الذي يؤرخون له ، ومواضع الخلاف بين أقطابه كعيسى بن عمر والخليل وسيبويه من البصريين ، والكسائي والفراء وهشام الضرير من الكوفيين ،
____________
(22 ) الخصائص 1|162 .
(23 و24) الخصائص 1|163 وقد اضطررت لتفسير بـ « أصحابنا » هنا بالاحناف ، وفي النص السابق بالبصريين ، لاني رأيت بعض الباحثين ـ وفيهم من أجله ـ يرى : « ان النحاة ـ والبصريين منهم خاصة ـ قد انتزعوا علل النحو من كتب محمد بن الحسن الشيباني ـ صاحب أبي حنيفة ـ بالملاطفة والرفق » اعتمادا على هذا النص المشبه ، مع أن أصحاب ابن جني في النحو هم البصريون ، وفي الفقه الاحناف ، وهو يشبه عمل نحاته بعمل فقهائه ، ولا معنى لان ينتزع النحاة علة « شد » و« مد » في الادغام من كتب ذات علل فقهية . . .
انظر في ذلك : كتاب الاستاذ سعيد الافغاني « في أصول النحو » : 100 ، 226 ، والدكتور تمام حسان في كتابه « الاصول » : 182 ، والدكتور محمد عيد في « أصول النحو العربي » : 122 .

( 108 )

وطرائق كل فريق من هؤلاء للاحتجاج لرأيه ، ليستنتجوا من إحصائها وتصنيفها أدلة علماء النحو وأصولهم التي بنوا عليها مسائله ، كما صنع فقهاء الحنفية في استنتاج أصولهم من كتب أبي يوسف ومحمد بن الحسن ، وإنما عكسوا القضية فركبوا الطريق من نهايته ، وعمدوا إلى أدلة وأصول معروفة لعلم آخر هو الفقه ، فجعلوها بداية شوطهم ، وحملوها ـ راضية أم كارهة ـ فروع علم آخر لا يمت إليها بصلة ، بحجة « أن كلا منهما معقول من منقول » كما يقال الانباري (25) . ولو أنهم ركبوا الطريق الصحيح لما وجدوا في كتب قدمائهم شيئا من هذه الاصول ، عدا السماع والقياس ، كما سنبين ذلك فيما يأتي .
ومع ذلك فلننظر في قيمة هذه الاصول التي نقلوها من الفقه إلى النحو ، لنجد هل وفقوا في هذا النقل ·

قيمة ما سمي بأصول النحو
ونبدأ من هذه الاصول بما رجحنا أن أدلة النحو لا تتعداه ، وهي أدلة « السماع والقياس » .
وهذا الاصلان ، وإن وجد في الفقه ما يقابلهما من : « النص » و« القياس على النص » ، إلا أن طبيعة « الحكم » الذي يستنبطه الفقيه ، ومجال حركته يختلف تماما عن طبيعة « الحكم » النحوي فيهما ، لذلك فلا يكون مورد الفقيه والنحوي من هذين المصدرين واحدا ، لاختلاف نظر الوارد ، ولتفصيل ذلك نشير إلى بعض ما نأخذه على النحاة من فروق يختلف فيها استنباط الحكم ، من النص والقياس عليه ، بين كل من النحوي والفقيه ، ثم مقدار ما قدمه كل من النحاة والفقهاء من « تأصيل » لهذه الادلة التي ادعي اشتراكهما فيها ، وصقل للقواعد والضوابط التي أعانتهم في أوجه دلالتها ، وأهمها عند الطرفين :
____________
(25) تقدم نقل ذلك عن نزهة الالباء : 54 .

( 109 )

1 ـ النص أو السماع
هناك نصوص مشتركة بين الفقهاء والنحاة أهمها : القرآن والسنة ، ولكن يصعب أن نوحد بين مناهج البحث فيهما ، فيستعير النحاة كل ما وضعه الاصوليون من قواعد لاوجه دلالتها على المطلوب ، لان هذا « المطلوب » ليس واحدا بين الطرفين ، ولا يكفي ما نقلناه عن ابن الانباري من « ان كلا من النحو والفقه معقول من منقول » لان جهة النظر العقلي فيهما مختلفة .

أ ـ القرآن :
والقرآن هو أهم الادلة السمعية المشتركة ، وأهميته نابعة من كونه النص المتواتر وصوله إلى كل من النحوي والفقيه ، ولكن استفادة كل منهما من هذا الدليل المقطوع به تختلف باختلاف طبيعة المستدل عليه عندهما ، ونحن نسجل ذلك في النقاط الاتية :
1 ـ إن النحو يمكن أن يستنبط من كل آية في كتاب الله ، لان طبيعة أحكامه تتعلق بلفظ القرآن ونظمه ، وليس الامر كذلك بالنسبة للفقه ، لان أحكامه لا تصدر إلا عن الايات المتعلقة بأفعال المكلفين مما نسميه « آيات الاحكام » وهي لاتتجاوز خمسمائة آية .
فمصدر النحوي من القرآن إذن غير مصدر الفقيه .
لان نظر هذا يتعلق بالشكل ، ونظر ذلك يتعلق بالمضمون .
ويحتج هذا بكل ما في كتاب الله ، ويحتج ذلك ببعض آياته .
ودلالة النص القرآني على المطلوب تختلف بين الفقيه والنحوي ، فهي عند النحوي « دلالة قطعية » . وعند الفقيه « دلالة ظنية » ، لان حكم النحوي برفع الفاعل ونصب المفعول مثلا ، لا يختلف بين أن تكون الاية « نصا » في مدلولها أو « ظاهر نص » ، ولكن حكم الفقيه يختلف بين النص الظاهر ، حتى اضطر الاصوليون لان يبحثوا كثيرا في دلالات الصيغ من : الامر ، والنهي ، والعموم


( 110 )

والخصوص ، والاطلاق والتقييد ، وفي دلالات التنبيه والاشارة ، والايماء ، وفي مفاهيم الشرط ، والوصف ، والحصر ، والغاية وأمثال ذلك مما هو معروف ، وكل دلالاتها ظنية ، لانها كلها من ظواهر الكتاب .
من أجل ذلك كان ينبغي أن تكون « قواعد الاستنباط » من هذا النص تختلف بين مستنبط ومستنبط .
2 ـ إن مسألة اختلاف القراءات وحجيتها ، مسألة لا تبحث عادة في أصول الفقه ، وربما في الفقه إلا نادرا ، مثل جواز القراءة في الصلاة بإحدى هذه القراءات ، ولكن هذه المسألة مهمة جدا بالنسبة للنحوي ، لان أكثر القراءات متواترة ومرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وآله ، وحتى لو افترضنا بأن القرآن لم ينزل إلا بواحدة منها ، تبقى الاخريات من أقوى الحجج النحوية ، لانها نصوص عربية فصيحة ، ورواتها من الصحابة والتابعين قوم فصحاء ، وفي قمة العصر الذي يحتج به النحاة عادة .
ولكن النحاة ـ مع ذلك ـ لم يبحثوا في حجة القراءات ، ولم يحققوا فيها كما حقق الاصوليون في حجية الظواهر ، بل إن النحاة ـ وبخاصة نحاة البصرة ـ لم يجعلوا القراءات ـ مع تواترها ـ أولى بالاحتجاج من شواهدهم التي أقاموا عليها قواعدهم ، وردوا كثيرا منها متهمين أصحابها باللحن أو الشذوذ ، لانها تخالف القاعدة التي بنوها على الشاهد والشاهدين ، وربما كان هذا الشاهد لشاعر مجهول ، أو امرأة من أسد أو تميم غير معروفة ، حتى انتقد ذلك الفخر الرازي (ـ 606 هـ ) في أثناء شرحه لقوله تعالى في أول النساء : (واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام وقراءة حمزة ومجاهد لها بجر « الارحام » التي رفضها البصريون ، لانها مخالفة لقاعدتهم بعدم جواز العطف على الضمير من غير إعادة حرف الجر ، وتجويز سيبويه لذلك مستشهدا ببيتين مجهولي القائل ، مثل :

فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا * فاذهب فما بك والايام من عجب
بجر « الايام » عطفا على « بك » فعلق الفخر الرازي : « والعجب من هؤلاء النحاة أنهم يستحسنون إثبات هذه اللغة بهذين البيتين المجهولين ، ولا


( 111 )

يستحسنون إثباتها بقراءة حمزة ومجاهد ، مع أنهما من أكابر علماء السلف في علم القرآن » (26) .
وقبل الرازي كان الشيخ الطوسي (ـ 460 هـ ) يقول عن الاحتجاج بمثل هذه الاشعار على صحة الشيء المشتبه في القرآن : « لان غاية ذلك أن يستشهد عليه ببيت شعر جاهلي ، أو لفظ منقول عن بعض الاعراب ، أو مثل سائر عن بعض أهل البادية ، ولا تكون منزلة النبي صلى الله عليه وآله ـ وحاشاه من ذلك ـ أقل من منزلة واحد من هؤلاء ، ولا ينقص عن رتبة النابغة الجعدي ، وزهير ابن كعب وغيرهم ، ومن طرائف الامور أن المخالف إذا أورد عليه ـ أي القرآن ـ شعر من ذكرناه ومن هو دونهم سكنت نفسه ، واطمأن قلبه ، وهو لا يرضى بقول محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، ومهما شك الناس في نبوته ، فلا مرية في نسبه وفصاحته ، فإنه نشأ بين قومه الذين هم الغاية القصوى في الفصاحة ، ويرجع إليهم في معرفة اللغة . . . وكيف يجوز أن يحتج بشعر الشعراء عليه ، ولايجوز أن يحتج بقوله عليهم · ! . . . لانهم ليسوا بأن يجعلوا عيارا عليه ، بأولى من أن يجعل هو عليه السلام عيارا عليهم » (27) .
وإليك نماذج مما رد به النحاة هذه القراءات الصحيحة ، واتهامهم لقرائها وهم من فصحاء العرب :
1 ـ ردوا قراءة نافع المدني وابن عامر الدمشقي قوله تعالى : ( وجعلنا لكم فيها معائش ) [ الاعراف : 10 ] لانها بالهمز ، حتى قال المازني : (إن نافعا لم يدر ما العربية » (28) . وحجتهم في ذلك أن القاعدة تقضي أن حرف العلة إذا كان زائدا يقلب عند التكسير همزة مثل : « صحيفة وصحائف » و« عجوز وعجائز » ، ولكنه إذا كان أصليا لا يقلب مثل : « معيشة ومعايش » ـ وعليه قراءة الجمهور ـ ولكن استقراءهم كان ناقصا ، والقاعدة غير مطردة ، فالعرب تجمع مصيبة على
____________
(26) تفسير الرازي 9|162 .
(27) التبيان 1|16 .
(28) صبح الاعشى 1|179 .

( 112 )

« مصائب » ومنارة على « منائر » مع أن همزتهما مقلوبة عن حرف أصلي .
2 ـ ردوا قراءة ابن عباس ، وعروة بن الزبير ، ومقاتل ، ومجاهد ، وابن أبي عبلة وغيرهم قوله تعالى : (ما ودعك ربك وما قلى) ـ بالتخفيف بحجة أن العرب أماتت ماضي « يدع » ومصدره ، مع أن هؤلاء الذين قرأوها بالتخفيف هم من العرب ومن فصحائهم ، ومنن يحتج بكلامهم ، ومع أن الفعل جار على القياس ، وبعض اللغويين يثبتون ذلك استنادا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وآله : « لينتهين قوم عن ودعهم الجمعات أو ليختمن على قلوبهم » (29) ومع أنهم يروون عن إمام النحاة أبي الاسود الدولي قوله :
ليت شعري عن خليلي ما الذي ـ غاله في الحب حتى ودعه (30)
3 ـ إن البصريين حين أسسوا قاعدة عدم جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف والمجرور ، ردوا قراءة ابن عامر المتواترة : ( وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم) ـ الانعام : 137 ـ وقراءة غيره : (ولا تحسبن الله مخلف وعده رسله) ـ إبراهيم : 47 ـ مع أن لهما شواهد شعرية ونثرية يذكرها الكوفيون وشراح ابن مالك عادة ، ولكن البصريين غالوا في ردها جميعا ، وما ورد في الشعر أجازوه للضرورة ، حتى أتهم الزمخشري في الكشاف عبد الله بن عامر ـ وهو أحد القراء السبعة ، ومن كبار التابعين ، ومن صميم العرب الذين يحتج بكلامهم ـ بقوله : « إن الذي حمله على ذلك أن رأى في بعض المصاحف (شركائهم) مكتوبا بالياء » (31) مما يوحي بأنه اختراع القراءة من نفسه ، وقد ناقشه الاستاذ سعيد الافغاني في كتابه « في أصول النحو » مناقشة جيدة ، ختمها بقوله : « وكان على الزمخشري ، وهو أعجمي تخرج بقواعد النحاة المبنية على الاستقراء الناقص ، أن يتجرأ لنقد رجل عربي قويم الملكة ، فصيح
____________
(29) انظر مادة « ودع » في كل من : المصباح المنير ، والنهاية ، ولسان العرب وغيرها .
(30) الخصائص : 1|99 .
(31) الكشاف : 2|70 .

( 113 )

اللسان ، حجة في لغة العرب ، شيئا غير هذه الخطابيات » (32) .

ب ـ السنة :
وأما سنة رسول الله صلى الله عليه وآله والمفروض أنها من أوسع المصادر المشتركة بين الفقيه والنحوي ، فإننا نجد الفوارق الاتية بينهما :
1 ـ ما تقدم في الكلام عن القرآن من تعلق نظر الفقيه بالمعنى والمضمون ، وتعلق نظر النحوي بشكل السنة ونظمها ، على أن الفقهاء يوسعون دائرة السنة لتشمل فعله صلى الله عليه وآله وتقريره ، والنحو لا علاقة له بالفعل والتقرير .
2 ـ إن النحاة السابقين لم يشاركوا الفقهاء بالاحتجاج حتى بالسنة القولية ، مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله أفصح من نطق بالضاد ، وذلك لسببين ادعاهما أبو حيان وغيره من المتأخرين : وقوع التصحيف واللحن في بعض الاحاديث . . . وأن كثيرا ممن يوثق بدينه ينقل الحديث بالمعنى ، وأساس الحكم النحوي قائم على صحة اللفظ وإن صدر عن كافر مبتدع ، لذلك أهمل النحاة الاستشهاد بالحديث ، حتى قال أبو حيان الاندلسي : « إن الواضعين الاولين لعلم النحو ، المستقرين للاحكام من لسان العرب ، كأبي عمرو ، وعيسى بن عمر ، والخليل وسيبويه ، من أئمة البصريين ، والكسائي ، والفراء ، وعلي بن مبارك الاحمر ، وهشام الضرير من أئمة الكوفيين ، لم يفعلوا ذلك ـ يقصد الاحتجاج بالحديث ـ وتبعهم على هذا المسلك المتأخرون من الفريقين ، وغيرهم من نحاة الاقاليم ، كنحاة بغداد ، وأهل الاندلس » (33) .
وقد استشهد ابن خروف (ـ 609 هـ ) بالحديث فتعقبه ابن الضائع (ـ 680 هـ ) في شرح الجمل ، ورد عليه متحاملا ، ثم جاء دور ابن مالك (672 هـ ) فأكثر من الاستشهاد بالحديث في التسهيل ، وقسا عليه شارحه أبو حيان
____________
(32) في أصول النحو : 44 .
(33) دراسات في العربية وتاريخها : 168 نقلا عن شرح التسهيل ، وانظر : الاقتراح : 17 .

( 114 )

(745 هـ) حتى قال : « والمصنف قد أكثر من الاستدلال بما ورد في الاثر ، متعقبا بزعمه على النحويين ، وما أمعن النظر في ذلك ، ولا صحب من لم التمييز » (34) كما رد على ابن مالك أبو إسحاق الشاطبي (790 هـ ) وجلال الدين السيوطي (911 هـ ) وغيرهم ، ولم ينح نحو ابن مالك في الاحتجاج بالحديث إلا قلة ، منهم ابن هشام (761 هـ ) والمحقق الرضي (686 هـ ) فقد أضاف إلى الاحتجاج بسنة الرسول صلى الله عليه وآله احتجاج بأقوال أهل البيت عليهم السلام .
وبإهمال النحاة الاحتجاج بالسنة ، أفقدوا نحوهم أوسع مصادره الموثوقة ، واقتصروا على شواهد من الشعر والامثال ، فوقعوا فيما وقعوا فيه من نقص الاستقراء ، في حين استفاد أصحابهم اللغويون من احتجاجهم بالسنة فأثروا معجماتهم بمفردات عربية سليمة .
3 ـ إنهم لم يعتمدوا في تحقيق ما احتجوا به من شواهد الشعر والامثال ، كما اعتمد الفقهاء والمحدثون في تحقيق السنة النبوية ـ سندا ومتنا ـ لذلك جاء الكثر من شواهدهم مجهول القائل والرواية ، بل وجد فيما احتجوا به نفس السببين اللذين أنكروهما على الاحاديث : وقوع التصحيف واللحن . . . والنقل بالمعنى أحيانا ، كما أنهم لم يتحرجوا في الاحتجاج بما نقله مثل حماد الرواية الذي كان ـ كما يقول يونس ـ : « يلحن ، ويكسر الشعر ، ويكذب ، ويصحف » (35) ، ويروى أن الكميت امتنع عن إملاء شعره عليه ، وقد طلب منه ذلك ، وقال له : « أنت لحان ولا أكتبك شعري » (36) .
وإذا كان الامر كذلك ، فلم استعار واضعو هذه الاصول من أصحاب أصول الفقه كل ما قالوه في طرق حمل النص ، وثقة النقلة والرواة ، والتواتر ، والاحاد ، والمرسل ، والمجهول وأمثالها مما لم يلتزموا به في نقلهم لغة العرب ، الامر الذي دعا الفخر الرازي إلى أن ينحو باللائمة على أصحابه الاصوليين ، لانهم لم
____________
(34) الاقتراح : 19 .
(35) مراتب النحويين ـ لابي طيب اللغوي ـ : 73 .
(36) الموشح ـ للمرزباني ـ : 195 .

( 115 )

يقوموا هم بهذه المهمة بدلا من النحاة ـ وقد نقل النحاة المتأخرون نص قوله هذا ـ قال : « والعجب من الاصوليين أنهم أقاموا الدلائل على خبر الواحد أنه حجة في الشرع ، ولم يقيموا الدلالة على ذلك في اللغة والنحو ، وكان هذا أولى ، وكان من الواجب عليهم أن يبحثوا في أحوال اللغات والنحو ، وأن يفصحوا عن جرحهم وتعديلهم ، كما فعلوا ذلك في رواة الاخبار ، لكنهم تركوا ذلك بالكلية ، مع شدة الحاجة إليه ، فإن اللغة والنحو يجريان مجرى الاصل للاستدلال بالنصوص » (37).
ولو أن النحاة قاموا بتحقيق نصوصهم التي يحتجون بها لما دعا الرازي أصحابه إلى ذلك .

2 ـ القياس
يعرف القياس عند النحاة ، كما يعرف عند الاصوليين : « حمل غير المنقول على المنقول ، في حكم ، لعلة جامعة » (38) وربما فضل الاصوليون أن يقولوا : « حمل غير المنصوص على المنصوص . . . » أو : « حمل فرع على أصل في حكم ، بجامع بينهما » (39) أو ما يشبه ذلك مما يتضمن أركانه الاربعة : الاصل ، والفرع ، والحكم ، والعلة المشتركة . ولكن هذه التعريفات عند كل من النحاة والاصوليين متأخرة جدا عن نشأة القياس عندهما ، وهذا أمر طبيعي خاضع لقانون التطور في أي فن من الفنون .
لمحة تاريخية :
ويبدو لي أن القياس نشأ عند الطرفين ، في عصر متقارب ، وقد يكون الفقهاء أسبق من النحاة قليلا ، وكانت نشأته عندهما نشأة بدائية ، قوام القياس
____________
(37) أنظر : المزهر ـ للسيوطي ـ 1|118 نقلا عن المحصول للرازي ، وإرشاد الفحول للشوكاني 15 ـ 16 نقلا عن المحصول أيضا .
(38) الاقتراح ـ للسيوطي ـ : 47 .
(39) روضة الناظر ـ لابن قدامة ـ : 145 .