وصية نافعةللشهيد الثاني |
رضا المختاري
مؤلف هذه الوصية القيمة هو الفقيه الاصولي ، الأديب الزاهد المتقي الشيخ
زين الدين العاملي ، الشهير في الآفاق بالشهيد الثاني (911 ـ 965 هـ) وهو غني
عن التعريف والوصف والتبجيل ، رضي الله عنه وأرضاه (1) .
وكاتب هذه الوصية هو العالم الجليل النبيل السيد بهاء الدين علي بن
يونس الحسيني التفرشي ، أحد تلامذة الشيخ البهائي ـ المتوفى سنة 1030 هـ ـ والمجاز
دون التفرشي ـ رحمه الله ـ كشكولا ومجموعة قيمة جمع فيها عدة رسائل
مستقلة وقطع اقتطعها من كتب عديدة ، فيها تذكارات بعض العلماء الماضين
بخطهم كالذي كتبه الشيخ محمد ـ ابن صاحب « معالم الاصول » ـ للتفرشي ترجمة
لنفسه وإجازة له في سنة 1024 هـ ، ومن جملة تلك الرسائل هذه الوصية النافعة
القيمة ، كتبها التفرشي في شهر شعبان من سنة 1036 هـ .
وقد اعتمدت في تحقيقي لهذه الرسالة على نسختين مخطوطتين ، إحداهما
ضمن المجموعة المذكورة آنفا الموجودة في مكتبة مجلس الشورى الإسلامي ـ
رقم 2 ، في طهران (مجلس الشيوخ السابق « سنا ») برقم 14307 ، وثانيهما
الموجودة في مكتبة مجلس الشورى الاسلامي ـ رقم 1 (المجلس النيابي الوطني
السابق) ، ضمن مجموعة برقم 1405 ، والنسخة هذه غير مذكورة في فهرس
المكتبة ! وقد وقفت عليها بعد مراجعتي لنفس المكتبة .
واقدم شكري الجزيل إلى الاستاذ الفاضل عبد الحسين الحائري مدير
المكتبة حيث أمكنني من الاستفادة منها وعلى تقديمه مصورتي النسختين لتسهيل
عملي .
قال العلامة آقا بزرك الطهراني في الذريعة (3) بشأن هذا الكشكول ما نصه :
« نسخة منه في مكتبة السيد جلال الدين المحدث الارموي بطهران ، مجلد كبير غرق
وأكلت الأرضة كثيرا منه ، وفيه : كتاب التشريف بتعريف وقت التكليف . . .
وكتاب الأربعين حديثا ، و. . . » والظاهر أنه سقط من تلك النسخة بعض
|
11 صفر المظفر 1409 هـ قم المشرفة |
وفقنا الله تعالى وإياك يا أخي لطاعاته ، وسلك بنا سبيل مرضاته ،
وأوقفنا على خلال (1) الخير لنستعملها ، وعلى خصال السوء لنجتنبها ، وأعاننا على
ذلك بحسن توفيقه ، فإنه ولي ذلك .
أقول : أول ما أوصيك به تقوى الله تعالى فيما تأتي وتذر ، فإنها وصية رب
العالمين إلى الاولين والآخرين ، قال جل جلاله في محكم كتابه : « ولقد وصينا الذين اوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله » (2) وهذه الوصية أجمع
كلام للخير وأوجزه ، ومن ثم خصها بالذكر وعمها بالنظر إلى الموصى من خلقه
من الاولين والآخرين . فلو كان من خصال الخير خصلة أصلح للعبد وأجمع للخير
لكانت عناية الله تعالى ورأفته بخلقه تقتضي ذكرها دونها أو معها . وقد مدح الله
تعالى في كتابه التقوى ، ووصفها بصفات ورتب عليها فوائد كثيرة :
منها غفران الذنب وإصلاح العمل ، قال الله عز وجل : « يا أيها الذين آمنوا
اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم » (3) .
ومنها النجاة من النار ، « ثم ننجي الذين اتقوا » (4) .
ومنها الخلود في الجنة ، « أعدت للمتقين » (5 ) .
ومنها التأييد ، « أن الله مع المتقين » (6) .
ومنها الحفظ والتحصين من الاعداء ، « وأن تصبروا وتتقوا لا يضركم
كيدهم شيئا » (7) .
ومنها ـ وهي أجلها خصلة وارفعها قدرا وأعظمها خطرا وجلالة ـ محبة الله
تعالى إياه ، « إن الله يحب المتقين »(8) .
ومنها الأكرامية عنده تعالى على من سواه ، « إن أكرمكم عند الله
أتقيكم » (9) .
ومنها النجاة من الشدائد وكفاية المهم في دار الدنيا ـ وهي من أعظم
أسباب التفرغ لعبادته ـ ، « ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا
يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره » (10) .
إلى غير ذلك من فوائدها .
والمراد بالتقوى امتثال أوامر الله تعالى واجتناب نواهيه ، ومن ثم كانت
هذه الخصلة جامعة لجميع خلال الخير . وسئل الصادق عليه السلام عن تفسيرها
فقال : « أن لا يفقدك حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك » (11) .
فعليك يا أخي ـ وفقك الله تعلى ـ بمراعاة هذه الوصية الجامعة والتحلي
بحليتها ، واغتنام عمرك القصير الذي هو متجر الدار الآخرة ، وسبب السعادة الأبدية
والكرامة السرمدية ، وما أعظم هذا الربح وأقل رأس المال وأعظم الحسرة
والندامة على تقدير التقصير في المعاملة والاكتساب في وقته إذا عاين المقصر
درجات السابقين ومنازل الواصلين وثمرة أعمال المجتهدين وقد فات الوقت ولم
يمكن الاستدراك .
واعلم أنك إذا تأملت قدر السعادة المؤبدة التي لا نهاية لها التي تحصل
ثمرتها من حين الشروع في تزكية النفس وتخلص من حين فراقها البدن في البرزخ
إلى أبد الآبدين وأن سبب حصولها وكسبها في هذا العمر الذي غاية الطمع في
زيادته والتمني لطوله لا يبلغ مائة سنة ، لا يصفو منها للعمل ـ وإن اجتهدت ـ إلا
قليل للاضطرار إلى صرف شطره في النوم والراحة وجانب كثير من الشطر الآخر في ضرورات البقاء الإنساني ، والفاضل من ذلك ـ على تقدير ضبطه التام وسلامته
عن الآفات وخلوصه عن شوائب النقص ومعارضة المعاصي ـ هو ثمن هذه
السعادة الابدية التي لا نهاية لها باتفاق أهل الملل ، ومرجعها إلى بقاء بلا فناء ولذة
بلا عناء وسرور بلا كدر وغنى بلا فقر وكمال بلا نقصان وعز بلا ذل ،
وبالجملة كل ما يتصور أن يكون مطلوب طالب ومرغوب راغب على وجه لا
يتصرم بتصرم الأحقاب (12) ولا يفنى بفناء الآباد .
بل لو قدرنا أن الدنيا من عنان السماء إلى تخوم الأرض مملوءة بالذر
وقدرنا طائرا يأكل منها في كل مائة ألف سنة وأضعاف ذلك حبة لفنيت الذر
ولم ينقص من أبد الآباد شيء ؛ فجدير ( 13) أن تغتنم تحصيل ذلك وتشٌمر عن ساق
الجد فيه في أيام هذه المهلة اليسيرة التي لا يمكن حصوله في غيرها ، و[ في ] كل
نفس من الانفاس يمكن تحصيل كنز من كنوزه . فما أجدر هذا حثا على طلبه
وأقبح الفتور عنه بعد اعتقاد وجوده الذي لا يسع مكلف الغفلة عن اعتماده ، ولا
يتم الإيمان بالله تعالى بدون اعتقاده ، لانه مما قد تضافرت به الآيات واتفقت عليه
الانبياء والرسل وأجمعت عليه الامم على اختلاف أديانها وتباين مذاهبها ، وقد
رأيت ورأينا من جد أهل الدنيا وتعبهم وتحملهم للمكاره وتركهم للملاذ في الحال
واعلم أن ضبط العمر في تحصيل السعادة لا يتم إلا بمراعاة النفس كل
يوم ومحاسبتها ثم مراقبتها ثم معاقبتها على تقدير التقصير أو الفتور كما هو اللازم مع
معاملي الدنيا ، القليل خطرها ، التي لا يضر زوال مازال منها ولا فوات ما فات
منها ، فكما أن التاجر يستعين بشريكه فيسلم إليه المال حتى يتجر ثم يحاسبه
ويراقبه ويعاقبه إن قصر ويعاتبه إن غبن ، فكذلك العقل هو التاجر في طريق
الآخرة ، ومطلبه وربحه تزكية النفس بتخليها عن الخصال الذميمة وتحليها بالخلال
الحميدة فبذلك فلاحها ؛ قال الله تعالى : « قد أفلح من زكيها وقد خاب من
دسيها » (16) والعقل يستعين بالنفس في هذه التجارة ويستعملها فيما يزكيها ، كما
يستعين التاجر بشريكه وغلامه الذي يتجر في ماله ، وكما أن الشريك يصير خصما منازعا يجاذبه (17) في الربح فيحتاج إلى أن يشارطه أولا ويراقبه ثانيا
ويحاسبه ثالثا ويعاتبه أو يعاقبه رابعا ، فكذلك العقل يحتاج إلى مشارطة النفس أولا فيوظف عليها الوظائف ، ويشرط عليها الشروط ويرشدها إلى طريق الفلاح ثم
ثم بعد الفراغ ينبغي ان يحاسبها يطالبها بالوفاء بما شرط عليها ؛ فان تجارة ربحها الفردوس الأعلى وبلوغ سدرة المنتهى مع الانبياء والشهداء ، وخسارتها
ـ والعياذ بالله ـ عذاب جهنم مع الفراعنة والأشقياء ، إذا ليس في تلك الدار إلا الجنة
والنار ، والجنة اعدت للمتقين كما أن النار اعدت للمقصرين ، فتدقيق الحساب
في هذا مع النفس أهم كثيرا من تدقيقه في أرباح الدنيا لأنها محتقرة بالإضافة إلى
نعيم العقبى ، ثم كيف ما كانت فمصيرها إلى التصرم والانقضاء ، ولا خير في خير
لا يدوم ، بل شر لا يدوم خير من خير لا يدوم ، لان الشر الذي لا يدوم إذا انقطع بقي الفرح بانقطاعه دائما وقد انقضى ، والخير الذي لا يدوم يبقى الأسف على
انقطاعه دائما وقد انقضى الخير . ولذلك قيل :
فحتم على كل ذي حزم آمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة
نفسه والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها ، فإن كل نفس من أنفاس
العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها ، يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى
نعيمه أبد الآباد ، فانقضاء هذه الأنفاس ضائعة أو مصروفة الى ما يجلب الهلاك
خسران عظيم هائل لا تسمح به نفس عاقل .
فإذا أصبح العبد وفرغ من فريضة الصبح ينبغي أن يفرغ قلبه ساعة
لمشارطة النفس ـ كما أن التاجر عند تسليم البضاعة إلى الشريك العامل يفرغ
المجلس لمشارطته ـ فيقول : يا نفس ، مالي بضاعة إلا العمر ، ومهما فنى فقد فنى
رأس المال ووقع اليأس عن التجارة وطلب الربح ، وهذا اليوم الجديد قد أمهلني
واعلمي يا نفس ! أن اليوم والليلة أربع وعشرون ساعة ، وقد ورد في
الخبر أنه « ينشر للعبد بكل يوم أربع وعشرون خزانة مصفوفة فيفتح له [ منها ]
خزانة فيراها مملوءة نورا من حسناته التي عملها في تلك الساعة فيناله من الفرح
والسرور والاستبشار بمشاهدة تلك الأنوار التي هي وسيلته عند الملك الجبار ما لو
وزع على أهل النار لادهشهم ذلك الفرح عن الاحساس بألم النار ؛ وتفتح له
خزانة اخرى سوداء مظلمة يفوح نتنها ويغشى ظلامها وهي الساعة التي عصى الله
فيها ، فيناله من الهول والفزع ما لو قسم على أهل الجنة لنغص عليهم نعيمها ؛ وتفتح
له خزانة اخرى فارغة ليس فيها ما يسره ولا ما يسوؤه » وهي الساعة التي نام
فيها أو غفل أو اشتغل بشيء من مباحات الدنيا فيتحسر على خلوها ويناله من غبن
ذلك ما ينال القادر على الربح الكثير إذا أهمله وتساهل فيه حتى فاته وناهيك به
حسرة وغبنا ، وهكذا تعرض عليه خزائن أوقاته طول عمره (20) .
فيقول لنفسه : اجتهدي اليوم في أن تعمري خزائنك ولا تدعيها فارغة عن كنوزك التي هي أسباب ملك ، ولا تميلي إلى الكسل والدعة والاستراحة
فيفوتك من درجات عليين ما يدركه غيرك وتبقى عندك حسرة لا تفارقك وإن
دخلت الجنة فالم الغبن وحسرته لا يطاق وإن كان دون ألم النار . وقد قال
بعض الكاملين : « هب أن المسئ عفي عنه أليس قد فاته ثواب المحسنين ? ! » (21) .
أشار بذلك إلى الغبن والحسرة . وقال جل جلاله : « يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك
وأما محاسبتها بعده ، فليكن في آخر النهار ساعة يطالب فيها النفس
ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها كما يفعل التاجر في الدنيا مع الشريك في
آخر كل يوم أو شهر أو سنة خوفا [ من ] أن يفوته منها ما لو فاته لكانت الخيرة في
فواته ، ولو حصل بخير لا يبقى إلا أياما قليلة . وكيف لا يحاسب العاقل نفسه فيما
يتعلق به خطر الشقاوة أو السعادة أبد الآباد ؟ ! قال الله تعالى : « يا أيها الذين آمنوا
اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد » (23) وهي إشارة إلى المحاسبة على ما مضى
من الأعمال . وقال صلى الله عليه وآله : « حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا » (24)
وجاءه صلى الله عليه وآله رجل فقال : يا رسول الله اوصني . فقال صلى الله عليه
وآله « أمستوص أنت ؟ » قال : نعم . قال صلى الله عليه وآله « إذا هممت بأمر
فتدبر عاقبته ، فإن كان رشدا فامضه ، وإن كان غيا فانته عنه » (25) . وقال
صلى الله عليه وآله : « ينبغي للعاقل أن يكون له أربع ساعات : ساعة يحاسب فيها
نفسه . . . » الحديث (26) .
ولما كانت محاسبة الشريك عبارة عن النظر في رأس المال أو في الربح
أو الخسران ليتبين له الزيادة من النقصان ، فكذلك رأس مال العبد في دينه
الفرائض وربحه النوافل والفضائل ، وخسرانه المعاصي ، وموسم هذه التجارة جملة
النهار ، ومعامله نفسه الأمارة بالسوء ؛ فليحاسبها على الفرائض أولا : فإن
وقد نقل (29) عن بعض الأكابر ـ وكان محاسبا لنفسه ـ فحسب يوما وإذا
هو ابن ستين سنة ، فحسب أيامها فإذا هي إحدى وعشرون ألف يوم وخمسمائة
يوم ، فصرخ وقال : يا ويلتى ! ألقى الملك بإحدى وعشرين ألف ذنب ، كيف وفي
كل يوم ذنوب ، ثم خر مغشيا عليه فإذا هو ميت ، فسمعوا قائلا يقول : يا لها ركضة
إلى الفردوس . فهكذا ينبغي المحاسبة على الأنفاس وعلى عمل القلب والجوارح في
كل ساعة ، ومن تساهل في حفظ المعاصي فالملكان يحفظان عليه : « أحصاه الله
ونسوه » (30) .
واعلم أنك قد عرفت أن التقوى شطران : اكتساب واجتناب ، فالأول
والحكاية منقولة في « سفينة البحار » 1|488 ـ 489 مادة « ذنب » حكاية عن شيخنا البهائي
قدس سره .
ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله : « المهاجر من هاجر السوء ،
والمجاهد من جاهد هواه » (31) .
وكان صلى الله عليه وآله إذا رجع من الجهاد يقول : « رجعنا من الجهاد
الأصغر إلى الجهاد الأكبر » (32) يعني جهاد النفس .
وأيضا فإن شطر الاجتناب يزكو مع حصول ما يحصل معه من شطر
الاكتساب وإن قل ، ولايزكو ما يحصل من شطر الاكتساب مع ما يفوت من
شطر الاجتناب وإن كثر .
ولذلك قال صلى الله عليه وآله : « يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي
الطعام من الملح » (33) .
وقال صلى الله عليه وآله ـ في جواب من قال : إن شجرنا في الجنة لكثير ـ :
« نعم ، ولكن إياكم أن ترسلوا عليها نيرانا فتحرقوها » (34) .
وقال (صلى الله عليه وآله) : « الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار
الحطب » (35) .
إلى غير ذلك من الآثار الواردة بذلك .
فإن ظفرت بالشطرين جميعا فقد حصلت على التقوى حقا ، وإن اقتصرت
على الأول كنت مغرورا ، ومثلك في ذلك كمثل من زرع زرعا فنبت ونبت
معه حشيش يفسده فامر بتنقيته من أصله فأخذ يجز رأسه ويترك أصله ، فلا يزال
ثم القول في قسم الاكتساب موكول إلى كتب العبادات وإن افتقرنا في
ذلك إلى وظائف قلبية ودقائق علمية وعملية لم يدونها كثير من الفقهاء وإنما يفتح
بها على من أخذ التوفيق بزمام قلبه إلى الهداية إلى الصراط المستقيم .
وأما شطر الاجتناب فمنه ما يتعلق بالجوارح ومنه ما يتعلق بالقلب :
فأما الجوارح التي تتعلق بها المعصية ـ وهي السبعة التي هي بمقدار أبواب
جهنم ـ فمن حفظها حرس من تلك الأبواب إن شاء الله تعالى ، وهي العين والاذن
واللسان والبطن والفرج واليد والرجل .
فأما العين فإنها خلقت لك لتهتدي بها في الظلمات ، وتستعين بها على
قضاء الحاجات ، وتنظر بها إلى ملكوت الأرض والسماوات ، وتعتبر بما فيها من
الآيات ، والنظر في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله ومطالعة كتب
الحكمة للاستيقاظ ؛ فاحفظها أن تنظر بها إلى غير محرم وإلى مسلم بعين الاحتقار
أو تطلع بها إلى عيب مسلم بل كل فضول مستغن عنه ؛ فإن الله جل جلاله يسأل
عن فضول النظر كما يسأل عن فضول الكلام .
وأما الاذن فاحفظها أن تصغي بها إلى بدعة أو فحش أو غيبة أو خوض
في الباطل أو ذكر مساوئ الناس ؛ فإنها إنما خلقت لك لتسمع كلام الله تعالى
وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وأوليائه وتتوصل باستفادة العلم بها إلى الملك
المقيم والنعيم الدائم .
وأما اللسان فإنه خلق لذكر الله وتلاوة كتابه العزيز وإرشاد خلق الله إليه
وإظهار ما في الضمير من الحاجات للدين والدنيا ، فإذا استعمل في غير ما خلق له
فقد كفر به نعمة الله تعالى ، وهو أغلب الأعضاء على سائر الخلق لأنه منطلق
بالطبع ولا مؤونة عليه في الحركة ، ومع ذلك فجنايته عظيمة بالغيبة والكذب
وتزكية النفس ومذمة الخلق والمماراة وغير ذلك من آفاته ، ولا يكب الناس على
مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم (36) فاستظهر عليه بغاية قوتك حتى لا يكبك
في جهنم ؛ ففي الحديث : « إن الرجل ليتكلم بالكلمة فيهوي بها في جهنم سبعين
خريفا » (37) وروي أن رجلا قتل شهيدا في المعركة فقال قائل : هنيئا (38) له
الجنة ، فقال صلى الله عليه وآله : « ما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويبخل
بما لا يغنيه » (39) .
وأما البطن فكلفه ترك الشرة واحرص على أن تقتصر من الحلال على ما
دون الشبع ؛ فإن الشبع يقسي القلب ويفسد الذهن ويبطل الحفظ ويثقل الأعضاء
عن (40) العبادة ويقوي الشبهات (41) وينصر جنود الشيطان ، والشبع من الحلال
مبدأ كل شر ، وهكذا تتفقد باقي جوارحك فطاعاتها ومعاصيها لا تخفى .
وأما ما يتعلق بالقلب فهو كثير وطرق تطهيره من رذائلها طويلة ، سبيل
فهذه جماع امر التقوى التي أوصانا الله تعالى بها ، على وجه الإجمال
وتفاصيلها تحتاج إلى مجال (47) . ولنشفع وصية الله تعالى لعباده بوصية النبي
لأمير المؤمنين عليه السلام : « يا علي ، أوصيك في نفسك بخصال فاحفظها ـ ثم قال :
اللهم أعنه ـ :
أما الاولى : فالصدق ، لا يخرجن من فيك كذبة أبدا ؛
والثانية : الورع ، لا تجترئ على جناية أبدا ؛
والثالثة : الخوف من الله تعالى كأنك تراه ؛
الرابعة : كثرة البكاء لله تعالى ، يبني لك بكل دمعة ألف بيت في الجنة ؛
والخامسة : بذل مالك ودمك دون دينك ؛
والسادسة : الأخذ بسنتي في صلاتي وصيامي وصدقتي : أما الصلاة
فالخمسون ركعة ، وأما الصوم فثلاثة في كل شهر : خميس في أوله وأربعاء في
وسطه وخميس في آخره ، وأما الصدقة فجهدك حتى يقال : « إنك قد أسرفت » ولم
تسرف . وعليك بصلاة الليل وعليك بصلاة الليل وعليك بصلاة الليل ، وعليك
بصلاة الزوال وعليك بصلاة الزوال ، وعليك بتلاوة القرآن على كل حال ،
وعليك برفع يديك في صلاتك وتقليبهما ، وعليك بالسواك عند كل وضوء ،
وعليك بمحاسن الأخلاق فارتكبها ومساوئ الأخلاق فاجتنبها ، فإن لم تفعل فلا
تلومن إلا نفسك » (48) .
ولأمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه وصية جليلة لولده الحسن
عليه السلام مذكورة في « نهج البلاغة » (49) وغيره (50) ، فينبغي مراجعتها فإنها تشتمل
على حكم ومواعظ كثيرة .
وقال عنوان البصري للصادق جعفر بن محمد عليهما السلام : أوصني ؛ فقال
عليه السلام : « اوصيك بتسعة أشياء ، فإنها وصيتي لمن يريد الطريق إلى الله تعالى ،
والله أسأل أن يوفقك لاستعماله وهي : ثلاثة منها في رياضة النفس ، وثلاثة منها
في الحلم ، وثلاثة في العلم فاحفظها ، وإياك والتهاون بها » قال عنوان : ففرغت
قلبي له . قال صلوات الله عليه : « فأما اللواتي في الرياضة فإياك أن تأكل ما
[ لا ] تشتهيه فإنه يورث الحماقة والبله ، ولا تأكل إلا عند الجوع ، وإذا أكلت
وأما اللواتي في العلم فاسأل العلماء ما جهلت وإياك أن تسألهم تعنتا
وتجربة ، وإياك أن تعمل برأيك شيئا ، وخذ بالاحتياط في جميع امورك ما تجد
إليه سبيلا ، واهرب من الفتيا هربك من الأسد ، ولا تجعل رقبتك جسرا للناس .
ثم قال عليه السلام : قم عني يا أبا عبد الله فقد نصحت لك ولا تفسد
علي وردي فإني امرؤ ضنين بنفسي . والسلام » (52) .
وقال عليه السلام في وصيته لآخر : « أفضل الوصايا وأكرمها أن لا تنسى
ربك ، وأن تذكره دائما ولا تعصيه ، وتعبده قائما وقاعدا ، ولاتغتر بنعمته
وتخرج من أستار عظمته وجلاله فتضل وتقع في الهلاك وإن مسك البلاء والضر
وأحرقتك نيران المحن . واعلم أن بلاياه مخبوءة (53) بكراماته الأبدية ومحنه مورثة
رضاه وقربته ولو بعد حين فيالها من مغنم لمن علم ووفق لذلك » (54) .
وقال : روي أن رجلا استوصى رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال صلى الله
عليه وآله : لا تغضب قط . قال : زدني . فقال صلى الله عليه وآله : صل صلاة
مودع ، فإن فيها الوصل والقربى . فقال : زدني . قال صلى الله عليه وآله : استح
وقد جمع الله ما يتواصى به المتواصون من الأولين والآخرين في خصلة
واحدة وهي التقوى ، يقول الله عزوجل : « ولقد وصينا الذين اوتوا الكتاب من
قبلكم وإياكم أن اتقوا الله » (56) وفيه جماع كل عبادة صالحة ، وبه وصل [ من
وصل ] إلى الدرجات العلى والرتب القصوى ، وبه عاش من عاش مع الله بالحياة
الطيبة والانس الدائم ؛ قال الله عزوجل : « إن المتقين في جنات ونهر * في مقعد
صدق عند مليك مقتدر » (57) .
هذا آخر ما اتفق ذكره في هذه الوصية في وقت ضيق وخاطر مقسم لم
يتفق لذلك زيادة عليه ولعل فيه إن شاء الله كفاية إذا روعي بحسن التدبير ، والله
تعالى يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه من القول والعمل ، ويجعل ما بقي من أيام
هذه المهلة على طاعته موقوفا ، وعما يبعد عن جنابه مصروفا ؛ إنه ولي ذلك ، وعليه
الاعتماد في جميع الأحوال وهو حسبنا ونعم الوكيل .
*
*
1 ـ القرآن الكريم .
2 ـ أحاديث مثنوي ؛ لبديع الزمان فروزانفر ، الطبعة الرابعة ، طهران ، أمير كبير ،
1366 هـ . ش .
3 ـ إحياء علوم الدين ؛ لأبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي (450 ـ 505 هـ) ، 4
مجلدات ، بيروت ، دار الندوة الجديدة .
4 ـ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار ؛ للعلامة محمد باقر بن محمد تقي
المجلسي (1037 ـ 1110 هـ) ، الطبعة الثالثة ، 110 مجلدات ( إلا سبعة مجلدات ، من المجلد
28 ـ 34) ، بيروت ، دار إحياء التراث العربي ، 1403 هـ|1983 م .
5 ـ تحف العقول عن آل الرسول ؛ لأبي محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة
الحراني (القرن الرابع) ، تحقيق : علي أكبر الغفاري ، قم ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة
لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية ، 1404 هـ .
6 ـ الترغيب والترهيب من الحديث الشريف ؛ لزكي الدين عبد العظيم بن عبدالقوي
المنذري (581 ـ 656 هـ) ، تحقيق : مصطفى محمد عمارة ، الطبعة الثانية ، 4 مجلدات ، دار
الفكر .
7 ـ تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ؛ لأبي الحسين بن ورام بن أبي فراس المالكي الأشتري
(المتوفى 605 هـ) ، جزءان في مجلد ، قم ، مكتبة الفقيه [ بالاوفسيت عن طبع بيروت ، دار
صعب ودار التعارف ] .
8 ـ الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير ؛ لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر
السيوطي (849 ـ 911 هـ) ، الطبعة الرابعة ، جزءان في مجلد ، بيروت ، دار الكتب العلمية .
9 ـ روضة الواعظين ؛ لمحمد بن الحسن بن علي الفتال النيسابوري (القرن السادس) ،
الطبعة الثانية ، جزءان في مجلد ، قم ، منشورات الرضي ، [ بالاوفسيت عن طبع النجف ،
المكتبة الحيدرية ، 1385 هـ | 1965 م ] .
10 ـ سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار ؛ للشيخ عباس القمي ( 1294 ـ 1359
هـ) ، مجلدان ، بيروت ، دار التعارف للمطبوعات .
11 ـ الصحيح ؛ لمسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (206 ـ 261) ؛ تحقيق : محمد
فؤاد عبد الباقي ، الطبعة الثانية ، 5 مجلدات ، بيروت ، دار الفكر ، 1398 هـ .
12 ـ عدة الداعي ونجاح الساعي ؛ لأبي العباس أحمد بن محمد بن فهد الحلي الأسدي
(757 ـ 841 هـ) ، تحقيق : أحمد الموحدي القمي ، قم ، مكتبة الوجداني .
13 ـ فيض القدير شرح الجامع الصغير ؛ لمحمد عبدالرؤوف المناوي ،
(952 ـ 1031|1029 هـ) ، الطبعة الثانية ، 6 مجلدات ، دار الفكر ، 1391 هـ|1972 م .
14 ـ الكافي ؛ لثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني الرازي (المتوفى 329 هـ) ؛
تحقيق : علي أكبر الغفاري ، الطبعة الثانية ، 7 مجلدات ، طهران ، دار الكتب الإسلامية ، 1362
هـ . ش .
15 ـ لسان العرب ؛ لمحمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري (630 ـ 711 هـ) ،
[ الطبعة الثانية ظ ] ، 15 مجلدا ، قم ، نشر أدب الحوزة ! ، 1405 هـ .
16 ـ المجازات النبوية ؛ للشريف الرضي أبي الحسن محمد بن الحسين بن موسى
(359 ـ 406 هـ) ، تحقيق : طه محمد الزيني ، قم ، مكتبة بصيرتي [ بالاوفسيت عن طبع
مصر ] .
17 ـ محاسبة النفس ؛ لرضي الدين علي بن طاووس (589 ـ 664 هـ) ، طهران ،
المكتبة المرتضوية ، 1390 هـ .
18 ـ المستدرك على الصحيحين ؛ لمحمد بن عبد الله المعروف بالحاكم النيسابوري
( 321 ـ 403|405 هـ) ، 4 مجلدات ، بيروت ، دار الفكر ، 1389 هـ|1978 م .
19 ـ مشكاة الأنوار في غرر الأخبار ؛ لأبي الفضل علي الطبرسي (المتوفى في حدود
القرن السابع) ، الطبعة الاولى ، النجف الأشرف ، المكتبة الحيدرية ، 1385 هـ | 1965 م .
20 ـ مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة ؛ المنسوب إلى الإمام الصادق عليه السلام ،
طهران ، المجمع الإسلامي للفلسفة الإيرانية ، 1401 هـ (المطبوع مع ترجمته الفارسية) .
21 ـ المصباح المنير في غريب الشرح الكبير ؛ لأحمد بن محمد بن علي المقرئ الفيومي
(المتوفى بعد 770 هـ) ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1398 هـ|1978 م .
22 ـ نهج البلاغة ؛ جمع : الشريف الرضي أبي الحسن محمد بن الحسين بن موسى
(359 ـ 406 هـ) ، تحقيق : صبحي الصالح ، قم ، منشورات دار الهجرة ، 1395 هـ
23 ـ وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة ؛ للشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي
(1033 ـ 1104 هـ) ، تحقيق : الشيخ عبد الرحيم الرباني الشيرازي ، 20 مجلدا ، بيروت ، دار
إحياء التراث العربي .
*
*