كتاب الليل والنهار
|
حامد الخفاف
المفاخرات : لون جميل من ألوان الأدب العربي ، له ضوابطه المعينة كاسلوب
خصوصياته التي ميزته عن الأساليب المعروفة في النثر الأدبي ، حيث يتخذ شكل
مناظرة تتم بين طرفين مجازيين أو أكثر يقوم بتحريرها المؤلف ، وتكون المفاخرة
ـ عادة ـ مليئة بجد القول وهزله ، ورقيق اللفظ وجزله ، وغرر البيان ودرره ،
وملح الأدب ونوادره ، ومرصعة باللطائف الأدبية والأحاجي النحوية ، والأبيات
الشعرية ، والفتاوى اللغوية .
منها على سبيل المثال : مفاخرة السيف والرمح لعلاء الدين علي بن محمد
السعدي (717 هـ) ، ومفاخرة السيف والقلم لأبي حفص أحمد بن محمد بن أحمد
الكاتب الاندلسي (كان حيا بعد سنة 440 هـ) ، ومفاخرة البكرية والعمرية
لأبي يحيى الجرجاني (من أجل أصحاب الحديث ) ، والمفاخرة بين الراحة والتعب ،
والمفاخرة بين العلم والمال ، والمفاخرة بين الفقر والغنى ، وكلها للسيد محسن
الأمين العاملي .
وكتاب ابن فارس هو مفاخرة بين الليل والنهار ، ألفه ـ كما يقول ـ لفتى من
أهل الجبل سأله أن يثبت له « وريقات في ذكر الليل والنهار وما يصلح أن
يفضل به أحدهما على الآخر ويسوى » فارتجل كتابه المذكور مسعفا له به .
فيبدأ أول ما يبدأ بذكر قول صاحب الليل الذي سرد مجموعة من الآيات
الكريمة التي قدمت الليل على النهار ، فأجابه صاحب النهار بأن لا فضيلة للتقديم مستدلا
بالقرآن الكريم أيضا ، وأرى أن تقديم المؤلف للقرآن الكريم لم يأت عن غير قصد ،
وإنما كانت لفتة جميلة حفظ بها قداسة الذكر الحكيم ، ثم انتقل الطرفان في المناظرة
إلى الأدب العربي شعرا ونثرا ، يتخلل ذلك أحاديث نبوية شريفة ، وأمثال سائرة ،
وطرف تاريخية .
والكتاب على صغره أثر نفيس لواحد من كبار أعلام الأدب العربي في
القرن الرابع الهجري ، وهو بعد لوحة أدبية زاهية الألوان ، أضف إلى ذلك أن
قيمته التاريخية لا تقل عن قيمته الأدبية ، بما يسلط من أضواء جديدة على شخصية
ابن فارس .
*
*
الإمام العلامة ، اللغوي المحدث ، أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا بن
محمد بن حبيب القزويني ، المعروف بالرازي (*) ، نزيل همدان ، صاحب كتاب
« المجمل » .
ولد المترجم له على الأرجح في العقد الأول من القرن الرابع الهجري ،
وكان مسقط رأسه في قرية (كرسف وجياناباذ) ، التي ذكرها ابن فارس لمن سأله
عن وطنه ، وتمثل قائلا :
ويظهر أنها كانت بالقرب من مدينة قزوين ، ولذا نسب إليها .
وإذا أردنا أن نتطرق إلى نشأة ابن فارس فيمكن القطع أنها لم تكن بعيدة
عن الأجواء العلمية ، فقد كان والده فارس بن زكريا من رجال العلم والمعرفة
وكان فقيها ولغويا ، فأخذ عنه ما تيسر من العلوم والمعارف ، إلا أن طموح
من هنا كان ابن فارس جم المعارف ، غزير العلم ، صقلت الأسفار الطويلة
شخصيته العلمية حتى غدا إماما في اللغة ، مبرزا في علوم القرآن والحديث ، فذاع
صيته في كل مكان ، عالما تشد إليه الرحال ، طلبا لمعارفه ، وتعطشا للاستزادة منه .
ليس من السهل في هذه العجالة أن نتحدث عن مكانة ابن فارس
العلمية ، تلك الشخصية البارزة التي قدمت للتراث الإسلامي نتاجا متميزا في
المكتبة العربية ، فمن خلال مصنفاته وآثاره ترى اللغوي الأديب الذي تطرب
النفوس لكلامه ، وترقص القلوب لبيانه ، فهو كما قيل : « إذا ذكرت اللغة فهو
صاحب مجملها ، لا بل صاحبها المجمل [ لها ] » (1) .
وترى المفسر والمحدث الذي تبحر في علوم القرآن والحديث ، فأجاد
وأفاد .
وتشاهد المتكلم الفقيه الذي « إذا وجد فقيها أو متكلما أو نحويا كان
يأمر أصحابه بسؤالهم إياه ، ويناظره في مسائل من جنس العلم الذي يتعاطاه ، فإن
وجده بارعا جدلا جره في المجادلة إلى اللغة ، فيغلبه بها » (2) فهو بذلك كان « من
أعيان العلم وأفراد الدهر ، وهو بالجبل كابن لنكك بالعراق ، يجمع إتقان العلماء
وهكذا أثنى عليه العلماء ، وأطروه بعبارات الثناء والتبجيل ، تمجيدا
لمقامه السامي ، وتقديرا لجهوده العظمية في شتى فنون المعرفة .
اختلفت المصادر في تحديد سنة وفاته اختلافا كبيرا ، إلا أن الراجح منها
أنه توفي في سنة 395 هـ بالري ، ودفن مقابل مشهد القاضي عبد العزيز
الجرجاني .
عندما طلب مني إخواني الأعزاء في هيئة تحرير نشرة « تراثنا » الموقرة
تحقيق بعض الرسائل والكتب الصغيرة ، ذات الأهمية التراثية ، لم تكن بحوزتي
عناوين محددة لمخطوطات يمكن التحرك عليها ، فاستعنت بسماحة العلامة المحقق
السيد عبد العزيز الطباطبائي ، الذي شملني برعايته الأبوية ، كما هو شأنه دائما ،
وعرض علي ما يزيد على العشرين كتابا ورسالة (مصورات ، ومستنسخات) كي
أنتفي منها ما أشاء ، فلفت انتباهي كتاب الليل والنهار لابن فارس ، فاخترته من بينها ، فأشار علي بحسن الاختيار ودقة الانتقاء .
تصفحته وقرأته فإذا أنا بلوحة أدبية رائعة ، تنشرح لها النفوس ، وتطرب
لها الأفئدة ، جمعت بين قداسة الآية الكريمة والحديث الشريف ، وظرافة الشعر
العربي ، وعبرة المثل السائر ، وجمال لغة القرآن .
كتاب الليل والنهار : ذكره أغلب من ترجم لابن فارس ضمن مصنفاته ،
ولم يعثر الباحثون على أية نسخة منه ، سوى ما نقله زهير عبد المحسن سلطان ـ في
مقدمته لكتاب « مجمل اللغة » ـ عن بروكلمان في « تأريخ الأدب العربي » أنه ذكر
وجود نسخة مخطوطة من الكتاب في ليبزج 780 رقم 4 ، بعنوان « قصص النهار
وسمر الليل »(5) ولست أدري هل ان النسخة المذكورة هي بعينها « كتاب الليل والنهار » أم لا ؟ وإذا كان كذلك فما هو السبب في تغيير اسم الكتاب المثبت في
أغلب المصادر القديمة ؟ ! .
هي النسخة الموجودة بحوزة السيد الطباطبائي ، حيث قام باستنساخها على
النسخة المحفوظة في مكتبة ملك في طهران ، الكتاب الرابع من المجموعة المرقمة
(852) ، وتقع في 126 ورقة ، يحتل كتابنا الأوراق من 121 إلى 126 ، فرغ من
كتابته بخط النسخ علي بن علي بن إبراهيم الطوخي المالكي في يوم الأحد المصادف
12 ذي الحجة سنة 996 هـ .
والكتب الاخرى في المجموعة حسب الترتيب الآتي :
1 ـ المكافاة على الحسن والقبح : تأليف أبي جعفر أحمد بن يوسف
ابن إبراهيم بن دايه المصري الكاتب (340 هـ) ، من الورقة 2 إلى الورقة 47 .
2 ـ بلوغ الآداب في لطائف العتاب : تأليف محمد بن أحمد المقري ، من
الورقة 49 إلى الورقة 114 .
3 ـ حكمة الإسراء ومفاخرة الأرض والسماء : لم يذكر مؤلفه ، من الورقة
115 إلى الورقة 118 .
*
*
اعتمدت في تحقيقي للكتاب على النسخة الوحيدة التي وقعت في يدي
والتي مر وصفها ، فحاولت ما استطعت تقويم نص الكتاب وضبط عباراته وفق ما
توفر لدي من مصادر ، فقمت بتخريج الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة ،
وعلقت على الأمثال السائرة بما يناسب المقام ، وشرحت الألفاظ الصعبة والمغلقة ،
بما ييسر فهم العبارة ، مستندا في ذلك إلى كتب اللغة والأدب ، وذكرت لجملة
من الأعلام ترجمة مختصرة ، انتزعتها من كتب التراجم والرجال ، ذيلت كل ذلك
في هامش الكتاب .
وختاما أرجو أن أكون قد وفقت لإخراج هذا الكتاب بصورة مناسبة ،
وأكون بذلك قد قدمت للقارئ الكريم أثرا نفيسا من ذخائر تراثنا الغني بكل ما
هو طيب وجميل ، بما ينال رضاه ، ولله الحمد أولا وآخرا .|
3 صفر 1409 هـ |
*
وبه نستعين وصلى الله على نبيه محمد وآله وصحبه أجمعين .
سألني فتى من أهل الجبل ـ جبل الماهين ـ أن اثبت له ورقات في ذكر
الليل والنهار ، وما يصلح أن يفضل به أحدهما على الآخر ويسوى ، فارتجلت
كتيبي هذا مسعفا له به .
إن الله جل وعز قال : (وجعلنا الليل والنهار آيتين) (1) وقال في
مفتتح سورة [ الليل ] : (والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى) (2) فبدأ بذكر
الليل ثم أعقبه بالنهار ، وفي التقديم على أي حال كان ما فيه ، قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : « قدموا قريشا ولا تقدموها » (3) . فبين فضيلة التقديم ، وقال
جل ثناؤه : (جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا) (4) ، وقال
تبارك اسمه : (وهو الذي جعل الليل والنهار آيتين) (5) ، وقال جل ثناؤه :
(قل ارأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا) (6) .
وذلك كثير في أي من القرآن كثيرة .
ليس تقديم الشيء بالذكر على غيره موجبا فضيلة ، ولا ناتجا منقبة ،
ألاترى أنه قال جل ثناؤه : (خلق الموت والحياة) (7) ومعلوم أن الحياة
أفضل ، وقال جل وعز : (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (8)
والإنس لا شك أفضل .
مع أن في القرآن تقديم النهار على الليل في قوله جل وعز : ( والنهار اذا
جلاها * والليل اذا يغشاها) (9) فقدم النهار . وقال جل ثناؤه : (مثل الفريقين
كالأعمى والأصم والبصير والسميع) (10) . تأويل ذلك عن أهل اللغة : مثل
الفريقين كالأعمى والبصير والأصم والسميع ، فهل يكون المقدم ها هنا أفضل من
المؤخر ، ذا لا يكون أبدا .
فضيلة الليل تقدمه على النهار وسبقه إليه ، قال الله تعالى : (او لم ير
الذين كفروا ان السماوات والارض كانتا رتقا ففتقناهما) (11) فلا
مرية في أن المرتتقين مظلمان ، فإذا فتق أحدث معنى آخر ، فالظلمة إذا قبل النور
في الإنشاء والخلقة ، وإذا كان كذا فالليل قبل النهار .
ولعمري ما الأمر على ما ظننته بل النور قبل الظلمة ، قال الله تعالى
ذكره : (الله نور السموات والأرض) (12) .
تأويل ذلك أنه جل ثناؤه هو الذي أضاء هما بنور استنارا به ، فأغفلت أنت
هذا ، واعتبرت العالم الذي نحن ساكنوه ، وقد قال جل وعز : (هو الذي جعل
الشمس ضياء والقمر نورا) (13) . فبالنيرين أضاء ما كان مرتتقا ، ثم فتق بالضياء قبل الضلام ، والنهار
مضيء ، فاعلم ذلك .
معلوم أن الزمان حركات الفلك في دورانه ، وهو أعوام وشهور وأسابيع ،
ومتى ولد الشهر فإنما يذكر من أول ليلة لأول يوم منه ، فلو كان النهار أفضل كان
افتتاح الشهر به لا بل مفتتحه الليلة الاولى منه .
هذا عليك لا لك ، وذلك أن خلقا يكثر عددهم يجعلون مفتتح الشهر
أول يوم منه ، وإنما العرب عدت الشهر من أول ليلة ، لأن الهلال فيها يهل ، والله
عز وجل يقول : (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) (14)
فجعل جل ثناؤه مواقيت الحج ومواقيت سائر ما بالناس إليه حاجة من اقتضاء
الديون وانقضاء عدد المعتدات وغير ذلك من أنواع العبادات في إهلال الهلال .
هذا والشهر عند العرب إنما هو الهلال ، ثم سمى به كل ثلاثين يوما
شهرا ، وذا شيء اتفقت فيه العرب والعجم ، لأن « الماه » عند العجم هو القمر ، ثم
وقال كثير (16) :
والهلال إذن هو المقدم والهلال نور ، وذلك دليل على أن النور قبل
الظلمة .
وبعد فإنا رأينا ذوي الإحساس وأكثر الناس ، يجزعان من الليل ، لا بل
يلومونه ويذمونه ويكرهونه ويتشكون طوله ، قال امرؤ القيس (17) :
« وفيات الأعيان 4 : 11|523 ، الأغاني 18 : 3 ، خزانة الأدب 1 : 50 ، الأعلام 5 : 124 » .
قال المرزباني : كان شاعر أهل الحجاز في الإسلام لا يقدمون عليه أحدا .
وأخباره مع عزة بن جميل الضمرية كثيرة ، وكان عفيفا في حبه لها .
توفي بالمدينة سنة 105 هـ ، وقيل 107 هـ .
« الأغاني 9 : 3 ، وفيات الاعيان 4 : 106|546 ، سير أعلام النبلاء 5 : 152|54 ، عيون الأخبار
2 : 144 ، العبر في خبر من غبر 1 : 101 ، العقد الفريد 2 : 246 ، شذرات الذهب 1 : 131 ، الأعلام 5 :
219 » .=
فانظر الآن في تكرهه الليل وتروحه بالصبح ، فاين المشتكي من المترجي !
ولولا اشتهار ما قاله الشعراء كتبناه .
إنما هذه الاشعار على اختلاف أحوال القائلين ، فكم متمن ليلا كتمني
غيره نهارا ، وكم ذي كربة من غريم يباكره ، أو عدو يماكره ، أو ضد لا بد له من
أن يراه مع الذي في رؤية الضد من الكرب والكآبة ، وأهل بغداد يقولون :
الكتاف بالقد (18) ولا الجلوس مع الضد .
وكم من جيشين يتقابلان ويتقاتلان سحابة يوم حتى إذا جاء الليل ،
وأقبلت مقاصير (19) الظلام تكافا وتحاجزا ، أما في ذلك راحة للفريقين ؟ قل:
بلى .
وقال خداش بن زهير (20) :
ويعرف امرؤ القيس بالملك الضليل ، لاضطراب أمره طول حياته ، وذي القروح ، لما أصابه من
قروح ظهرت في جسده ، وهو في أنقرة حيث أودت بحياته هناك حوالي سنة 80 قبل الهجرة .
« الأغاني 9 : 77 ، خزانة الأدب 1 : 160 ، الأعلام 2 : 11 » .=
ويروي : جد صادقة .
فاعلم أن الليل حجز بينهم .
وقال بعض أهل هذا العصر فيما يعانيه من غرمائه :
فالليل متمنى قوم ، والنهار متمنى آخرين .
وأنشدني أحمد بن الحسين (23) ، قال : أنشدني الخبزري (24) :
« الإصابة في تميز الصحابة 1 : 461|2327 ، الأعلام 2 : 302 » .
ومنه قول كعب بن مالك :
« لسان العرب ـ سخن ـ 13 : 206 » .
ثم قال : وذكر المرزباني . . . أن البيت الذي قاله في قريش كان في حرب الفجار ، وهذا
أصوب . « الإصابة 1 : 462 » .
« معجم الادباء 4 : 82 ، إنباه الرواة 1 : 130 » .=
وأنشدني غيره :
ولهم في هذا شعر كثير ، وقد تقابلت الالحان فكل يمدح الأوفق له .
بلى ، من فضل الليل على النهار عناية العرب
بتسمية كل ثلاث منه في الشهر باسم كالغرر (25) والنفل (26)
والتسع (27) والعشر (28) والبيض (29) والدرع (30) والظلم (31)
انظر « يتيمة الدهر 2 : 365 ، تاريخ بغداد 13 : 296|7271 ، معجم الادباء 19 : 218|78 ،
الانساب 5 : 40 ، وفيات الأعيان 5 : 376|760 ، مرآة الجنان 2 : 275 ، شذرات الذهب 2 : 276 ،
الأعلام 8 : 21 » .=
فأما الليالي التي جاءت الشريعة بتفضيلها فكليلة الجمعة ، وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ، وهي التي قال الله جل وعز : ( إنا انزلناه في ليلة القدر ) (35) وقال الله تعالى ذكره : ( في ليلة مباركة إنا كنا منذرين * فيها يفرق كل امر حكيم ) (36) ثم قال : ( سلام هي حتى مطلع الفجر ) (37).
فقال أهل التفسير : لا يعمل فيها سحر ، ولا يحدث فيها شيء من شر ، بل هي رحمة من أولها إلى آخرها (38).
ومن الليالي ليلة النصف من شعبان ، وجاء في الحديث : إن الباري جل ثناؤه يقول فيها : هل من مستغفر فأغفر له ؟ هل من مسترزق فأرزقه ؟ هل من مبتلى فاعافيه ؟ حتى يطلع الفجر (39).
ظلم ، بالتسكين ، لأن واحدتها ظلماء . « لسان العرب ـ ظلم ـ 12 : 378 ».
« لسان العرب ـ حندس ـ 6 : 58 ».
فهذا في الليل ولم يجئ في النهار مثله.
وروى عمروبن عبسة (40) قال : يا رسول الله ، هل من ساعة هي أقرب إلى الله عزوجل من اخرى ؟ قال : نعم ، جوف الليل الأوسط (41).
ولم يقل مثل ذلك في النهار.
الاسبوع تسمى أيامه الجمعة والسبت إلى الخميس ، وليست الليالي كذلك ، بل الليالي منسوبة إليها ، فيقال : ليلة الأحد ، وليلة كذا ، وليس المضاف كالمضاف إليه.
وبعد فالأيام النبيهة أكثر من الليالي التي عددت ، كيوم الجمعة وهو يوم العروبة (42) ، ويوم المزيد.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم بارك لامتي في بكورها يوم سبتها ويوم خميسها (43).
ولم يقل ذلك في شيء من الليالي.
« اسد الغابة 4 : 120 ، الإصابة 3 : 5|5903 ، تهذيب الأسماء واللغات 2 : 31|19 ، تهذيب التهذيب 8 : 61|107 ، تقريب التهذيب 2 : 74|629 ».
وكيوم عاشوراء وما جاء في فضله (44) ، ثم في الأيام المعلومات والمعدودات وكيوم عرفة ، وكالساعة التي يرجى فيها إجابة الدعاء من يوم الجمعة ، وذلك للنهار دون الليل.
وبعد ، فالليل أكثر آفات ومحاذر ، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « خمروا (45) آنيتكم ، وأوكوا (46) أسقيتكم ، وأجيفوا (47) الأبواب ، واكفتوا (48) صبيانكم ، فإن للشيطان انتشاراً وخطفةً » (49). يعني بالليل.
ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جداد الليل وصرام الليل (50). وذلك لما يخشى على الجاد والصارم من نهس أو نهش (51) (52).
وتقول العرب : المكثار حاطب ليلٍ (53) . لما يخشى عليه ، كذلك المكثار ربما تكلم بكلمة فيها عطبه ، والنهار على كل حال أسلم وأقل آفات.
قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم [ عن الصلاة ] في أوقات من
=
وبعد ، فإن النعمة على الإخوان المتقاربي المنازل ، متعتهم بمجالسة الليل على امتداده ، وأنه ربما نفد الليل ولم يشعروا بنفاده ، ولم يقضوا وطرهم من سرور الاجتماع فيه.
قالوا : ومن فضائل الليل التهجد التي أقر (54) الله جل وعز نبيه صلى الله عليه وسلم فقال : ( ومن الليل فتهجد به ) (55).
ثم مدح صالحي عباده فقال : ( والمستغفرين بالاسحار ) (56) . وقال في طبقة أرفع من هؤلاء : ( كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون ) (57).
ووصف جل ثناؤه ضروب التهجد فقال : (امن هو قانت آناء الليل
ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه) (58) .
وأنشدني أبي (59) رحمه الله :
الحية ولدغته في احتطابه ليلا ، فكذلك المكثار ربما يتكلم بما فيه هلاكه ، يضرب للذي يتكلم
بكل ما يهجس في خاطره .
قال الشاعر :
« مجمع الأمثال 2 : 304 » .
« مقدمة مجمل اللغة 1 : 16 وفي ذيله : طبقات ابن الصلاح : 73 أ ، طبقات الاسنوي 2|264 ـ 265 ،=
قال أهل العلم : في الليل تنقطع الأشغال ، وتجمر الأذهان ، ويصح
النظر ، وتؤلف الحكم ، وتدر الخواطر ، ويتسع مجال القلب .
والليل أضوأ في سبل الفكر ، وأخفى لعمل الشر ، وأصح لتلاوة الذكر .
قال الله جل ثناؤه : (إن ناشئة الليل هي اشد وطأ واقوم قيلا) (60) .
قالوا : ومدبرو الملك يختارونه على النهار لما في ذلك من صحة التدبير ،
وتصحيح المعاني ، وتقويم المباني ، وإظهار الحجج ، وإيضاح النهج ، وجمع المبسوط ،
وبسط المجموع .
ثم مؤلفوا الكتب يختارونه على النهار لأن القلب بالنهار طائر ، وفى الليل
ساكن ، وبذلك يصيبون نظم الكلام وتقريبه من الأفهام ، وبتدبير الليل يعرف
الخاصة للملك الحازم وتنقاد العامة له ، وقديما كان يقال : الليل نهار الأديب .
وكان من حديث ذلك فيما حدثني به أبي أن بعض البرامكة ولى ابنه
ولاية ، فبلغه عنه إهماله للرعية ، وإقباله على اللهو ، فكتب إليه :
قالوا : ومما وصف به الليل قول القائل :
النجوم الزاهرة 4|135 » .
وأنشدني علي بن إبراهيم (61) قال : أملى علينا ثعلب (62) أبيات بعض
اللصوص ، وفيما يقول :
وقال آخر :
وقال الله جل ثناؤه لنبيه موسى عليه السلام : ( فاسر باهلك بقطع من
الليل) (63) . وقال لنبينا صلى الله عليه وسلم : ( سبحان الذي اسرى بعبده
ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله) (64) .
قالوا : وفي الليل ينجو الهارب ، ويدرك الطالب ، وفيه تظهر شجاعة
الشجاع ، وجبن الجبان .
وينشد لبعض الفتاك :
« معجم الادباء 12 : 220 ، تذكرة الحفاظ 3 : 856 ، العبر 2 : 70 ، طبقات المفسرين للداودي
1 : 388|333 » .
« تاريخ بغداد 5 : 204|2681 ، إنباه الرواة 1 : 173|86 ، العبر 1 : 420 ، شذرات الذهب 2 :
207 ، وفيات الأعيان 1 : 102 ، الأعلام 1 : 267 » .
بالليل تدب الهوام ، وتثور السباع ، وتنتشر الخراب ، وتكبس الأحياء ،
وتشن الغارات ، ولذلك قيل : الليل أخفى للويل (65) .
ولذلك استعاذوا بالله عز وجل من الايهمين ، وهما السيل والليل ،
ويقال : الاعميان .
ومما يذم به الليل تشبيه الله عز وجل وجوه أعدائه به فقال : (كانما اغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما) (66) .
وكان الحسن
(67) يقول : ما خلق الله خلقا أشد سوادا من الليل . وقال
الله عز وجل : (ومن شر غاسق اذا وقب) (68) وهو الليل إذا أظلم . قال : فهذا
هذا .
ثم من الحجة في فضل النهار على الليل افتخار العرب بالأيام دون الليالي
فقالوا في مغاراتهم وحروبهم : يوم خزازى ، ويوم ذي قار ، ويوم حف (69) ، ويوم
كذا ويوم كذا ، ولم يذكروا مثل ذلك في الليالي .
قال عمروبن كلثوم (70) :
« الطبقات الكبرى 7 : 156 ، حلية الأولياء 2 : 131|170 ، وفيات الأعيان 2 : 69|156 ،
تهذيب التهذيب 2 : 231|488 ، ميزان الاعتدال 1 : 527|1968 ، العبر 1 : 103 ، شذرات الذهب 1 :
136 ، الأعلام 2 : 226 » .=
ولم يقل في الليالي ذلك ، بل يذكرون الليل عند خلوهم إلى الشهوات
ولذات النفوس بالأشعار اللينة .
ومن استثقالهم الليل وبغضهم له قوله :
قال صاحب الليل :
قد تقدم القول في الليل ، وأن ذوي الرأي يبيتون فيه ما يرومونه .
وبعد فإن أحمد بن علي النقاد (71) ، حدثني عن أبي إسحاق إبراهيم بن
إسحاق الحربي (72) قال : كان شعراء الجاهلية وغير شعرائهم إذا جاءهم الأمر
بغتة نسبوا ذلك إلى الليل ، فكان من حديث الصحيفة التي كتبتها قريش على
ساد قومه وهو فتى ، وعمر طويلا ، مات في الجزيرة الفراتية .
« الأغاني 11 : 52 ، خزانة الأدب 1 : 519 ، الأعلام 5 : 84 » .
انظر : « مجمل اللغة 1 : 71 ، 133 » .
« تاريخ بغداد 6 : 27 ، الأنساب 4 : 100 ، معجم الأدباء 1 : 112 ، معجم البلدان 2 : 237 ،
فوات الوفيات 1 : 14|2 ، تذكرة الحفاظ 2 : 584 ، بغية الوعاة 1 : 408|815 ، شذرات الذهب 2: 190 ،
مرآة الجنان 2 : 209 ، الكنى والألقاب 2 : 157 » .
وأما ما قال الشعراء في مثل ذلك فقول الأعشى (73) :
يقول : إن ارتحالها كان من همهما بالليل ثم ارتحلت نهارا .
وقال الشماخ (74) :
وقال رجل من كلب :
« الأغاني 9 : 108 ، خزانة الأدب 1 : 84 ، الاعلام 7 : 341 » .
« الإصابة 2 : 154|3918 ، الاغاني 9 : 158 ، خزانة الادب 1 : 526 ، الأعلام 3 : 175 » .
« سترجع غصبي رثة الحال عندنا » ، وفي الخزانة : « سترجع غضبي نزرة الحظ عندنا » .
وقال عنترة (76) :
يريد أنكم دبرتم ذلك ليلا .
فأما العرب فإنهم سووا بين الليل والنهار في التسمية فسموها وقالوا :
الجديدان والأجدان (77) والفتيان والمهرمان والملوان.
أنشدني أبوبكر محمد بن أحمد (78)، قال : أنشدني أبو بكر بن دريد في
القصيدة التي يقول ، فيها :
ولبعض أهل العصر :
قال الشيخ أبو الحسين أحمد بن فارس : هذا ما سنح وبرح في الوقت ،
وكنت أمليت كتابا سميته كتاب « السنة » وفيه طرف من علم الشريعة ،
وبابات من اللغة ، فلذلك لم أعدها ها هنا ، والله الموفق بمنه وكرمه آمين .
« الأغاني 8 : 237 ، خزانة الأدب 1 : 26 ، الأعلام 5 : 92 » .
« تارخ بغداد 8 : 410 ، تذكرة الحفاظ : 939 ، مقدمة مجمل اللغة : 16 » .
وكان الفراغ من نسخ هذه الكتاب في الليلة التي يسفر صباحها عن يوم
الاحد المبارك ثاني شهر ذي الحجة الحرام ختام سنة ستة وتسعين وتسعمائة على يد
الفقير علي بن الطرخي المالكي عفا الله عنه .
*
*
ووقع الفراغ من نسخه يوم الثلاثاء خامس صفر سنة 1408 وقد نسخته
في جلستين في مكتبة ملك العامة في طهران على نسخة فيها بآخر المجموعة رقم
852 ، وأنا العبد عبد العزيز الطباطبائي غفر الله له ولوالديه .
*
*