كلمة التحرير




ثلمة الاسلام !

قال الصادق عليه السلام : « إذا مات المؤمن الفقيه ثلم في الاسلام ثلمة لا يسدها شيء ».
لقد هز كيان العالم الاسلامي صدى نبأ وفاة إمام الامة ، قائد الجمهورية الاسلامية ، المرجع العظيم آية الله العظمى السيد الخميني قدس الله روحه الذي قاد الامة الاسلامية في مطلع القرن الخامس عشر الهجري بجدارة لا يملكها إلا عظماء الرجال ، وساقها إلى مجدها الاثيل ، وأبرز ما تمتع به من علم وحكمة وسياسة وإيمان ، فاستحق ـ بكل الحق ـ وسام التجديد ، فكان « مجدد الاسلام » في مطلع هذا القران .
ولقد استمسكت الامة بعروة قيادته الوثقى ، مطمئنة بأنها قيادة ربانية ، رسالية ، إمامية ، تمتلك كل مقومات القيادة الالهية ، وتتمثل فيها السيرة النبوية ، وتسير على المناهج العلوية ، وتتبع طريقة أئمة أهل البيت المعصومين عليهم السلام .
وكانت من فلتات التاريخ أن تجمعت في شخص الامام القائد ما مكنه من تسنم المقام الاسمى في العلم والعمل ، فكان واحدا من كبار العلماء بالشريعة الاسلامية ومن فقهاء الاسلام العظام ، ومن مراجع التقليد في الفتوى والاحكام ،


( 8 )

وكان من أصحاب الاراء الرصينة في الحوزات العلمية في قم والنجف ، فكانت له مدرسته التي تكاملت فيها حلقات الدروس الفقهية والاصولية ، والفلسفية ، وبالمستوى الاعلى ، وتخرج على يديه جماعة من أعيان الفضلاء الذين تدور عليهم رحى الدراسة الدينية ، وفيهم مرشحون للمرجعية .
ولقد أغنى سماحته المكتبة الفقهية والاصولية بمؤلفات قيمة ، ذات المستوى العلمي الرفيع ، سواء ما كتبه بقلمه الشريف ، أو ما كتب تقريرا لابحاثه ودروسه .
ولسماحته مقام شامخ في مجال علم الاخلاق والعرفان الاسلامي وتهذيب النفس ، بل كان أوحديا بين أساتذة هذا الفن ، وله فيه إبداعات فذة ، بذ بها الاقدمين ، وخضع لها من اطلع عليها من المتأخرين .
وتشهد آثاره القيمة في هذا المجال على قدم راسخة ، وغور بعيد ، ونظرة عميقة ، فهذه مؤلفاته الرائعة في العرفان تذهل الافكار والاذهان ، وهذا شعره العرفاني يقف أمامه الانسان حيران ، مما يحويه من بعيد المعنى ، ورقة العاطفة ، وجمال اللفظ ، وصدق الوجدان .
ولقد كان رضوان الله عليه يواظب على تطبيق آرائه الاخلاقية ونظرياته العرفانية على الحياة تطبيقا كاملا ، بحيث يراه العلماء مثالا مجسدا للاخلاق الفاضلة الكريمة .
وتكللت جهوده ومساعيه بقيادة الثورة الاسلامية المباركة ، حيث استفاد فيها من كل ملكاته القدسية العلمية والاخلاقية والعرفانية .
فأبدى شجاعة باهرة في مقاومة السلطات الجائرة المتحكمة بأقطار المسلمين ، إلى حد السجن ، والنفي ، والمطاردة ، ووجه سهام حملاته على المستعمرين الحاقدين على الاسلام والمسلمين ، الذين كانوا هم السبب في تأخر البلاد الاسلامية وإحداث البلابل فيها .
ولقد أثبت في هذا المجال ـ أيضا ـ جدارة كانت الامة تأملها فيه ، وأبدى حنكة وتدبيرا وبعد نظر ، وتجلد بالصبر على المكاره ، وتحلى بالثبات وسار بعزم


( 9 )

وتصميم وجد .
ونفث ـ بكل قوة ـ في المسلمين روح الثقة بالنفس ، والاطمئنان بالنصر الالهي ، وعرفهم بمواقع الضعف والقوة ، وأوقفهم على ما يلزم للسير نحو الفوز الاكبر ، الذي هو تحقيق حكم الاسلام ، فأثار في المسلمين الشعور بالمسؤولية تجاه ما يحدث حواليهم .
ولقد يسر الله على يديه تحقيق الامل البعيد ، بإنشاء الحكومة الاسلامية ، ذلك الامل الذي كان مغمورا في قلوب الملايين من مسلمي العالم والذي غطاه غبار القرون باليأس .
فكانت ضياءا ونورا في القلوب ، وقوة وروحا في الاجساد وأحيى الله ـ بما قام به الامام ـ كل ما مات في قلوب المسلمين من أمل وتطلع ورجاء ، وأتم الحجة بذلك ، وأمات بدعوته الواضحة الصريحة كل دعوات الباطل ، فاندحرت بحركته كل الحركات الاستعمارية المشبوهة ، من شرقية وغربية ، إسلامية وعلمانية ، كانت تدعو إلى غير الحق ! .
وقيض الله للامام أمة الاسلام ، التي وجدت فيه خير إمام قائد ، وخير مرجع رائد ، فكانت خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، انقادت له ، وتحركت طوع إرادته وإرشادته ، ونصرته وآزرته ، معتمدة على الله ، ومتضيئة بنور هداه .
حتى أثكلت بفقده ـ على حين غرة من الدهر ـ فبكته الملايين في أرجاء المعمورة ، ولطمت الصدور ، وأسبلت الدموع ، ولبست أثواب الحزن والحداد .
وشاء الله أن يكون لوفاته دوي كالصاعقة على أعداء الله ، فكانت وفاته مناسبة مشهودة لاظهار عظمة الاسلام ووفاء المسلمين لقائدهم العظيم ،
ولئن فقدناه اليوم ـ فقد عز على التاريخ أن يأتي بمثله .

هيهات ، لم يأت الزمان بمثله * إن الزمان بـمـثـلـه لعقـيـم

وما أجدره بأن نقول في رثائه :


( 10 )

للاصوات الناعي بفـقــدك إنه * يوم على آل الرسول عـظـيم
إن كنت قد غيبت في جدث الثرى * فالعدل والتوحيد فـيـك مقيـم

أما أنت ـ أيها الامام يا روح الله ـ فقد استرحت من هم الدنيا وغمها ، ووفدت على الرب الرؤوف ، وعلى جدك المصطفى ، وأبيك المرتضى ، وأمك الزهراء . . . فهنيئا لك ما آتاك الله في الدنيا من حسن الذكر ، ورضي عنك وأرضاك وجعل الجنة مأواك ، ووفقنا للسير على خطاك .
وسلام عليك يوم ولدت ويوم رحلت ويوم تبعث حيا .

اُسرة التحرير .