صلةقبل


من ذخائر التراث



( 164 )


( 165 )

رسالة
« نقض فتاوى الوهابية »

للامام الشيخ كاشف الغطاء







السيد غياث طعمة


على أعتاب الذكرى

منذ أن روى الاسلام رمال الجزيرة بدماء الابرار ، فاخضرت أزهاره ونشر أريجه ، وطمح أن يزيح كابوس الظلام والظلم عن صدر العالم ، كانت جحافل الشر والكفر والنفاق تحاول قلع ما يغرسه الاسلام ، وتقف سدا أمام مد النور الساطع ، لانه إن انتشر ماتت ، وما برحت تكيد الدسائس لمحو الاسلام ، وإلا فلتحجيمه على أضعف الآمال . . .
وبالفعل عصفت بالامة الاسلامية عواصف هوجاء ، كل عاصفة تحمل لونا وطريقة ، لكنها تلتقي في هدف القضاء على الاسلام . . .
وإذا كانت تلك النكبات قد جرت على أيدي اناس انتحلوا الاسلام وتولوا زمامه وهم يطعنونه صباح مساء ، فلا غرو أن يشهر الغرب والشرق سلاحه ويعلن عداءه وهدفه بعد أن مهد أدعياء الاسلام له ذلك .
وبالفعل فقد شمر عن الساعد ووضع كل إمكاناته في سبيل خدمة هدفه الاصلي . . . القضاء على الاسلام العزيز . . . ولاجل تحاشي الاصطدام ما أمكن بدأ بزرع جراثيمه في الاصقاع الاسلامية ، وكلما كان البلد أكثر عراقة وأشد التزاما بتعاليم دينه كان لابد أن تكون الشجرة الملعونة الحاكمة في ذلك البلد أشد سما


( 166 )

وأكثر انزلاقا في بحر الرذيلة ، وعالمنا المعاصر انموذج حي لذلك ، ففي فلسطين تبذر إسرائيل ، وفي مصر لا بد أن يحكم السادات وأضرابه ليمر يد الذل ويمسح بها على يد تلطخت بدماء المسلمين الابرار وليجري أجل كلام . . . كلام الله . . . على أفحش لسان ويدعي الاستناد إلى القرآن في عمله . . . وفي العراق وو . . .
ولما كانت أرض الحجاز تضم أقدس مقدسات المسلمين . . . بيت الله وحرمه الآمن وحرم رسوله ـ صلى الله عليه وآله ـ . . . كان لا بد أن يكون الخنجر أمضى من غيره . . . وهكذا كان حيث ترعرعت الوهابية في رحم الكفر وولدت وتربت في أحضانه ، لتكون كما يريد وتطبق ما يأمر ، وتقاتل رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ باسم دين الله إرضاء لربها الانكلو أمريكي ، ولتفتري ما يحلو لها على الله ورسوله وتفتي على اصول الملكة التي البست خادم الحريم ! لا الحرم الصليب وهو يبتسم ولا يستطيع إخفاء فرحه بهذا الوسام . . .
قد يكون ما حدث بالامس بعيدا حينما يكون الحدث ميتا . . . ولكنه حين يرتبط بالمقدسات يبقى حيا ما حيي الضمير في المجتمع المسلم وتبقى كل لحظات الحدث شاخصة أمام الاعين والقلوب .
أجل . . . نحن على أبواب الذكرى السنوية الاولى لمجزرة البيت الحرام . . . البيت الذي يأمن فيه النمل والجراد . . . يأمن فيه القاتل من القصاص حتى يخرج منه ، ويتعرض حجاج بيت الله إلى مجزرة لم يشهد التاريخ لها نظيرا حتى أيام الجاهلية الاولى ! ولا في جاهلية القرن العشرين . . . ! !
اخذوا وقتلوا تقتيلا ، لا لذنب جنوه ، إلا أنهم كبروا وهللوا وتبرؤوا من أعداء الله كما أمر الله وتطبيقا لشريعة الله . . . لكن أمن الاسلام وخلافة الله قتل زوار الله وهم على مائدة الله وفي ضيافته ؟!
كيف يعرف الاسلام من ليس بمسلم ؟
هل الوهابيون مسلمون ؟! فأي إسلام يأمر أن تبقى لحوم الاضاحي طعمة لحرارة الشمس حتى تتفسخ . . . وملايين البشر من المسلمين وغيرهم عيدهم أن


( 167 )

يشبعوا من رائحة الطعام فضلا عن تناوله . . . ؟!
هل هم مسلمون . . . وهم يهينون رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ حينما يعتبر زعيمهم عصاه أفضل من النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ وهو ولي كل مؤمن ومؤمنة . . ؟!
أهم يخدمون البيت ويطهرونه . . وهم قد نجسوه بكل منكر استطاعوا فعله . . ؟!
وأي شيء فيهم يمت إلى الاسلام بصلة ولو كخيط بيت العنكبوت . . فكرهم . . أخلاقهم . . معاملتهم . . عدلهم . . أم ماذا . . ؟!
أجل ، تمر الايام لتكمل سنة على المجزرة ، لكنها سنة في حساب الزمن وهي لحظات في حساب الوجدان والضمير لانها ماثلة ما صعد نفس ونزل وما غمضت عين وفتحت . . .
لقد تصدى الكثير من العلماء الابرار للرد على هذه الفرقة الضالة وبدعها ، وألفت في ذلك المؤلفات مثل : كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب : فتنة الوهابية ؛ هكذا رأيت الوهابيين ، وغيرها ، ومن جملة من ألف الشيخ كاشف الغطاء ـ طاب ثراه ـ حيث كتب رسالة « نقض فتاوى الوهابية » .

مجلة تراثنا العدد 13 ص 7 ـ ص 30
***


( 168 )

رسالة
نقض فتاوى الوهابية

وهي رسالة من خمس ـ أو أربع رسائل ـ جمعت في كتاب « الآيات البينات في قمع البدع والضلالات » من تأليف علم من أعلام هذا القرن ، غطت سمعته الارجاء ، وأقر بفضله العلماء ، ألا وهو الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ـ طاب ثراه ـ .

اسمه ونسبه :

هو الشيخ محمد حسين بن شيخ العراقين علي بن الحجة الشيخ محمد رضا ابن المصلح بين الدولتين موسى بن الشيخ الاكبر جعفر بن العلامة الشيخ خضر ابن يحيى بن سيف الدين المالكي الجناجي النجفي .

ولادته ونشأته :

ولد في النجف الاشرف سنة 1294 هـ ، ونشأ في بيت جليل عرف بالعلم وربى العلماء ، وشرع بدروسه حين بلغ العاشرة من عمره ، وأنهى دراسة سطوح الفقه والاصول وهو بعد شاب ، ثم بدأ الحضور في دروس أكابر العلماء كالشيخ محمد كاظم الخراساني والسيد اليزدي وآغا رضا الهمداني وأضرابهم ، ولازمهم سنين طوالا حتى برز بين أقرانه وحظي باحترام واهتمام أساتذته ، ودرس الفلسفة على يد الميرزا محمد باقر الاصطهباناتي والشيخ أحمد الشيرازي وغيرهما من الفحول ، ولما لمع نجمه ونبغ شرع في التدريس في مسجد الهندي وكان درسه يضم من الفضلاء ما يربو على المائة .

* * *


( 169 )

رحلاته ونشاطاته :

ومن السمات المميزة لحياة الشيخ كاشف الغطاء ـ قدس سره ـ رحلاته المتعدة واستثمارها ، ونشاطاته المتنوعة ، خصوصا في نشر صوت مذهب الامامية والدعوة إلى وحدة الكلمة بين المذاهب الاسلامية عموما من خلال النقاش الموضوعي ، فعندما طبع الجزء الاول من كتابه « الدين والاسلام » وهم بأن يطبع الثاني إذا بالسلطة تأمر بمهاجمته ومنعه من الطبع ، فسافر إلى الحج ، ومنه إلى الشام فبيروت وطبع الجزءين بصيدا ، واتصل بكبار العلماء ورجالات الفكر وجرت عدة محاورات ومراسلات معهم من جملتها محاوراته مع فيلسوف الفريكة أمين الريحاني ، وناقش ضمن هذه المحاورات جرجي زيدان حول مؤلفه « تاريخ آداب اللغة العربية » وأظهر الكثير من شطحاته ، وناقش كذلك الشيخ يوسف الدجوي أحد مدرسي الجامع الازهر ، والشيخ جمال الدين القاسمي عالم دمشق حينها ، ونشر خلال هذه السفرة عدة مؤلفات له ، ونشر عدة كتب لعدة مؤلفين وأشرف على تصحيحها والتعليق عليها ، وقضى ثلاث سنوات في سوريا ولبنان ومصر .
ووافق عودته إلى العراق سنة 1332 نشوب الحرب العالمية الاولى فقضى سنيها في سوح الجهاد بصحبة السيد محمد ـ ولد استاذه السيد اليزدي ـ ورجع إلى النجف الاشرف عند انتهائها ، وفي سنة 1338 رجع في التقليد إلى المترجم له خلق كثير .
وفي سنة 1350 انعقد المؤتمر الاسلامي العام في القدس الشريف ، ودعي من قبل لجنة المؤتمر مرارا فأجاب الدعوة ، وألقى في المؤتمر خطبة ارتجالية ظهر فيها فضله وعظمته ، فقدمه العلماء وائتموا به في الصلاة ، وفي عام 1352 زار إيران وبقي فيها حدود ثمانية أشهر داعيا الناس إلى التمسك بمبادئ الدين الحنيف ، وفي سنة 1371 حضر المؤتمر الاسلامي في كراچي .

* * *


( 170 )

مؤلفاته :

إضافة إلى المقالات النفيسة والقصائد البديعة التي نشرت في امهات الكتب ، فقد ترك المؤلف آثارا جليلة نذكر ما وقفنا عليه :
1 ـ الآيات البينات في قمع البدع والضلالات .
2 ـ أصل الشيعة واصولها .
3 ـ الفردوس الاعلى .
4 ـ الارض والتربة الحسينية .
5 ـ العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية (مخطوط) .
6 ـ تحرير المجلة .
7 ـ المثل العليا في الاسلام لافي بحمدون .
8 ـ شرح على العروة ، كتبه في حياة استاذه (مخطوط) .
9 ـ الدين والاسلام ، أو الدعوة الاسلامية إلى مذهب الامامية (أربعة أجزاء طبع منها إثنان) .
10 ـ نزهة السمر ونهزة السفر (مخطوط) .
11 ـ المراجعات الريحانية ، الموسوم بالمطالعات والمراجعات أو النقود والردود .
12 ـ وجيزة الاحكام .
13 ـ السؤال والجواب .
14 ـ زاد المقلدين (فارسي) .
15 ـ حاشية التبصرة .
16 ـ حاشية العروة الوثقى .
17 ـ تعليقة على سفينة النجاة .
18 ـ مناسك الحج .


( 171 )

19 ـ تعليقة على عين الحياة .
20 ـ حاشية على مجمع الوسائل (فارسي) .
21 ـ التوضيح في بيان حال الانجيل والمسيح .
22 ـ عين الميزان ، في الجرح والتعديل .
23 ـ محاورة مع السفيرين .
24 ـ ملخص الاغاني (مخطوط) .
25 ـ رحلة إلى سورية ومصر (مخطوط) .
26 ـ ديوان شعر (مخطوط) .
27 ـ جنة المأوى .
وغيرها كثير .

وفاته ومدفنه :

دبت في بدن الشيخ الجليل كاشف الغطاء أواخر أيامه عدة أسقام ، لكنه لم يتوان لحظة ولم يأل جهدا في سبيل خدمة الدين والمسلمين ، ولما اشتد عليه مرضه سافر إلى بغداد ورقد في المستشفى شهرا فاقترح عليه البعض الذهاب إلى (كرند) لطلب الصحة ، فقصدها في 15 ذي القعدة سنة 1373 لكن الاجل لم يمهله ، فوافاه يوم الاثنين 18 ذي القعدة 1373 هـ بعد صلاة الفجر فنقل جثمانه الشريف إلى النجف ودفن في مقبرته الخاصة التي أعدها سلفا في وادي السلام وبذلك ودع الاسلام أحد أفذاذه وثلم به ثلمة عظيمة (*) .
وإليك ـ أخي المسلم ـ الرسالة كاملة . . .
____________
(*) لمزيد الاطلاع على ترجمته انظر : الدليل العراقي الرسمي لسنة 1936 ، الموسوعة العربية ، المكتبة البلدية ، فهرس التوحيد ، المنجد ، نقباء البشر ، الاعلام للزركلي ، معجم المؤلفين ، مقدمة الفردوس الاعلى ، مقدمة جنة المأوى ، المثل العليا في الاسلام لا في بحمدون ، أصل الشيعة واصولها ، مجلة « الاديب » عدد 12 سنة 13 ، صوت البحرين|ذي القعدة ـ ذي الحجة 1373 ، العرفان 36 و43 وآب|54 ، المعارف عدد 2 سنة 1 ، المقتبس|عبدالفتاح العسكري 7 : 776 ـ 778 و8 : 212 ـ 213 .

( 172 )

بسم الله الرحمن الرحيم
(ان الذين يكتمون ما انزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون .)

رسالة

نقض فتاوى الوهابية

ورد كلية مذهبهم
بسم الله الرحمن الرحيم
ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام . وإذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد . وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم ولبس المهاد .

وحي معجز

بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما ألقاه علينا استاذنا الاكبر ، وشيخنا الاعظم ، حجة الاسلام ، آية الله في الانام ، علامة الدهر ، مولانا الشيخ محمد حسين دامت بركاته في شأن الوهابية ، واستفتاء علماء المدينة المتضمن تهديم القبور وغير ذلك في عدة مجالس ضممنا بعضها إلى بعض وجلوناها مجموعة عليك .
قال دامت أيام إفاداته : وقفنا من جريدة العراق في العدد الموافق منها 13 ذي القعدة سنة 1344 على سؤال قاضي قضاة الوهابيين ابن بليهد مستفتيا علماء المدينة عن البناء على القبور ، واتخاذها مساجد ، وإيقاد السرج عليها وما يفعل عند الضرائح ، من التمسح والتقرب إليها بالذبائح والنذور ، وتقبيلها وعن التكبير والترحيم والتسليم في أوقات مخصوصة . . .


( 173 )

هذا ملخص السؤال وكان الجواب من علماء المدينة بالمنع مطلقا ووجوب الهدم ، مستدلين على المنع في بعضها ، ومرسلين الفتوى بغير دليل في الباقي .
وقد رغب إلينا الكثير من الاعلام والافاضل في إبداء ملاحظتنا على تلك الفتوى ، ووضعها في معيار الاختبار وميزان الصحة والسقم ، وعرضها على محك النقد ، ومطرقة القبول أو الرد ، إيضاحا للحقيقة وطلبا للصواب ، كي لا تعرض الاوهام والشكوك وتعلق الشبهة بأذهان البسطاء من المسلمين ، فإن البلية عامة ، والمصيبة شاملة ، والرزية على الجميع عظيمة ؛ وعليه فنذكر نص الفتوى جملة جملة حسبما ذكر في تلك الجريدة ، ثم نعقب كل جملة منها بما يحق لها من البيان ، وبالله المستعان .
قالوا في الجواب : أما البناء على القبور فهو ممنوع إجماعا لصحة الاحاديث الواردة في منعه ، وبهذا أفتى كثير من العلماء بوجوب هدمه ، مستندين على ذلك بحديث علي ـ رضي الله عنه ـ أنه قال لابن الهياج : « ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ ألا أدع تمثالا إلا طمسته ، ولا قبرا مشرفا إلا سويته » (1 ) رواه مسلم . انتهى .
فتراهم قد تمسكوا تارة بالاجماع ، واخرى بالحديث ، أو بالاجماع المستند إلى الحديث .
أما دعوى الاجماع فهي مدحوضة مرفوضة ولكن لا تتسع أعمدة الصحف والمجلات لنقل كلمات العلماء في جوازه ، بل رجحانه ، وفساد توهم الاجماع وبطلانه من أول الاسلام وإلى هذه الايام ، وأي حاجة بك إلى أن أسرد لك أو املي عليك ما يوجب الملل (قال فلان وقال فلان) ، وهذا عمل المسلمين وسيرتهم القطعية في جميع الاقطار والامصار ملء المسامع والابصار ، على اختلاف
____________
(1) صحيح مسلم 2|666 باب 31 ح 93 ، مسند أحمد 1|96 و129 ، سنن النسائي 4|88 وفيه :
ولا صورة في بيت إلا طمستها ، سنن أبي داود 3|215 ح 3218 ، الجامع الصحيح للترمذي 3|366 باب 56 ح 1049 .


( 174 )

طبقاتهم وتباين نزعاتهم ، من بدء الاسلام إلى هذه الغاية من العلماء وغيرهم ، من الشيعة والسنة وغيرهم ، وأي بلاد من بلاد الاسلام من مصر أو سوريا أو العراق أو الحجاز وهلم جرا ليس لها جبانة شاسعة الاطراف واسعة الاكناف ، وفيها القبور المشيدة والضرائح المنجدة ؟!
وهؤلاء أئمة المذاهب : الشافعي في مصر ، وأبوحنيفة في بغداد ، ومالك بالمدينة ، وتلك قبورهم من عصرهم إلى اليوم سامقة المباني شاهقة القباب ، وأحمد ابن حنبل مباءة الوهابية ومرجعهم في الفروع كان له قبر مشيد في بغداد جرفه شط دجلة حتى قيل : « أطبق البحر على البحر » . وكل تلك القبور قد شيدت وبنيت في الازمنة التي كانت حافلة بالعلماء وأرباب الفتوى وزعماء المذاهب ، فما أنكر منهم ناكر ، بل كل منهم محبذ وشاكر .
وليس هذا من خواص الاسلام ، بل هو جار في جميع الملل والاديان ، من اليهود والنصارى وغيرهم ، بل هو لعمر الحق من غرائز البشر ومقتضيات الحضارة والعمران وشارت التمدن والرقي ، والدين القويم المتكفل بسعادة الدارين إذا كان لا يؤكده ويحكمه فما هو بالذي ينقضه ويهدمه ، وإذا كان كل هذا لا يكفي شاهدا قاطعا ودليلا بينا على فساد دعوى الاجماع فخير أن تكسر الاقلام ويبطل الحجاج والخصام ولا يقوم على شيء دليل ولا بينة ولا حجة ولا برهان :

وليس يصح في الاذهان شيء * إذا احتاج النهار إلى دليل

هذا حال الاجماع ، أما حديث مسلم : « لا تدع تمثالا إلا طمسته ، ولا قبرا مشرفا إلا سويته » فها هي نسخة من صحيح مسلم بين يدي ، طبع بولاق القديمة سنة 1290 ، وقد روى الحديث المزبور صفحة 265 ج 1 في باب الامر بتسوية القبر ، ولكن بعد هذا بقليل صفحة 256 قال : (باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لاهلها) وروى فيه بسنده إلى عائشة : ان النبي كان يخرج إلى البقيع فيقول : السلام عليكم دار قوم مؤمنين (2) إلى الآخر في حديثين طويلين .
____________
(2) صحيح مسلم 2|669 باب 35 ح 102 و103 .
( 175 )

وروى بعدهما بسنده إلى سليمان بن بريدة عن أبيه ، قال : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول في رواية أبي بكر : السلام على أهل الديار (3) . وفي رواية زهير : السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين والمسلمات وإنا إن شاء الله للاحقون ، أسأل الله لنا ولكم العاقبة ( 4) .
ثم بعد أن فرغ من هذا الباب قال تلوه : « باب استئذان النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ ربه عزوجل في زيارة قبر أمه » ، وروى فيه أربعة أحاديث صريحة في الامر بزيارة القبور :
أولها : بسنده إلى أبي هريرة قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ : استأذنت ربي أن أستغفر لامي فلم يأذن لي ، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي (5) .
ثانيها : بسند آخر إلى أبي هريرة ، قال : زار النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ قبر امه فبكى وأبكى من حوله فقال : استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي ، واستاذنته أن أزور قبرها فأذن لي ، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت (6) .
ثالثها : بسنده عن ابن بريدة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ : نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ، ونهيتكم عن لحوم الاضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا (7) لكم ، إلى آخر الحديث .
رابعها : بسند آخر بالمعنى المتقدم أيضا (8) .
وبين يدي كذلك كتابان جليلان لعالمين جليلين من كبار مشاهير علماء
____________
(3 ) صحيح مسلم 2|671 باب 35 ح 104 .
(4) صحيح مسلم 2|671 باب 35 ح 104 .
(5) صحيح مسلم 2|671 باب 35 ح 105 .
(6) صحيح مسلم 2|671 باب 35 ح 105 .
(7) صحيح مسلم 2|672 باب 36 ح 106 .
(8) صحيح مسلم 2|672 باب 36 ح 106 .

( 176 )

السنة والجماعة : أحدهما كتاب « شفاء السقام في زيارة خير الانام ، للامام الحافظ قاضي قضاة المسلمين في القرن الثامن الشهير بتقي الدين أبي الحسن السبكي ، ويسمى أيضا بـ « شن الغارة على من أنكر فضل الزيارة » وقد نشر هذا الكتاب ومثله للطبع سنة 1318 في مطبعة بولاق لعالم الفن العلامة الجليل أحد أكابر علماء مصر القاهرة الشيخ محمد بخيت المطبعي ، رئيس المحكمة الشرعية العليا بمصر ، وقد حضرنا دروسه بمصر سنة 1330 فوجدناه في أكثر العلوم بحرا مواجا ، وسراجا وهاجا ، شعلة ذكاء وفهم ، وإحاطة وحزم ؛ ودفع إلينا جملة من مؤلفاته منها ذلك الكتاب الذي نشر في صدره مقدمة في بعض أحوال ابن تيمية مؤسس مذاهب الوهابية وبعض بدعه في الدين وتكفيره من جمهور علماء المسلمين ، وقد أجاد في تلك المقدمة ، وأحسن النظر في الموضوع وعلله وأسبابه .
أما ذات كتاب الامام السبكي فقد رتبه على عشرة أبواب :
الاول : في الاحاديث الواردة في الزيارة .
الثاني : في الاحاديث الدالة على ذلك وإن لم يكن فيها لفظ الزيارة .
الثالث : فيما ورد في السفر إليها .
الرابع : في نصوص العلماء على استحبابها .
الخامس : في كونها قربة .
السادس : في كون السفر لها قربة .
السابع : في دفع شبه الخصم وتتبع كلماته .
الثامن : في التوسل والاستغاثة .
التاسع : في حياة الانبياء .
العاشر : في الشفاعة .
وذكر في الباب الاول من الاحاديث الواردة في زيارة قبر النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ ، وفضلها ، والحث عليها خمسة عشر حديثا ، وأطنب في تصحيح سند كل واحد منها ، والبحث عن رجال السند وعلله فصحح أسانيد أكثرها ، مثل : « من


( 177 )

زار قبري وجبت له شفاعتي » (9) ، وقد أفاض في البحث عن سند هذا الحديث في خمس أوراق وبمضمونه حديثان آخران ومثل : « من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي » (10) وأفاض في النظر والبحث عن سنده في أربع أوراق ومثل : « من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني » (11) إلى أمثال ذلك من الاحاديث التي آخرها في هذا الباب : « من أتى المدينة زائرا لي وجبت له شفاعتي يوم القيامة » و« من مات في أحد الحرمين بعث آمنا » (12) .
ثم استوفى القول والحديث في الباب الثاني ، ودخل بعده في الباب الثالث وذكر مفصلا زيارة بلال من الشام التي هاجر إليها بعد وفاة النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ وأنه رأى النبي في المنام وهو يقول له : « ما هذه الجفوة يا بلال ، أما آن لك أن تزورني ؟! » فانتبه حزينا وجلا ، فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ ، إلى آخر الحديث . وكان ذلك في زمن أكابر الصحابة كالشيخين وغيرهما ، وعقبه بذكر زيارة جماعة من الصحابة والتابعين لقبره ـ وشد الرحال إليه .
الكتاب الثاني بين أيدينا كتاب « الجوهر المنظم في زيارة قبر النبي المكرم » تأليف العالم الشهير صاحب المؤلفات الطائرة الصيت ، أحمد بن حجر
____________
(9) سنن الدارقطني 2|278 ح 194 ، الجامع الصغير للسيوطي ـ نقلا عن البيهقي ـ 2|605 ح 8715 ، كنز العمال 15|651 ح 42583 ، وفاء الوفاء 4|1336 ، الكامل لابي أحمد بن عدي 6|2350 ، وأورده العلامة الاميني في الغدير 5|93 ـ 96 « 41 » مصدرا ، فراجع .
(10) سنن الدارقطني 2 |278 ح 192 ، سنن البيهقي 5|246 ، كنز العمال 5|135 ح 12368 و15|651 ح 42582 ، وفاء الوفاء 4|1340 وفيه : كان كمن زارني ، الكامل لابي أحمد بن عدي 2 |790 ، الجامع الصغير للسيوطي ـ نقلا عن الطبراني ـ 2|594 ح 8628 ، وأورد العلامة الاميني في الغدير 5|99 ـ 100 « 9 » مصادر ، فراجع .
(11) كنز العمال 5|135 ح 12369 ، وفاء الوفاء 4|1342 ، شفاء السقام : 23 ، وأورد الاميني « 9 » مصادر في الغدير 5|100 .
(12) وفاء الوفاء 4|1348 ، شفاء السقام : 34 ، وقد أورد السبكي في شفاء السقام كل الاحاديث السابقة في الفصل الاول .

( 178 )

الشافعي ، المطبوع ذلك الكتاب بمطبعة بولاق أيضا في مصر ، القاهرة سنة 1279 ، ورتبه ـ كسابقه ـ على فصول :
الاول : في مشروعية زيارة قبر النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ واستدل عليها من الكتاب بآيات ، ومن السنة بأحاديث كثيرة صحح أسانيدها من الطرق المتفق عليها عند جمهور المسلمين ، ثم استدل بإجماع علماء المسلمين ، وزاد على ما ذكره الحافظ السبكي لتأخر زمانه عنه .
قال ابن حجر ـ بعد أن استوفى الكلام في سرد الحديث والاجماع على فضل الزيارة فضلا عن مشروعيتها ، صفحة 13 ـ ما نصه :
فإن قلت : كيف تحكي الاجماع السابق على مشروعية الزيارة والسفر إليها وطلبها وابن تيميه من متأخري الحنابلة منكر لمشروعية ذلك كله كما رآه السبكي في خطه ، وقد أطال ابن تيميه في الاستدلال لذلك بما تمجه الاسماع وتنفر عنه الطباع ، بل زعم حرمة السفر لها إجماعا وأنه لا تقصر فيه الصلاة ، وأن جميع الاحاديث الواردة فيها موضوعة ، وتبعه بعض من تأخر عنه من أهل مذهبه ؟!
قلت : من هو ابن تيمية حتى ينظر إليه أو يعول في شيء من امور الدين عليه ؟! وهل هو إلا كما قال جماعة من الائمة الذين تعقبوا كلماته الفاسدة ؛ وحججه الكاسدة ؛ حتى أظهروا عوار سقطاته ؛ وقبائح أوهامه وغلطاته ؛ كالعز بن جماعة : عبد أضله الله تعالى وأغواه ، وألبسه رداء الخزي وأرداه ، وبوأه من قوة الافتراء والكذب ما أعقبه الهوان ؛ وأوجب له الحرمان .
ولقد تصدى شيخ الاسلام ، وعالم الانام ، المجمع على جلالته ، واجتهاده وصلاحه وإمامته ، التقي السبكي ، قدس الله روحه ، ونور ضريحه ؛ للرد عليه في تصنيف مستقل أفاد فيه (13) وأجاد وأصاب وأوضح بباهر حججه طريق الصواب ؛ ثم قال : هذا ما وقع من ابن تيمية مما ذكر ، وإن كان عثرة لاتقال أبدا ، ومصيبة يستمر شؤمها سرمدا ، ليس بعجيب ، فإنه سولت له نفسه وهواه
____________
(13) وكذا ناقشه في شفاء السقام في باب دفع شبهة الخصم 98 ـ 115 .
( 179 )

وشيطانه أنه ضرب مع المجتهدين بسهم صائب ؛ ومادرى المحروم أنه أتى بأقبح المعائب إذ خالف إجماعهم في مسائل كثيرة ، وتدارك على أئمتهم سيما الخلفاء الراشدين باعتراضات سخيفة شهيرة ، حتى تجاوز إلى الجناب الاقدس المنزه ـ سبحانه ـ عن كل نقص ، والمستحق لكل كمال أنفس ، فنسب إليه الكبائر والعظائم ، وخرق سياج عظمته بما أظهره للعامة على المنابر من دعوى الجهة والتجسيم ، وتضليل من لم يعتقد ذلك من المتقدمين والمتأخرين ، حتى قام عليه علماء عصره ؛ وألزموا السلطان بقتله أو حبسه وقهره ، فحسبه إلى أن مات وخمدت تلك البدع ، وزالت تلك الضلالات ، ثم انتصر له أتباع لم يرفع الله لهم رأسا ، ولم يظهر لهم جاها ولا بأسا ، بل ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ، انتهى .
هذا بعض كلام ابن حجر العالم الذي ليس له في علماء السنة مدافع ؛ ولا ينازع في جلالة شأنه وعظيم فضله منازع ، ولسنا الآن في صدد تعداد مثالب ابن تيمية وبدعه في الدين ، وما أدخله من البلية على الاسلام والمسلمين ، فإن ذلك خارج عما نحن بشأنه من مواقف الحجة والبرهان ، والنظر في الادلة على نهج علمي لا يخرج عن دائرة آداب المناظرة .
وأما حال ابن تيمية . . . فقد كفانا مؤونة إشاعة فضائعه ووقائعه علما الجمهور من أهل السنة والجماعة شكرت مساعيهم الجميلة .
أما كلمتنا التي لا بد لنا من إبدائها في الجمع بين تلك الاخبار ، ونظريتنا في استجلاء الحقيقة من خلال تلك الحجب والاستار ، فسوف نبديها في تلو هذا السجل ناصعة بيضاء مسقرة ، وعليه التكلان ، وبه المستعان .
ها نحن اولاء ، بعد أن سردنا عليك ذروا من الاحاديث ، وشذورا من الروايات ، نريد أن نأتي على الخلاصة ، ونوقفك على الفذلكة ، ونمنحك الحقيقة المكنونة ، والجوهرة الثمينة فنتوصل إلى الحقيقة من أقرب طرقها ، ونتوسل إلى البغية المنشودة بأقوى أسبابها ، وأوثق عراها ، وأمتن أواخيها ، فنقول :


( 180 )

نقدر على الفرض أن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ ها هو أمام كل مسلم من امته يراه بعينه ويسمعه باذنه قائلا له : « لاتدع تمثالا إلا طمسته ، ولا قبرا مشرفا إلا سويته » بناء على صحة كل ما ورد في الصحيحين ـ البخاري ومسلم إذ هذا الفرض ـ وإن كنا لا نقول به ـ ولكن نجعله من الاصول الموضوعة بيننا ـ أعني به ما هو فصل النزاع وقاطع الخصومة ـ ومعلوم أن المتخاصمين إذا لم يكن فيما بينهما اصول موضوعة ينتهون إليها ، ويقفون عندها ، لا تكاد تنهي سلسلة النزاع بينهما والتخاصم طول الابد ، وعمر الدهر ، إذا فنحن على سبيل المجاراة والمساهلة مع الخصم نقول بصحة ذلك الحديث ، كما يلزمنا معا أن نقول بصحة غيره من أحاديث الصحيحين فها هو النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ يقول : « لا تدع قبرا مشرفا إلا سويته » ، كما رواه مسلم ، ـ ولكنه يقول حسب روايته أيضا : « فزوروا القبور فإنها تذكر الموت . . . » ، و« استأذنت ربي في زيارة قبر امي فأذن لي » . . . وقد زار هو قبور البقيع . . . وفي البخاري عقد بابا لزيارة القبور وحينئذ ـ فهل هذه الاحاديث متعارضة متناقضة ؟! النبي الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى يأمر بهدم القبور . . . ويأمر بزيارتها . . . يأمر بهدمها ثم هو يزورها . . .
فإن كان المقام من باب تعارض الاحاديث واختلاف الروايات وجب الجمع بينهما لا محالة ، على ما تقتضيه صناعة الاجتهاد ، وطريقة الاستنباط ، وقواعد الفن المقررة في الاصول ، بحمل الظاهر على الاظهر ، وتأويل الضعيف من المتعارضين وصرفه إلى المعنى الموافق للقوي ، فيكون القوي قرينة على التصرف في الضعيف ، وإرادة خلاف ظاهره منه كما يعرفه أرباب هذه الصناعة ، فهل المقام من هذا القبيل ؟!
كلا ثم كلا ، ومهلا مهلا : إن هذه الساقية ليست من ذلك النبع ، وتلك القافية ما هي من ذلك السجع ؛ وليس المقام من باب التعارض كي يحتاج إلى التأويل والجمع .
ما كنت أحسب أن أدنى من له حظ من فهم التراكيب العربية


( 181 )

والتصاريف اللغوية يخفى عليه الفرق بين « التسوية » و« المساواة » .
إن الذين يصرفون قوله ـ عليه السلام ـ : « ولا تدع قبرا مشرفا إلا سويته » إلى معنى ساويته بالارض أي « هدمته » اولئك قوم أيفت أفهامهم ، وسخفت أذهانهم ، وضلت ألبابهم ، ولم يكن من العربية لهم ولا قلامة ظفر فكيف بعلمائهم ؟!
ولا يخفى على عوام العرب أن تسوية الشيء عبارة عن تعديل سطحه أو سطوحه ، وتسطيحه في قبال تقعيره أو تحديبه أو تسنيمه وما أشبه ذلك من المعاني المتقاربة (14) والالفاظ المترادفة ، فمعنى قوله ـ صلى الله عليه وآله ـ : « لا تدع قبرا مشرفا ـ أي : مسنما ـ إلا سويته ـ أي ـ سطحته وعدلته ـ » وليس معناه : إلا هدمته وساويته بالارض كي يعارض ما ورد من الحث على زيارة القبور واستحباب إتيانها ، والترغيب في تشييدها ، والتنويه بها ، وذلك المعنى ـ أعني أن المراد من تسوية القبر تسطحيه وعدم تسنيمه ـ كان هو الذي فهمته من الحديث أول ما سمعته بادئ بدء وعند أول وهلة ، ثم راجعت الكتاب ـ أعني صحيح مسلم ـ ونظرت الباب فوجدت صاحب الصحيح ـ مسلم ـ قد فهم ما فهمناه من الحديث حيث عنون الباب قائلا : (باب تسوية القبور ) وأورد فيه أولا بسنده إلى تمامه قال : كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بقبره فسوي ثم قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ يأمر بتسويتها (15) ثم أورد بعده في نفس هذا الباب حديث أبي الهياج المتقدم : « ولا قبرا مشرفا إلا سويته » .
وكذلك فهم شارحو صحيح مسلم وإمامهم النووي الشهير ، وها هو بين أيدينا يقول في شرح تلك الجملة النبوية ما نصه : فيه : أن السنة أن القبر لا يرفع عن الارض رفعا كثيرا ولا يسنم ، بل يرفع نحو شبر ، وهذا مذهب الشافعي ومن
____________
(14) معجم مقاييس اللغة 3|112 (سوى) .
(15) صحيح مسلم 2|666 باب 31|ح 92 .

( 182 )

وافقه ، ونقل القاضي عياض عن أكثر العلماء أن الافضل عندهم تسنيمها (16 ) .
انتهى كلام النووي .
ويشهد لافضيلة التسنيم ما رواه البخاري في صحيحه في باب صفة قبر النبي وأبي بكر وعمر بسنده إلى سفيان التمار أنه رأى قبر النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ مسنما (17) . . .
ولكن القسطلاني أحد المشاهير من شارحي البخاري ، شرحه في عشر مجلدات طبعت في مصر القاهرة ، قال ما نصه : « مسنما » بضم الميم وتشديد النون المفتوحة أي : مرتفعا ، زاد أبونعيم في مستخرجه : وقبر أبي بكر وعمر كذلك ، واستدل به على أن المستحب تسنيم القبور ، وهو قول أبي حنيفة (18) ومالك (19) وأحمد (20) والمزني وكثير من الشافعية :
وقال أكثر الشافعية (21) ونص عليه الشافعي : التسطيح أفضل من التسنيم لانه ـ صلى الله عليه وآله ـ سطح قبر إبراهيم وفعله حجة لافعل غيره (22 ) ، وقول سفيان التمار لا حجة فيه ـ كما قال البيهقي ـ لاحتمال أن قبره ـ صلى الله عليه وآله ـ وقبري صاحبيه لم تكن في الازمنة الماضية مسنمة (23) .
وقد روى أبوداود بإسناد صحيح أن القاسم بن محمد بن أبي بكر قال : دخلت على عائشة فقلت لها : اكشفي لي عن قبر النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ وصاحبيه فكشفت عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة
____________
(16) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري 4|301 .
(17) صحيح البخاري 2|128 .
(18 ) المبسوط للسرخسي 2|62 .
(19) المنتفى 2|22 .
(20) المغني لابن قدامة 2|380 .
(21) المجموع 5|295 .
(22) الأُم 1|273 .
(23) سنن البيهقي 4|4 وفيه ـ بعد أن نقل حديث التمار ـ : وحديث القاسم أصح وأولى أن يكون محفوظا .


( 183 )

الحمراء ، أي لا مرتفعة كثيرا ولا لاصقة بالارض (24 ) ، إلى أن قال القسطلاني الشارح : ولا يؤثر في أفضلية التسطيع كونه صار شعار الروافض لان السنة لا تترك بموافقة أهل البدع فيها ! ولا يخالف ذلك قول علي ـ رضي الله عنه ـ أمرني رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ أن لا أدع قبرا مشرفا إلا سويته ، لانه لم يرد تسويته بالارض وإنما أراد تسطيحه جمعا بين الاخبار ، ونقله في المجموع عن الاصحاب (25) .
إنتهى ما أردنا نقله من شرح البخاري ، وأنت ترى من جميع ما أحضرناه لديك وتلوناه عليك من كلمات أعاظم المسلمين وأساطين الدين من مراجع الحديث كالبخاري ومسلم ، وأئمة المذاهب كأبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد ، وأعلام العلماء وأهل الاجتهاد كالنووي وأمثاله ، كلهم متفقون على مشروعية بناء القبور في زمن الوحي والرسالة ، بل النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ بذاته بنى قبر ولده إبراهيم ؛ إنما الخلاف والنزاع فيما بينهم في أن الافضل والارجح تسطيح القبر أو تسنيمه ، فالذاهبون إلى التسيم يحتجون بحديث البخاري عن سفيان التمار أنه رأى قبر النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ مسنما ، والعادلون إلى التسطيح يحتجون بتسطيح النبي قبر ولده إبراهيم ، وصحيح القاسم بن محمد بن أبي بكر شاهد له ، ولعل هذا الدليل هو الارجح في ميزان الترجيح والتعديل ، ولا يقدح فيه أنه صار من شعار الروافض وأهل البدع ـ كما قال شارح البخاري ـ فيما مر عليك نقله .
ولا يعنينا الآن الخوض في حديث الروافض وأنهم من أهل البدع أم لا ، إنما الشأن في حديث « لا تدع قبرا مشرفا إلا سويته » وأحسب أنه قد تجلى لك بحيث يوشك أن يلمس بالانامل ، ويرى بباصرة العين أن معنى « سويته » عدلته وسطحته في قبال سنمته وحدبته ويناسب هذا المعنى كل المناسبة التقييد
____________
(24) سنن أبي داود 3|215 ح 3220 .
(25 ) إرشاد الساري 2|477 .

( 184 )

بقوله « مشرفا » فإن أصل الشرف لغة هو العلو بتسنيم مأخوذ من سنام البعير ، وعليه فيحسن ذلك القيد ، بل يلزم ويكون بلسان أهل العلم (قيدا احترازيا) . أما على معنى ساويته فالقيد لغو صرف ، بل مخل بالغرض المقصود .
وبعد هذا كله فهل من قائل عني لذلك المفتي ، مفتي علماء المدينة الذي أفتى بجواز هدم القبور أو وجوبه استنادا إلى ذلك الحديث : يا هذا ! من أين جئت بتلك النظرية الحمقاء ، والحجة العوجاء ، والبرهنة المعكوسة ، والمزعمة المقلوبة التي ما وهمها واهم ، ولا خطرت على ذهن جاهل فكيف بالعالم ؟!
اللهم إلا أن يكون « ابن تيمية » أو بعض ذناباته فإن الرجل ترويجا لاباطيله ، وتمشية لاضاليله ، حيث تعوزه الحجة والسند قمين بتحوير الحقائق ، وقلب الادلة ، والتلاعب بالحجج والبراهين تلاعبه بالدين « كما تلاعبت الصبيان بالاكر » .
لا يا هذا ، إن الشمس لاتستر بالاكمام ، وإن الحق لا يسحق بزخارف الكلام وسفاسف الاوهام . . . إن حديث « لاتدع قبرا إلا سويته » دليل عليك لا لك ، وحجة قاطعة لاضاليلك وقالعة لجذور أباطيلك ، فإن معناه الذي لا يشك فيه إنسان من أهل اللسان « سويته أي : عدلته وسطحته ، لا ساويته وهدمته » ، وبهذا المعنى لا يكون معارضا لشيء من الاحاديث حتى يحوج من له حظ من صناعة الاستنباط إلى الجمع والتأويل ، وهذا هو معناه بذاته وظاهر من نفس مفرداته وتركيبه ، لا الذي يحصل بعد الجمع كما يظهر من عبارة شارح البخاري المتقدمة .
نعم ، لو أبيت إلا عن حمل « سويته » على معنى ساويته بالارض وجاملناك على الفرض والتقدير ، حينئذ تجيء نوبة المعارضة ويلزم الصرف والتأويل ، وحيث أن هذا الخبر بانفراده لا يكافئ الاخبار الصحيحة الصريحة الواردة في فضل زيارة القبور ومشروعية بنائها ، حتى أن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ سطح قبر إبراهيم ، فاللازم صرفه إلى أن المراد : لا تدع قبرا مشرفا قد اتخذوه


( 185 )

للعبادة إلا سويته وهدمته .
ويدل على هذا المعنى الاخبار الكثيرة الواردة في الصحيحين ـ البخاري (26) ومسلم ـ من ذم اليهود والنصارى والحبشة حيث كانوا يتخذون على قبور صلحائهم تمثالا لصاحب القبر فيعبدونه من دون الله ، ولعله إشارة إلى بعض طوائف اليهود والنصارى والحبشة حيث كانوا كذلك في القديم فعدلوا واعتدلوا .
أما المسلمون من عهد النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ إلى اليوم فليس منهم من يعبد صاحب القبر ، وإنما يعبدون الله وحده لا شريك له في تلك البقاع الكريمة المتضمنة لتلك الاجساد الشريفة ، وبكل فرض وتقدير فالحديث يتملص ويتبرأ أشد البراءة من الدلالة على جواز هدم القبور فكيف بالوجوب ؛ والاخبار التي ما عليها غبار مما ذكرناه ومما لم نذكره ناطقة بمشروعية بنائها وإشادتها وأنها من تعظيم شعائر الله (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) (27) .

تتمة :

في العام الماضي طبعت في النجف الاشرف رسالة موسومة بـ « منهج الرشاد » لاسطوانة من أساطين الدين ـ الشيخ الاكبر كاشف الغطاء ـ الذي يعرف كل عارف أنه كان فاتحة السور من فرقان العزائم ، وكوكب السحر في سماء العظائم ، هو من أفذاذ الاعاظم الذين لا تنفلق بيضة الدهر إلا عن واحد منهم ، ثم تعقم عن الاتيان بثانيه إلا بعد مخض طويل من الاحقاب ، من غر أياديه ـ وكم له في العلم من أياد غرر ـ تلك الرسالة التي رتبها على مقدمة وفصول ، عقد كل فصل منها لدفع شبهة من شبهات الوهابية ودحضها بالادلة القطعية ، والاحاديث النبوية الثابتة من الطرق الصحيحة عند أهل السنة ، على أن المقدمة وحدها كافية في قمع شبهاتهم ، وقلع جذوم مذهبهم ، وهدم أساس طريقتهم ، وقد أبدع فيها غاية الابداع . ومن بعض أبواب الرسالة : « الباب الرابع : في بناء قبور الانبياء
____________
(26) صحيح البخاري 2|114 .
(27) الحج : 32 .


( 186 )

والاولياء » وأفاض في البيان إلى أن قال :
والاصل في بناء القباب وتعميرها ما رواه التباني واعظ أهل الحجاز عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جده الحسين ، عن أبيه علي ـ عليه السلام ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ قال له : « لتقتلن في أرض العراق وتدفن بها ، فقلت : يا رسول الله ، ما لمن زار قبورنا وعمرها وتعاهدها ؟ فقال : يا أبا الحسن ، إن الله جعل قبرك وقبر ولديك بقاعا من بقاع الجنة ، وإن الله جعل قلوب نجباء من خلقه ، وصفوة من عباده تحن إليكم ، وتعمر قبوركم ، ويكثرون زيارتها تقربا إلى الله تعالى ومودة منهم لرسوله » (28) .
ثم قال ـ قدس سره ـ بعد إيراد تمام الحديث : ونقل نحو ذلك أيضا في حديثين معتبرين ، نقل أحدهما الوزير السعيد بسند ، وثانيهما بسند آخر غير ذلك السند ، ورواه أيضا محمد بن علي بن الفضل ، انتهى .
والقصارى : أن النزاع بيننا معاشر المسلمين أجمع وبين سلطان نجد وأتباعه الذين يحكمون بضلالة سائر المسلمين أو بتكفيرهم ، لو كان ينحسم وينتهي بإقامة الحجج والبراهين لجئنا بالقول المقنع المفيد ! ولكان عندنا زيادة للمستزيد ، بل لو كنا نعلم أنهم يقنعون بالحجة البالغة ، ويخضعون للادلة القاطعة ، لملانا الطوامير من الحجج الباهرة التي تترك الحق أضحى من ذكاء ، وأجلى من صفحة السماء ، ولكن سلطان نجد له حجتان قاطعتان عليهما يعتمد ، وإليهما يستند ، ولا فائدة إلا بمقابلتهما بمثلهما أو باقوى منهما ، وهما : الحسام البتار ، والدرهم والدينار السيف والسينان ، والاحمر الرنان ، هذا لقوم وذاك لآخرين :
أحدهما لاهل الصحف والمجلات في مصر وسوريا ونحوهما ليحبذوا أعماله الوحشية ويحسنوا همجيته التي تضعضع أركان كل مدنية .
والآخر لاعراب البوادي ولشرفاء الحجاز وأمثالهم من امراء العرب حيث تساعده الظروف ـ لا قدر الله ـ .

____________
(28 ) فرحة الغري : 77 .

( 187 )

إذا فأي فائدة في إطالة الكلام ، وسرد الاحاديث ونضد الادلة . نعم ، فيها تبصرة وتبيان لطالب الحقيقة المجردة عن كل خوف ورجاء ، وتحامل وتزلف ، ولكن أين هو ذلك الرجل الطالب للحق المجرد عن كل غرض ؟! ولئن كان لوح الوجود غير خال منه ففيما ذكرناه غنى له وكفاية .
أما أمير نجد وأجناده وقضاته ومن لف لفهم الذين اتخذوا تلك الدعوى والديانة وسيلة لامتداد سلطتهم ، واتساع سطوتهم ، وضخامة ملكهم ، فلسنا معهم في الخصام وإقامة الحجج إلا كإشراق الشمس على المستنقعات العميقة ، في الاودية السحيقة ، لا تزيدها تلك الاشعة إلا سخونة وعفونة وانتشار وباء في الهواء .
ليت قائلا يقول لقاضي القضاة ـ ابن بليهد ـ ولمفتي علماء المدينة : أتراكم تعتقدون وتعتمدون على كل ما في صحيح مسلم ، وتعملون بكل ما ورد من النصوص فيه ؟ فإن كنتم كذلك فقد عقد مسلم في صحيحه بابا وأورد عدة أحاديث في أن الخلافة لا تكون إلا في قريش ، وأن الائمة من قريش (29) ، بأساليب من البيان ، وأفانين من التعبير ، وكلها صريحة في أن الخلافة الحقة المشروعة مخصوصة بتلك القبيلة . . ومثله ، بل وأكثر منه في صحيح البخاري ، وعليه فأين تكون خلافة أمير كم ابن سعود ؟ وكيف حال إمامته ؟ أهي من قوله تعالى : « وجعلنا منهم أئمة » (30) ؟! ام من قوله تعالى لابراهيم : « إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لاينال عهدي الظالمين » (31) ؟! وحسبنا هذا القدر ، إن اللبيب من الاشارة يفهم !
وأما حديث لعن رسول الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد
____________
(29) صحيح البخاري 9|77 باب « 1 » كتاب الاحكام ، صحيح مسلم 3 |1451 ـ 1454 باب « 1 » كتاب الامارة .
(30) السجدة : 24 .
(31 ) البقرة : 124 .


( 188 )

والسرج (32) فهو نهي للنساء عن التبرج والخروج إلى المجتمعات وعن السجود على القبر ، وهو مما لا يصدر من أحد من المسلمين ، وعن إيقاد السرج عبثا وتعظيما لذات القبر ، أما الاسراج لقراءة القرآن والدعاء فلا منع ولا نهي ، بل في بعض الاحاديث جوازه (33) .
هذا كله في الجواب عن حديث مسلم في شأن هدم القبور وزيارتها والاسراج عليها ، أما فتاوى مفتي علماء المدينة الاخرى المتعلقة بشأن التبرك بالقبور ، والتمسيح بها ، وزيارتها ونحو ذلك ، فقد أفتى ذلك المفتي بالمنع منها مطلقا ، ولكن أرسل أكثر الفتاوى إرسالا من غير أن يسندها إلى حجة أو يعمدها على دليل حتى نتصدى للجواب عنه . نعم ، قال في آخرها ـ وما أصدق ما قال ـ : هذا ما أدى إليه نظري السقيم ، انتهى . والسقم لا محالة إنما جاء من إحدى العلتين اللتين مر ذكرهما أو من كليهما ، نسأله تعالى العافية لنا ولجميع المسلمين .
وفي الرسالة ـ المنوه بذكرها من أمم ـ لكل واحدة من تلك المسائل فصل مستقل أثبت فيه من الطرق الصحيحة المعتبرة عند القوم مشروعيتها ورجحانها وعمل الصحابة والتابعين بها ، فمن أراد فليراجع . وعلى هذا الحد فلتقف الاقلام ، وينتهي الكلام ، فقد تجلى الصبح لذي عينين ، والسلام . تمت بحمد الله تعالى .

***

____________
( 32) سنن أبي داود 3|218 ح 3236 .
(33) مستدرك الحاكم 1|374 .