التسمياتطليعة المؤلفات في الحضارة الاسلاميةموضوعها ، ومنهج تأليفها ، وفهرست أسمائها . |
السيد محمد رضا الحسيني
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الانبياء وخاتم
المرسلين ، محمد الصادق الامين ، وعلى الائمة الاطهار المعصومين من آله المتقين ،
وعلى أتباعهم وأشياعهم أبد الابدين .
وبعد :
فإن مما وفقني له ربي ـ والحمد له على كل ما أنعم علينا من نعمه
الظاهرة والباطنة ـ : أني وقفت على اثنتين من نوادر التراث الاسلامي ، وهما :
1 ـ تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام ، للفضل بن الزبير الرسان
الاسدي الكوفي ، من أصحاب الامامين الباقر والصادق عليهما السلام .
2 ـ تسمية من شهد مع علي عليه السلام حروبه ، لعبيد الله بن أبي رافع
المدني ، كاتب الامام عليه السلام .
فتوفرت لي أسباب العمل فيهما ، وبذل ما يسعني من الجهد والتحقيق
حولهما .
ولقد لفت نظري فيهما أنهما يشتركان في العنوان ، فكل منهما يبدأ بكلمة « تسمية . . . » كما يشتركان في منهج عرض ما فيهما من المطالب .
وقد شعرت من خلال هذا الاشتراك أن أمرا ما لابد أن يكون هو سبب
هذا الاشتراك ، دون مجرد الصدفة .
وبعد المتابعة وجدت أن مؤلفات أخرى تحمل نفس هذا العنوان ، وتسير
على نفس هذا المنهج ، بما أمكن معه الاقتناع بأن هناك طورا خاصا من أطوار
التأليف تدعى كتبه « التسميات » وأن لها منهجا خاصا .
فما هو ذلك الطور ؟
وما هو ذلك المنهج ؟
وكم هي المؤلفات المعنونة بهذا العنوان ؟
وخلال عملي في الكتابين ، وقفت على أمور عديدة ، استدعت مني متابعة
أوفر ، وجهدا أكثر كانت ثمرته هذا البحث ، الذي أقدمه إلى إخوتي العلماء
والمحققين كي يسهموا في بلورته ، دعما لهذا الطور من التراث المجيد .
وتلك الامور نبحثها تحت الابواب التالية :
1 ـ متى بدأ عنوان « التسمية » للمؤلفات ؟ وإلى م استمر ؟
2 ـ ما هو أول كتاب ألف بهذا العنوان ؟
3 ـ في أي من العلوم الاسلامية ، تصنف هذه الكتب ؟
4 ـ هل للتسميات منهج محدد ، أو خط مشترك ؟
5 ـ كيف يستفاد من هذه الكتب ؟
6 ـ دليل بما وقفنا عليه من أسماء هذه الكتب .
ومما ينبغي إلفات النظر إليه أن هذا البحث إذا لم يكن قد استوفى حقه
من الاشباع ، فذلك لكونه مبتكرا ، غير مسبوق بشيء من قبل أهل الفن ، وحسب
ذلك عذرا مقبولا عند كرام الناس .
والحمد لله على هذا التوفيق ، ونسأله العصمة عن الزلل والخطأ ، إنه|
وكتب السيد محمد رضا الحسيني |
إن المؤلفات والكتب ـ تارة ـ تأخذ أسماءها من موضوعاتها التي تبحث
فيها .
وـ أخرى ـ يجعل لها اسم وعنوان خاص .
فمن الاول :
مؤلفات في الحديث الشريف ، يسمى الواحد منها بـ « حديث فلان »
مضافا إلى راويه ، أو مؤلفه ، وكذلك « تفسير القرآن » وقد يقال « تفسير فلان »
مضافا إلى مؤلفه .
وهذا القسم من المؤلفات سماه شيخنا العلامة الطهراني بالاسم
« النوعي » ونسميه نحن الاسم « الموضوعي » للكتاب ، لانه اسم مأخوذ من موضوعه
الذي يبحث فيه ، كما قلنا .
وقد جرى رواد التأليف عند المسلمين على هذا الطرز ، فأكثر ما بأيدينا
من كتبهم ومؤلفاتهم تجد في عناوينها وأسمائها ذكر موضوعاتها بوضوح .
وقد يضاف على عنوان الكتاب ، كلمة « جزء » أو « صحيفة » أو
« كتاب » فيقال : جزء فلان في الحديث ، أو : صحيفة فلان في الحديث ، أو :
كتاب فلان في التفسير ، وهكذا .
أو : كتاب الحديث ، أو : كتاب التفسير ، أو : جزء الطب ، وهكذا .
وقد يأخذ العنوان اسم قسم من الموضوع العام ، كما تسمى بعض الكتب
بـ « المسند » باعتبار أن « المسند » هو واحد من أنواع الحديث وكذلك الكتب
المسماة بـ « الصحيح » أو « الغريب » .
وكذلك : « غريب القرآن » ، الذي هو نوع من تفسير القرآن ، وتأويل
مشكل القرآن ، أو الناسخ والمنسوخ ، أو ما نزل من القرآن في كذا ، أو أسباب
النزول . . .
فكل هذه الاسماء التي تسمى بها الكتب ، هي معبرة عن موضوعات تلك
الكتب .
ومن الثاني :
ما هو المتداول ـ حتى اليوم ـ من وضع عناوين خاصة للكتب ، وقد
سماه شيخنا العلامة الطهراني بالاسم « العلمي » للكتاب ، نسبة إلى « العلم »
الذي هو من أقسام المعارف عند اللغويين والنحاة ، باعتبار أن ذلك الاسم قد
وضعه مؤلفه علما على كتابه ، كما يسمى كل شخص باسم يعتبر علما واسما له .
ولا ريب أن هذا الطرز من أسماء الكتب ، متأخر ـ وجودا ـ عن الطرز
الاول ، والدليل على ذلك : أن أكثر الكتب والمؤلفات المأثورة عن القدماء
لا يحمل عنوانا علميا خاصا ، بل غالبها يحمل الاسم الموضوعي العام ، وحتى القليل
من مؤلفات القدماء ، الذي يحمل اسما علميا مثل « الصحيفة الصادقة » المنسوبة
إلى عبد الله بن عمرو ، فإن هذا العنوان لا يعدو أن يكون صفة وصفت بها
الصحيفة .
كما أنا كلما توغلنا في السنين الهجرية نشاهد وجود الكتب الحاملة
للعناوين العلمية ، والاسماء الخاصة ، بكثرة ملحوظة .
وعلى هذا :
فلابد أن يصاغ السؤال على النحو الاتي : متى بدأ العنوان العلمي
للكتب ؟
ونحن لا نبحث عن هذا فعلا ، فإن الاجابة عليه تستدعي جهدا خاصا ، له
مجاله الخاص ، وأهله المختصون .
وعنوان « التسمية » هو من الطرز الاول فإن كلمة « التسمية » لها
إطلاقات :
فقد تطلق : « التسمية » من الفعل سمى يسمي : بمعنى وضع الاسم
للشخص ، أو الشئ ، مثل : سمى فلان ابنه زيدا ، أو بزيد .
وبهذا الاطلاق ألف الوحيد البهباني كتاب « تسمية بعض الائمة
أولادهم بأسماء الجائرين » (1) وكذلك الميرزا التنكابني كتاب « تسمية الائمة
أولادهم بأسماء الخلفاء وذكر عللها » (2) .
وقد تطلق « التسمية » من الفعل سمى يسمي : بمعنى ذكر اسم
الشخص ، مثل : سمى فلان إخوته ، أي ذكر أسماءهم .
وقد اعترف اللغويون بهذين المعنيين ، وهما مستعملان عند العرف العام
أيضا .
ولكلمة « التسمية » إطلاق خاص عند بعض الفقهاء ، وبعض علماء
القرآن ، وهو خصوص تلاوة آية « بسم الله الرحمن الرحيم » .
وقد ورد هذا الاطلاق في أسماء بعض المؤلفات :
مثل كتاب « التسمية في فقه أهل البيت عليهم السلام بالاخبار » لابن
عقدة الحافظ الكوفي (3) .
وكتابان بعنوان « رسالة في التسمية » وردا في فهرس مكتبة برلين بألمانيا
الغربية ، برقمي 2261 و3264 .
وقد عبر الرشداني (ت 593) عن « بسم الله الرحمن الرحيم » بكلمة
« التسمية » وكذلك من تبعه من شراحه والمعلقين عليه مثل : ابن همام في
« فتح القدير » والخوارزمي في « الكفاية » والبابرتي في « العناية » وسعدي جلبي
في « حاشيته » انظر جميع ذلك في فتح القدير (4) .
وقال الجزيري في سنن القراءة في الصلاة : ومنها « التسمية » في كل
ركعة قبل الفاتحة ، بأن يقول : « بسم الله الرحمن الرحيم » وهي سنة عند الحنفية
ولكن الاشهر إطلاق كلمة « البسملة » على هذه الاية ، وتلاوتها ، يقال :
بسمل يبسمل بسملة ، إذا قرأ « بسم الله الرحمن الرحيم » .
وعلى كل حال : فإن هذا الاطلاق ، ليس إلا من المعنى اللغوي الثاني مع
التحديد بذكر الاية المذكورة ، فالتسمية هنا بمعنى ذكر اسم الله تعالى بالخصوص .
ومن ذلك ما ورد في الحديث ، من قوله عليه الصلاة والسلام : « سموا ،
وسمتوا ، ودنوا » قال ابن منظور : أي كلما أكلتم بين لقمتين ، فسموا الله
عزو وجل (6) .
وعنوان « التسمية » في كتب « التسميات » ليس بالاطلاق الثالث ، كما
هو واضح .
وليس هو بالاطلاق الاول ، لان مؤلفيها لم يريدوا أن يضعوا أسماء لمن
جاء ذكرهم في تلك الكتب .
وإنما هو بالاطلاق الثاني ، أي بمعنى ذكر الاسماء .
فإن تلك الكتب تسرد أسماء المذكورين في واقعة أو حادثة ونحو ذلك ،
كما سيأتي مفصلا .
فعنوان « التسمية » يؤدي بوضوح « موضوع » هذه الكتب ومحتواها ، من
دون زيادة أو نقيصة .
فهذا العنوان ليس إلا « اسما موضوعيا » لهذه الكتب ، وقد عرفت أن
ذلك هو الطرز الاول الذي كانت عليه أقدم المؤلفات .
أما أقدم كتاب حمل عنوان « التسمية » فسيأتي بيانه في الباب التالي .
وأما آخر ما عثرنا عليه فهو « تسمية من عرفن ممن أبهم في العمدة » لابن حجر
العسقلاني ، المتوفى سنة 852 .
يعد الاعلام ـ من مفهرسي الكتب ـ كتاب « تسمية من شهد مع
علي عليه السلام حروبه » لعبيد الله بن أبي رافع ، أول كتاب في موضوعه (7) .
يقول شيخنا العلامة المولى آغا بزرك الطهراني ، شيخ الفهرسة الشيعية في
كتابه العظيم « الذريعة إلى تصانيف الشيعة » : « كتاب تسمية من شهد . . . »
[ مؤلفه ] هو أول من صنف في الاسلام ، في أسماء الرجال . . . . (8) .
ويقول ـ أيضا ـ : هو أول من صنف في المغازي ، والسير والرجال ،
في الاسلام ، لم نعرف من سبقه فيه ، لانه كتبه في عصر أمير المؤمنين عليه السلام
الذي استشهد سنة الاربعين من الهجرة (9) .
ويقول ـ أيضا ـ : هو أول من دون أسماء الرجال ، لانه كان في عصر
أمير المؤمنين عليه السلام وكان كاتبه (10) .
فالشيخ الطهراني رحمه الله ، يؤكد على أمرين :
1 ـ أن ابن أبي رافع هو أول من صنف ، وأن كتابه « التسمية » هو
أول كتاب في موضوعه .
2 ـ أن الكتاب قد تم تأليفه في عهد الامام أمير المؤمنين عليه السلام قبل
سنة 40 للهجرة .
والعلامة المحقق في تاريخ العلوم ، السيد حسن الصدر الكاظمي في كتابه
العظيم « تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام » يقول في ابن أبي رافع : أول من صنف
وبعد أن ذكر تصنيف محمد بن إسحاق (ت 151) وكذلك عروة بن
الزبير (ت 94) قال : فعبيد الله بن أبي رافع تقدمهما في تصنيفه المذكور على كل
حال ، فهو أول من صنف في السير والمغازي (12) .
والدليل على مدعاه : أن ابن أبي رافع « صنف ذلك في عهد أمير المؤمنين
عليه السلام » (13) .
فالسيد الصدر يؤكد على نفس ما ذكره الشيخ الطهراني ، من :
1 ـ أن ابن أبي رافع ، هو أول من صنف ، وأن كتابه « التسمية » هو
أول مصنف في موضوعه .
2 ـ أنه صنفه على عهد الامام عليه السلام .
نقول :
أما الامر الاول ـ مما أكدا عليه ـ فهو ما نهتم للتوصل إلى معرفة الحق
فيه ، هنا ، في هذا الباب ، وسنذكر رأينا في نهايته .
وأما الامر الثاني :
فبالرغم من تأكيد هذين العلمين عليه ، فإنا لم نتمكن من قبول دليلهما
عليه ، خاصة بعد وقوفنا على نص كتاب ابن أبي رافع ، حيث لم نجد فيه أدنى
إشارة إلى أن تأليفه قد تم في عهد الامام عليه السلام وقبل استشهاده .
بل ، على العكس من ذلك ، فإن في الكتاب قرائن تشير إلى تأخر تأليفه
عن ذلك العهد ، حيث اشتمل الكتاب على حوادث متأخرة زمنيا ، كقضية شهادة
حجر بن عدي رضي الله عنه .
وبالنسبة إلى الامر الاول نقول :
ظاهر ما بأيدينا من المؤلفات الاولى يؤيد ما قاله العلمان المذكوران ، فإن
المؤلفين المعروفين في المغازي والسير كلهم متأخرون عن عصر ابن أبي رافع وفاة .
فقد حددت وفاة ابن أبي رافع بحوالي سنة 80 هـ (14) ، بينما نجد أقدم من
عرف له تأليف في المغازي ، وهو عروة بن الزبير ، قد توفي سنة 93 على أقل تقدير ،
أو سنة 94 أو سنة 96 (15) وقد ذكر خليفة : أنه يقال : إنه ـ يعني عروة ـ أول من ألف في السيرة (16) .
ونقله الدكتور الاعظمي ، عن السخاوي في كتابه « الاعلان بالتوبيخ »
ص 48 (17) .
وأكد ذلك ، مارسدن جونسن ، وقاله : إنه هو أول من دون السيرة بشكلها
الذي عرف فيما بعد (18) .
ووافقه الاعظمي ، ثم أضاف : قد أطبق الكتاب والمؤلفون ـ من القرن
الثاني ، حتى الان ـ على أن عروة بن الزبير كتب شيئا عن المغازي ، بل ألف
كتابا في المغازي (19) .
ونقول:
إن كان المراد بكلمة « المغازي » خصوص مغازي رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم ـ كما هو ظاهر الكلمة ، والمنصرف منها عند إطلاقها ، أو بقرينة
البحث عن عروة ـ فذلك أمر يعود التحقيق فيه إلى أهله .
وأما إذا كان المراد به مطلق الغزوات ، بما يشمل الحروب التي وقعت في
وقد اعترف الدكتور الاعظمي بأن في المؤرخين من تقدم على عروة في كتابه التاريخ ، وذكر منهم ابن أبي رافع ، الذي حدد وفاته نحو سنة 80 ، وذكر
كتابه « تسمية من شهد مع علي عليه السلام حروبه » (20) .
وأما في خصوص السابق من التسميات : فلا ريب في أن ابن أبي رافع ،
هو أقدم من عرف كتابه بهذا العنوان .
هذا :
ولكنا وقفنا على نص يفيدنا أن كتابا يحمل اسم « التسمية » قد سبق
وجوده بعهد طويل ، وأنه من « إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم »
و« وخط علي عليه السلام » فاقرأ معي النص التالي ، الذي رواه الطبري
الامامي ، في كتاب « مسند فاطمة » :
قال : حدثني أبو الحسين ، محمد بن هارون ، قال : حدثنا أبي هارون بن
موسى بن أحمد ، قال : حدثنا أبو علي الحسن بن محمد النهاوندي ، قال : حدثنا
أبو جعفر محمد بن إبراهيم بن عبد الله القمي القطان المعروف بابن الخزاز ، قال :
حدثنا محمد بن زياد ، عن أبي عبد الله الخراساني ، قال : حدثنا أبو حسان سعيد بن
جناح عن مسعدة بن صدقة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال :
قلت له : جعلت فداك ، هل كان أمير المؤمنين يعلم أصحاب القائم ، كما كان يعلم
عدتهم ؟
قال أبو عبد الله : حدثني أبي ، قال : لقد كان يعرفهم بأسمائهم ، وأسماء
آبائهم ، وقبائلهم ، رجلا فرجلا ، ومواضع منازلهم ، ومراتبهم .
فكل ما عرفه أمير المؤمنين عرفه الحسن ، وكل ما عرفه الحسن فقد صار
قال أبو بصير ، قلت : مكتوب ؟
قال : فقال أبو عبد الله : مكتوب في كتاب ، محفوظ في القلب ، مثبت في
الذكر ، لا ينسى .
قال : قلت : جعلت فداك ، أخبرني بعددهم ، وبلدانهم ، ومواضعهم .
فقال : إذا كان يوم الجمعة ، بعد الصلاة فأتني .
قال : فلما كان يوم الجمعة أتيته ، فقال : يا أبا بصير ، أتيتنا لما سألتنا عنه ؟
قلت : نعم ، جعلت فداك .
قال : إنك لا تحفظ ، فأين صاحبك الذي يكتب لك ؟
فقلت : أظن شغله شاغل ، وكرهت أن أتأخر عن وقت حاجتي .
فقال لرجل ـ في مجلسه ـ : أكتب : هذا ما أملاه رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم على أمير المؤمنين ، وأودعه إياه من : « تسمية أصحاب المهدي ، وعدة
من يوافيه من المفقودين عن فرشهم ، وقبائلهم ، والسائرين في ليلهم ونهارهم إلى
مكة » (21) .
وهذا النص صريح في أنه كان « مكتوبا » وأنه قد دون في « كتاب »
والامام يؤكد على أبي بصير أن يتحمله « كتابة » بالرغم من كونه فاقد البصر ،
فيأمر شخصا أن « يكتبه » له .
مضافا إلى أنه « إملاء » من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد
أثبتنا في مجال آخر : أن الاملاء لا يطلق ـ اصطلاحا ـ إلا إذا كان الشخص
المملى عليه مشتغلا بكتابة ما يلقى إليه ، وأن مجرد الالقاء على الشخص من دون
كل ذلك يدل على أن المذكور إنما هو كتاب مسجل منذ عهد الرسول
صلى الله عليه وآله وسلم ومن كلامه ، وبخط الامام علي عليه السلام .
لكن يبقى تعيين مبدأ المكتوب الذي أملاه الرسول صلى الله عليه وآله
وسلم وكتبه الامام علي عليه السلام .
فالظاهر أن قوله : « من تسمية . . . » بيان لقوله : « هذا إملاء » فيكون
بداية المملى هو قوله : « تسمية أصحاب المهدي . . . » وتكون كلمة « تسمية » من
كلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي أملاه ، وهي بداية ما كتبه الامام
علي عليه السلام بخطه .
وبناء على ذلك فيكون أقدم كتاب مدون ، بعنوان « التسمية » في تاريخ
الاسلام هو « تسمية أصحاب المهدي ، وعدة من يوافيه من المفقودين عن فرشهم ،
وقبائلهم والسائرين في ليلهم ونهارهم إلى مكة » .
إن تصنيف الكتب يتبع موقعها من العلوم المتنوعة ، وحسب طبقاتها
المختلفة ، ففي أي علم تندرج التسميات ، وفي أية طبقة تصنف ؟
فشيخ مشايخ الحديث في القرن الماضي ، المتفرغ لتاريخ علم الرجال
شيخنا العلامة الطهراني ، صنف كتاب « تسمية من شهد مع علي حروبه » لابن
أبي رافع ، في كتب الرجال ، وعده منها .
وعلى هذا الاساس ذكره في كتابه « مصفى المقال في مصنفي علم
الرجال » وقال :
عبيد الله بن أبي رافع ، (القرن الاول)
كاتب أمير المؤمنين عليه السلام ، له كتاب « قضايا أمير المؤمنين » وكتاب
« تسمية من شهد مع أمير المؤمنين الجمل وصفين والنهروان من أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم » ذكره الشيخ في « الفهرست » وذكر إسناده في رواية
الكتاب عن عبيد الله المذكور .
أقول : هو أول من دون أسماء الرجال ، لانه كان في عصر أمير المؤمنين
عليه السلام ، وكان كاتبه ، وأبوه رافع شهد حروب أمير المؤمنين عليه السلام
كلها ، واقتصر من ترجمة الرجال وتسميتهم على خصوص (23) الصحابة ، واقتصر
من بينهم على خصوص من شهد حروب أمير المؤمنين عليه السلام ، لغرض
إتمام الحجة على بعض الضعفاء والجاهلين لاحقية الامير عليه السلام ، فلو قصروا عن
مشاهدة دلائل أحقيته ، فلينظروا إلى من تابعه ، وشايعه ، وفدى بنفسه في نصرته ،
وحمايته ، ممن لا ريب فيهم ، وهذا هو الجدال بالاحسن مع من كان في ذلك
العصر من المخالفين ، كما قاله إمام القراء والمفسرين أبو سعيد أبان بن تغلب ، وأورد
حديثه النجاشي (24) .
وكذلك صنع في كتابه الذريعة ، فقال : هو أول من صنف في الاسلام
في أسماء الرجال الذين شايعوا أمير المؤمنين ، وعنون له هنا برجال ابن أبي رافع (25) .
ولكنه أضاف على علم الرجال علمي المغازي والسير ، فقال في الذريعة :
هو ـ أي عبيد الله ـ أول من صنف في المغازي والسير والرجال ، في الاسلام لم
نعرف من سبقه فيه (26) .
فالشيخ الطهراني صنف كتاب التسمية لابن أبي رافع ، في علم الرجال ،
لكن السيد الصدر ، لم يذكر في علم الرجال ، وإنما ذكره في علم السير
والاثار الاسلامية والمغازي ، وهو الصحيفة الاولى من الفصل السابع من كتابه
العظيم « تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام » قال : أول من وضعه وصنف فيه عبيد الله
ابن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، صنف كتاب « تسمية من
شهد من الصحابة مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام » (27) .
وذكر بعد ذلك أول من أسس علم الرجال وهو عبد الله بن جبلة
الكناني .
والدكتور محمد مصطفى الاعظمي : ذكر كتاب « التسمية » لابن
أبي رافع ، ضمن الكتب التي تم تدوينها في التأريخ العام (28) .
ولكنه أدرج ما ورد عن عروة بن الزبير ـ خاصة ـ من « التسميات »
في كتاب جمعه باسم « مغازي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعروة » ،
وهي :
تسمية من شهد العقبة الاخيرة من الانصار ، ص 126 .
تسمية من شهد بدرا ، ص 147 .
تسمية من شهد بدرا ـ أيضا ـ ص 158 .
تسمية من لم يشهد بدرا ، وضرب له بسهمه ، ص 160 .
تسمية من استشهد يوم أحد ، ص 172 .
تسمية من استشهد بخيبر ، ص 199 .
تسمية من استشهد بمؤتة ، ص 206 .
تسمية من استشهد يوم حنين ، ص 219 .
ومع أن بعض هذه التسميات ، قد وردت في المصادر القديمة بعنوان
« التسمية » إلا أن منها ما عنون لها الدكتور من عند نفسه ، وسماها بالتسمية ،
نظرا إلى أنها تحتوي على تعداد الاسماء ، من دون توجه إلى أن مثل هذا العنوان له
أهمية تراثية ، ومن المحتمل أن يكون كل ما عنون به كتابا مستقلا ، وليس من
حق أحدنا أن يفتعل مثل هذا العنوان من عند نفسه .
إلا أن عمل الدكتور يدل على أنه اعتبر هذه « التسميات » من علم
« المغازي » .
لكن من الواضح أن « المغازي » يعتبر في تصنيف العلوم علما برأسه له
خصوصياته وشؤونه ومؤلفاته ، ومؤلفوه ، وإن كان مندرجا في « السيرة النبوية » من
جهة عامة ، حيث أن السيرة تستوعب حياة الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله
وسلم في كل فترات السلم والحرب ، وما يتصل بأخلاقه وتصرفاته وشؤونه
الخاصة ، ومواجهاته ولقاءاته ومحادثاته ، وحياته العامة الشريفة (29) مع أن بعض
« التسميات » إذا كان يدور حول بعض الغزوات ، فإن منها ما لا يرتبط بشيء منها
مثل « تسمية من شهد العقبة » فهي تدخل في علم السيرة ، ولايصح إدراجها في
« المغازي » بأي وجه ، فهو على الاقل أخص من علم « السيرة » .
نعم ، قد نقف أمام عقبة عندما نرى الواقدي قد ضمن في كتابه
« المغازي » التسميات التالية :
1 ـ تسمية من خرج مع عبد الله بن جحش في سريته ، 1|19 .
2 ـ تسمية المطعمين في طريق بدر من المشركين ، 1|144 .
3 ـ تسمية من استشهد من المسلمين ببدر ، 1|145 ـ 147 .
4 ـ تسمية من قتل من المشركين ببدر ، 1|147 ـ 152 .
5 ـ تسمية من شهد بدرا من قريش والانصار ، ص 152 ـ 172 .
6 ـ تسمية من قتل من المشركين (بأحد) ، 1|307 ـ 309 .
7 ـ تسمية من استشهد من قريش (في بئر معونة) ، 1|352 ـ 353 .
8 ـ تسمية سهمان الكتيبة ، 2|693 .
9 ـ تسمية من استشهد بخيبر ، 2|699 ـ 700 .
10 ـ تسمية من استشهد بحنين ، 3|922 .
11 ـ تسمية من استشهد بالطائف ، 3|938 .
ولكن لا نستبعد أن يكون الواقدي قد استفاد من بعض من سبقه ممن
ألف تسميات مستقلة في تلك المواضيع فأدرجها في كتابه المغازي ، ولو كان قد
جمعها هو ، فإن تضمينها كتابه الكبير ، لا يؤدي إلى خلل فيما نحن بصدده ، لانه اتبع
نفس المنهج الذي سنفصله فيما بعد ، للتسميات المستقلة .
وعلى كل حال فهذه « التسميات » الواقدية ، لا شك في كونها ضمنية ،
إلا أنه ليس فيها شيء مما يخرج عن موضوع المغازي ولذلك أدرجها في كتابه
الخاص بها .
والرأي الاقرب إلى الصواب ، في هذا الباب ، هو :
أن تعدد الاتجاه الموضوعي في الكتاب الواحد ، لا يمنع ـ مطلقا ـ من أن
يكون التركيز في وجهة الكتاب على بعض الموضوعات وبعض العلوم خاصة ، وعلى
ذلك فليس من الصائب تصنيف ذلك الكتاب في جميع تلك العلوم ، بمجرد اتجاه
بسيط فيه إليها ، بل لابد من تصنيفه في العلم الاكثر تركيزا فيه عليه ، وإن كان
تعيين العلم الذي يلحق الكتاب به في التصنيف ، أمرا شاقا ، أحيانا ، يستدعي دقة
فائقة وجهدا عميقا .
وكتب « التسميات » لابد من أن تصنف على أساس الجهة الجامعة بين
كل « التسميات » وهي السمة المشتركة بين جميع ما يحمل هذا العنوان ، والتي
توجد بوضوح في جميعها .
ويمكن تحديد ذلك الجامع من خلال ملاحظة ما أوردناه في توضيح عنوان
« التسمية » وهو أن كل واحد من هذه الكتب إنما يتصدى لذكر الاسماء
لمسميات معينة .
وهذا في حد ذاته يقرب أن تكون كتب « التسميات » من كتب علم
الرجال الشامل لتراجم الاعلام ، ورواة الحديث المذكورين في أعمدة الاسانيد .
ولو تجاوزنا عددا قليلا من كتب التسميات ، مما لا يرتبط بالرجال بل
تتصدى لتسمية بعض الجمادات ، وهي أربعة فقط :
1 ـ تسمية الارضين .
2 ـ تسمية البيع والديارات .
3 ـ تسمية سهمان الكتيبة .
4 ـ تسمية الكتب التي رواها بعضهم .
لو تجاوزنا هذه الاربعة ، فإن باقي كتب « التسمية » وهي تنوف على
التسعين كله تختص بتعداد أسماء الاشخاص والاعلام والرواة .
وهذا يؤكد على أن المهمة الاساسية للتسميات ، إنما هي ما يهدف من
علم الرجال وتراجم الاعلام ، فيجب أن تصنف في هذا العلم .
وهذا هو ما صنعه شيخنا العلامة الطهراني ، فعد بعض التسميات من
مؤلفات علم الرجال ، وعد مؤلفه من مصنفي ذلك العلم .
ونعم ما صنع ، فإن مراده بعنوان « علم الرجال » إنما هو علم تراجم
الاعلام والشخصيات بما يشمل رواة الاحاديث .
ولذا فإن ما قد يتخيله بعض المتطفلين على علم الرجال من الاعتراض
على ساحة شيخنا العلامة ، بأن عد كتاب « تسمية من شهد مع علي حروبه »
لابن أبي رافع ، من كتب الرجال ، غير صحيح ، لانه كتاب في التاريخ .
اعتراض واه ، لم يصدر ممن يزن الامور بموازين العلم والمعرفة .
فإن علم الرجال ، وإن أصبح عند المتأخرين خاصا بأحوال رواة
وإلا ، فعلم الرجال هو العلم الشامل لمعرفة ما يتعلق بأحوال الاعلام
كافة ، والمعاجم وكتب الرجال القديمة على ذلك كان منهجها .
وقد بقيت آثار ذلك الشمول في كتب الرجال المتأخرة أيضا ، فكثيرا ما
يترجمون لمن لا رواية له ، سوى أنه من أعلام العلماء ، وإذا سئل أحدهم عن سبب
ذلك ، لم يجر جوابا إلا أن يتذرع بفعل الاقدمين .
نعم ، لو أريد بعلم الرجال ، خصوص ما تعورف عند المتأخرين من أنه
علم أحوال رواة الحديث ، فإن « التسميات » ـ وإن كان منها ما حمل عنوان
« تسمية من روى . . . . » ـ إلا أن ذلك ليس هو الجامع المشترك بين كل
« التسميات » .
وكذلك تصنيف كتب « التسميات » في علوم « المغازي » أو « السيرة »
أو « التأريخ العام » حيث أن بعض كتب « التسمية » يختص بوقائع خاصة من
صميم المغازي ، أو بقضايا من السيرة ، أو بامور وحوادث من التأريخ العام ، فإن
ذلك خاص بتلك الكتب ، وليس أمرا مشتركا بين كل « التسميات » فلا يكون
عدها من مقولة تلك العلوم جاريا على أساس التصنيف العلمي ، الذي يقتضي ما
ذكرناه .
من خلال مزوالتنا لعدة من « التسميات » المتوفرة لدينا ، ومنها :
1 ـ تسمية من شهد مع علي عليه السلام حروبه ، لابن أبي رافع المدني .
2 ـ تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام ، للفضيل بن الزبير الرسان
الكوفي .
3 ـ تسميات عروة بن الزبير ، المنقولة في المصادر .
4 ـ تسميات ابن إسحاق ، الواردة في سيرة ابن هشام .
5 ـ تسميات الواقدي ، الواردة في المغازي .
توصلنا إلى اشتراكها في العرض ، وتقاربهما في النسق ، مما دعانا إلى
الاعتقاد بأن ثمة « منهجا متحدا » تسير عليه كل التسميات .
وقد حاولنا كشف هذا المنهج الموحد المشترك ، فتوصلنا إلى عناصر ثلاثة
تشكل قوام ذلك المنهج ، وهي :
1 ـ تنظيم الاسماء على القبائل والبطون والافخاذ والفروع .
2 ـ ذكر الموالي مع اصول القبائل .
3 ـ التلفيق في المتون واختزال الاسانيد .
دأب مؤلفو التسميات على سرد الاسماء متتابعة ، مقتصرين غالبا على
الاسم الثنائي ، أي اسم الشخص واسم أبيه فقط ، من دون وصف غالبا ، أو مع
وصف بسيط أحيانا ، لكن من دون التفصيل في أحواله ، إلا فيما يرتبط بشؤون
موضوع التسمية نفسها .
ولكنهم ينظمون قائمة الاسماء ، حسب الانتماءات القبلية ، ثم يقسمونها
على البطون المتشعبة من القبيلة ، ثم يوزعونها على الافخاذ والفروع من كل بطن ،
وهكذا . . . فيذكرون تحت كل فرع ، مايلزم من الاسماء المنتمية إليه .
وقد تنبه الدكتور الاعظمي إلى هذا ، فقال في خصوص ما يرتبط
بكتابات عروة بن الزبير .
لقد أعطى أهمية خاصة للانساب في السيرة ، فعند ما يذكر المشتركين في الغزوات ، أو الشهداء فيها ، لا يسرد مجرد أسمائهم ، بل يذكر أنسابهم
مفصلا (30) .
وقال : لا يكتفي بالاسم ، بل يذكر القبائل والبطون ، فيعطي أهمية كبيرة
أقول : بل هذا هو منهج كل التسميات ، قبل عروة ، وبعد عروة ، فابن أبي رافع (توفي نحو سنة 80 ه) قد طبق هذا المنهج بشكل دقيق جدا في « تسمية
من شهد مع علي عليه السلام حروبه » .
حيث قسم كتاب إلى خمسة أقسام :
1 ـ القرشيين .
2 ـ الانصار البدريين .
3 ـ الانصار ممن لم يشهدوا بدرا .
4 ـ المهاجرين .
5 ـ التابعين .
ثم ذكر تحت العنوان الاول ، القرشيين : ثمانية بطون :|
1 ـ من بني عبد المطلب 2 ـ من بني المطلب 3 ـ من بني عبد شمس 4 ـ من بني زهرة 5 ـ من بني تيم 6 ـ من بني مخزوم 7 ـ من بني جمح 8 ـ من بني عامر |
17 شخصاً شخصان شخص واحد ثلاثة أشخاص شخصان أربعة أشخاص شخصان ثلاثة أشخاص |
وذكر تحت العنوان الثاني ، الانصار البدريين : أحد عشر بطنا :|
1 ـ من بني مالك بن النجار |
سبعة أشخاص |
|
2 ـ من بني مازن 3 ـ من بني دينار 4 ـ من بني الحارث بن الخزرج 5 ـ من بني ساعدة 6 ـ من بني عوف بن الخزرج 7 ـ من بني سلمة 8 ـ من بني زريق 9 ـ من بني بياضة 10 ـ من بني عمرو بن عوف 11 ـ من بني عبد الاشهل |
ثلاثة أشخاص أربعة أشخاص ثلاثة أشخاص ثلاثة أشخاص أربعة أشخاص ستة أشخاص أربعة أشخاص ثلاثة أشخاص خمسة أشخاص ستة أشخاص |
وذكر تحت العنوان الثالث ، الانصار غير البدريين : عدة أسماء ، تبلغ 62
شخصا .
وذكر تحت العنوان الرابع ، المهاجرين : ثلاث قبائل :|
1 ـ من خزاعة 2 ـ من بني أسلم 3 ـ ومن غيرهم |
شخصان أربعة أشخاص تسعة أشخاص |
وذكر تحت العنوان الخامس ، التابعين : عدة أسماء ، تبلغ 13 شخصا .
وكذلك الفضيل بن الزبير الاسدي الرسان (ت بعد 145) قد رتب
تسميته على نفس المنهج ، وذكر فيه :
1 ـ الشهداء من آل البيت عليهم السلام ومواليهم 25 شخصا .
2 ـ من بني أسد بن خزيمة .
3 ـ من بني غفار بن مليل بن ضمرة .
4 ـ ومن بني تميم .
5 ـ ومن بني سعد بن بكر .
6 ـ ومن بني تغلب .
7 ـ ومن قيس بن ثعلبة .
8 ـ ومن عبد القيس ـ من أهل البصرة ـ .
9 ـ ومن الانصار (ستة أشخاص) .
10 ـ ومن بني الحارث بن كعب .
11 ـ ومن بني خثعم .
12 ـ ومن تيم الله بن ثعلبة .
13 ـ ومن عبد الله .
14 ـ ومن طيء .
15 ـ ومن مراد .
16 ـ ومن بني شيبان بن ثعلبة .
17 ـ ومن بني حنيفة .
18 ـ ومن جوأب .
19 ـ ومن صيداء .
20 ـ ومن كلب .
21 ـ ومن كندة .
22 ـ ومن بجيلة .
23 ـ ومن بني راسب .
24 ـ ومن خرقة جهينة .
25 ـ ومن الازد .
26 ـ ومن همدان .
27 ـ وذكر من ارتث في الحرب .
فنجد هاتين التسميتين ذكر اسم القبيلة العام ، وذكر البطون واحدا
بعد واحد ، ثم تعداد الاسماء متتابعة .
وهذا ما ورد في تسميات ابن إسحاق ، والواقدي ـ أيضا ـ .
وكذلك في تسمية عروة ، إلا أن المنقول عنه ـ في الروايات المتأخرة ـ
يختلف شيئا ما عن ذلك .
وأظن ـ قويا ـ أن أصل تسمية عروة ، كان كسائر التسميات منظما
على هذا المنهج ، من دون تكرار ، كما رأيناه في ما سبقه عند ابن أبي رافع ، وما لحقه
عند الفضيل الرسان ، إلا أن الرواة لما نقلوا عن عروة ما أورده في كتب
تسمياته ، غيروها عما كانت عليه .
وعلى كل حال : فإن ما ذكر لا يؤثر شيئا فيما توصلنا إليه من منهج كتب
التسمية ، وأنها تعتمد على سرد الاسماء على التنظيم الذي شرحناه .
وهذ واضح لمن راجع واحدا من التسميات الكاملة ، الموجودة .
يبقى في المقام :
بيان وجه الاعتماد على هذا المنهج في كتب « التسميات » والفوائد
العلمية المترتبة على ذلك :
1 ـ وقبل كل شئ ، يبدو أثر هذا المنهج في اختصار كتب التسمية ،
إلى حد كبير ، وخلوها من التكرار الممل .
فإذا أريد ذكر أسماء عديدة من قبيلة واحدة ، ومن بطن واحد منها ، فإن
هذا المنهج يذكر اسم القبيلة ثم البطن مرة واحدة ، ويذكر تحتهما كل تلك الاسماء
في مكان واحد متتابعة كما فعل ابن أبي رافع ، فقال :
من الانصار البدريين .
من بني مالك بن دينار .
ثم ذكر سبعة أسماء ، متتابعة .
ولو أراد أن يذكر كل واحد مستقلا ، لزمه أن يذكر مع كل واحد اسم
القبيلة وعنوانها ، ثم اسم البطن وما يحتاج إلى توضيحه .
فالاختصار ، هو واحد من أهم فوائد ذلك المنهج المتبع في التسميات ،
2 ـ ثم إن من آثار هذا المنهج الامن من التصحيف في الانساب وأسماء
القبائل والبطون ، وكذلك أسماء الاباء والاجداد ، المتعددة في عمود النسب .
فإن كلا منها أعلام خاصة ، وأسماء لا يدخلها القياس ، وفي مثلها يقع
كثير من التصحيف والتحريف .
فإذا ذكرت مرة واحدة ، وأدرج تحتها الاسماء المتعددة ، للمنتمين إليها ،
قل تكررها ، وكان الكتاب آمن من التصحيف والغلط وأحفظ من السهو .
بعكس ما لو تكرر ذكرها مرات متعددة مع تعدد الاسماء المنتمية إليها ،
فإن احتمال تصحيفها أكثر ، كما لا يخفى على أهل الخبرة ، الواقفين على مثل هذه
التصحيفات .
ولعل هذه الفائدة ـ أيضا ـ كانت من أهداف أرباب « التسميات » في
وضع كتبهم على ذلك المنهج .
3 ـ ثم إن من آثار ذلك المنهج . أن الاسماء قد رتبت فيه على أساس
القرب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم نسبيا ، ثم السوابق الدينية ، ثم الفضل
والدرجات المعنوية التي جاء بها الاسلام ، كالجهاد في سبيل الله ، والنصرة
لدين الله ، والتفاني في التضحية للدفاع عن الحق العدالة .
وكذا على أساس ما ورد في حقهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
من التمجيد والمدح .
وهذا واضح في تسمية ابن أبي رافع ، حيث رتب كتابه على الترتيب
التالي :
1 ـ القرشيين ، وهم عشيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبيلته :
فذكر (بني عبد المطلب ) أولا ، وهم آل النبي وشجرته .
ثم ذكر (بني المطلب) وهم رهط أجداده .
ثم ذكر سائر القرشيين حسب فضلهم ومقاماتهم .
وذكر (الانصار) وقدمهم على المهاجرين ، لما ورد فيهم من الفضائل
الكثيرة .
2 ـ وقدم أولا (البدريين ) لما ورد في حقهم عن الرسول الاكرم
صلى الله عليه وآله وسلم ، بخصوص شهودهم بدرا ، ولم أبدوه من النصرة
والايثار .
3 ـ ثم ذكر (الانصار غير البدريين ) لما قدموه من المواساة والبذل .
4 ـ ثم ذكر (المهاجرين) لسبقهم ، وتحملهم في سبيل الدين العناء والنصب .
5 ـ ثم ذكر (التابعين لهم بإحسان) وخص بالذكر منهم من شهد لهم
النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة .
وليس في ترتيب التسميات على هذا الشكل أية حزازة ، ولا منقصة
للمتأخرين في الذكر ، إذ أن التفضيل المذكور ، جاء به القرآن الكريم ، قبل كل أحد ،
حيث قال : ( وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما) سورة النساء ،
الاية 95 .
وقال : ( لا يستوى منكم من أنفق قبل الفتح وقاتل ، اولئك أعظم درجة
من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ، وكلا وعد الله الحسنى) سورة الحديد ،
الاية 10 .
وقال : ( السابقون السابقون . اولئك المقربون) سورة الواقعة ،
الاية 10 ، 11 .
قال الدكتور الاعظمي : وهذا هو الحق . . . إذ لابد من إعطاء كل ذي حق حقه ، فالذين اوذوا ، وهاجروا ، وجاهدوا ، لا يمكن أن يوضعوا في مصاف
الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم أسلموا في آخر الامر (32) .
ولقد خطأ الدكتور الاعظمي من نظر إلى ذلك المنهج بمنظار القبلية
الجاهلية ، والعنصرية البشعة ، وسماها بالنظرة الاجتماعية (33) .
أقول : وقد يحاول بعض اولئك المغرضين إسناد تلك النظرة إلى الديوان .
لكن الواقع أن الديوان لم يرتب إلا على أساس من القرابة إلى النبي
صلى الله عليه وآله وسلم ، والسابقة في الدين ، والفضل . كما ورد في سنن البيهقي ،
فيما نصه :
لما دون عمر الدواوين ، قال : ابدأوا ببني هاشم . . . وبني المطلب .
فإذا كان السن في الهاشمي قدمه على المطلبي ، وإذا كان السن في المطلبي
قدمه على الهاشمي ، فوضع الديوان على ذلك ، وأعطاهم القبيلة الواحدة .
ثم استوت له عبد شمس ، ونوفل ، في جذم النسب ، فقال : عبد شمس
إخوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لابيه وأمه ، دون نوفل ، فقدمهم .
ثم دعا بني نوفل يتلونهم .
ثم استوت له عبد العزى ، وعبد الدار .
فقال في بني أسد بن عبد العزى : أصهار النبي صلى الله عليه وآله وسلم
وفيهم : أنهم من المطيبين ، وقال بعضهم : هم حلف من الفضول ، وفيهما كان
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وقيل : ذكر سابقة ، فقدمهم على بني عبد الدار .
ثم دعا بني عبد الدار يتلونهم .
ثم انفردت له زهرة ، فدعاها تلو عبد الدار .
ثم استوت له تيم ومخزوم .
فقال في بني تيم : إنهم من حلف الفضول والمطيبين ، وفيهما كان رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم .
وقيل : ذكر سابقة .
وقيل : ذكر صهرا . فقدمهم على مخزوم .
وهكذا بقية القبائل (34) .
إن التسميات يمكن أن تكون نماذج حية لما كانت عليه الدواوين من
الترتيب المبتني على ذلك النظام الديني .
أقول : إن التفاضل على هذا الاساس ، إنما يكون في غير موارد الحقوق
وخاصة الواجبة منها ، كقسمة الغنائم وعطاء بيت المال ، فإن الحق فيهما ما فعله
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام من التسوية بين الناس ،
وعدم التفرقة في ذلك بين الاسود والابيض ، والشريف والوضيع ، والمولى والعربي ،
كما وردت بذلك الاحاديث الكثيرة ، التي جمعها صاحب الوسائل في كتاب
الجهاد ، باب 39 التسوية بين الناس في قسمة بيت المال والغنيمة ، ح
20076 ـ 20081 ، وقد جمع الامام الصادق عليه السلام تمام القول لما سئل عن
قسم بيت المال ؟
فقال : أهل الاسلام هم أبناء الاسلام ، أسوي بينهم في العطاء ، وفضائلهم
بينهم وبين الله ، أجعلهم كبني رجل واحد ، لايفضل أحد منهم لفضله وصلاحه في
الميراث على آخر ضعيف منقوص .
قال : وهذا هو فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بدو أمره ، وقد
قال غيرنا : أقدمهم في العطاء بما قد فضلهم الله بسوابقهم في الاسلام ، . . .
وكذلك كان عمر يفعله .
تهذيب الاحكام ، للطوسي 6|146 ح 255 .
وأقول : إن الشرع الاسلامي المقدس إذا كان يلزمنا بالتسوية بين الافراد
في مجال الحقوق ، فلا يعني ـ إطلاقا ـ إلغاء السوابق ، وأثرها في مقام اولئك الذين
إن الاثار الكريمة متضافرة في تكريم أولئك ، والمفاخرة بتلك السوابق ،
فلا يستوي من آمن قبل الفتح وهاجر ، مع من دخل الاسلام على كره ، ومن أجل
الاطماع ، كمسلمة الفتح ! .
4 ـ ومن فوائد ذلك المنهج :
أنه يكشف عن انتماءات الاسماء المدونة فيها ، وهو ما يفيد في بابه عند
التباس بعض الانساب ، ويمكن الاستناد إلى التسميات لحل بعض المشاكل
العالقة هناك .
الامر الثاني : ذكر الموالي :
كلمة « المولى » تطلق على عدة معان :
1 ـ فيقال : مولى فلان ، أو مولى بني فلان ، ويراد به مولى العتق ، أي من
كان عبدا لهم ، وهذا هو الاغلب في إطلاق الكلمة .
2 ـ ويقال : مولى فلان ، ويراد به ولاء الاسلام ، أي أنه أسلم على
يد فلان .
3 ـ ويقال : مولى فلان ، ويراد ولاء الحلف ، والموالاة ، والمنصارة ، لمن
التحق بقبيلة وتحالف معهم بغرض التقوي بهم ، وهذا يتحقق عادة من الضعفاء
أو المنقطعين أو المشردين .
4 ـ ويقال : مولى فلان ، لمجرد ملازمة الشخص لفلان ، كما يقال : مقسم
مولى ابن عباس ، لملازمته إياه (35) .
وقد ذكر الفضيل الرسان اسم « زاهر » في قبيلة كندة ، باعتبار مصاحبته
وأضاف البلقيني في معاني « المولى » :
5 ـ مولى القبيلة : من استرضع فيهم (37) .
وقد ذكر الفضيل الرسان « عبد الله بن يقطر » رضيع الحسين عليه السلام
في أهل البيت (38) .
6 ـ ومولى المولى ، ينسب إلى القبيلة ـ أيضا ـ (39) .
وقد دأب أرباب التسميات على ذكر الموالي مع قبائل من ينتمون إليهم
بالولاء ، سواء ولاء العتق ، أو الحلف ، أو غير ذلك .
ولكن :
1 ـ يذكرون الموالي بعد الانتهاء من أسماء المنتمين إلى كل قبيلة أصالة .
2 ـ يصرحون مع ذكر الموالي ، بنوعية الولاء .
ولابد من توضيح عباراتهم في هذا المجال ، وهو مفيد أيضا في علم
الرجال ، حيث أن الرجاليين يتداولون نفس هذه التعبيرات ، فنقول :
إذا أرادوا نسبة الشخص الى قبيلة أو بطن ، وكان من صلبها ومن
أبنائها ، فلهم تعبيرات :
فربما قالوا : « فلان قرشي من أنفسهم » (40) أي منتم إلى قريش
بالنسب .
وربما قالوا : « فلان صليب » (41) أي من صلب القبيلة .
وربما قالوا : « فلان قرشي » وأطلقوا ، فظاهره ، أنه من صلب القبيلة ، كما
وفي هذه الصور ـ كلها ـ ينتفي الولاء عن الشخص بكل معانيه .
وإن لم يكن الشخص من أبناء القبيلة ، وإنما كان منتميا إليها بشكل من
أشكال الولاء الستة المذكورة ، فلا يقال فيه : « فلان القرشي » بالاطلاق ، بل لابد
من تقييده بشكل الولاء .
فإن كان ولاء العتق ، قيل « مولاهم » أو « مولى فلان » ، وإطلاق هذا
التعبير ينصرف إلى ولاء العتق عندهم .
وإن كان ولاء حلف ، قيل : « حليفهم » أو « حليف بني فلان » .
وإن كان ولاء صحبة قيل « صاحب فلان » لواحد من أفراد القبيلة كما
مر في « زاهر » صاحب عمرو بن الحمق الخزاعي ، حيث ذكروه في كندة لان
عمرا كندي ، بينما هو « أسلمي » النسب .
وإن كان ولاء ارتضاع ، قيل : « رضيع فلان » كما ذكروا « عبد الله بن
يقطر » رضيع الحسين عليه السلام ، في أهل البيت .
ولنذكر أمثلة من التسميات التي بأيدينا :
ففي تسمية ابن أبي رافع :
ذكر في بني عبد المطلب :
16 ـ ربيعة
17 ـ أبو رافع
وقال : موليا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
أقول : والولاء ولاء عتق .
وفي بني مخزوم :
26 ـ عمار بن ياسر .
27 ـ محمد بن عمار .
وقال : وياسر كان قدم مكة ، وحالف أبا حذيفة المخزومي .
أقول : فعمار وابنه مخزوميان بالحلف ، فلذا يقال لعمار : حلف بني مخزوم ،
فذكرا فيهم ، وهما من عنس من مذحج .
وفي تسمية عروة :
من الانصار من طريف بن الخزرج :
10 ـ بسبس الجهني ، حليف لهم (43) .
ومن الانصار :
72 ـ عبد الله بن طارق البلوي ، حليف لهم (44) .
أقول : واختلاف الانساب بين الجهني أو البلوي من جهة ، والانصاري أو
الخزرجي ، من جهة أخرى ، يدل على أن عد الرجلين في الانصار ليس من جهة
النسب ، وإنما هو للولاء .
وفي تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام للرسان الاسدي :
ذكر ثلاثة من الموالي مع أهل البيت عليهم السلام بالارقام (21 و22
و23) مصرحا مع كل منهم بأنه « مولى الحسين عليه السلام » ثم ذكر :
24 ـ الحارث بن تيهان ، مولى حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله .
25 ـ عبد الله بن يقطر ، رضيع الحسين بن علي عليه السلام .
وذكر في بني غفار :
33 ـ جون بن حوى ، مولى لابي ذر الغفاري .
وذكر في عبد القيس :
47 ـ سالم ، مولى عامر بن مسلم .
وذكر في مراد :
69 ـ واضح الرومي ، غلام جنادة السلماني .
وذكر في صيدا :
75 ـ سعد ، مولى عمرو بن خالد الصيداوي .
وذكر في كلب :
77 ـ أسلم ، مولى لهم .
وذكر في كندة :
80 ـ زاهر ، صاحب عمرو بن الحمق الخزاعي .
وهكذا غيرهم (45) .
أقول : والاصل في الالتزام بعد الموالي مع أبناء القبيلة في مكان واحد
وتحت عنوان واحد ، هو الوازع الديني ، فالاسلام جعل الموالي بمستوى المنسوبين
إليهم في كثير من الامور ، نبذا للطبقية الممقوتة ، بل أعطى الموالي أحكام السادة في
بعض التشريعات .
فقد ورد في الحديث الشريف بطرق عديدة : أن الرسول الاكرم صلى الله
عليه وآله وسلم منع مولاه أبا رافع عن العمل في جباية الصدقة ، وقال له :
« يا أبا رافع ، إن الصدقة حرام على محمد وعلى آل محمد ، وإن مولى القوم من
أنفسهم » (46) .
وفي نص آخر : « اجلس ، يا أبا رافع ، فإنه لا ينبغي لنا أن نأكل
الصدقة » (47) .