صلةقبل

3 ـ أحاديث نقصان القرآن

وأما أخبار نقصان القرآن . . فقد ذكرنا رد من ردها مطلقا ، وتأويلات من صححها ، وأشرنا إلى أن المعروف بين المتأولين هو الحمل على نسخ التلاوة . . لكنا نبحث عن هذه الآثار على التفصيل الآتي :
إن ما كان من هذه الآثار ضعيف سندا فهو خارج عن دائرة البحث . . . وقد عرفت مما تقدم أن هذا حال بعض ما يدل على النقصان .
وأما التي صحت سندا فهي أخبار آحاد ، ولا كلام ولا ريب في عدم ثبوت القرآن بخبر الواحد .
ثم إن ما أمكن حمله منها على التفسير وبيان شأن النزول ونحو ذلك فلا داعي للرد والتكذيب له ـ كما لم يجز الاخذ بظاهره الدال على النقصان ـ فإن عدة من الاصحاب كانوا قد كتبوا القرآن وكان بين مصاحفهم الاختلاف في ترتيب السور وقراءة الآيات وما شاكل ذلك . وإن بعضهم قد أضاف إلى الآيات ما سمعه من النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ من التفسير والتوضيح لها ، ومن هذا القبيل جل ما في أجزاء الآيات ، كآية ولاية النبي ، وآية المحافظة على الصلوات ، وآية المتعة ، وآية يا أيها الرسول بلغ . . وأمثالها . . . .
وإن لم يمكن ـ أو لم يتم ـ الحمل على بعض الوجوه كما هو الحال فيما ورد حول سور وآيات كاملة اسقطت من القرآن . . فإما الحمل على نسخ التلاوة وإما الرد والتكذيب . . .

تحقيق في النسخ

لكن الحمل على نسخ التلاوة دون الحكم أو هما معا غير تام لوجوه :


( 138 )

الاول : إنه لا أصل للقسمين المذكورين من النسخ . . . وتوضيح ذلك : أنهم قالوا بأن النسخ في القرآن على ثلاثة أضرب ، أحدها : ما نسخ لفظه وبقي حكمه . والثاني : ما نسخ لفظه وحكمه معا . والثالث : ما نسخ حكمه دون لفظه . وقد مثلوا للضرب الاول بآية الرجم ، ففي الصحيح عن عمر : إن الله بعث محمدا بالحق وأنزل عليه الكتاب ، فكان مما أنزل عليه آية الرجم فقرأتها وعقلتها ووعيتها . قال ابن حزم : « فأما قول من لا يرى الرجم أصلا فقول مرغوب عنه ، لانه خلاف الثابت عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ ، وقد كان نزل به قرآن ، ولكنه نسخ لفظه وبقي حكمه » (61) .
وعلى ذلك حمل أبوشامة (62) وكذا الطحاوي ، قال : « لكن عمر لم يقف على النسخ فقال ما قال ، ووقف على ذلك غيره من الاصحاب ، فكان من علم شيئا أولى ممن لم يعلمه ، وكان علم أبي بكر وعثمان وعلي بخروج آية الرجم من القرآن ونسخها منه أولى من ذهاب ذلك على عمر » (63) .
قال السيوطي : « وأمثلة هذا الضرب كثيرة » ثم حمل عليه قول ابن عمر : « لا يقولن . . » وما روي عن عائشة في سورة الاحزاب ، وما روي عن أبي وغيره من سورتي الخلع والحفد (64) .
وفي « المحلى » بعد أن روى قول أبي في عدد آيات سورة الاحزاب :
« هذا إسناد صحيح كالشمس لا مغمز فيه » قال : « ولو لم ينسخ لفظها لاقرأها أبي بن كعب زرا بلا شك ، ولكنه أخبره بأنها كانت تعدل سورة البقرة ولم يقل له : إنها تعدل الآن ، فصح نسخ لفظها » (65) .
ومثلوا للثاني بآية الرضاع عن عائشة : « كان مما انزل من القرآن عشر
____________
(61) المحلى 11 : 234 .
(62) المرشد الوجيز : 42 ـ 43 .
(63) مشكل الآثار 3 : 5 ـ 6 .
(64 ) الاتقان 2 : 81 .
(65) المحلى 11 : 234 .

( 139 )

رضعات معلومات يحرمن ، ثم نسخن بخمس رضعات يحرمن ، فتوفي رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهن مما يقرأ من القرآن . رواه الشيخان . وقد تكلموا في قولها : (وهن مما يقرأ) فإن ظاهره بقاء التلاوة بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وليس كذلك . . [ وقد تقدم بعض الكلام فيه ] . . . قال مكي : هذا المثال فيه المنسوخ غير متلو ، والناسخ أيضا غير متلو ولا أعلم له نضيرا » (66) .
وقال الآلوسي : « اسقط زمن الصديق ما لم يتواتر وما نسخت تلاوته ، وكان يقرؤه من لم يبلغه النسخ وما لم يكن في العرضة الاخيرة . ولم يأل جهدا في تحقيق ذلك ، إلا أنه لم ينتشر نوره في الآفاق إلا زمن ذي النورين . فلهذا نسبه إليه » ثم ذكر طائفة من الآثار الدالة على نقصان القرآن عن أحمد والحاكم وغيرهما فقال : « ومثله كثير ، وعليه يحمل ما رواه أبوعبيد عن ابن عمر ، قال : لا يقولن . . . والروايات في هذا الباب أكثر من أن تحصى ، إلا أنها محمولة على ما ذكرناه » ( 67) .
وفي آية الرضاع قال : « والجواب : أن جميع ذلك منسوخ كما صرح بذلك ابن عباس فيما مر ، ويدل على نسخ ما في خبر عائشة أنه لو لم يكن منسوخا لزم ضياع بعض القرآن الذي لم ينسخ ، وإن الله تعالى قد تكفل بحفظه ، وما في الرواية لا ينافي النسخ . . . » (68) .
ووافق الزرقاني على حمل هذه الاحاديث على النسخ لورود ذلك في الاحاديث (69) .
لكن جماعة من علمائهم المتقدمين والمتأخرين ينكرون القسمين المذكورين من النسخ ، ففي الاتقان بعد أن ذكر الضرب الثالث ـ ما نسخ تلاوته
____________
(66) الاتقان 2 : 70 .
(67) روح المعاني 1 : 24 .
(68) روح المعاني 1 : 228 .
(69) مناهل العرفان 2 : 215 .

( 140 )

دون حكمه ـ وأمثلته : « تنبيه : حكى القاضي أبوبكر في الانتصار عن قوم إنكار هذا الضرب ، لان الاخبار فيه أخبار آحاد ، ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد لاحجة فيها .
وقال أبوبكر الرازي : نسخ الرسم والتلاوة إنما يكون بأن ينسيهم الله إياه ويرفعه من أوهامهم ويأمرهم بالاعراض عن تلاوة وكتبه في المصحف ، فيندرس على الايام كسائر كتب الله القديمة التي ذكرها في كتابه في قوله : (إن هذا لفي الصحف الاولى . صحف إبراهيم وموسى) ولا يعرف اليوم منها شيء .
ثم لا يخلو ذلك من أن يكون في زمان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حتى إذا توفي لا يكون متلوا في القرآن أو يموت وهو متلو بالرسم ثم ينسيه الله الناس ويرفعه من أذهانهم ، وغير جائز نسخ شيء من القرآن بعد وفاة النبي ـ صلى الله عليه وآله » (70) ثم أورد كلام الزركشي الآتي ذكره .
وقال الشوكاني : « منع قوم من نسخ اللفظ مع بقاء حكمه ، وبه جزم شمس الدين السرخسي ، لان الحكم لا يثبت بدون دليله » (71) .
وحكى الزرقاني عن جماعة في منسوخ التلاوة دون الحكم : انه مستحيل عقلا ، وعن آخرين منع وقوعه شرعا (72) .
ولم يصحح الرافعي القول بنسخ التلاوة وأبطل كل ماحمل على ذلك وقال : « ولا يتوهمن أحد أن نسبة بعض القول إلى الصحابة نص في أن ذلك المقول صحيح البتة ، فإن الصحابة غير معصومين ، وقد جاءت روايات صحيحة بما أخطأ فيه بعضهم من فهم أشياء من القرآن على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ وذلك العهد هو ما هو . ثم بما وهل عنه بعضهم مما تحدثوا من أحاديثه الشريفة ، فأخطؤوا في فهم ما سمعوا ، ونقلنا في باب الرواية من تاريخ آداب
____________
(70) الاتقان 2 : 85 ، وانظر : البرهان 2 : 39 ـ 40 .
(71 ) إرشاد الفحول : 189 ـ 190 ، وتقدم نص عبارة السرخسي عن اصوله 2 : 78 .
(72 ) مناهل العرفان 2 : 112 .

( 141 )

العرب أن بعضهم كان يرد على بعض فيما يشبه لهم أنه الصواب خوف أن يكونوا قد وهموا . . . على أن تلك الروايات القليلة [ فيما زعموه كان قرآنا وبطلت تلاوته ] (73) إن صحت أسانيدها أو لم تصح فهي على ضعفها وقلتها مما لا حفل به مادام إلى جانبها إجماع الامة وتظاهر الروايات الصحيحة وتواتر النقل والاداء على التوثيق » (74) .
وقال صبحي الصالح : « والولوع باكتشاف النسخ في آيات الكتاب أوقع القوم في أخطاء منهجية كان خليقا بهم أن يتجنبوها لئلا يحملها الجاهلون حملا على كتاب الله . . . لم يكن خفيا على أحد منهم أن الآية القرآنية لا تثبت إلا بالتواتر ، وأن أخبار الآحاد ظنية لا قطعية ، وجعلوا النسخ في القرآن ـ مع ذلك ـ على ثلاثة أضرب : نسخ الحكم دون التلاوة ، ونسخ التلاوة دون الحكم ، ونسخ الحكم والتلاوة جميعا .
وليكثروا إن شاؤوا من شواهد الضرب الاول ، فإنهم فيه لا يمسون النص القرآني من قريب ولا بعيد ، إذ الآية لم تنسخ تلاوتها بل رفع حكمها لاسرار تربوية وتشريعية يعلمها الله ، أما الجرأة العجيبة ففي الضربين الثاني والثالث ، اللذين نسخت فيهما بزعمهم تلاوة آيات معينة ، إما مع نسخ أحكامها وإما دون نسخ أحكامها .
والناظر في صنيعهم هذا سرعان ما يكتشف فيه خطأ مركبا ، فنقسيم المسائل إلى أضرب إنما يصلح إذا كان لكل ضرب شواهد كثيرة أو كافية على الاقل ليتيسر استنباط قاعدة منها ، وما لعشاق النسخ إلا شاهد أو اثنان على كل من هذين الضربين [ أما الضرب الذي نسخت تلاوته دون حكمه فشاهده المشهور ما قبل من أنه كان في سورة النور : الشيخ والشيخة . . . انظر : تفسير ابن كثير
____________
(73) ما بين القوسين ذكره في الهامش . قلت : ما ذكره في الجواب عن هذه الاحاديث هو الحق لكن وصفها بالقلة في غير محله فهي كثيرة بل أكثر من أن تحصى كما تقدم في عبارة الآلوسي .
(74) إعجاز القرآن : 44 .

( 142 )

3 : 261 ، ومما يدل على اضطراب الرواية : أن في صحيح ابن حبان ما يفيد أن هذه الآية التي زعموا نسخ تلاوتها كانت في سورة الاحزاب لافي سورة النور ، وأما الضرب الذي نسخت تلاوته وحكمه معا فشاهده المشهور في كتب الناسخ والمنسوخ ما ورد عن عائشة أنها قالت : كان فيما انزل من القرآن . . . ] (75) وجميع ما ذكروه منها أخبار آحاد ، ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد لاحجة فيها .
وبهذا الرأي السديد أخذ ابن ظفر في كتابه الينبوع ، إذ أنكر عد هذا مما نسخت تلاوته ، قال : لان خبر الواحد لا يثبت القرآن » (76) .
وقال مصطفى زيد وهو ينكر نسخ التلاوة دون الحكم : « وأما الآثار التي يحتجون بها . . . فمعظماه مروي عن عمر وعائشة ، ونحن نستبعد صدور مثل هذه الآثار عنهما ، بالرغم من ورودهما في الكتب الصحاح . . . وفي بعض هذه الروايات جاءت العبارات التي لا تتفق ومكانة عمر ولا عائشة ، مما يجعلنا نطمئن إلى اختلاقها ودسها على المسلمين » (77) .
هذا وستأتي كلمات بعض أعلامهم في خصوص بعض الآثار .
وكذا أنكر المحققون من الامامية القسمين المذكورين من النسخ . . فقد قال السيد المرتضى : « ومثال نسخ التلاوة دون الحكم غير مقطوع به لانه من خبر الآحاد ، وهو ما روي أن من جملة القرآن : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ، فنسخت تلاوة ذلك . ومثال نسخ الحكم والتلاوة معا موجود في أخبار الآحاد وهو ما روي عن عائشة . . . » (78) وقد تبعه على ذلك غيره (79) .
الثاني : وعلى فرض تمامية الكبرى فإنه لا دليل على أن هذه الآيات التي
____________
(75 ) ما بين القوسين مذكور في الهامش .
(76) مباحث في علوم القرآن : 265 ـ 266 .
(77) النسخ في القرآن 1 : 283 .
(78) الذريعة إلى اصول الشريعة 1 : 428 .
(79) البيان في تفسير القرآن : 30 .

( 143 )

حكتها الآثار المذكورة منسوخة ، إذ لم ينقل نسخها ، ولم يرد في حديث عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ في واحد منها أنها منسوخة ، ولقد كان المفروض أن يبلغ ـ صلى الله عليه وآله ـ الامة بالنسخ كما بلغ بالنزول .
فقد ورد في الحديث أنه قال لابي : « إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن » فقرأ عليه (آية الرغبة) ، فلو كانت منسوخة ـ كما يزعمون ـ لاخبره بذلك ولنهاه عن تلاوتها ، ولكنه لم يفعل ـ إذ لو فعل لنقل ـ ولذا بقي ابي ـ كما في حديث آخر عن أبي ذر ـ يقرأ الآية بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ معتقدا بكونها من آي القرآن العظيم .
ونازع عمر ابيا في قراءته (آية الحمية) وغلظ له ، فخصمه ابي بقوله : « لقد علمت أني كنت أدخل على النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويقرؤني وأنت بالباب ، فإن أحببت أن اقرئ الناس على ما أقرأني وإلا لم اقرئ حرفا ما حييت » ، فقال له عمر : « بل أقرئ الناس » .
وهذا يدل على أن ابيا قد تعلم الآية هكذا من النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ وجعل يقرئ الناس على ما أقرأه ، ولو كان ثمة ناسخ لعلمه ابي أو أخبره الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ فكف عن تلك القراءة . . هذا من جهة .
ومن جهة اخرى فإن قول عمر في جوابه : « بل أقرئ الناس » يدل على عدم وجود ناسخ للآية أصلا ، وإلا لذكره له في الجواب .
الثالث : عدم إمكان حمل الآيات المذكورة على منسوخ التلاوة على فرض صحة القول به :
فآية الرجم قد سمعها جماعة ـ كما تفيد الاحاديث المتقدمة ـ من رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مصرحين بأنها من آي القرآن الكريم على حقيقة التنزيل .
وقد رأينا ـ فيما تقدم ـ إصرار عمر بن الخطاب على أنها من القرآن ، وحمله الصحابة بالاساليب المختلفة على كتابتها وإثباتها في المصحف كما انزلت . وقوله :


(144)

« والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس : زاد عمر في كتاب الله لكتبتها . . . » وكل ذلك صريح في أنها كانت من القرآن ومما لم ينسخ ، وإلا لما أصر عمر على ذلك ، ولما جاز له كتابتها في المصحف الشريف .
ومن هنا قال الزركشي : « إن ظاهر قوله : لولا أن يقول الناس . . . أن كتابتها جائزة وإنما منعه قول الناس ، والجائز في نفسه قد يقوم من خارج ما يمنعه ، وإذا كانت جائزة لزم أن تكون ثابتة ، لان هذا شأن المكتوب .
وقد يقال : لو كانت التلاوة باقية لبادر عمر ـ رضي الله عنه ـ ولم يعرج على مقال الناس ، لان مقال الناس لا يصلح مانعا .
وبالجملة فهذه الملازمة مشكلة ، ولعله كان يعتقد أنه خبر واحد والقرآن لا يثبت به وإن ثبت الحكم . . . » (80) .
ومن هنا أيضا : أنكر ابن ظفر (81 ) في كتابه « الينبوع » عد آية الرجم مما زعم أنه منسوخ التلاوة وقال : « لان خبر الواحد لا يثبت القرآن » (82) .
ومثله أبوجعفر النحاس (83) حيث قال : « وإسناد الحديث صحيح ، إلا أنه ليس حكمه حكم القرآن الذي نقله الجماعة عن الجماعة ، ولكنه سنة ثابتة . . . » (84) .
ورأينا أن ابيا وابن مسعود قد أثبتا في مصحفهما آية « لو كان لابن آدم واديان . . » وأضاف أبوموسى الاشعري : إنه كان يحفظ سورة من القرآن فنسيها إلا هذه الآية .
____________
(80 ) البرهان 2 : 39 ـ 40 ، الاتقان 2 : 26 .
(81) وهو : محمد بن عبد الله بن ظفر المكي ، له : ينبوع الحياة في تفسير القرآن ، توفي سنة 565 . وفيات الاعيان 1 : 522 ، الوافي بالوفيات 1 : 141 وغيرهما .
(82) البرهان 2 : 39 ـ 40 ، الاتقان 2 : 26 .
(83) وهو : أبوجعفر أحمد بن محمد النحاس ، المتوفى سنة 338 . وفيات الاعيان 1 : 29 ، النجوم الزاهرة 3 : 300 .
(84) الناسخ والمنسوخ : 8 .

( 145 )

ولو لم تكن الآية من القرآن حقيقة ـ بحسب تلك الاحاديث ـ لما أثبتاها ، ولما قال أبوموسى ذلك .
وقد جعل الشوكاني هذه الآية مثالا للقسم الخامس من الاقسام الستة حسب تقسيمه للنسخ ، وهو : « ما نسخ رسمه لا كلمه ولا يعلم الناسخ له » .
و« السادس : ناسخ صار منسوخا وليس بينهما لفظ متلو » .
ثم قال : « قال ابن السمعاني : وعندي أن القسمين الاخيرين ـ أي الخامس والسادس ـ تكلف ، وليس يتحقق فيهما النسخ » (85) .
ورأينا قول ابي بن كعب لزر بن حبيش في سورة الاحزاب : « قد رأيتها ، وإنها لتعادل سورة البقرة ، ولقد قرأنا فيها : الشيخ والشيخة . . . فرفع ما رفع » .
فهل كان ابي يقصد من قوله : « فرفع ما رفع » ما نسخت تلاوته ؟!
ورأينا قول عبد الرحمن بن عوف لعمر بن الخطاب حين سأله عن آية الجهاد : « اسقطت فيما اسقط من القرآن » فسكت عمر ، الامر الذي يدل على قبوله ذلك .
فهل يعبر عما نسخت تلاوته بـ « اسقطت فيما اسقط من القرآن » ؟!
ورأينا قول عائشة بأن آية الرضاع كانت مما يقرأ من القرآن بعد وفاة النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ وأنها كانت في رقعة تحت سريرها . . . فهل كانت تعني ما نسخت تلاوته ؟ ومتى كان النسخ ؟
وهنا قال أبوجعفر النحاس : « فتنازع العلماء هذا الحديث لما فيه من الاشكال ، فمنهم من تركه وهو مالك بن أنس ـ وهو راوي الحديث ـ ، ولم يروه عن عبد الله سواه ، وقال : رضعة واحدة تحرم ، وأخذ بظاهر القرآن ، قال الله تعالى : ( وأخواتكم من الرضاعة) ، وممن تركه : أحمد بن حنبل وأبوثور ، قالا : يحرم ثلاث رضعات لقول النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ : (لا تحرم المصة ولا المصتان) .
قال أبوجعفر : وفي هذا الحديث لفظة شديدة الاشكال وهو قولها (فتوفي
____________
(85) إرشاد الفحول : 189 ـ 190 .
( 146 )

رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ وهن مما نقرأ في القرآن) فقال بعض أجلة أصحاب الحديث : قد روى هذا الحديث رجلان جليلان أثبت من عبد الله بن أبي بكر فلم يذكرا هذا فيها ، وهما : القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ ويحيى بن سعيد الانصاري .
وممن قال بهذا الحديث وأنه لا يحرم إلا بخمس رضعات : الشافعي .
وأما القول في تأويل : (وهن مما نقرأ في القرآن) فقد ذكرنا رد من رده ، ومن صححه قال : الذي نقرأ من القرآن : (وأخواتكم من الرضاعة) وأما قول من قال : إن هذا كان يقرأ بعد وفاة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ فعظيم ، لانه لوكان مما يقرأ لكانت عائشة ـ رضي الله عنها ـ قد نبهت عليه ، ولكان قد نقل إلينا في المصاحف التي نقلها الجماعة الذين لا يجوز عليهم الغلط ، وقد قال الله تعالى : (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وقال : (إن علينا جمعه وقرآنه) ، ولوكان بقي منه شيء لم ينقل إلينا لجاز أن يكون مما لم ينقل ناسخا لما نقل ، فيبطل العمل بما نقل ، ونعوذ بالله من هذا فإنه كفر » (86) .
الرابع : أن القول بنسخ التلاوة هو بعينه القول بالتحريف ونقصان القرآن :
« وبيان ذلك : أن نسخ التلاوة هذا إما أن يكون قد وقع من رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ ، وإما أن يكون ممن تصدى للزعامة من بعده .
فإن أراد القائلون بالنسخ وقوعه من رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ فهو أمر يحتاج إلى الاثبات ، وقد اتفق العلماء أجمع على عدم جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد ، وقد صرح بذلك جماعة في كتب الاصول وغيرها ، بل قطع الشافعي وأكثر أصحابه وأكثر أهل الظاهر بامتناع نسخ الكتاب بالسنة المتواترة ، وإليه ذهب أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه ، بل إن جماعة ممن قال بإمكان نسخ الكتاب بالسنة المتواترة منع وقوعه ، وعلى ذلك فكيف تصح نسبة النسخ إلى النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ بأخبار هؤلاء الرواة ؟!
____________
(86) الناسخ والمنسوخ : 10 ـ 11 .
( 147 )

مع أن نسبة النسخ إلى النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ تنافي جملة من الروايات التي تضمنت أن الاسقاط قد وقع بعده .
وإن أرادوا أن النسخ قد وقع من الذين تصدوا للزعامة بعد النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ فهو عين القول بالتحريف .
وعلى ذلك ، فيمكن أن يدعى أن القول بالتحريف هو مذهب أكثر علماء أهل السنة ، لانهم يقولون بجواز نسخ التلاوة ، سواء أنسخ الحكم أو لم ينسخ ، بل تردد الاصوليون منهم في جواز تلاوة الجنب ما نسخت تلاوته ، وفي جواز أن يمسه المحدث ، واختار بعضهم عدم الجواز .
نعم ذهبت طائفة من المعتزلة إلى عدم جواز نسخ التلاوة » (87) .
بل قال السيد الطباطبائي ـ قدس سره ـ : « إن القول بذلك أقبح وأشنع من القول بالتحريف » (88) .
وقال المحقق الاوردبادي ـ قدس سره ـ : « وقد تطرف بعض المفسرين ، فذكروا في باب النسخ أشياء غير معقولة . . .
ومنها : ما ذكره بعضهم من باب نسخ التلاوة : آية الرجم . . .
وهذه أيضا من الافائك الملصقة بقداسة القرآن الكريم من تلفيقات المتوسعين . . .
وهناك جمل تضمنتها بطون غير واحد من الكتب التي لا تخلو عن مساهلة في النقل فزعم الزاعمون أنها آيات منسوخة التلاوة أو هي والحكم ، نجل بلاغة القرآن عما يماثلها ، وهي تذودها عن ساحة البراعة ، لعدم حصولها على مكانة القرآن من الحصافة والرصافة ، فمن ذلك ما روي عن أبي موسى . . . ومنها : ما روي عن أبي : قال : كنا نقرأ : لا ترغبوا . . .
وإن الحقيقة لتربأ بروعة الكتاب الكريم عن أمثال هذه السفاسف
____________
(87) البيان في تفسير القرآن : 224 .
( 88) الميزان في تفسير القرآن .

( 148 )

القصية عن عظمته ، أنا لا أدري كيف استساغوا أن يعدوها من آي القرآن وبينهما بعد المشرقين ، وهي لا تشبه الجمل الفصيحة من كلم العرب ومحاوراتهم فضلا عن أساليب القرآن الذهبية ؟!
نعم ، هي هنات قصد مختلقوها توهين أساس الدين والنيل من قداسة القرآن المبين ، ويشهد على ذلك أنها غير منقولة عن مثل مولانا أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ الذي هو لدة القرآن وعدله .
وإني لا أحسب أنه يعزب عن أي متضلع في الفضيلة حال هذه الجمل وسقوطها حتى تصل النوبة في دفعها إلى أنها من أخبار الآحاد التي لا تفيد علما ولا عملا ، ولا يعمل بها في الاصول القطعية التي من أهمها القرآن ـ كما قيل ذلك ـ . . . » (89) .
وقال الشيخ محمد رضا المظفر بعد كلام له : « وبهذا التعبير يشمل النسخ : نسخ تلاوة القرآن الكريم على القول به ، باعتبار أن القرآن من المجعولات الشرعية التي ينشئها الشارع بما هو شارع وإن كان لنا كلام في دعوى نسخ التلاوة من القرآن ليس هذا موضع تفصيله .
ولكن بالاختصار نقول : إن نسخ التلاوة في الحقيقة يرجع إلى القول بالتحريف ، لعدم ثبوت نسخ التلاوة بالدليل القطعي ، سواء كان نسخا لاصل التلاوة أو نسخا لها ، ولما تضمنته من حكم معا ، وإن كان في القرآن الكريم ما يشعر بوقوع نسخ التلاوة ، كقوله تعالى : ( وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر) وقوله تعالى : (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) ولكن ليستا صريحتين بوقوع ذلك ، ولا ظاهرتين ، وإنما أكثر ما تدل الآيتان على إمكان وقوعه » (90) .
هذا كله فيما يتعلق بالآيات والسور التي زعموا سقوطها من القرآن . . .
____________
(89) بحوث في علوم القرآن ـ مخطوط ـ .
(90) اصول الفقه 2 : 53 .

( 149 )

وأما مشكلة إنكار ابن مسعود الفاتحة والمعوذتين ، فقط اضطربوا في حلها اضطرابا شديدا كما رأيت ، فأما دعوى أن ما روي عنه في هذا المعنى موضوع وأنه افتراء عليه فغير مسموعة ، لان هذا الرأي عن ابن مسعود ثابت وبه روايات صحيحة كما قال ابن حجر . . . وأما ما ذكروا في توجيهه فلا يغني ، إذ أحسن ما ذكروا هو : أنه لم ينكر ابن مسعود كونهما من القرآن ، إنما أنكر إثباتهما في المصحف ، لانه كانت السنة عنده أن لا يثبت إلا ما أمر النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ بإثباته ، ولم يبلغه أمره به ، وهذا تأويل منه وليس جحدا لكونهما قرآنا (91) .
ولو كان لمثل هذا الكلام مجال في حق مثل ابن مسعود لما جنح الرازي وابن حزم والنووي إلى تكذيب أصل النقل للخلاص من هذه العقدة كما عبر الرازي . . .
ولماذا كل هذا الاضطراب ؟ ألان ابن مسعود من الصحابة ؟! . إن الجواب الصحيح أن نقول بتخطئة ابن مسعود وضلالته في هذه المسألة . . . وإلى ذلك أشار ابن قتيبة بقوله : « لا نقول إنه أصاب في ذلك وأخطأ المهاجرون والانصار » .
وأما قضية سورتي الحفد والخلع . . . فنحن لم نراجع سند الرواية ، فإن كان ضعيفا فلا بحث ، وإن كان معتبرا . . . فإن تم التأويل الذي أوردناه عن بعضهم فهو . . . وإلا فلا مناص من تكذيب أصل النقل . . .

قضية ابن شنبوذ

وهنا سؤال يتعلق بقضية ابن شنبوذ البغدادي . . .
فهذا الرجل ـ وهو أبوالحسن محمد بن أحمد ، المعروف بابن شنبوذ البغدادي ، المتوفى سنة 328 ـ مقرئ مشهور ، ترجم له الخطيب وقال : « روى عن خلق كثير من شيوخ الشام ومصر ، وكان قد تخير لنفسه حروفا من شواذ القراءات
____________
(91) الاتقان 1 : 270 ـ 272 ، شرح الشفاء ـ للقاري ـ 4 : 558 . نسيم الرياض 4 : 558 .
( 150 )

تخالف الاجماع يقرأ بها ، فصنف أبوبكر ابن الانباري وغيره كتبا في الرد عليه .
وقال إسماعيل الخطبي في كتاب التاريخ : اشتهر ببغداد أمر رجل يعرف بابن شنبوذ ، يقرئ الناس ويقرأ في المحراب بحروف يخالف فيها المصحف مما يروى عن عبد الله بن مسعود وابي بن كعب وغيرهما مما كان يقرأ به قبل جمع المصحف الذي جمع عثمان بن عفان ، ويتتبع الشواذ فيقرأ بها ويجادل حتى عظم أمره وفحش وأنكره الناس ، فوجه السلطان فقبض عليه . . . وأحضر القضاة والفقهاء والقراء . . . وأشاروا بعقوبته ومعاملته بما يضطره إلى الرجوع ، فأمر بتجريده وإقامته بين الهبازين وضربه بالدرة على قفاه ، فضرب نحو العشرة ضربا شديدا ، فلم يصبر واستغاث وأذعن بالرجوع والتوبة فخلي عنه وأعيدت عليه ثيابه واستتيب ، وكتب عليه كتاب بتوبته واخذ فيه خطه بالتوبة » (92) .
نكتفي بهذا القدر من قضية هذا الرجل وما لاقاه من السلطان بأمر الفقهاء والقضاة . . ! ! ونتسأل : أهكذا يفعل بمن تبع الصحابة في إصرارهم على قراءاتهم حسبما يروي أهل السنة عنهم في أصح أسفارهم ؟!

كلمة لابد منها :

وهنا كلمة قصيرة لا بد منها وهي : أن شيئا من هذه السفاسف التي رواها القوم عن صحابتهم ـ الذين يعتقدون بهم بأصح أسانيدهم ، فاضطروا إلى حملها على النسخ ظنا منهم بأنه طريق الجمع بين صيانة القرآن عن التحريف وصيانة الصحاح ورجالها وسائر علمائهم ومحدثيهم عن رواية الاباطيل . . . ـ غير منقول عن مولانا وسيدنا الامام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ ولا عن أبنائه الائمة الاطهار ، وغير وارد في شيء من كتب شيعتهم الابرار .
____________
(92) تاريخ بغداد 1 : 280 ، وفيات الاعيان 3 : 326 ، وقد ذكر ابن شامة القصة في المرشد الوجيز : 187 وكأنه يستنكر ما قوبل به الرجل . . ! ! .
( 151 )

خلاصة البحث :

ويتلخص البحث في هذه الناحية في النقاط التالية :
1 ـ إن من أخبار نقصان القرآن ما لا اعتبار به سندا فهو خارج عن البحث .
2 ـ إن الآثار الواردة في هذا الباب بسند صحيح أخبار آحاد والخبر الواحد لايثبت به القرآن .
3 ـ إن بعض هذه الآثار الصحيحة سندا صالح للحمل على التفسير وبيان شأن النزول ونحو ذلك ، فلا داعي لابطاله .
4 ـ إن حمل ما لا يقبل الحمل على بعض الوجوه المذكورة على نسخ التلاوة ساقط ، للوجوه الاربعة المذكورة ، والتي منها : أن القول بنسخ التلاوة هو القول بالتحريف ، بل أقبح منه .
5 ـ إن إنكار ابن مسعود الفاتحة والمعوذتين خطأ وضلالة منه ، وتكذيب الخبر الحاكي لذلك باطل ، كما أن تأويل فعله ساقط .
6 ـ إن ما سمي بـ « سورتي الحفد والخلع » ليس من القرآن قطعا وإن رواه القوم عن جمع من الصحابة من غير أهل البيت ـ عليهم السلام ـ ، قال العلامة الحلي : « روى غير واحد من الصحابة سورتين . . . فقال عثمان : اجعلوهما في القنوت ولم يثبتهما في المصحف ، وكان عمر يقنت بذلك ، ولم ينقل ذلك من طريق أهل البيت ، فلو قنت بذلك جاز لاشتمالهما على الدعاء » (93) .
7 ـ إن ضرب ابن شنبوذ وقع في غير محله ـ كمصادرة كتاب « الفرقان » ـ من حيث أن الذنب للصحابة ورواة الآثار الواردة عنهم أو الموضوعة عليهم حول الآيات .
____________
(93) تذكرة الفقهاء 1 : 128 .
( 152 )

ثم رأينا الحافظ ابن الجزري يلمح إلى ما استنتجناه حيث ترجم لابن شنبوذ وشرح محنته وذكر أنها كانت كيدا من معاصره ابن مجاهد الذي كان يحسده وينافسه ، وإلا فإن الاقراء بما خالف الرسم ليس مما يستوجب ذلك ، بل نقل عن الحافظ الذهبي ذهاب بعض العلماء قديما وحديثا إلى جوازه . . قال ابن الجزري : « وكان قد وقع بينه وبين أبي بكر بن مجاهد على عادة الاقران ، حتى كان ابن شنبوذ لا يقرئ من يقرأ على ابن مجاهد وكان يقول : هذا العطشي ـ يعني ابن مجاهد ـ لم تغبر قدماه في هذا العلم ، ثم إنه كان يرى جواز القراءة بالشاذ وهو ما خالف رسم المصحف الامام ، قال الذهبي الحافظ : مع أن الخلاف في جواز ذلك معروف بين العلماء قديما وحديثا . قال : وما رأينا أحدا أنكر الاقراء بمثل قراءة يعقوب وأبي جعفر ، وإنما أنكر من أنكر القراءة بما ليس بين الدفتين . والرجل كان ثقة في نفسه صالحا دينا متبحرا في هذا الشأن ، لكنه كان يحط على ابن مجاهد . . . » (94) .
8 ـ إن ما لا يقبل الحمل على بعض الوجوه يجب رده ورفضه ، فإن أذعن القوم بكونه مختلقا مدسوسا في الصحاح سقطت كتبهم الصحاح عن الاعتبار وإلا توجه الرد والتكذيب إلى الصحابي المروي عنه كما هو الحال بالنسبة إلى ابن مسعود في قضية الفاتحة والمعوذتين وهو قول سيدنا أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ : « أخطأ ابن مسعود ـ أو قال : كذب ابن مسعود ـ وهما من القرآن . . . » (95) .
وهكذا يظهر أن القول بعدالة الصحابة أجمعين ، والقول بصحة أحاديث الصحاح ـ وخاصة الصحيحين ـ مشهوران لا أصل لهما . وسيأتي مزيد بيان لذلك ـ في الفصل الخامس والاخير ـ إن شاء الله تعالى .

للبحث صلة . . .


____________
(94) غاية النهاية في طبقات القراء 2 : 52 .
(95) وسائل الشيعة 4 : 786 .

( 153 )

من التراث الادبي المنسي في الاحساء

الشيخ كاظم الصحاف

الشيخ جعفر الهلالي


الشيخ كاظم بن الشيخ علي بن الشيخ محمد بن الشيخ حسين الصحاف الاحسائي ، وهو شاعرآخر من شعراء الاحساء المنسيين .

ولادته :
ولد الشاعر المذكور في الكويت سنة 1313 هـ (1) .

نشأته ودراسته :
نشأ المترجم له في الكويت على يد أخيه الشيخ حسين الذي مر ذكره في الحلقة السابقة المنشورة في العدد السابق من نشرة « تراثنا » ويظهر أن أباه توفي وهو صغير ، فكان ملازما لاخيه الشيخ حسين ، وقد سافر به أخوه إلى النجف الاشرف ، وكان أول تحصيله على يد أخيه ، وبعد وفاة أخيه انقطع إلى الدرس والتحصيل على يد جماعة من العلماء منهم الشيخ سلمان السلمان الاحسائي ، فقد أخذ عنه المنطق والمعاني والبيان ومعالم الاصول ، كما أنه أخذ بعض دروسه في
____________
(1) ذكر السيد هاشم الشخص في كتابه عن علماء وادباء الاحساء ، أن المترجم له ولد سنة 1312 هـ ، وعلى ما أتذكر أن ما أثبته من تاريخ ولادته كنت قد أخذته من المترجم له عند التقائي به في الاحساء .
( 154 )

الفقه على يد السيد محمد بن السيد حسن الصافي ، كما درس أيضا على يد الشيخ منصور المرهون القطيفي ، وحضر دروس حجة الاسلام والمسلمين السيد ناصر الاحسائي في الفقه ، ودرس الحكمة على يد الميرزا موسى الحائري .
وجاء في كتاب « نفائس الاثر » (2) عن كتاب « تذكرة الاشراف في آل الصحاف » عن المترجم له نفسه ، أنه بعد أن ارتقى في معارفه وتحصيله العلمي اعتمد عليه الميرزا موسى الحائري فأرسله إلى مدينة سوق الشيوخ في العراق ليقوم هناك بالامور الشرعية والحقوق الحسبية ، فمكث هناك مدة ثم عاد إلى الكويت ـ مسقط رأسه ـ وقام بصلاة الجماعة في مسجد الصحاف بأمر الميرزا موسى الحائري وولده الميرزا علي ، لكنه لم يقم فيها طويلا ـ أيضا ـ فغادرها إلى الاحساء بلد آبائه ومحط أغلب اسرته وموطنه الاصلي ، ونزل بعد وصوله إليها في ضيافة حجة الاسلام والمسلمين الشيخ موسى أبوخميس أحد أكبر علماء الاحساء آنذاك ، وقد درس أيضا على يده بعض علوم الحكمة ، كما سعى الشيخ أبوخميس في زواج المترجم له فتزوج هناك واستقرت به الحال في الهفوف عاصمة الاحساء .
وكان بالاضافة إلى فضيلته العلمية خطيبا حسينيا مارس الخطابة حتى آخر حياته ، وينقل عن المترجم له أن لديه وكالة في الامور الشرعية والحسبية من الامام الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ، كما أن له وكالة في الموضوع نفسه من الشيخ حبيب آل قرين الاحسائي (3) نزيل البصرة .

أدبه وشعره :
زاول المترجم له نظم الشعر وكان مكثرا فيه وشعره بين الجيد والمتوسط ، وبدأ يضعف في آخر حياته ، وقد ساهم في كثير من المناسبات الدينية فمدح بعض
____________
(2) نفائس الاثر . . . للسيد هاشم الشخص ـ آنف الذكر ـ ترجم فيه لمجموعة كبيرة من علماء وادباء الاحساء ، وهو لا يزال قيد التأليف ، وسبق أن تحدثنا عنه في إحدى الحلقات السابقة .
(3) الشيخ حبيب آل قرين ، كان أحد المراجع الاعلام في التقليد ، سكن البصرة في منطقة « كردلان » عبر نهر شط العرب ، وكان من الاتقياء وقد اعترف له بالمنزلة العلمية الامام الراحل كاشف الغطاء

==


( 155 )

علماء عصره ، ونظم في العقائد والردود وغالبية شعره في أهل البيت عليهم السلام .
آثاره :
خلف المترجم له مجموعة من الآثار الادبية والعلمية ، لا تزال كلها مخطوطة ويخشى عليها من الضياع والتلف ، وهي كالآتي :
1 ـ روضة الرحمن في أحاديث رمضان .
2 ـ البيان في أحوال بدء الانسان .
3 ـ النمط الاوسط والحجة على من فرط أو أفرط ، وهو كتاب يشتمل على الاصول الخمسة .
4 ـ السبيكة الذهبية في معرفة مذهب الجعفرية .
5 ـ الجوهرة البديعة ، في معرفة أصل الشيعة واصولها ، أقام فيها الادلة العقلية والنقلية من كتب علماء أهل السنة .
6 ـ لوح الفوائد ونور المقاصد ، يحتوي على أسرار علمية وفوائد بدنية .
7 ـ الحق والصواب بين السؤال والجواب ، في الاصول الخمسة .
8 ـ الفصول في الاصول ، منظومة شعرية تبحث في الاصول الخمسة أيضا ، موجودة عندنا ، وهي مما سننشره هنا من شعر المترجم له .
9 ـ الدليل الحاسم على فتح الطلاسم ، وهي قصيدة رد بها الشاعر على قصيدة إيليا أبي ماضي ، قرأ علي الشاعر بعض فصولها عند زيارتي له في مدينة الاحساء ، وهي قصيدة رائعة مشبعة بالادلة التي نقض بها أوهام أبي ماضي ، ولكن للاسف الشديد لم يتيسر لي في تلك الفترة نسخها ، وقد توفي الشاعر بعد فترة ونرجو أن نوفق للحصول عليها من بعض ورثته ، ويخشى عليها من الضياع .
____________
==
عند زيارته ـ أي كاشف الغطاء ـ للبصرة ونزل دار أحد علمائها ، وقد زاره الشيخ حبيب ، فعند خروجهم من الدار قدمه كاشف الغطاء فأبى ، فقال له كاشف الغطاء ـ قدس سره ـ : تقدم فلو قدموا حظهم قدموك . سمعت هذا من والدي الشيخ عبد الحميد الهلالي ـ رحمه الله ـ .

( 156 )

10 ـ الدر الثمين في مدح النبي وآله الطاهرين ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ ، وهو ديوان شعر .
11 ـ اللؤلؤ المنثور في مآتم عاشور ، وهو ديوان شعر ـ أيضا ـ فيه لكل يوم من محرم قصيدة مناسبة إلى ليلة الحادي عشر .
12 ـ العقد الازهر في قصائد صفر ، وهو ديوان شعر ـ أيضا ـ يحتوي على قصائد حسينية في أحداث الكوفة والشام والرجوع إلى المدينة .

وفاته :
كانت وفاة الشاعر في الكويت ـ مسقط رأسه ـ وذلك في 10 شعبان سنة 1399 هـ ، ونقل جثمانه إلى النجف الاشرف ، تغمده الله برحمته .
وهذه نماذج من شعره نعرضها هنا بين يدي القارئ الكريم ، فمن ذلك هذه القصيدة التي قالها في مدح الامام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ جارى فيها القصيدة الكوثرية للسيد رضا الهندي :

أسـنـاء الـفـجـر لنا أسـفر * بـجبـيـنك أم بـدر أزهر
وثـنـايـا الـثـغـر تلوح لنا * أم ذاك الـبـرق أم الجوهر
ما الـبـدر جـمـالـك إذ يبدو * ما السيف لحاظك ما الجؤذر
يـا ريـم الـحـي واخـت البد * رونور الـصـبح إذا أسفر
(5) رقي لـفـتـى صـب أرق * لـك طـول الليل غدا يسهر
ولـه عـيـدي وعـدي وصلي * فالفضل بـدا لـمـن استأثر
فـإلـى م فؤادك لا يـحـنـو * يا اخـت البـدر متى نسهر
إن كـان بــدا مـنـي ذنـب * فـبـمـدح أبي حسن يغفر
كنز الاعـمـال سـنـى الاجلا * ل وساقي الخلق مـن الكوثر
(10) قطب المحراب أبوالأطياب * وليث الغاب مـتـى قد كرْ
أفنى الابـطـال بـصـار منه * ولـمـرحب جندل في خيبر


( 157 )

وبـواحـدة أردى عـمـرا * فـغـدت فـي الدهر له تذكر
قسـمـا بـخـلافـته العليا * وبـغـامـض باطنه الانـور
لولاه الـديـن لـما ارتفعت * مـنـه الاركـان ولـم تشهر
فـمـراشــده وفـوائـده * ومــآثـره عـنـه تـؤثـر (15)
مـلـك عـدل وصل فصل * عـلـم حـكـم فـيـما قدر
أولاه الله الــمـلـك ومـا * قـد شـاد بـه فـلـه عـمر
أو يـعـجـزه الفلك الاعلى * وبـإذن الله لـه ســيــر
يـامـن أنـكرت له فضلا * فـالشـمس هـنـالك لا تنكر
فـلـئـن ما ثـلث به أحدا * ما الرمل يـمـاثـل بالجوهر ( 20)
فـإلـى مولاي أبـي حسن * نـعـم في الكون فلا تحصر
هـي روح جناني في الدنيا * ونعيم جـنـانـي في المحشر
وبه نفسي أمنت ونجت فـي * الـحـشـر من الفزع الاكبر
وبـزعـم القاصر أنـي قد * أطنبت بـفضلك يـا حـيـدر
فاقبل يـا قدوة أعـمـالـي * ما استيسر من مدح الاحقر (4) (25)
وقال مخمسا بيتي المتنبي في مدح الامام أمير المؤمنين عليه السلام :

لله نور المرتضى علم الهدى * بدر تبلج بالضياء مدى المدى
رمت الحدود فلم أجده محددا * (وتركت مدحي للوصي تعمدا
إذ كان نورا مستطيلا شاملا )
ناء عن الادراك جوهر قدسه * إذ كان متصفا بأحمد جنســه
زيت يكاد يضي قبل ممسه * (وإذا استطال الشيء قام بنفسه
وصفات ضوء الشمس تذهب باطلا)

____________
(4) نظم الشاعر هذه القصيدة في النجف الاشرف وألقاها في مسجد الخضراء بمناسبة عيد الغدير سنة 1388 هـ .
( 158 )

وقال في رثاء الامام الحسين ـ عليه السلام ـ :
أي خـطـب دك السـما والجبالا * وبه الارض زلـزلـت زلـزالا
أي شهر أبـكـى السـمـاء دماء * ودهى الـعـرش حزنه واستمالا
أي عـام قـد جـدد الحزن دأبـا * وعـلـيـنـا قـد هيج الاعوالا
أي يـوم أبـكـى النبيين قـدمـا * وبـكـتـه مـن قبلنا أجـيـالا
(5) هـو يـوم الحسين أعظم يوم * قـد أرانـا بـحـزنـه الاهوالا
أتـرانـا ننسى الحسين فـريـدا * أم ترانا نـنـسـى بـه الابطالا
أم تـرانـا نـنـسى الاحبة جمعا * يـوم فـيـه سـروا هلالا هلالا
أم تـرانـا ننسى الشـبـاب عليا * من حكى المصطفى النبي خصالا
أم تـرانـا ننسى زعـيم المعالي * قمر الـحـق يوم بالسيف صالا
(10) أم ترانا ننسى الرضيع بسهم * ذبـحـوه ومـا سـقـوه الزلالا
أم تـرانـا ننسى الـرضيع بسهم * ذبـحـوه ومـا سـقـوه الزلالا
أم ترانا نـنـسـى النساء بسـبي * أم ترانا نـنـسى النـياق الهزالا
إن يوم الـحـسـين ما زال غضا * بالاسـى راح يـغـمـر الاجيالا
قـد عـقـدنـا لـه المآتم لـيلا * ونهـارا مـدى الـزمان وصالا
( 15) ورأينا البكا عـلـيه لزاما * فاتـخـذنـاه سـنـة وامـتثالا
قـد بـكـاه الرسول والآل جمعا * وبكته الاصحاب حـالا فـحـالا
وبكته الزهراء فـي كل وقــت * ونـعــتـه كـرامـة وجـلالا
وبكته الأجيال عامـــا فعامـا * بدموع تـحـكي السحاب انهمالا
وهذا نموذج آخر من شعره ، وهي قصيدة ذات فصول نظمها في اصول الاعتقاد الخمسة ، قال :

الفصل الاول في التوحيد :

يثبت العقل مـن طريق منير * ليس يخفى على النبيه البصير
أن للخلق والـعـوالـم ربـا * خـالـقـا ماله بها من نظير

( 159 )

واجـبـا واحدا سميعا بصيرا * حاكما عالما بما في الضمير
فاعترفنا به ولـسـنـا نـراه * أنه خـالـق بغير مـشـير
حـيـث أنـا إذا وجدنا ضياء * دل معنى على وجود المنير (5)
أورأينا فـي الـبيد أقدام سير * دل عقلا على وجود المسير
أو وجدنا بـهـا عـقال بعير * دل عقلا عـلى وجود البعير
فـسـماء أبراجها بـارتـفاع * تجرى فـيـها محاكم التدبير
وأراض فـجـاجها بانخفاض * ما تدل على اللطيف الخبير ؟!
* * *
ان رب الـسـمـا إلـه قديم * وهو فرد لم يحوه التقسيم (10)
لو فرضنا : مع الاله شـريكا * حادد الله مذ أتـى التحكيم
لرأينا الـخلاف في الكون باد * بـين حكميهما ولا يستقيم
ولجاءت رسل الشريك إلـينا * مثلما جـاء نارسول حكيم
فـوجـودا مع الشريك تعالى * بل وذهنا لم يحوه التوهيم
لا تصـفـه بجوهر لا ضياء * لا بجسم جـل الاله القديم (15)
لا بـكـم ولا بـأنـى وكيف * لاكشيء جـل الاله العظيم
ما حوته أرض ولا في سماها * لا ولا فـوق عرشها مستقيم
لو أجزانا عليه مـن ذاك شيئا * جاز عقلا في ذاته التجسيم
وإذا شـئـت أن تـوحد ربا * مخلصا يستطاب منه النعيم
فـقـل الله ما لـه مـن مثيل * وتعالى وهو السميع العليم (20)
* * *
هلك الـمـدعي وضل وأهلك * أن كـنـه الاله بالعقل يدرك
أين حد العقول عن درك ذات * قد تجلت عن الحدود بلا شك
أين أفلاطها وأين ابن سـيـنا * وأرسطو وما لهم فيه مـدرك
كلما أفتكوا الـعـقـول بمعنى * رجعت عن جلالة الذات تفتك


( 160 )

(25) حـاولـوا نعتها بدقة فكر * لينالوا بـهـا طـريقا ومسلك
فـتـجـلت عن المنال وعزت * عن دنـو لـهم بـه كان تمسك
كلما حاولوا الـوصـول بـعزم * قذفتهم إلى الرسوم بـمـهـلك
قـسـمـا فـي جلاله مذ تجلى * وبـمـلك بـدالـه ليس يملك
لم يـحـيـطوا به على أي علم * خاب مـن كـان يدعيه ويؤفك
(30) سيد المرسلين مذ حارفيه * قال : زدني فلست أعرف كنهك
أين عيسى المسيح أم أين موسى * عـن جلال لقدسه ليس يدرك
خـرمـوسـى لـنوره مذتجلى * وذرى الطور من سناه تد كدك

الفصل الثاني في العدل :

إن صـنـع الاله في الـثـقـلين * كـان عدلا في عالم النشأتين
حـيـث أن الاله لـم يـبـد شيئا * دون عـلـم مذ أوجد الكونين
(35) فبطور الحكمين عقلا وشرعا * كـان عدلا مذ أوجد الحكمين
وأمـد الانـام مـنـه بـلـطـف * قبل خـلق السماء في يومين
وأقـات الاوقات لا لاحـتـيـاج * بـاقـتـدار والنفع للعالمين
فـلـهـذا بـذاتـه كـان عـدلا * وبفعل الـعـباد في الخافقين
ومـن الـعـدل أنـه بـاقـتـدار * مـدهـم بالقوى على قدرتين
(40) وهـداهـم بفضله من قديم * بـعـقول تهدي إلى النجدين
إن يشأ ذا عـصـوا بغير اضطرار * أويشأ ذا اهتدوا إلى الحسنيين
لـيـس جبرا ولـيس تفويض لكن * هو أمر فـي أوسـط الامرين
فـهـولا يـظـلـم العبيد بـشـيء * جل ربي عن ذاك في العالمين

الفصل الثالث في النبوة :

ومـذ الله كـان قـدمـا عـلـيما * أبدع الصنع محكما مستقيما
(45) حيث أن القبيح يصدر جهلا * من جهول وكان فيه . . .
كـيـف أن الحكيم يفعل شـيـئا * فـيـه قبح وكان فيه حكيما

( 161 )

فهو سبحانه على الناس يبدي * كل فضل والفضل كان جسيما
خـلق الخلق لا لاجل احتياج * بل لـكـي يعبدوه ربا قـديما
فاقتضت حـكـمة الاله نبيا * عالما عـامـلا زكـيا حليما
زاهـدا صـادقـا تقيا أمينا * طاهرا آمرا سـخـيـا كريما (50)
ومـن الدهر قـد تعدد وقتا * والتكاليف تـقـتضي التحكيما
بـعـث الله رسله كل وقت * كان تكليف خـلـقـه مستديما
كان منهم روحا وكان خليلا * وذبيحا وكان مـوسـى كليما
لم تزل فـيـهم النبوة حتى * سـلـمـوهـا لاحمد تسـليما
فادعاها روحي فداه بـوقت * ليـس إلا يرى شـقـيـا أثيما (55)
صدق الله مذ دعاه فأضحى * بـالـبـراهـين نيرا مستقيما
مـعـجزات أبانها الله حتى * بـلـغـته المنى وملكا عظيما
أعظم المعجزات خير كتاب * مـذ بـه جـاء نا فكان قويما

الفصل الرابع في الامامة :

كـل مـا مـرمـن ثـبـوت الدليل * واضحا في وجوب نصب الرسول
فـهـو أيـضـا نص لنصب وصي * عـنه يـهـدي إلى سـواء السبيل (60)
حـكـم الـعـقل فـي وجود وصي * بعد مـوت الرسول من دون قيل
لـيـتـم الــنــظـام آنا فـآنـا * ويـقـيـم الاحـكـام بالتفصيل
فهو لـطـف مـثل النبوة حـكـما * واجـب نـصـبـه بـلا تعطيل
وبـه لا يـقـوم إلا شــريــف * مـا جـد قـد سمـا بمجد أثيل
وصـفـات الرسـول تثبت فـيـه * إذ له ما له بـنـص الـدلـيـل (65)
غـيروحي يختص فـيـه رسـول * وكذا فـضـلـه لـدى التفضيل
فـإذا كـان هـكـذا مـا لـقـوم * نصبه بـالـخـيار بعد الرسول
قـل لـمن رام نـصـبه باختيار : * خضـت جهلا في ظلمة التضليل
* * *

( 162 )

الفصل الخامس في المعاد :

إن تـرم نـظـرة بـحـكم اعتقادي * في مـعـاد الارواح للاجساد
(70 ) فاستمع ما أقول إن كنت شهما * لـتـراه على الـهدى والسداد
هـو أن الالـه مـذ كــان عـدلا * قبل إيـجـاد عـلـة الايجاد
خـلق الـخـلـق لا لاجـل احتياج * بل لـكي يعبدوه في كل نادي
فـأحـب الاله في الـحـشـر يبدي * نفع ذاك التكليف بـيـن العباد
لـيـريـهـم سبحانه الـعـدل حتى * يعلموا أن ذاك عـيـن الرشاد
(75) فهو حتما يعيدهم بـعـد موت * عـين تلك الاجساد يوم المعاد
لـكـن المسلمون قالوا تـصـفـى * من كـثـافـاتـها بغير عناد
قل لـمـن يـدعـي المعاد بروح : * ليس هذا من مذهبي واعتقادي
إنـمـا مـذهـبـي بـأن إلـهـي * سيعيد الارواح لـلاجـسـاد
فـفـريـق سـعـى لـجنة عـدن * وفـريـق هوى إلى شروادي

***

(80) إن هذا ديني وهذي اصولي * درر قد نظمتها بـفـصول
أخرجتها نـفـسـي بـدقـة فكر * من بحار المعقول والمنقول
بـسـمـاهـا طرزتها زاهرات * كنجوم لـكـن بغير افول (5)
وإلى هنا ينتهي بنا الحديث عن الشاعر في هذه الحلقة ، ولنا عودة مع القراء في ذكر شاعر آخر إن شاء الله تعالى .


***

____________
(5) نقلنا هذه المنظومة الشعرية في الاصول الاعتقادية للشاعر من مجموعة الوالد الشيخ عبد الحميد الهلالي ـ رحمه الله ـ .