قال الصادق عليه السلام : « إذا مات المؤمن الفقيه ثلم في الاسلام ثلمة
لا يسدها شيء ».
لقد هز كيان العالم الاسلامي صدى نبأ وفاة إمام الامة ، قائد الجمهورية
الاسلامية ، المرجع العظيم آية الله العظمى السيد الخميني قدس الله روحه الذي قاد
الامة الاسلامية في مطلع القرن الخامس عشر الهجري بجدارة لا يملكها إلا عظماء
الرجال ، وساقها إلى مجدها الاثيل ، وأبرز ما تمتع به من علم وحكمة وسياسة
وإيمان ، فاستحق ـ بكل الحق ـ وسام التجديد ، فكان « مجدد الاسلام » في مطلع
هذا القران .
ولقد استمسكت الامة بعروة قيادته الوثقى ، مطمئنة بأنها قيادة ربانية ،
رسالية ، إمامية ، تمتلك كل مقومات القيادة الالهية ، وتتمثل فيها السيرة النبوية ،
وتسير على المناهج العلوية ، وتتبع طريقة أئمة أهل البيت المعصومين عليهم السلام .
وكانت من فلتات التاريخ أن تجمعت في شخص الامام القائد ما مكنه
من تسنم المقام الاسمى في العلم والعمل ، فكان واحدا من كبار العلماء بالشريعة
الاسلامية ومن فقهاء الاسلام العظام ، ومن مراجع التقليد في الفتوى والاحكام ،
ولقد أغنى سماحته المكتبة الفقهية والاصولية بمؤلفات قيمة ، ذات المستوى
العلمي الرفيع ، سواء ما كتبه بقلمه الشريف ، أو ما كتب تقريرا لابحاثه ودروسه .
ولسماحته مقام شامخ في مجال علم الاخلاق والعرفان الاسلامي وتهذيب
النفس ، بل كان أوحديا بين أساتذة هذا الفن ، وله فيه إبداعات فذة ، بذ بها
الاقدمين ، وخضع لها من اطلع عليها من المتأخرين .
وتشهد آثاره القيمة في هذا المجال على قدم راسخة ، وغور بعيد ، ونظرة
عميقة ، فهذه مؤلفاته الرائعة في العرفان تذهل الافكار والاذهان ، وهذا شعره
العرفاني يقف أمامه الانسان حيران ، مما يحويه من بعيد المعنى ، ورقة العاطفة ،
وجمال اللفظ ، وصدق الوجدان .
ولقد كان رضوان الله عليه يواظب على تطبيق آرائه الاخلاقية ونظرياته
العرفانية على الحياة تطبيقا كاملا ، بحيث يراه العلماء مثالا مجسدا للاخلاق
الفاضلة الكريمة .
وتكللت جهوده ومساعيه بقيادة الثورة الاسلامية المباركة ، حيث استفاد فيها
من كل ملكاته القدسية العلمية والاخلاقية والعرفانية .
فأبدى شجاعة باهرة في مقاومة السلطات الجائرة المتحكمة بأقطار
المسلمين ، إلى حد السجن ، والنفي ، والمطاردة ، ووجه سهام حملاته على المستعمرين
الحاقدين على الاسلام والمسلمين ، الذين كانوا هم السبب في تأخر البلاد
الاسلامية وإحداث البلابل فيها .
ولقد أثبت في هذا المجال ـ أيضا ـ جدارة كانت الامة تأملها فيه ، وأبدى
حنكة وتدبيرا وبعد نظر ، وتجلد بالصبر على المكاره ، وتحلى بالثبات وسار بعزم
ونفث ـ بكل قوة ـ في المسلمين روح الثقة بالنفس ، والاطمئنان بالنصر
الالهي ، وعرفهم بمواقع الضعف والقوة ، وأوقفهم على ما يلزم للسير نحو الفوز الاكبر ،
الذي هو تحقيق حكم الاسلام ، فأثار في المسلمين الشعور بالمسؤولية تجاه ما يحدث
حواليهم .
ولقد يسر الله على يديه تحقيق الامل البعيد ، بإنشاء الحكومة الاسلامية ،
ذلك الامل الذي كان مغمورا في قلوب الملايين من مسلمي العالم والذي غطاه
غبار القرون باليأس .
فكانت ضياءا ونورا في القلوب ، وقوة وروحا في الاجساد وأحيى الله ـ بما
قام به الامام ـ كل ما مات في قلوب المسلمين من أمل وتطلع ورجاء ، وأتم الحجة
بذلك ، وأمات بدعوته الواضحة الصريحة كل دعوات الباطل ، فاندحرت بحركته
كل الحركات الاستعمارية المشبوهة ، من شرقية وغربية ، إسلامية وعلمانية ، كانت
تدعو إلى غير الحق ! .
وقيض الله للامام أمة الاسلام ، التي وجدت فيه خير إمام قائد ، وخير
مرجع رائد ، فكانت خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ،
انقادت له ، وتحركت طوع إرادته وإرشادته ، ونصرته وآزرته ، معتمدة على الله ،
ومتضيئة بنور هداه .
حتى أثكلت بفقده ـ على حين غرة من الدهر ـ فبكته الملايين في أرجاء
المعمورة ، ولطمت الصدور ، وأسبلت الدموع ، ولبست أثواب الحزن والحداد .
وشاء الله أن يكون لوفاته دوي كالصاعقة على أعداء الله ، فكانت وفاته
مناسبة مشهودة لاظهار عظمة الاسلام ووفاء المسلمين لقائدهم العظيم ،
ولئن فقدناه اليوم ـ فقد عز على التاريخ أن يأتي بمثله .
وما أجدره بأن نقول في رثائه :| للاصوات الناعي بفـقــدك إنه | * | يوم على آل الرسول عـظـيم |
| إن كنت قد غيبت في جدث الثرى | * | فالعدل والتوحيد فـيـك مقيـم |
أما أنت ـ أيها الامام يا روح الله ـ فقد استرحت من هم الدنيا وغمها ،
ووفدت على الرب الرؤوف ، وعلى جدك المصطفى ، وأبيك المرتضى ، وأمك
الزهراء . . . فهنيئا لك ما آتاك الله في الدنيا من حسن الذكر ، ورضي عنك
وأرضاك وجعل الجنة مأواك ، ووفقنا للسير على خطاك .
وسلام عليك يوم ولدت ويوم رحلت ويوم تبعث حيا .
اُسرة التحرير .