صلةقبل

التسميات

طليعة المؤلفات في الحضارة الاسلامية
موضوعها ، ومنهج تأليفها ، وفهرست أسمائها .

السيد محمد رضا الحسيني



بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الانبياء وخاتم المرسلين ، محمد الصادق الامين ، وعلى الائمة الاطهار المعصومين من آله المتقين ، وعلى أتباعهم وأشياعهم أبد الابدين .
وبعد :
فإن مما وفقني له ربي ـ والحمد له على كل ما أنعم علينا من نعمه الظاهرة والباطنة ـ : أني وقفت على اثنتين من نوادر التراث الاسلامي ، وهما :
1 ـ تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام ، للفضل بن الزبير الرسان الاسدي الكوفي ، من أصحاب الامامين الباقر والصادق عليهما السلام .
2 ـ تسمية من شهد مع علي عليه السلام حروبه ، لعبيد الله بن أبي رافع المدني ، كاتب الامام عليه السلام .
فتوفرت لي أسباب العمل فيهما ، وبذل ما يسعني من الجهد والتحقيق حولهما .
ولقد لفت نظري فيهما أنهما يشتركان في العنوان ، فكل منهما يبدأ بكلمة « تسمية . . . » كما يشتركان في منهج عرض ما فيهما من المطالب .


( 12 )

وقد شعرت من خلال هذا الاشتراك أن أمرا ما لابد أن يكون هو سبب هذا الاشتراك ، دون مجرد الصدفة .
وبعد المتابعة وجدت أن مؤلفات أخرى تحمل نفس هذا العنوان ، وتسير على نفس هذا المنهج ، بما أمكن معه الاقتناع بأن هناك طورا خاصا من أطوار التأليف تدعى كتبه « التسميات » وأن لها منهجا خاصا .
فما هو ذلك الطور ؟
وما هو ذلك المنهج ؟
وكم هي المؤلفات المعنونة بهذا العنوان ؟
وخلال عملي في الكتابين ، وقفت على أمور عديدة ، استدعت مني متابعة أوفر ، وجهدا أكثر كانت ثمرته هذا البحث ، الذي أقدمه إلى إخوتي العلماء والمحققين كي يسهموا في بلورته ، دعما لهذا الطور من التراث المجيد .
وتلك الامور نبحثها تحت الابواب التالية :
1 ـ متى بدأ عنوان « التسمية » للمؤلفات ؟ وإلى م استمر ؟
2 ـ ما هو أول كتاب ألف بهذا العنوان ؟
3 ـ في أي من العلوم الاسلامية ، تصنف هذه الكتب ؟
4 ـ هل للتسميات منهج محدد ، أو خط مشترك ؟
5 ـ كيف يستفاد من هذه الكتب ؟
6 ـ دليل بما وقفنا عليه من أسماء هذه الكتب .
ومما ينبغي إلفات النظر إليه أن هذا البحث إذا لم يكن قد استوفى حقه من الاشباع ، فذلك لكونه مبتكرا ، غير مسبوق بشيء من قبل أهل الفن ، وحسب ذلك عذرا مقبولا عند كرام الناس .
والحمد لله على هذا التوفيق ، ونسأله العصمة عن الزلل والخطأ ، إنه


( 13 )

الهادي إلى سواء الطريق .

وكتب
السيد محمد رضا الحسيني




( 14 )

1 ـ متى بدأ عنوان (التسمية) للمؤلفات · وإلى م استمر ؟
إن المؤلفات والكتب ـ تارة ـ تأخذ أسماءها من موضوعاتها التي تبحث فيها .
وـ أخرى ـ يجعل لها اسم وعنوان خاص .
فمن الاول :
مؤلفات في الحديث الشريف ، يسمى الواحد منها بـ « حديث فلان » مضافا إلى راويه ، أو مؤلفه ، وكذلك « تفسير القرآن » وقد يقال « تفسير فلان » مضافا إلى مؤلفه .
وهذا القسم من المؤلفات سماه شيخنا العلامة الطهراني بالاسم « النوعي » ونسميه نحن الاسم « الموضوعي » للكتاب ، لانه اسم مأخوذ من موضوعه الذي يبحث فيه ، كما قلنا .
وقد جرى رواد التأليف عند المسلمين على هذا الطرز ، فأكثر ما بأيدينا من كتبهم ومؤلفاتهم تجد في عناوينها وأسمائها ذكر موضوعاتها بوضوح .
وقد يضاف على عنوان الكتاب ، كلمة « جزء » أو « صحيفة » أو « كتاب » فيقال : جزء فلان في الحديث ، أو : صحيفة فلان في الحديث ، أو : كتاب فلان في التفسير ، وهكذا .
أو : كتاب الحديث ، أو : كتاب التفسير ، أو : جزء الطب ، وهكذا .
وقد يأخذ العنوان اسم قسم من الموضوع العام ، كما تسمى بعض الكتب بـ « المسند » باعتبار أن « المسند » هو واحد من أنواع الحديث وكذلك الكتب المسماة بـ « الصحيح » أو « الغريب » .
وكذلك : « غريب القرآن » ، الذي هو نوع من تفسير القرآن ، وتأويل مشكل القرآن ، أو الناسخ والمنسوخ ، أو ما نزل من القرآن في كذا ، أو أسباب النزول . . .


( 15 )

فكل هذه الاسماء التي تسمى بها الكتب ، هي معبرة عن موضوعات تلك الكتب .
ومن الثاني :
ما هو المتداول ـ حتى اليوم ـ من وضع عناوين خاصة للكتب ، وقد سماه شيخنا العلامة الطهراني بالاسم « العلمي » للكتاب ، نسبة إلى « العلم » الذي هو من أقسام المعارف عند اللغويين والنحاة ، باعتبار أن ذلك الاسم قد وضعه مؤلفه علما على كتابه ، كما يسمى كل شخص باسم يعتبر علما واسما له .
ولا ريب أن هذا الطرز من أسماء الكتب ، متأخر ـ وجودا ـ عن الطرز الاول ، والدليل على ذلك : أن أكثر الكتب والمؤلفات المأثورة عن القدماء لا يحمل عنوانا علميا خاصا ، بل غالبها يحمل الاسم الموضوعي العام ، وحتى القليل من مؤلفات القدماء ، الذي يحمل اسما علميا مثل « الصحيفة الصادقة » المنسوبة إلى عبد الله بن عمرو ، فإن هذا العنوان لا يعدو أن يكون صفة وصفت بها الصحيفة .
كما أنا كلما توغلنا في السنين الهجرية نشاهد وجود الكتب الحاملة للعناوين العلمية ، والاسماء الخاصة ، بكثرة ملحوظة .
وعلى هذا :
فلابد أن يصاغ السؤال على النحو الاتي : متى بدأ العنوان العلمي للكتب ؟
ونحن لا نبحث عن هذا فعلا ، فإن الاجابة عليه تستدعي جهدا خاصا ، له مجاله الخاص ، وأهله المختصون .
وعنوان « التسمية » هو من الطرز الاول فإن كلمة « التسمية » لها إطلاقات :
فقد تطلق : « التسمية » من الفعل سمى يسمي : بمعنى وضع الاسم للشخص ، أو الشئ ، مثل : سمى فلان ابنه زيدا ، أو بزيد .


( 16 )

وبهذا الاطلاق ألف الوحيد البهباني كتاب « تسمية بعض الائمة أولادهم بأسماء الجائرين » (1) وكذلك الميرزا التنكابني كتاب « تسمية الائمة أولادهم بأسماء الخلفاء وذكر عللها » (2) .
وقد تطلق « التسمية » من الفعل سمى يسمي : بمعنى ذكر اسم الشخص ، مثل : سمى فلان إخوته ، أي ذكر أسماءهم .
وقد اعترف اللغويون بهذين المعنيين ، وهما مستعملان عند العرف العام أيضا .
ولكلمة « التسمية » إطلاق خاص عند بعض الفقهاء ، وبعض علماء القرآن ، وهو خصوص تلاوة آية « بسم الله الرحمن الرحيم » .
وقد ورد هذا الاطلاق في أسماء بعض المؤلفات :
مثل كتاب « التسمية في فقه أهل البيت عليهم السلام بالاخبار » لابن عقدة الحافظ الكوفي (3) .
وكتابان بعنوان « رسالة في التسمية » وردا في فهرس مكتبة برلين بألمانيا الغربية ، برقمي 2261 و3264 .
وقد عبر الرشداني (ت 593) عن « بسم الله الرحمن الرحيم » بكلمة « التسمية » وكذلك من تبعه من شراحه والمعلقين عليه مثل : ابن همام في « فتح القدير » والخوارزمي في « الكفاية » والبابرتي في « العناية » وسعدي جلبي في « حاشيته » انظر جميع ذلك في فتح القدير (4) .
وقال الجزيري في سنن القراءة في الصلاة : ومنها « التسمية » في كل ركعة قبل الفاتحة ، بأن يقول : « بسم الله الرحمن الرحيم » وهي سنة عند الحنفية
____________
(1) معالم العلماء : 14 رقم 76 .
(2) شرح فتح القدير للعاجز الفقير 1|253 ـ 254 ، طبع دار إحياء التراث العربي .
(3) الفقه على المذاهب الاربعة 1|357 .
(4) الذريعة 11|147 .

( 17 )

والحنابلة ، أما الشافعية فيقولون إنها فرض ، والمالكية يقولون إنها مكروهة (5) .
ولكن الاشهر إطلاق كلمة « البسملة » على هذه الاية ، وتلاوتها ، يقال : بسمل يبسمل بسملة ، إذا قرأ « بسم الله الرحمن الرحيم » .
وعلى كل حال : فإن هذا الاطلاق ، ليس إلا من المعنى اللغوي الثاني مع التحديد بذكر الاية المذكورة ، فالتسمية هنا بمعنى ذكر اسم الله تعالى بالخصوص .
ومن ذلك ما ورد في الحديث ، من قوله عليه الصلاة والسلام : « سموا ، وسمتوا ، ودنوا » قال ابن منظور : أي كلما أكلتم بين لقمتين ، فسموا الله عزو وجل (6) .
وعنوان « التسمية » في كتب « التسميات » ليس بالاطلاق الثالث ، كما هو واضح .
وليس هو بالاطلاق الاول ، لان مؤلفيها لم يريدوا أن يضعوا أسماء لمن جاء ذكرهم في تلك الكتب .
وإنما هو بالاطلاق الثاني ، أي بمعنى ذكر الاسماء .
فإن تلك الكتب تسرد أسماء المذكورين في واقعة أو حادثة ونحو ذلك ، كما سيأتي مفصلا .
فعنوان « التسمية » يؤدي بوضوح « موضوع » هذه الكتب ومحتواها ، من دون زيادة أو نقيصة .
فهذا العنوان ليس إلا « اسما موضوعيا » لهذه الكتب ، وقد عرفت أن ذلك هو الطرز الاول الذي كانت عليه أقدم المؤلفات .
أما أقدم كتاب حمل عنوان « التسمية » فسيأتي بيانه في الباب التالي . وأما آخر ما عثرنا عليه فهو « تسمية من عرفن ممن أبهم في العمدة » لابن حجر العسقلاني ، المتوفى سنة 852 .
____________
(5) الذريعة 11|147 .
(6) لسان العرب 19|128 .

( 18 )

12 ـ ما هو أول كتاب ألف بهذا الاسم ؟
يعد الاعلام ـ من مفهرسي الكتب ـ كتاب « تسمية من شهد مع علي عليه السلام حروبه » لعبيد الله بن أبي رافع ، أول كتاب في موضوعه (7) .
يقول شيخنا العلامة المولى آغا بزرك الطهراني ، شيخ الفهرسة الشيعية في كتابه العظيم « الذريعة إلى تصانيف الشيعة » : « كتاب تسمية من شهد . . . » [ مؤلفه ] هو أول من صنف في الاسلام ، في أسماء الرجال . . . . (8) .
ويقول ـ أيضا ـ : هو أول من صنف في المغازي ، والسير والرجال ، في الاسلام ، لم نعرف من سبقه فيه ، لانه كتبه في عصر أمير المؤمنين عليه السلام الذي استشهد سنة الاربعين من الهجرة (9) .
ويقول ـ أيضا ـ : هو أول من دون أسماء الرجال ، لانه كان في عصر أمير المؤمنين عليه السلام وكان كاتبه (10) .
فالشيخ الطهراني رحمه الله ، يؤكد على أمرين :
1 ـ أن ابن أبي رافع هو أول من صنف ، وأن كتابه « التسمية » هو أول كتاب في موضوعه .
2 ـ أن الكتاب قد تم تأليفه في عهد الامام أمير المؤمنين عليه السلام قبل سنة 40 للهجرة .
والعلامة المحقق في تاريخ العلوم ، السيد حسن الصدر الكاظمي في كتابه العظيم « تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام » يقول في ابن أبي رافع : أول من صنف
____________
(7) سيأتي في الباب الثالث : البحث في تعيين موضوع « التسميات » .
(8) الذريعة 1|83 .
(9) الذريعة 4|181 رقم 898 .
(10) مصفى المقال في مصنفي علم الرجال : عمود 258 ـ 259 .

( 19 )

في علم المغازي والسير ، في الاسلام . . . لاني لم أعثر على من تقدمه في ذلك (11) .
وبعد أن ذكر تصنيف محمد بن إسحاق (ت 151) وكذلك عروة بن الزبير (ت 94) قال : فعبيد الله بن أبي رافع تقدمهما في تصنيفه المذكور على كل حال ، فهو أول من صنف في السير والمغازي (12) .
والدليل على مدعاه : أن ابن أبي رافع « صنف ذلك في عهد أمير المؤمنين عليه السلام » (13) .
فالسيد الصدر يؤكد على نفس ما ذكره الشيخ الطهراني ، من :
1 ـ أن ابن أبي رافع ، هو أول من صنف ، وأن كتابه « التسمية » هو أول مصنف في موضوعه .
2 ـ أنه صنفه على عهد الامام عليه السلام .
نقول :
أما الامر الاول ـ مما أكدا عليه ـ فهو ما نهتم للتوصل إلى معرفة الحق فيه ، هنا ، في هذا الباب ، وسنذكر رأينا في نهايته .
وأما الامر الثاني :
فبالرغم من تأكيد هذين العلمين عليه ، فإنا لم نتمكن من قبول دليلهما عليه ، خاصة بعد وقوفنا على نص كتاب ابن أبي رافع ، حيث لم نجد فيه أدنى إشارة إلى أن تأليفه قد تم في عهد الامام عليه السلام وقبل استشهاده .
بل ، على العكس من ذلك ، فإن في الكتاب قرائن تشير إلى تأخر تأليفه عن ذلك العهد ، حيث اشتمل الكتاب على حوادث متأخرة زمنيا ، كقضية شهادة حجر بن عدي رضي الله عنه .
وبالنسبة إلى الامر الاول نقول :
____________
(11) تأسيس الشيعة : 232 .
(12) تأسيس الشيعة : 233 .
(13) تأسيس الشيعة : 234 .

( 20 )

ظاهر ما بأيدينا من المؤلفات الاولى يؤيد ما قاله العلمان المذكوران ، فإن المؤلفين المعروفين في المغازي والسير كلهم متأخرون عن عصر ابن أبي رافع وفاة .
فقد حددت وفاة ابن أبي رافع بحوالي سنة 80 هـ (14) ، بينما نجد أقدم من عرف له تأليف في المغازي ، وهو عروة بن الزبير ، قد توفي سنة 93 على أقل تقدير ، أو سنة 94 أو سنة 96 (15) وقد ذكر خليفة : أنه يقال : إنه ـ يعني عروة ـ أول من ألف في السيرة (16) .
ونقله الدكتور الاعظمي ، عن السخاوي في كتابه « الاعلان بالتوبيخ » ص 48 (17) .
وأكد ذلك ، مارسدن جونسن ، وقاله : إنه هو أول من دون السيرة بشكلها الذي عرف فيما بعد (18) .
ووافقه الاعظمي ، ثم أضاف : قد أطبق الكتاب والمؤلفون ـ من القرن الثاني ، حتى الان ـ على أن عروة بن الزبير كتب شيئا عن المغازي ، بل ألف كتابا في المغازي (19) .
ونقول:
إن كان المراد بكلمة « المغازي » خصوص مغازي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ كما هو ظاهر الكلمة ، والمنصرف منها عند إطلاقها ، أو بقرينة البحث عن عروة ـ فذلك أمر يعود التحقيق فيه إلى أهله .
وأما إذا كان المراد به مطلق الغزوات ، بما يشمل الحروب التي وقعت في
____________
(14) مغازي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لعروة : 18 .
(15 ) المصدر السابق : 44 .
(16) كشف الظنون 2|1747 .
(17) مغازي رسول الله صلى الله عليه وآله ، لعروة : 57 .
(18) المغازي ، للواقدي ، المقدمة : 21 .
(19) مغازي رسول الله صلى الله عليه وآله ، لعروة : 57 .

( 21 )

تاريخ الاسلام ، ففي الكتاب والمؤلفين من يقول : إن ابن أبي رافع هو الاسبق في التأليف فيها .
وقد اعترف الدكتور الاعظمي بأن في المؤرخين من تقدم على عروة في كتابه التاريخ ، وذكر منهم ابن أبي رافع ، الذي حدد وفاته نحو سنة 80 ، وذكر كتابه « تسمية من شهد مع علي عليه السلام حروبه » (20) .
وأما في خصوص السابق من التسميات : فلا ريب في أن ابن أبي رافع ، هو أقدم من عرف كتابه بهذا العنوان .
هذا :
ولكنا وقفنا على نص يفيدنا أن كتابا يحمل اسم « التسمية » قد سبق وجوده بعهد طويل ، وأنه من « إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم » و« وخط علي عليه السلام » فاقرأ معي النص التالي ، الذي رواه الطبري الامامي ، في كتاب « مسند فاطمة » :
قال : حدثني أبو الحسين ، محمد بن هارون ، قال : حدثنا أبي هارون بن موسى بن أحمد ، قال : حدثنا أبو علي الحسن بن محمد النهاوندي ، قال : حدثنا أبو جعفر محمد بن إبراهيم بن عبد الله القمي القطان المعروف بابن الخزاز ، قال : حدثنا محمد بن زياد ، عن أبي عبد الله الخراساني ، قال : حدثنا أبو حسان سعيد بن جناح عن مسعدة بن صدقة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : قلت له : جعلت فداك ، هل كان أمير المؤمنين يعلم أصحاب القائم ، كما كان يعلم عدتهم ؟
قال أبو عبد الله : حدثني أبي ، قال : لقد كان يعرفهم بأسمائهم ، وأسماء آبائهم ، وقبائلهم ، رجلا فرجلا ، ومواضع منازلهم ، ومراتبهم .
فكل ما عرفه أمير المؤمنين عرفه الحسن ، وكل ما عرفه الحسن فقد صار
____________
(20) مغازي رسول الله صلى الله عليه وآله ، لعروة : 18 ، عن دراسات حول الحديث النبوي : 156 .

( 22 )

علمه إلى الحسين ، وكل ما عرفه الحسين فقد عرفه علي بن الحسين ، وكل ما علمه علي بن الحسين فقد صار علمه إلى محمد بن علي ، وكل ما قد علمه محمد بن علي فقد علمه وعرفه صاحبكم ـ يعني نفسه .
قال أبو بصير ، قلت : مكتوب ؟
قال : فقال أبو عبد الله : مكتوب في كتاب ، محفوظ في القلب ، مثبت في الذكر ، لا ينسى .
قال : قلت : جعلت فداك ، أخبرني بعددهم ، وبلدانهم ، ومواضعهم .
فقال : إذا كان يوم الجمعة ، بعد الصلاة فأتني .
قال : فلما كان يوم الجمعة أتيته ، فقال : يا أبا بصير ، أتيتنا لما سألتنا عنه ؟
قلت : نعم ، جعلت فداك .
قال : إنك لا تحفظ ، فأين صاحبك الذي يكتب لك ؟
فقلت : أظن شغله شاغل ، وكرهت أن أتأخر عن وقت حاجتي .
فقال لرجل ـ في مجلسه ـ : أكتب : هذا ما أملاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أمير المؤمنين ، وأودعه إياه من : « تسمية أصحاب المهدي ، وعدة من يوافيه من المفقودين عن فرشهم ، وقبائلهم ، والسائرين في ليلهم ونهارهم إلى مكة » (21) .
وهذا النص صريح في أنه كان « مكتوبا » وأنه قد دون في « كتاب » والامام يؤكد على أبي بصير أن يتحمله « كتابة » بالرغم من كونه فاقد البصر ، فيأمر شخصا أن « يكتبه » له .
مضافا إلى أنه « إملاء » من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد أثبتنا في مجال آخر : أن الاملاء لا يطلق ـ اصطلاحا ـ إلا إذا كان الشخص المملى عليه مشتغلا بكتابة ما يلقى إليه ، وأن مجرد الالقاء على الشخص من دون
____________
(21) دلائل الامامة : 307 ـ 308 .

( 23 )

أن يكتب لا يسمى « إملاء » اصطلاحا (22) .
كل ذلك يدل على أن المذكور إنما هو كتاب مسجل منذ عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومن كلامه ، وبخط الامام علي عليه السلام .
لكن يبقى تعيين مبدأ المكتوب الذي أملاه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكتبه الامام علي عليه السلام .
فالظاهر أن قوله : « من تسمية . . . » بيان لقوله : « هذا إملاء » فيكون بداية المملى هو قوله : « تسمية أصحاب المهدي . . . » وتكون كلمة « تسمية » من كلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي أملاه ، وهي بداية ما كتبه الامام علي عليه السلام بخطه .
وبناء على ذلك فيكون أقدم كتاب مدون ، بعنوان « التسمية » في تاريخ الاسلام هو « تسمية أصحاب المهدي ، وعدة من يوافيه من المفقودين عن فرشهم ، وقبائلهم والسائرين في ليلهم ونهارهم إلى مكة » .

3 ـ تصنيف التسميات في طبقات العلوم
إن تصنيف الكتب يتبع موقعها من العلوم المتنوعة ، وحسب طبقاتها المختلفة ، ففي أي علم تندرج التسميات ، وفي أية طبقة تصنف ؟
فشيخ مشايخ الحديث في القرن الماضي ، المتفرغ لتاريخ علم الرجال شيخنا العلامة الطهراني ، صنف كتاب « تسمية من شهد مع علي حروبه » لابن أبي رافع ، في كتب الرجال ، وعده منها .
وعلى هذا الاساس ذكره في كتابه « مصفى المقال في مصنفي علم الرجال » وقال :
عبيد الله بن أبي رافع ، (القرن الاول)
____________
(22) لاحظ بحثنا « الطرق الثمان لتحمل الحديث وأدائه » .

( 24 )

كاتب أمير المؤمنين عليه السلام ، له كتاب « قضايا أمير المؤمنين » وكتاب « تسمية من شهد مع أمير المؤمنين الجمل وصفين والنهروان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم » ذكره الشيخ في « الفهرست » وذكر إسناده في رواية الكتاب عن عبيد الله المذكور .
أقول : هو أول من دون أسماء الرجال ، لانه كان في عصر أمير المؤمنين عليه السلام ، وكان كاتبه ، وأبوه رافع شهد حروب أمير المؤمنين عليه السلام كلها ، واقتصر من ترجمة الرجال وتسميتهم على خصوص (23) الصحابة ، واقتصر من بينهم على خصوص من شهد حروب أمير المؤمنين عليه السلام ، لغرض إتمام الحجة على بعض الضعفاء والجاهلين لاحقية الامير عليه السلام ، فلو قصروا عن مشاهدة دلائل أحقيته ، فلينظروا إلى من تابعه ، وشايعه ، وفدى بنفسه في نصرته ، وحمايته ، ممن لا ريب فيهم ، وهذا هو الجدال بالاحسن مع من كان في ذلك العصر من المخالفين ، كما قاله إمام القراء والمفسرين أبو سعيد أبان بن تغلب ، وأورد حديثه النجاشي (24) .
وكذلك صنع في كتابه الذريعة ، فقال : هو أول من صنف في الاسلام في أسماء الرجال الذين شايعوا أمير المؤمنين ، وعنون له هنا برجال ابن أبي رافع (25) .
ولكنه أضاف على علم الرجال علمي المغازي والسير ، فقال في الذريعة : هو ـ أي عبيد الله ـ أول من صنف في المغازي والسير والرجال ، في الاسلام لم نعرف من سبقه فيه (26) .
فالشيخ الطهراني صنف كتاب التسمية لابن أبي رافع ، في علم الرجال ،
____________
(23) ليس كتاب « التسمية » لابن أبي رافع خاصا بذكر أسماء الصحابة ، بل يعم التابعين ، كما فصلنا ذلك في مقدمة تحقيقنا للكتاب .
(24) مصفى المقال : عمود 258 ـ 259 ، والمذكور عن النجاشي جاء في رجاله ص 12 رقم 7 .
(25) الذريعة 1|83 .
(26) الذريعة 4|181 رقم 898 .

( 25 )

سواء كان منحصرا به ، أو مع انضمام علم المغازي والسير .
لكن السيد الصدر ، لم يذكر في علم الرجال ، وإنما ذكره في علم السير والاثار الاسلامية والمغازي ، وهو الصحيفة الاولى من الفصل السابع من كتابه العظيم « تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام » قال : أول من وضعه وصنف فيه عبيد الله ابن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، صنف كتاب « تسمية من شهد من الصحابة مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام » (27) .
وذكر بعد ذلك أول من أسس علم الرجال وهو عبد الله بن جبلة الكناني .
والدكتور محمد مصطفى الاعظمي : ذكر كتاب « التسمية » لابن أبي رافع ، ضمن الكتب التي تم تدوينها في التأريخ العام (28) .
ولكنه أدرج ما ورد عن عروة بن الزبير ـ خاصة ـ من « التسميات » في كتاب جمعه باسم « مغازي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعروة » ، وهي :
تسمية من شهد العقبة الاخيرة من الانصار ، ص 126 .
تسمية من شهد بدرا ، ص 147 .
تسمية من شهد بدرا ـ أيضا ـ ص 158 .
تسمية من لم يشهد بدرا ، وضرب له بسهمه ، ص 160 .
تسمية من استشهد يوم أحد ، ص 172 .
تسمية من استشهد بخيبر ، ص 199 .
تسمية من استشهد بمؤتة ، ص 206 .
تسمية من استشهد يوم حنين ، ص 219 .
____________
(27) تأسيس الشيعة : 232 ، وانظر أيضا : 233 .
(28) مغازي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لعروة : 18 .

( 26 )

ومع أن بعض هذه التسميات ، قد وردت في المصادر القديمة بعنوان « التسمية » إلا أن منها ما عنون لها الدكتور من عند نفسه ، وسماها بالتسمية ، نظرا إلى أنها تحتوي على تعداد الاسماء ، من دون توجه إلى أن مثل هذا العنوان له أهمية تراثية ، ومن المحتمل أن يكون كل ما عنون به كتابا مستقلا ، وليس من حق أحدنا أن يفتعل مثل هذا العنوان من عند نفسه .
إلا أن عمل الدكتور يدل على أنه اعتبر هذه « التسميات » من علم « المغازي » .
لكن من الواضح أن « المغازي » يعتبر في تصنيف العلوم علما برأسه له خصوصياته وشؤونه ومؤلفاته ، ومؤلفوه ، وإن كان مندرجا في « السيرة النبوية » من جهة عامة ، حيث أن السيرة تستوعب حياة الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم في كل فترات السلم والحرب ، وما يتصل بأخلاقه وتصرفاته وشؤونه الخاصة ، ومواجهاته ولقاءاته ومحادثاته ، وحياته العامة الشريفة (29) مع أن بعض « التسميات » إذا كان يدور حول بعض الغزوات ، فإن منها ما لا يرتبط بشيء منها مثل « تسمية من شهد العقبة » فهي تدخل في علم السيرة ، ولايصح إدراجها في « المغازي » بأي وجه ، فهو على الاقل أخص من علم « السيرة » .
نعم ، قد نقف أمام عقبة عندما نرى الواقدي قد ضمن في كتابه « المغازي » التسميات التالية :
1 ـ تسمية من خرج مع عبد الله بن جحش في سريته ، 1|19 .
2 ـ تسمية المطعمين في طريق بدر من المشركين ، 1|144 .
3 ـ تسمية من استشهد من المسلمين ببدر ، 1|145 ـ 147 .
4 ـ تسمية من قتل من المشركين ببدر ، 1|147 ـ 152 .
____________
(29) قارن : المغازي للواقدي ، المقدمة : 14 و19 وعبر في ص 20 باسم « علمي المغازي والسيرة » مما يدل على انفصالهما في التصنيف الموضوعي .

( 27 )

5 ـ تسمية من شهد بدرا من قريش والانصار ، ص 152 ـ 172 .
6 ـ تسمية من قتل من المشركين (بأحد) ، 1|307 ـ 309 .
7 ـ تسمية من استشهد من قريش (في بئر معونة) ، 1|352 ـ 353 .
8 ـ تسمية سهمان الكتيبة ، 2|693 .
9 ـ تسمية من استشهد بخيبر ، 2|699 ـ 700 .
10 ـ تسمية من استشهد بحنين ، 3|922 .
11 ـ تسمية من استشهد بالطائف ، 3|938 .
ولكن لا نستبعد أن يكون الواقدي قد استفاد من بعض من سبقه ممن ألف تسميات مستقلة في تلك المواضيع فأدرجها في كتابه المغازي ، ولو كان قد جمعها هو ، فإن تضمينها كتابه الكبير ، لا يؤدي إلى خلل فيما نحن بصدده ، لانه اتبع نفس المنهج الذي سنفصله فيما بعد ، للتسميات المستقلة .
وعلى كل حال فهذه « التسميات » الواقدية ، لا شك في كونها ضمنية ، إلا أنه ليس فيها شيء مما يخرج عن موضوع المغازي ولذلك أدرجها في كتابه الخاص بها .
والرأي الاقرب إلى الصواب ، في هذا الباب ، هو :
أن تعدد الاتجاه الموضوعي في الكتاب الواحد ، لا يمنع ـ مطلقا ـ من أن يكون التركيز في وجهة الكتاب على بعض الموضوعات وبعض العلوم خاصة ، وعلى ذلك فليس من الصائب تصنيف ذلك الكتاب في جميع تلك العلوم ، بمجرد اتجاه بسيط فيه إليها ، بل لابد من تصنيفه في العلم الاكثر تركيزا فيه عليه ، وإن كان تعيين العلم الذي يلحق الكتاب به في التصنيف ، أمرا شاقا ، أحيانا ، يستدعي دقة فائقة وجهدا عميقا .
وكتب « التسميات » لابد من أن تصنف على أساس الجهة الجامعة بين كل « التسميات » وهي السمة المشتركة بين جميع ما يحمل هذا العنوان ، والتي توجد بوضوح في جميعها .


( 28 )

ويمكن تحديد ذلك الجامع من خلال ملاحظة ما أوردناه في توضيح عنوان « التسمية » وهو أن كل واحد من هذه الكتب إنما يتصدى لذكر الاسماء لمسميات معينة .
وهذا في حد ذاته يقرب أن تكون كتب « التسميات » من كتب علم الرجال الشامل لتراجم الاعلام ، ورواة الحديث المذكورين في أعمدة الاسانيد .
ولو تجاوزنا عددا قليلا من كتب التسميات ، مما لا يرتبط بالرجال بل تتصدى لتسمية بعض الجمادات ، وهي أربعة فقط :
1 ـ تسمية الارضين .
2 ـ تسمية البيع والديارات .
3 ـ تسمية سهمان الكتيبة .
4 ـ تسمية الكتب التي رواها بعضهم .
لو تجاوزنا هذه الاربعة ، فإن باقي كتب « التسمية » وهي تنوف على التسعين كله تختص بتعداد أسماء الاشخاص والاعلام والرواة .
وهذا يؤكد على أن المهمة الاساسية للتسميات ، إنما هي ما يهدف من علم الرجال وتراجم الاعلام ، فيجب أن تصنف في هذا العلم .
وهذا هو ما صنعه شيخنا العلامة الطهراني ، فعد بعض التسميات من مؤلفات علم الرجال ، وعد مؤلفه من مصنفي ذلك العلم .
ونعم ما صنع ، فإن مراده بعنوان « علم الرجال » إنما هو علم تراجم الاعلام والشخصيات بما يشمل رواة الاحاديث .
ولذا فإن ما قد يتخيله بعض المتطفلين على علم الرجال من الاعتراض على ساحة شيخنا العلامة ، بأن عد كتاب « تسمية من شهد مع علي حروبه » لابن أبي رافع ، من كتب الرجال ، غير صحيح ، لانه كتاب في التاريخ .
اعتراض واه ، لم يصدر ممن يزن الامور بموازين العلم والمعرفة .
فإن علم الرجال ، وإن أصبح عند المتأخرين خاصا بأحوال رواة


( 29 )

الحديث ، إلا أن ذلك نشأ من تواضع تعيني ، من دون تخصيص ووضع .
وإلا ، فعلم الرجال هو العلم الشامل لمعرفة ما يتعلق بأحوال الاعلام كافة ، والمعاجم وكتب الرجال القديمة على ذلك كان منهجها .
وقد بقيت آثار ذلك الشمول في كتب الرجال المتأخرة أيضا ، فكثيرا ما يترجمون لمن لا رواية له ، سوى أنه من أعلام العلماء ، وإذا سئل أحدهم عن سبب ذلك ، لم يجر جوابا إلا أن يتذرع بفعل الاقدمين .
نعم ، لو أريد بعلم الرجال ، خصوص ما تعورف عند المتأخرين من أنه علم أحوال رواة الحديث ، فإن « التسميات » ـ وإن كان منها ما حمل عنوان « تسمية من روى . . . . » ـ إلا أن ذلك ليس هو الجامع المشترك بين كل « التسميات » .
وكذلك تصنيف كتب « التسميات » في علوم « المغازي » أو « السيرة » أو « التأريخ العام » حيث أن بعض كتب « التسمية » يختص بوقائع خاصة من صميم المغازي ، أو بقضايا من السيرة ، أو بامور وحوادث من التأريخ العام ، فإن ذلك خاص بتلك الكتب ، وليس أمرا مشتركا بين كل « التسميات » فلا يكون عدها من مقولة تلك العلوم جاريا على أساس التصنيف العلمي ، الذي يقتضي ما ذكرناه .

4 ـ منهج التسميات ، وأهميتها علميا :
من خلال مزوالتنا لعدة من « التسميات » المتوفرة لدينا ، ومنها :
1 ـ تسمية من شهد مع علي عليه السلام حروبه ، لابن أبي رافع المدني .
2 ـ تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام ، للفضيل بن الزبير الرسان الكوفي .
3 ـ تسميات عروة بن الزبير ، المنقولة في المصادر .
4 ـ تسميات ابن إسحاق ، الواردة في سيرة ابن هشام .


( 30 )

5 ـ تسميات الواقدي ، الواردة في المغازي .
توصلنا إلى اشتراكها في العرض ، وتقاربهما في النسق ، مما دعانا إلى الاعتقاد بأن ثمة « منهجا متحدا » تسير عليه كل التسميات .
وقد حاولنا كشف هذا المنهج الموحد المشترك ، فتوصلنا إلى عناصر ثلاثة تشكل قوام ذلك المنهج ، وهي :
1 ـ تنظيم الاسماء على القبائل والبطون والافخاذ والفروع .
2 ـ ذكر الموالي مع اصول القبائل .
3 ـ التلفيق في المتون واختزال الاسانيد .

الامر الاول : تنظيم الاسماء على القبائل وفروعها :
دأب مؤلفو التسميات على سرد الاسماء متتابعة ، مقتصرين غالبا على الاسم الثنائي ، أي اسم الشخص واسم أبيه فقط ، من دون وصف غالبا ، أو مع وصف بسيط أحيانا ، لكن من دون التفصيل في أحواله ، إلا فيما يرتبط بشؤون موضوع التسمية نفسها .
ولكنهم ينظمون قائمة الاسماء ، حسب الانتماءات القبلية ، ثم يقسمونها على البطون المتشعبة من القبيلة ، ثم يوزعونها على الافخاذ والفروع من كل بطن ، وهكذا . . . فيذكرون تحت كل فرع ، مايلزم من الاسماء المنتمية إليه .
وقد تنبه الدكتور الاعظمي إلى هذا ، فقال في خصوص ما يرتبط بكتابات عروة بن الزبير .
لقد أعطى أهمية خاصة للانساب في السيرة ، فعند ما يذكر المشتركين في الغزوات ، أو الشهداء فيها ، لا يسرد مجرد أسمائهم ، بل يذكر أنسابهم مفصلا (30) .
وقال : لا يكتفي بالاسم ، بل يذكر القبائل والبطون ، فيعطي أهمية كبيرة
____________
(30 ) مغازي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لعروة : 73 .

( 31 )

للانساب ، وهذا منهجه في الكتاب كله ، وبذلك أصبح مرجعا لكل من جاء بعده وكتب في السيرة النبوية (31) .
أقول : بل هذا هو منهج كل التسميات ، قبل عروة ، وبعد عروة ، فابن أبي رافع (توفي نحو سنة 80 ه) قد طبق هذا المنهج بشكل دقيق جدا في « تسمية من شهد مع علي عليه السلام حروبه » .
حيث قسم كتاب إلى خمسة أقسام :
1 ـ القرشيين .
2 ـ الانصار البدريين .
3 ـ الانصار ممن لم يشهدوا بدرا .
4 ـ المهاجرين .
5 ـ التابعين .
ثم ذكر تحت العنوان الاول ، القرشيين : ثمانية بطون :
1 ـ من بني عبد المطلب
2 ـ من بني المطلب
3 ـ من بني عبد شمس
4 ـ من بني زهرة
5 ـ من بني تيم
6 ـ من بني مخزوم
7 ـ من بني جمح
8 ـ من بني عامر
17 شخصاً
شخصان
شخص واحد
ثلاثة أشخاص
شخصان
أربعة أشخاص
شخصان
ثلاثة أشخاص

وذكر تحت العنوان الثاني ، الانصار البدريين : أحد عشر بطنا :
1 ـ من بني مالك بن النجار
سبعة أشخاص

____________
( 31) نفس المصدر : 66 .

( 32 )

2 ـ من بني مازن
3 ـ من بني دينار
4 ـ من بني الحارث بن الخزرج
5 ـ من بني ساعدة
6 ـ من بني عوف بن الخزرج
7 ـ من بني سلمة
8 ـ من بني زريق
9 ـ من بني بياضة
10 ـ من بني عمرو بن عوف
11 ـ من بني عبد الاشهل
ثلاثة أشخاص
أربعة أشخاص
ثلاثة أشخاص
ثلاثة أشخاص
أربعة أشخاص
ستة أشخاص
أربعة أشخاص
ثلاثة أشخاص
خمسة أشخاص
ستة أشخاص

وذكر تحت العنوان الثالث ، الانصار غير البدريين : عدة أسماء ، تبلغ 62 شخصا .
وذكر تحت العنوان الرابع ، المهاجرين : ثلاث قبائل :
1 ـ من خزاعة
2 ـ من بني أسلم
3 ـ ومن غيرهم
شخصان
أربعة أشخاص
تسعة أشخاص

وذكر تحت العنوان الخامس ، التابعين : عدة أسماء ، تبلغ 13 شخصا .
وكذلك الفضيل بن الزبير الاسدي الرسان (ت بعد 145) قد رتب تسميته على نفس المنهج ، وذكر فيه :
1 ـ الشهداء من آل البيت عليهم السلام ومواليهم 25 شخصا .
2 ـ من بني أسد بن خزيمة .
3 ـ من بني غفار بن مليل بن ضمرة .
4 ـ ومن بني تميم .
5 ـ ومن بني سعد بن بكر .


( 33 )

6 ـ ومن بني تغلب .
7 ـ ومن قيس بن ثعلبة .
8 ـ ومن عبد القيس ـ من أهل البصرة ـ .
9 ـ ومن الانصار (ستة أشخاص) .
10 ـ ومن بني الحارث بن كعب .
11 ـ ومن بني خثعم .
12 ـ ومن تيم الله بن ثعلبة .
13 ـ ومن عبد الله .
14 ـ ومن طيء .
15 ـ ومن مراد .
16 ـ ومن بني شيبان بن ثعلبة .
17 ـ ومن بني حنيفة .
18 ـ ومن جوأب .
19 ـ ومن صيداء .
20 ـ ومن كلب .
21 ـ ومن كندة .
22 ـ ومن بجيلة .
23 ـ ومن بني راسب .
24 ـ ومن خرقة جهينة .
25 ـ ومن الازد .
26 ـ ومن همدان .
27 ـ وذكر من ارتث في الحرب .
فنجد هاتين التسميتين ذكر اسم القبيلة العام ، وذكر البطون واحدا بعد واحد ، ثم تعداد الاسماء متتابعة .


( 34 )

وهذا ما ورد في تسميات ابن إسحاق ، والواقدي ـ أيضا ـ .
وكذلك في تسمية عروة ، إلا أن المنقول عنه ـ في الروايات المتأخرة ـ يختلف شيئا ما عن ذلك .
وأظن ـ قويا ـ أن أصل تسمية عروة ، كان كسائر التسميات منظما على هذا المنهج ، من دون تكرار ، كما رأيناه في ما سبقه عند ابن أبي رافع ، وما لحقه عند الفضيل الرسان ، إلا أن الرواة لما نقلوا عن عروة ما أورده في كتب تسمياته ، غيروها عما كانت عليه .
وعلى كل حال : فإن ما ذكر لا يؤثر شيئا فيما توصلنا إليه من منهج كتب التسمية ، وأنها تعتمد على سرد الاسماء على التنظيم الذي شرحناه .
وهذ واضح لمن راجع واحدا من التسميات الكاملة ، الموجودة .
يبقى في المقام :
بيان وجه الاعتماد على هذا المنهج في كتب « التسميات » والفوائد العلمية المترتبة على ذلك :
1 ـ وقبل كل شئ ، يبدو أثر هذا المنهج في اختصار كتب التسمية ، إلى حد كبير ، وخلوها من التكرار الممل .
فإذا أريد ذكر أسماء عديدة من قبيلة واحدة ، ومن بطن واحد منها ، فإن هذا المنهج يذكر اسم القبيلة ثم البطن مرة واحدة ، ويذكر تحتهما كل تلك الاسماء في مكان واحد متتابعة كما فعل ابن أبي رافع ، فقال :
من الانصار البدريين .
من بني مالك بن دينار .
ثم ذكر سبعة أسماء ، متتابعة .
ولو أراد أن يذكر كل واحد مستقلا ، لزمه أن يذكر مع كل واحد اسم القبيلة وعنوانها ، ثم اسم البطن وما يحتاج إلى توضيحه .
فالاختصار ، هو واحد من أهم فوائد ذلك المنهج المتبع في التسميات ،


( 35 )

ولعله ـ أيضا ـ هو المقصود الاول لواضعيه مؤلفي التسميات .
2 ـ ثم إن من آثار هذا المنهج الامن من التصحيف في الانساب وأسماء القبائل والبطون ، وكذلك أسماء الاباء والاجداد ، المتعددة في عمود النسب .
فإن كلا منها أعلام خاصة ، وأسماء لا يدخلها القياس ، وفي مثلها يقع كثير من التصحيف والتحريف .
فإذا ذكرت مرة واحدة ، وأدرج تحتها الاسماء المتعددة ، للمنتمين إليها ، قل تكررها ، وكان الكتاب آمن من التصحيف والغلط وأحفظ من السهو .
بعكس ما لو تكرر ذكرها مرات متعددة مع تعدد الاسماء المنتمية إليها ، فإن احتمال تصحيفها أكثر ، كما لا يخفى على أهل الخبرة ، الواقفين على مثل هذه التصحيفات .
ولعل هذه الفائدة ـ أيضا ـ كانت من أهداف أرباب « التسميات » في وضع كتبهم على ذلك المنهج .
3 ـ ثم إن من آثار ذلك المنهج . أن الاسماء قد رتبت فيه على أساس القرب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم نسبيا ، ثم السوابق الدينية ، ثم الفضل والدرجات المعنوية التي جاء بها الاسلام ، كالجهاد في سبيل الله ، والنصرة لدين الله ، والتفاني في التضحية للدفاع عن الحق العدالة .
وكذا على أساس ما ورد في حقهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من التمجيد والمدح .
وهذا واضح في تسمية ابن أبي رافع ، حيث رتب كتابه على الترتيب التالي :
1 ـ القرشيين ، وهم عشيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبيلته :
فذكر (بني عبد المطلب ) أولا ، وهم آل النبي وشجرته .
ثم ذكر (بني المطلب) وهم رهط أجداده .
ثم ذكر سائر القرشيين حسب فضلهم ومقاماتهم .


( 36 )

وذكر (الانصار) وقدمهم على المهاجرين ، لما ورد فيهم من الفضائل الكثيرة .
2 ـ وقدم أولا (البدريين ) لما ورد في حقهم عن الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، بخصوص شهودهم بدرا ، ولم أبدوه من النصرة والايثار .
3 ـ ثم ذكر (الانصار غير البدريين ) لما قدموه من المواساة والبذل .
4 ـ ثم ذكر (المهاجرين) لسبقهم ، وتحملهم في سبيل الدين العناء والنصب .
5 ـ ثم ذكر (التابعين لهم بإحسان) وخص بالذكر منهم من شهد لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة .
وليس في ترتيب التسميات على هذا الشكل أية حزازة ، ولا منقصة للمتأخرين في الذكر ، إذ أن التفضيل المذكور ، جاء به القرآن الكريم ، قبل كل أحد ، حيث قال : ( وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما) سورة النساء ، الاية 95 .
وقال : ( لا يستوى منكم من أنفق قبل الفتح وقاتل ، اولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ، وكلا وعد الله الحسنى) سورة الحديد ، الاية 10 .
وقال : ( السابقون السابقون . اولئك المقربون) سورة الواقعة ، الاية 10 ، 11 .
قال الدكتور الاعظمي : وهذا هو الحق . . . إذ لابد من إعطاء كل ذي حق حقه ، فالذين اوذوا ، وهاجروا ، وجاهدوا ، لا يمكن أن يوضعوا في مصاف الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم أسلموا في آخر الامر (32) .
____________
(32) مغازي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لعروة : 76 .

( 37 )

ولقد خطأ الدكتور الاعظمي من نظر إلى ذلك المنهج بمنظار القبلية الجاهلية ، والعنصرية البشعة ، وسماها بالنظرة الاجتماعية (33) .
أقول : وقد يحاول بعض اولئك المغرضين إسناد تلك النظرة إلى الديوان .
لكن الواقع أن الديوان لم يرتب إلا على أساس من القرابة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والسابقة في الدين ، والفضل . كما ورد في سنن البيهقي ، فيما نصه :
لما دون عمر الدواوين ، قال : ابدأوا ببني هاشم . . . وبني المطلب .
فإذا كان السن في الهاشمي قدمه على المطلبي ، وإذا كان السن في المطلبي قدمه على الهاشمي ، فوضع الديوان على ذلك ، وأعطاهم القبيلة الواحدة .
ثم استوت له عبد شمس ، ونوفل ، في جذم النسب ، فقال : عبد شمس إخوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لابيه وأمه ، دون نوفل ، فقدمهم .
ثم دعا بني نوفل يتلونهم .
ثم استوت له عبد العزى ، وعبد الدار .
فقال في بني أسد بن عبد العزى : أصهار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفيهم : أنهم من المطيبين ، وقال بعضهم : هم حلف من الفضول ، وفيهما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وقيل : ذكر سابقة ، فقدمهم على بني عبد الدار .
ثم دعا بني عبد الدار يتلونهم .
ثم انفردت له زهرة ، فدعاها تلو عبد الدار .
ثم استوت له تيم ومخزوم .
فقال في بني تيم : إنهم من حلف الفضول والمطيبين ، وفيهما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
____________
(33) مغازي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لعروة : 75 .

( 38 )

وقيل : ذكر سابقة .
وقيل : ذكر صهرا . فقدمهم على مخزوم . وهكذا بقية القبائل (34) .
إن التسميات يمكن أن تكون نماذج حية لما كانت عليه الدواوين من الترتيب المبتني على ذلك النظام الديني .
أقول : إن التفاضل على هذا الاساس ، إنما يكون في غير موارد الحقوق وخاصة الواجبة منها ، كقسمة الغنائم وعطاء بيت المال ، فإن الحق فيهما ما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام من التسوية بين الناس ، وعدم التفرقة في ذلك بين الاسود والابيض ، والشريف والوضيع ، والمولى والعربي ، كما وردت بذلك الاحاديث الكثيرة ، التي جمعها صاحب الوسائل في كتاب الجهاد ، باب 39 التسوية بين الناس في قسمة بيت المال والغنيمة ، ح 20076 ـ 20081 ، وقد جمع الامام الصادق عليه السلام تمام القول لما سئل عن قسم بيت المال ؟
فقال : أهل الاسلام هم أبناء الاسلام ، أسوي بينهم في العطاء ، وفضائلهم بينهم وبين الله ، أجعلهم كبني رجل واحد ، لايفضل أحد منهم لفضله وصلاحه في الميراث على آخر ضعيف منقوص .
قال : وهذا هو فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بدو أمره ، وقد قال غيرنا : أقدمهم في العطاء بما قد فضلهم الله بسوابقهم في الاسلام ، . . . وكذلك كان عمر يفعله .
تهذيب الاحكام ، للطوسي 6|146 ح 255 .
وأقول : إن الشرع الاسلامي المقدس إذا كان يلزمنا بالتسوية بين الافراد في مجال الحقوق ، فلا يعني ـ إطلاقا ـ إلغاء السوابق ، وأثرها في مقام اولئك الذين
____________
(34) السنن الكبرى ، للبيهقي 6|364 .

( 39 )

سبقوا إلى الخيرات ، والمهاجرين الاولين ، والذين نصروا أيام العسرة .
إن الاثار الكريمة متضافرة في تكريم أولئك ، والمفاخرة بتلك السوابق ، فلا يستوي من آمن قبل الفتح وهاجر ، مع من دخل الاسلام على كره ، ومن أجل الاطماع ، كمسلمة الفتح ! .
4 ـ ومن فوائد ذلك المنهج :
أنه يكشف عن انتماءات الاسماء المدونة فيها ، وهو ما يفيد في بابه عند التباس بعض الانساب ، ويمكن الاستناد إلى التسميات لحل بعض المشاكل العالقة هناك .
الامر الثاني : ذكر الموالي :
كلمة « المولى » تطلق على عدة معان :
1 ـ فيقال : مولى فلان ، أو مولى بني فلان ، ويراد به مولى العتق ، أي من كان عبدا لهم ، وهذا هو الاغلب في إطلاق الكلمة .
2 ـ ويقال : مولى فلان ، ويراد به ولاء الاسلام ، أي أنه أسلم على يد فلان .
3 ـ ويقال : مولى فلان ، ويراد ولاء الحلف ، والموالاة ، والمنصارة ، لمن التحق بقبيلة وتحالف معهم بغرض التقوي بهم ، وهذا يتحقق عادة من الضعفاء أو المنقطعين أو المشردين .
4 ـ ويقال : مولى فلان ، لمجرد ملازمة الشخص لفلان ، كما يقال : مقسم مولى ابن عباس ، لملازمته إياه (35) .
وقد ذكر الفضيل الرسان اسم « زاهر » في قبيلة كندة ، باعتبار مصاحبته
____________
(35 ) انظر : علوم الحديث لابن الصلاح : 400 ـ 401 والمقدمة له : 202 .

( 40 )

لعمرو بن الحمق الخزاعي الكندي (36) .
وأضاف البلقيني في معاني « المولى » :
5 ـ مولى القبيلة : من استرضع فيهم (37) .
وقد ذكر الفضيل الرسان « عبد الله بن يقطر » رضيع الحسين عليه السلام في أهل البيت (38) .
6 ـ ومولى المولى ، ينسب إلى القبيلة ـ أيضا ـ (39) .
وقد دأب أرباب التسميات على ذكر الموالي مع قبائل من ينتمون إليهم بالولاء ، سواء ولاء العتق ، أو الحلف ، أو غير ذلك .
ولكن :
1 ـ يذكرون الموالي بعد الانتهاء من أسماء المنتمين إلى كل قبيلة أصالة .
2 ـ يصرحون مع ذكر الموالي ، بنوعية الولاء .
ولابد من توضيح عباراتهم في هذا المجال ، وهو مفيد أيضا في علم الرجال ، حيث أن الرجاليين يتداولون نفس هذه التعبيرات ، فنقول :
إذا أرادوا نسبة الشخص الى قبيلة أو بطن ، وكان من صلبها ومن أبنائها ، فلهم تعبيرات :
فربما قالوا : « فلان قرشي من أنفسهم » (40) أي منتم إلى قريش بالنسب .
وربما قالوا : « فلان صليب » (41) أي من صلب القبيلة .
وربما قالوا : « فلان قرشي » وأطلقوا ، فظاهره ، أنه من صلب القبيلة ، كما
____________
(36) تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام : رقم 80 .
(37) محاسن الاصطلاح : 203 .
(38) تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام : رقم 25 .
(39) محاسن الاصطلاح : 203 .
(40 ) انظر : طبقات ابن سعد 6|331 و334 و355 .
(41) رجال النجاشي : 187 رقم 497 .

( 41 )

قال ابن الصلاح : « الظاهر في المنسوب إلى القبيلة ، كما إذا قيل : « فلان القرشي » أنه منهم صليبة (42) .
وفي هذه الصور ـ كلها ـ ينتفي الولاء عن الشخص بكل معانيه .
وإن لم يكن الشخص من أبناء القبيلة ، وإنما كان منتميا إليها بشكل من أشكال الولاء الستة المذكورة ، فلا يقال فيه : « فلان القرشي » بالاطلاق ، بل لابد من تقييده بشكل الولاء .
فإن كان ولاء العتق ، قيل « مولاهم » أو « مولى فلان » ، وإطلاق هذا التعبير ينصرف إلى ولاء العتق عندهم .
وإن كان ولاء حلف ، قيل : « حليفهم » أو « حليف بني فلان » .
وإن كان ولاء صحبة قيل « صاحب فلان » لواحد من أفراد القبيلة كما مر في « زاهر » صاحب عمرو بن الحمق الخزاعي ، حيث ذكروه في كندة لان عمرا كندي ، بينما هو « أسلمي » النسب .
وإن كان ولاء ارتضاع ، قيل : « رضيع فلان » كما ذكروا « عبد الله بن يقطر » رضيع الحسين عليه السلام ، في أهل البيت .
ولنذكر أمثلة من التسميات التي بأيدينا :
ففي تسمية ابن أبي رافع :
ذكر في بني عبد المطلب :
16 ـ ربيعة
17 ـ أبو رافع
وقال : موليا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
أقول : والولاء ولاء عتق .
وفي بني مخزوم :
____________
(42) علوم الحديث : 400 ، المقدمة : 202 .

( 42 )

26 ـ عمار بن ياسر .
27 ـ محمد بن عمار .
وقال : وياسر كان قدم مكة ، وحالف أبا حذيفة المخزومي .
أقول : فعمار وابنه مخزوميان بالحلف ، فلذا يقال لعمار : حلف بني مخزوم ، فذكرا فيهم ، وهما من عنس من مذحج .
وفي تسمية عروة :
من الانصار من طريف بن الخزرج :
10 ـ بسبس الجهني ، حليف لهم (43) .
ومن الانصار :
72 ـ عبد الله بن طارق البلوي ، حليف لهم (44) .
أقول : واختلاف الانساب بين الجهني أو البلوي من جهة ، والانصاري أو الخزرجي ، من جهة أخرى ، يدل على أن عد الرجلين في الانصار ليس من جهة النسب ، وإنما هو للولاء .
وفي تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام للرسان الاسدي :
ذكر ثلاثة من الموالي مع أهل البيت عليهم السلام بالارقام (21 و22 و23) مصرحا مع كل منهم بأنه « مولى الحسين عليه السلام » ثم ذكر :
24 ـ الحارث بن تيهان ، مولى حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله .
25 ـ عبد الله بن يقطر ، رضيع الحسين بن علي عليه السلام .
وذكر في بني غفار :
33 ـ جون بن حوى ، مولى لابي ذر الغفاري .
وذكر في عبد القيس :
____________
(43) مغازي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لعروة : 148 ـ 149 .
(44) المصدر السابق : 154 .

( 43 )

47 ـ سالم ، مولى عامر بن مسلم .
وذكر في مراد :
69 ـ واضح الرومي ، غلام جنادة السلماني .
وذكر في صيدا :
75 ـ سعد ، مولى عمرو بن خالد الصيداوي .
وذكر في كلب :
77 ـ أسلم ، مولى لهم .
وذكر في كندة :
80 ـ زاهر ، صاحب عمرو بن الحمق الخزاعي .
وهكذا غيرهم (45) .
أقول : والاصل في الالتزام بعد الموالي مع أبناء القبيلة في مكان واحد وتحت عنوان واحد ، هو الوازع الديني ، فالاسلام جعل الموالي بمستوى المنسوبين إليهم في كثير من الامور ، نبذا للطبقية الممقوتة ، بل أعطى الموالي أحكام السادة في بعض التشريعات .
فقد ورد في الحديث الشريف بطرق عديدة : أن الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم منع مولاه أبا رافع عن العمل في جباية الصدقة ، وقال له : « يا أبا رافع ، إن الصدقة حرام على محمد وعلى آل محمد ، وإن مولى القوم من أنفسهم » (46) .
وفي نص آخر : « اجلس ، يا أبا رافع ، فإنه لا ينبغي لنا أن نأكل الصدقة » (47) .
____________
(45) لاحظ : تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام ، نشرة (تراثنا) ، العدد الثاني من السنة الاولى 1405 .
(46) الاسماء المبهمة ، للخطيب : 20 رقم 10 ، وانظر : الاصابة 1|29 .
(47) الاسماء المبهمة : 19 رقم 10 .