بعدقبل

النحت الخفية
في النادرة الشريفة

(8)

السيد محمد رضا الحسيني



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ، وعلى الأئمة من آله الهداة الى سبيل الله ، والتحية والرضوان لأتباعهم الصالحين أولياء الله ، والعن والهوان على أعدائهم أعداء الله .
وبعد :
فقد ورد في المقاتل المنشور في العدد (10) الأول من السنة الثالثة (1408) من نشرة « تراثنا » العامرة ، بحث شيق حول نادرة الشريف الرضي رضوان الله عليه ، التي بدرت منه وهو طفل ، فدلت على عبقريته الفذة مذ تلك السن المبكر .
وأورد الباحث حديث النادرة عن كتاب « وفيات الاعيان » لابن خلكان في ترجمة الشريف الرضي ... قائلا عنها : أصبحت ... من أشهر النوادر العلمية التي تذكر للتدليل على حدة الذكاء وسرعة الخاطر ... في فترة من العمر يكون تملك مثل هذا ... فيها يبعث أعجابا أكثر وأكبر [ المقال ص 10] .
ونحن ننقل النادرة عن « وفيات الاعيان » من النسخة الموجودة عندنا


( 164 )

[ وهي طبعة مصر سنة (1310) بالمطبعة الميمنية وطبع بهامشها كتاب « الشقائق النعمانية » فقد جاء في (ج 2 ص 3 ) ما نصه :
ذكر أبو فتح ابن جني .. في بعض مجاميعه : ان الشريف الرضي ... أحضر الى ابن السيرافي النحوي ، وهو طفل جداً ـ لم يبلغ عمره عشر سنين ـ فلقنه النحو ، وقعد معه يوما في حلقته ، فذاكره بشيء من الاعراب ـ على عادة التعليم ـ فقال له : اذا قلنا : « رأيت عمرو » [ كذا في المطبوع ] ، فما علامة النصب في عمرو ؟
فقال له الرضي : بغض علي .
فعجب السيرافي ، والحاضرون من حدة خاطره .
انتهى عن الوفيات .
وقد لاحظ الكاتب اختلاف طبعات « وفيات الاعيان » في ايراد جملة السؤال من هذه النادرة ، ونقل عن طبعة بولاق مثل ما نقلنا .
وفي طبعة بيروت الحديثة ـ بتحقيق احسان عباس ـ وطبعة حجرية بايران ـ نقل الكاتب أنها أصح الطبعات ـ جاءت هكذا : « اذا قلنا : ( رأيت عُمَرَ ) فما علامة نصب عمر ؟ » .
ثم نقل الكاتب عن مصادر أخرى هذا الاختلاف في نقل جملة السؤال ، وأكثر المصادر أثبتت لقظ « عمر » في الموردين ، وبعضهما أثبت لفظ « عمرو »
ولاحظ الكاتب أن محقق « ديوان الشريف الرضي » الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو رجح أن يكون الصحيح في العبارة لفظة « عمرو » ، وأن المراد به « عمرو بن العاص » ليتم جواب الرضي بقوله : « بغض علي » لان ابن العاص هو الذي كان يبغض عليا عليه السلام ويحاربه جهارا ، وخطا ـ بنظره ـ النسخة التي جاء فيها لفظ « عمر » لوجهين :
1ـ لأن عمر ـ [ ولابد أن يكون المراد به عند الاطلاق هو عمر بن الخطاب ] ـ « لم يذكر أحد أن قامت بينه وبين علي [عليه السلام ] مثل هذه


( 165 )

البغضاء » .
2ـ وعلله ثانيا بقوله: « ربما كان [ أي الاتيان بلفظ « عمر » ] وهما سبق الى الاذهان للنكتة اللغوية في منع صرف الكلمة » [ المقال ص 11 ] .
وقد رد الكاتب على كلامه ـ الذي اختصرناه ـ بوجوه عديدة مفصلا .
وفند في « الوجه الخامس » التعليل الاول مما ذكره الدكتور بشكل حاسم وصريح وواضح [ المقال ص 15 ] .
وبالنسبة الى التعليل الثاني الذي ذكره الدكتور الحلو ( فهو مرتكز تعقيبنا هذا ) نقول:
ان كاتب المقال ـ وهو يرجح ان تكون العبارة « عمر » بلا واو ـ يبدو موافقا لما احتمله الدكتور ـ وجعله وهما ـ في هذه العبارة من النكتة الاعرابية ، حيث ذكر الكاتب في الوجه الثالث ـ مما علقه ـ: ان التمثيل في هذه النادرة انما وقع من جهة الاعراب وعلاماته التي تظهر في النطق ، كما هو المدلول الواضح لكلمة « قلنا » ... لا من جهة املاء الكلمة وكيفية كتابتها .
ولفظة « عمرو » لاتختلف نطقا عن سائر الألفاظ المعربة المنصرفة في أنها تظهر عليها حركات الاعراب رفعا ونصبا وجرا ، فليس في اختيار التمثيل بها [ = لفظة عمرو] أية جهة يستدعيها امتحان الطالب واختبار ذكائه وتفهمه للقواعد النحوية ، سوى معرفة أوليات النحو وأبسط مبادئه ، وهي كيفية الرفع والنصب والجر ، والشريف كان قد تجاوز هذه المرحلة ...
والاختبار انما يكون بعد أن يكون الطالب قد تجاوز مرحلة يصح معها اختباره وأمتحانه [ المقال ص 14 ] .
أما ما ذكره الكاتب من أن السؤال لا بد أن يكون عن اعراب « عمر » لا اعراب « عمرو » ، لما ذكره من وضوح أمر الاعراب في « عمرو » ، فلا يسأل عنه مثل الرضي !
فنرد عليه الكلام : بأن منع « عمر » من الصرف أيضا من أوليات النحو ،


( 166 )

وأبسط مبادئه ، وهي كيفية اعرابه كما ذكر ، « ولفظة ( عمر ) لا تختلف نطقا عن سائر الالفاظ المعرب غير المنصرفة في اعرابها » ! واذا كان الشريف « قد تجاوز هذه المرحلة » كما يقول الكاتب و « تجاوز مرحلة يصح معها اختباره وامتحانه » بمثل هذه الأعاريب ، فلا بد أن لا يطرح عليه مثل هذا السؤال البسيط عن الاعراب ما لا ينصرف ، الذي يعرفه الاصغر منه ، والاقل منه ذكاءً .
وأما ما نراه نكتة صالحة لرفع مستوى النادرة الى ما بلغته من الشهرة ، والى حد الاعجاب والاكبار ، وتناسب ذكاء السيد الشريف ونبوغه ، فهو : ان الصواب في العبارة هو:
« اذا قلنا : ( رأيت عمر ) فما علامة النصب في عمر ؟
فقال له الرضي : بغض علي »
فالوجه في السؤال ، أن لفظ « عمرو » يحتوي على نكتة اعرابية في النطق ، ونكتة املائية في الكتابة ، وما المانع من جمعهما في السؤال ؟!
فان لفظ « عمرو » في حالة النصب ، ينصب بالتنوين ، ويخالف ـ نطقا ـ لفظة « عمر » في ذلك ، حيث لا يلحقه التنوين لعدم انصرافه .
وكثيرا ما يشتبه الأدباء بينهما ، وهو وجه لطيف لتوجيه السؤال الى المبتدئين في النحو .
وهو [ أي لفظ « عمرو » ] ايضا يتغير في الكتابة عند النصب ، فان واوه تحذف ، وتلحقه الألف ، ويخالف في ذلك أيضا لفظة « عمر » .
ويشتبه الادباء أيضا في ذلك ، كما وقع الدكتور الحلو فيه ايضا وهو ما ذكره الكاتب في « الوجه الرابع » .
فلفظ « عمرو » في حالة النصب محل لمثل هذه الاشتباهات من الكبار ، فيكون توجيه السؤال عنه الى مثل الشريف وهو في عمر الصغار وام يبلغ العاشرة ، متجها بوضوح .


( 167 )

فيلاحظ بوضوح ارتباط املاء الكلمة بحالة اعرابها في « عمرو » ارتباطا وثيقا ، ومثل هذا الارتباط والتشابك هو الذي يجعل طرح السؤال عنه موجها ، وخاصة للمبتدئين .
فلا وجه لما ذكره الكاتب من أن التمثيل في هذه النادرة انما وقع من جهة الاعراب وعلاماته التي تظهر في النطق ... لا من جهة املاء الكلمة وكيفية كتابتها .. فلاحظ .
ويلاحظ أن كلمة « عمر » الاول في السؤال جاءت ـ حسبما نراه ـ بلا واو وبلا ألف النصب .
أما حذف الواو : فلأن المفروض أن كلمة « عمرو » تحذف واوها في حالة النصب ، وهي في جملة السؤال منصوبة بـ « رأيت » .
وأما حذف ألف النصب : فلأن المفروض في السؤال أن لا ينطق السائل بالاعراب الذي يسأل عنه ، والا كان الجواب واضحا ، وانتفت فائدة السؤال ، فالمفروض أن يقف السائل على الكلمة بالسكون ، وياتي بالكلمة مهملة عن الاعراب .
فكلمة « عمرو » اذا وقعت مفعولا به تصير « عمرا » واذا وقفنا عليها وأهملناها من الاعراب تكون بصورة « عمر » وقد أطبقت المصادر على حذف الالف سوى اثنين ، كما ذكر الكاتب فلا بد من الالتزام بالتحريف فيها كما ذكرنا .
ويظهر ان الناقلين للنادرة ام يميزوا بين « عمر » الواردة في السؤال ، وبين « عمر » ، فتصوروا أن الكلمة أذا كانت الاولى فلا بد من وجود الواو ، أو وجود ألف النصب ، ومع عدمها فهي الكلمة الثانية قطعا .
غفلة عن أن كلمة « عمرو » في حالة النصب تتخلى عن الواو ، وبما أنها وقعت في جملة السؤال تخلت عن الألف أيضا ، فصارت « عَمر » ، وليست « عُمَر » .


( 168 )

والمصادر التي أثبتت صورة « عمر » ـ وهي الاكثر ـ أصابت الحق ، الا أنها لم تعين كون الكلمة « عُمَر » أو « عَمر » لخلوها عن الضبط بالحركات ، خاصة المطبوعات المهملة .
وعلى ما ذكرنا فان الكلمة هي « عَمر » حذف واوها للنصب ، وحذف ألفها للسؤال ، وأما « عمرو » الثانية في السؤال ، فهي مع الواو لعدم كها منصوبة بل مجرورة بـ « في » .
وبهذا نعرف نكت كل من توجيه السؤال ، وربط جواب الشريف به ، وتندره فيه ، وذلك :
أما السؤال :
فهو ليس ع أعراب « عَمرو » حتى يقال ـ في كل منهما ـ ان أمر اعرابه واضح ، فلا يوجه الى مثل الشريف في نبوغه !
لكن السائل لما وجه السؤال الى الشريف بذلك الشكل ، أي بقوله : « رايت عَمر » ـ بلا الف ولا واو ـ ، أراد أن يختبر ذكاء الشريف ، فيجده : هل يميز بين نصب « عمر » فيقوله بالتنوين ، وبين نصب « عُمَر » فيقوله بالفتح ، فان مثل ذلك من مواضع الاشتباه كما أوضحنا .
واما النكتة الخفية في جواب الشريف ، بقوله : « بغض علي » ، فهي أن الشريف أشار بذلك الى الجوب الاعرابي ، والاملائي ، والعقائدي ، مع استعماله أسلوبا بلاغيا رائعا ، وذلك :
أن كلمة « عَمر » الواردة في السؤال بلا واو ، ولا ألف ـ كما شرحنا وجهه ـ تشبه رسما واملاءا كلمة « عُمَر » لحذف واوها نصبا فكلمة « عمرو » في حالة النصب وعدم تحريكها تكون « عمر » فأجاب الشريف بلازم ما تؤول اليه كلمة « عمرو » في حالة النصب وهو« بغض علي » لأن الشريف أول كلمة « النصب » الواردة في السؤال من ظاهرها في ارادة الحالة الاعرابية ، الى معناها العقائدي الذي هو العداء للامام أمير المؤمنين عليه السلام .


( 169 )

وهذا التأويل مبتن على اساس ما يسمى في علم البلاغة بـ « القول بالموجب »(1) وهو أن يحمل المجيب ، اللفظ الواد في السؤال ، على معنى لم يقصده السائل .
فالسائل أراد من النصب ، الاعراب .
والشريف أجابه على أنه أراد النصب العقائدي .
ولا ريب أن جواب الشريف هذا ، واستعماله هذا الاسلوب البلاغي البديع ، يحتاج الى مزيد الدقة ، وحدة الذكاء ، وسرعة انتقال الخاطر، والتوجه الى المعاني المختلة واصابة المنحر في المسألة العقائدية ، بما كان صدوره من السيد الشريف في ذلك العمر موجبا للاعجاب الأكبر .
وهو الذي أثار حفيظة كثير م المتأدبين ، فحرفوا النادرة الى ما يهون !
ان الاباء المعهود في الشريف الرضي ، ذي النسب العلي ، والأنف الحمي ، دفعه الى اعتبار الامتحان في الحلقة امتهانا ، واثارة للطائفية الممقوتة ، فكانه فهم ـ وهو الملاحظ ـ أنهم أرادوا أن يجبروه على أن يتصور صورة كلمة « عمر » التي سيؤول اليها لفظ « عمرو » في حالة النصب ، فأبى أن ينصاع لهم ، وانما ذكر لازمها وهو « بغض علي » ، فجابههم بهذا الجواب اللاذع .
وفي اجابة واحدة جمع الشريف الرضي بين شتات كل هذه المطالب وهذا منه ـ وهو طفل لم يبلغ العاشرة في حلقة علماء الفن ـ يدل ـ بلا ريب ـ على ذكاء مفرط ونبوغ مبكر .
وقد جمعنا بابرارنا لهذه النكت الطريفة بين ما يناسب شخصية الشريف المرموقة ، وبين شهرة النادرة الواسعة ، ورفعنا الخلل الواقع في النسخ المختلفة من المصادر الناقلة لها .
____________
(1) كذا يسميه قدماء البلاغيين ، وسماه في كتاب « الاسلوب الصحيح في البلاغة » ـ ص 78 ـ بـ « التعريف ».
(170 )

وأثبتنا ما كان الكاتب الفاضل بصدده من ابداء الحق الى جانب عقيدة الشريف الرضي عليه وضوان الله الملك العلي .
والحمد لله أولا وآخرا .

* * *