صلةقبل


ترجمة عكرمة مولى ابن عباس

والذي يهون الخطب في هذا المقام : أن كثيرا من هذه الآثار في سندها « عكرمة مولى ابن عباس » وخاصة الحديث عن عثمان : « إن المصاحف لما نسخت عرضت عليه فوجد فيها حروفا من اللحن فقال : اتركوها . . . » والحديث عن ابن عباس في الآية : « أفلم ييئس . . . » حيث قال : « أظن الكاتب كتبها وهو ناعس » .
« وعكرمة » من أظهر مصاديق « الزنادقة » و« أعداء الاسلام » الذين نسب إليهم اختلاق مثل هذه الآثار في كلام جماعة من العلماء الكبار ، كالحكيم الترمذي ، وأبي حيان الاندلسي ، وصاحب « المنار » . . .
1 ـ لقد كان هذا الرجل طاعنا في الاسلام ، مستهترا بالدين والمسلمين ، من أعلام الضلالة ودعاة السوء .
فقد نقلوا عنه قوله : إنما أنزل الله متشابه القرآن ليضل به .
وأنه قال في وقت الموسم : وددت أني اليوم بالموسم وبيدي حربة فأعترض بها من شهد الموسم يمينا وشمالا .
وأنه وقف على باب مسجد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقال : ما فيه إلا كافر .
وأنه قدم البصرة فأتاه أيوب وسليمان التميمي ويونس ، فبينما هو يحدثهم سمع صوت غناء ، فقال عكرمة : اسكتوا فنستمع . ثم قال : قاتله الله ، لقد أجاد .
وعن أبي بكر بن أبي خيثمة : رأيت في كتاب علي بن المديني : سمعت يحيى بن سعيد يقول : حدثوني ـ والله ـ عن أيوب أنه ذكر : أن عكرمة لا يحسن الصلاة . قال أيوب ، أو كان يصلي ؟! .
وعن سماك ، قال : رأيت في يد عكرمة خاتما من الذهب .
وعن رشدين بن كريب : رأيت عكرمة قد اقيم قائما في لعب النرد .


( 120 )

2 ـ إنه كان يرى رأي الخوارج :
إنما أخذ أهل افريقية رأي الصفرية ـ وهم من غلاة الخوارج ـ من عكرمة وذكروا أنه نحل ذلك الرأي إلى ابن عباس .
وعن يحيى بن معين : إنما لم يذكر مالك بن أنس عكرمة ، لان عكرمة كان ينتحل رأي الصفرية .
وقال الذهبي : قد تكلم الناس في عكرمة ، لانه كان يرى رأي الخوارج .
ثم إنه نسب تارة إلى « الاباضية » واخرى إلى « الصفرية » وثالثة إلى « نجدة الحروري » وكأنه كان كلما جاء فرقة جعل نفسه منهم طمعا في دنياهم . . . قالوا : وقد طلبه والى المدينة فتغيب عند داود بن الحصين حتى مات عنده .
3 ـ إنه كان كذابا :
كذب على ابن عباس ، وقد أوثقه علي بن عبد الله بن العباس على باب كنيف الدار فقيل له : أتفعلون هذا بمولاكم ؟ قال : إن هذا يكذب على أبي .
وعن سعيد بن المسيب أنه قال لمولاه : يا برد ، إياك أن تكذب علي كما يكذب عكرمة على ابن عباس .
وعن القاسم : إن عكرمة كذاب ، يحدث غدوة ويخالفه عشية .
وقال ابن عمر لنافع : اتق الله ـ ويحك يا نافع ـ لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس .
وعن ابن سيرين ويحيى بن معين ومالك بن أنس : كذاب .
وعن ابن ذويب : رأيت عكرمة مولى ابن عباس وكان غير ثقة .
وقال طاووس : لو أن عبد ابن عباس اتقى الله وأمسك عن بعض حديثه لشدت إليه المطايا .
وقد اشتهر تكذيب الناس إياه وطعنهم فيه حتى أنه كان يقول : « هؤلاء يكذبوني من خلفي ، أفلا يكذبوني في وجهي » (11) .
____________
(11) حاول ابن حجر العسقلاني [ مقدمة فتح الباري : 427 ] توجيه هذا الكلام ، ولكن لا ينفعه ذلك ،

==


( 121 )

4 ـ عكوفه على أبواب الامراء للدنيا :
قال موسى بن يسار : رأيت عكرمة جائيا من سمرقند وهو على حمار تحته جوالقان ـ أو خرجان ـ حرير أجازه بذلك عامل سمرقند ومعه غلام . قال : وسمعت عكرمة بسمرقند وقيل له : ما جاء بك إلى هذه البلاد ؟ قال : الحاجة .
وقال عبد المؤمن بن خالد الحنفي : قدم علينا عكرمة خراسان فقلت له : ما أقدمك إلى بلادنا ؟ قال : قدمت آخذ من دنانير ولاتكم ودراهمهم .
وقال عبد العزيز بن أبي رواد : قلت لعكرمة : تركت الحرمين وجئت إلى خراسان ! قال : أسعى على بناتي .
وقال أبونعيم : قدم على الوالي بأصبهان فأجازه بثلاثة آلاف درهم .
وقال عمران بن حدير : رأيت عكرمة وعمامته منخرقة فقلت : ألا اعطيك عمامتي ؟ فقال : إنا لا نقبل إلا من الامراء .
أبوطالب : سمعت أحمد بن حنبل يقول : كان عكرمة من أعلم الناس ولكنه كان يرى رأي الصفرية ولم يدع موضعا إلا خرج إليه ، خراسان والشام واليمن ومصر وافريقية ، وكان يأتي الامراء فيطلب جوائزهم ، وأتى الجند إلى طاووس فأعطاه ناقة .
ومن الطبيعي أن يستجيب هكذا رجل لرغبات الولاة والامراء فيضع كل ما تقتضيه السياسة ويدعم الحكومات الجائرة . . .
5 ـ ترك الناس جنازته :
ومن الطبيعي أيضا سقوط هكذا إنسان في المجتمع الاسلامي ، فلا تبقى قيمة لا له ولا لاحاديثه ، حتى إذا مات فلا تشيع جنازته ولا يصلى عليه . . . كما ذكر المؤرخون في ترجمة عكرمة . . . وأضافوا أنه قد اتفق موت عكرمة وكثير عزة الشاعر الشيعي في يوم واحد فشهد الناس جنازة كثير وتركوا جنازة عكرمة . قيل :
____________
==
فحال عكرمة تشبه حال أبي هريرة الذي قال للناس : أتزعمون أني أكذب على الله ورسوله واحرق نفسي بالنار . . . ؟!


( 122 )

فما حمله أحد واكتروا له أربعة رجال من السودان .
6 ـ القدح فيه وتكذيبه :
ولهذه الامور وغيرها كذب عكرمة كبار الائمة الاعلام ـ الذين طالما اكتفى علماء الجرح والتعديل بطعن واحد منهم ـ منهم : ابن عمر ، ومجاهد ، وعطاء ، وابن سيرين ، ومالك بن أنس ، والشافعي ـ حيث حكى كلام مالك وقرره ـ وسعيد بن المسيب ، والقاسم ، ويحيى بن سعيد .
وحرم مالك الرواية عنه ، وأعرض عنه مسلم ، وقال محمد بن سعد : ليس يحتج بحديثه ، وقال غيره : غير ثقة (12) .
ومع هذا كله . . فإن البخاري يروي عنه ! ! ولكن لا عجب . . إذ « كل يعمل على شاكلته » بل العجب من ابن حجر ، حيث ينبري للدفاع عن « عكرمة » ـ والمقصود هو الدفاع عن صحيح البخاري ـ في مقدمة شرحه ، . . . فكيف يدافع عمن تجرأ على الله واستهزأ بشعائره واستخف بأحكامه وطعن في القرآن واستحل دماء المسلمين . . . ؟! وكيف يدافع عمن كذبه الائمة الثقات حتى ضربوا بكذبه المثل لاشتهاره بهذه الصفة ؟! وكيف يدافع عمن امتنع الناس من حمل جنازته والصلاة عليها ؟! .

خلاصة البحث

ويتلخص البحث في هذه الناحية في النقاط التالية :
1 ـ إن الآثار المشتملة على وقوع « الخطأ » في القرآن الكريم باطلة وإن كانت مخرجة في الصحاح وفي غيرها بأسانيد صحيحة . . وفاقا لمن قال بهذا من أعلام المحققين من أهل السنة كما عرفت . . ووجود الاحاديث الباطلة في الصحاح
____________
(12) المصادر المنقول عنها ترجمة عكرمة هي : تهذيب الكمال للمزي ، تهذيب التهذيب 7 : 263 ـ 273 ، طبقات ابن سعد 5 : 287 ، وفيات الاعيان 1 : 319 ، ميزان الاعتدال 3 : 93 ، المغني في الضعفاء 2 : 84 ، سير أعلام النبلاء 5 : 9 ، الضعفاء الكبير 3 : 373 .
( 123 )

الستة أمر ثابت وعدد الاحاديث من هذا القبيل فيها ليس بقليل . . كما ستعرف .
2 ـ إن التأويلات التي ذكرت من قبل القائلين بصحة هذه الآثار لا تحل المشكلة كما عرفت ، ولذا اضطر بعضهم إلى القول بأنها محرفة ، والتزم بالاشكال بعض آخر ومنه قول ابن قتيبة : « ليست تخلو من أن تكون على مذهب من مذاهب أهل الاعراب أو تكون غلطا من الكاتب كما ذكرت عائشة ، فإن كانت على مذاهب النحو والنحويين فليس هاهنا لحن والحمد لله ، وإن كانت على خطأ في الكتاب فليس على الله ولا على رسوله جناية الكاتب في الخط » (13) .
3 ـ إن مصادرة كتاب « الفرقان » ـ إن كانت لاجل إثبات « اللحن » في الكتاب ـ لا تحل المشكلة بشكل من الاشكال ، فإن صاحب هذا الكتاب ينقل الآثار المتضمنة لهذا المعنى عن الكتب المعتبرة والتي اخرجت فيها تلك الآثار بأسانيد صحيحة على شرط الشيخين ، ثم يؤكدها بقوله : « ليس ما قدمناه من لحن الكتاب في المصحف بضائره أو بمشكك في حفظ الله تعالى له ، بل إن ما قاله ابن عباس وعائشة وغيرهما من فضلاء الصحابة وأجلاء التابعين أدعى لحفظه وعدم تغييره وتبديله . ومما لا شك فيه أن كتاب المصحف من البشر يجوز عليهم ما يجوز على سائرهم من السهو والغفلة والنسيان . والعصمة لله وحده . . . ومثل لحن الكتاب كلحن المطابع . . . » (14) .
وعلى هذا الاساس يدعو هذا المؤلف إلى تغيير الرسم العثماني وجعل الالفاظ كما ينطق بها اللسان وتسمعها الآذان ، بل ينقل عن العز بن عبد السلام أنه قال بعدم جواز كتابة المصحف بالرسم الاول . . . (15) .
أقول : إن مسألة الرسم والخط هي أيضا من المشاكل المترتبة على القول بصحة هذه الآثار عن الصحابة والالتزام بصدورها عنهم ـ فإن لم تكن مترتبة عليه
____________
(13) مشكل القرآن : 40 .
(14) الفرقان : 41 ـ 46 .
(15) الفرقان : 58 .

( 124 )

فلا أقل من أن يكون القول بصحة تلك الآثار سندا ومتنا مؤيدا لمن يدعو إلى تغيير الرسم والكتابة ـ ونحن هنا لا نتعرض لهذه المسألة ، بل نقول بأن استدلال مؤلف كتاب « الفرقان » أو استشهاده بهذه الآثار تام ، وأنه لا يلام على إيراده تلك الآثار في كتابه ، بل اللوم على من يرويها ويصحح أسانيدها ويخرجها في كتابه . . . وأن طريق الجواب هو ردها وإبطالها على ما ذكرناه بالتفصيل . . .

2 ـ أحاديث جمع القرآن

لقد وعده الله سبحانه نبيه بحفظ القرآن وبيانه ، وضمن له عدم ضياعه ونسيانه .
وكان النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ كلما نزل من القرآن شيء أمر بكتابته ويقول في مفرقات الآيات : ضعوا هذه في سورة كذا . . . (16) .
وكان ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يعرضه على جبرئيل في شهر رمضان في كل عام مرة ، وعرضه عليه عام وفاته مرتين . . . ( 17) .
وحفظه في حياته جماعة من أصحابه ، وكل قطعة كان يحفظها جماعة كبيرة أقلهم بالغون حد التواتر . . هذا هو الحق والامر الواقع . . .
وقد أوردنا أحاديث القوم في قضية جمع القرآن ووجدناها متناقضة وعقبناها بذكر ما قيل أو يمكن أن يقال في معناها ووجه الجمع فيما بينها . . فهل ترتفع المشكلة بهذا الاسلوب ؟
لا بد قبل الورود في البحث من أن نقول :
لقدكان أمير المؤمنين علي ـ عليه السلام ـ أعلم الناس بكتاب الله ـ عزوجل ـ عند المخالف والمؤالف ، وهو القائل : « والله ما نزلت آية إلا وقد علمت
____________
(16) مسند أحمد 1 : 57 ، الترمذي 11 : 225 ، أبوداود 1 : 290 ، المستدرك 2 : 230 .
(17 ) صحيح البخاري 1 : 101 وغيره .

( 125 )

فيما نزلت وأين نزلت » (18 ) والقائل : « سلوني عن كتاب الله ، فإنه ليس آية إلا وقد عرفت أبليل نزلت أم بنهار ، في سهل أو جبل » (19) .
وهو الذي قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حقه : « علي أعلم الناس بالكتاب والسنة » (20) .
وقال : « علي مع القرآن والقرآن مع علي » (21) .
وناهيك بحديث : « أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها » (22) .
وعلي ـ عليه السلام ـ استاذ ابن عباس في التفسير ، وقد ذكر القوم أن « أعلم الناس بالتفسير أهل مكة لانهم أصحاب ابن عباس » (23) .
فلماذا لم يعده أنس بن مالك ـ ولا غيره ـ من حفاظ القرآن ، ومن الذين أمر الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بتعلمه منهم والرجوع إليهم فيه ، فيما رواه البخاري في صحيحه ؟!
ثم إنه ـ عليه السلام ـ رتب القرآن الكريم ودونه بعيد وفاة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من القراطيس التي كان مكتوبا عليها ، فكان له مصحف تام مرتب يختص به كما كان لعدة من الصحابة في الايام اللاحقة ، وهذا من الامور المسلمة تاريخيا عند جميع المسلمين (24) ومن جلائل فضائل سيدنا أمير المؤمنين . . فلما ذا لم يستفيدوا منه ؟! .
____________
(18) حلية الاولياء 1 : 67 ، أنساب الاشراف 1 : 99 .
(19) أنساب الاشراف 1 : 99 ، الاستيعاب 3 : 1107 .
(20) المعيار والموازنة : 102 .
(21) المستدرك 3 : 124 ، الصواعق : 76 و77 ، كفاية الطالب : 254 .
(22) من الاحاديث المتواترة بين المسلمين . (23) الاتقان .
(24) انظر : فتح الباري 9 : 9 ، الاستيعاب ـ ترجمة أبي بكر ـ ، الصواعق : 78 ، الاتقان 1 : 99 ، حلية الاولياء 1 : 67 ، التسهيل لعلوم التنزيل 1 : 4 ، المصنف لابن أبي شيبة 1 : 545 ، طبقات ابن سعد 2 : 338 .

( 126 )

ولعل إعراض القوم عن مصحف علي هو السبب في قدح ابن حجر العسقلاني (25) ومن تبعه كالآلوسي (26) في الخبر الحاكي له . . مع أن هذا الامر من الامور الثابتة الضرورية المستغنية عن أبي خبر مسند . . لكن هؤلاء يحاولون توجيه ما فعله القوم أو تركوه كلما وجدوا إلى ذلك سبيلا . . ! !
ثم إنه لماذا لم يدعوا الامام ـ عليه السلام ـ ولم يشاركوه في جمع القرآن ؟! فإنا لا نجد ذكرا له فيمن عهد إليهم أمر جمع القرآن في شيء من أخبار القضية ، لا في عهد أبي بكر ولا في عهد عثمان . . فلماذا ؟! ألا إن هذه امور توجب الحيرة وتستوقف الفكر ! !
وبعد : فإن التحقيق ـ كما عليه أهله من عامة المسلمين ـ أن القرآن قد كتب كله في عهد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وجمع في الصدور والسطور معا من قبل جماعة من أصحابه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ غير أن الجامعين له ـ أي : الحافظين في صدورهم ـ أكثر ممن كتبه ، كما أن من كتبه بتمامه فكان ذا مصحف يختص به أقل ممن كان عنده سور من القرآن كتبها واحتفظ بها لنفسه . . فهل كان الجامعون له بتمامه أربعة كما عن أنس بن مالك (27) وعبد الله بن عمرو (28 ) أو خمسة كما عن محمد بن كعب القرظي (29) أو ستة كما عن الشعبي (30)أو تسعة كما عن النديم (31) ؟!
إن الجامعين للقرآن أكثر من هذه الاعداد . . وأما حديث الحصر في الاربعة وأن كلهم من الانصار ـ كما عن أنس بن مالك ـ فنحن نستنكره تبعا لجماعة من الائمة . . كما ذكر الحافظ السيوطي . . ولا نتكلف تأويله ولا ننظر في
____________
(25) فتح الباري 9 : 9 .
(26) روح المعاني 1 : 21 .
(27) صحيح البخاري 6 : 102 .
(28) صحيح البخاري 6 : 102 ، صحيح مسلم 7 : 149 .
(29) الاتقان 1 : 72 ، منتخب كنز العمال 2 : 47 .
(30) الاتقان 1 : 72 ، البرهان 1 : 241 .
(31) الفهرست : 30 .

( 127 )

سنده . .

كلمة حول أنس بن مالك

بل الكلام في أنس بن مالك نفسه . . لانا قد وجدناه رجلا كاذبا كاتما للحق ، آبيا عن الشهادة به في قضية مناشدة أمير المؤمنين بحديث الغدير . . فإن أنس ابن مالك كان في الناس الذين نشدهم أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ وطلب منهم الشهادة بما سمعوا من رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يوم غدير خم . . فقام القوم فشهدوا إلا ثلاثة منهم لم يقوموا فدعا عليهم فأصابتهم دعوته ، منهم أنس بن مالك . . إذ قال له الامام : « يا أنس ، ما يمنعك أن تقوم فتشهد ولقد حضرتها · فقال : يا أمير المؤمنين كبرت ونسيت ، فقال : اللهم إن كان كاذبا فارمه بيضاء لا تواريها العمامة ، فكان عليه البرص » (32) .
ووجدناه كاذبا منافقا في قضية حديث الطائر . . فإن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ لما اهدي إليه طائر مشوي ليأكل منه وقال : « اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وإلي يأكل معي من هذا الطائر » كان يترقب دخول علي ـ عليه السلام ـ عليه ، وكان أنس كلما جاء علي ليدخل رده قائلا : « إن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على حاجة » حتى كانت المرة الاخيرة ، فرفع علي يده فوكز في صدر أنس ثم دخل . . فلما نظر إليه رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قام قائما فضمه إليه وقال : ما أبطأ بك يا علي ؟! قال : يا رسول الله ، قد جئت ثلاثا كل ذلك يردني أنس ، قال أنس : فرأيت الغضب في وجه رسول الله وقال : يا أنس ، ما حملك على رده ؟! قلت : يارسول الله سمعتك تدعو ، فأحببت أن تكون الدعوة في الانصار ، قال : « لست بأول رجل أحب قومه ، أبى الله يا أنس إلا أن يكون ابن أبي طالب » (33) .
____________
(32 ) انظر : خلاصة عبقات الانوار / قسم حديث الغدير ، والغدير 1 : 191 ـ 195 .
(33 ) حديث الطير من الاحاديث المتواترة ، تجده في جل كتب الحديث والفضائل ، وله طرق كثيرة جدا.

==


( 128 )

إنه يكذب غير مرة ، ويمنع أحب الناس إلى الله ورسوله من الدخول ، ويتسبب في تأخير استجابة دعوة الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ ، و. . . كما يحصر حفاظ القرآن في أربعة من الانصار . . حبا لهم . . ! ! .
إن الباعث له على ما فعل في قصة الطائر « بغض الامير » . . . هذه الحقيقة التي كشف عنها بكتمان الشهادة بحديث الغدير . . .
وعلى كل حال فإن القرآن كان مجموعا على عهد الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ ، وإن الجامعين له ـ حفظا وكتابة ـ على عهده كثيرون . . . .
وإذا كان القرآن مكتوبا على عهد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وكان الاصحاب يؤلفونه بأمره ـ كما يقول زيد بن ثابت ـ (34) فلا وزن لما رووه عن زيد أنه قال : « قبض رسول الله ولم يكن القرآن جمع في شيء » (35) لان « التأليف » هو « الجمع » قال ابن حجر : « تأليف القرآن : أي جمع آيات السورة الواحدة أو جمع السور مرتبة في المصحف » (36) .
وعلى هذا الاساس يجب رفض ما رووه من الاحاديث في أن « أول من جمع القرآن أبوبكر » أو « عمر » أو غيرهما من الاصحاب بأمرهما . . . لان الجمع في المصحف قد حصل قبل أبي بكر . . . فلا وجه لقبول هذه الاحاديث ـ حتى لو كانت صحيحة سندا ـ كي نلتجئ إلى حمل « فكان [ عمر ] أول من جمعه في المصحف » (37) مثلا على أن المراد : « أشار على أبي بكر أن يجمعه » (38) جمعا بينه وبين مادل على أن « الاول » هو « أبوبكر » .
وكذا نرفض ما أخرجه البخاري عن زيد بن ثابت أنه قال : « أرسل إلي
____________
==
حتى أفرده بعضهم بالتأليف . . . وكلها تشتمل على صنيع أنس بن مالك . . . (34) المستدرك 2 : 662 .
(35) الاتقان 1 : 202 .
(36) فتح الباري 9 : 8 .
(37) الاتقان 1 : 204 .
(38) فتح الباري 9 : 10 .


( 129 )

أبوبكر بعد مقتل أهل اليمامة . . . « (39) لوجوه منها : أولا : إن القرآن كان مجموعا مؤلفا على عهد النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ أو بعيد وفاته بأمر منه ، وإذ قد فعل رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ ذلك كيف يقول زيد لابي بكر : « كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ » ؟!
وثانيا : قوله : « فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال » يناقضه ما دل على كونه مؤلفا ومدونا على عهد النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ وقد رواه هو . . . بل رووا أن جبريل عرض القرآن على النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ في عام وفاته مرتين ، بل ذكر ابن قتيبة أنه كان آخر عرض قام به رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ للقرآن على مصحف زيد بن ثابت نفسه (40) .
وثالثا : قوله : « حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الانصاري ، لم أجدها مع أحد غيره » مما اضطرب القوم في معناه ، كما اختلفوا في اسم الرجل الذي وجد عنده ذلك (41) .
وكذا نرفض ما أخرجه ابن أبي داود : « إن أبا بكر قال لعمر ولزيد : اقعدا على باب المسجد فمن جاء كما بشاهدين من كتاب الله فاكتباه » قال ابن حجر : « رجاله ثقات مع انقطاعه » . فإنه بغض النظر عما في سنده تدفعه الضرورة ، فلاحاجة إلى الوجوه التي ذكرها ابن حجر لتوجيهه حيث قال : « كأن المراد بالشاهدين الحفظ والكتاب ، أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ ، أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن ، وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين
____________
(39) صحيح البخاري 6 : 225 .
( 40) المعارف : 260 .
(41) فتح الباري 9 : 12 ، إرشاد الساري 7 : 448 ، المرشد الوجيز : 43 ، البرهان 1 : 236 ، مناهل العرفان 1 : 266 .


(130)

ما كتب بين يدي النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ لا من مجرد الحفظ » (42) مع أن بعض تلك الوجوه غير قابل للتصديق به أبدا .
ولهذا الحديث ـ في الدلالة على كتابة القرآن بشهادة شاهدين ـ نظائر في كتبهم نذكر بعضها مع إسقاط أسانيدها :
1 ـ لما قتل أهل اليمامة أمر أبوبكر عمربن الخطاب وزيد بن ثابت فقال : اجلسا على باب المسجد فلا يأتينكما أحد بشيء من القرآن تنكرانه يشهد عليه رجلان إلا أثبتماه ؛ وذلك لانه قتل باليمامة ناس من أصحاب رسول الله قد جمعوا القرآن » (43) .
2 ـ « أراد عمر بن الخطاب أن يجمع القرآن فقام في الناس فقال : من كان تلقى من رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ شيئا من القرآن فليأتنا به ، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والالواح والعسب ، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شهيدان ، فقتل وهو يجمع ذلك إليه ، فقام عثمان فقال : من كان عنده من كتاب الله شيء فليأتنا به ، وكان لا يقبل من ذلك شيئا حتى يشهد عليه شهيدان ، فجاء خزيمة بن ثابت فقال : إني قد رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما ، قالوا : وما هما ؟ قال : تلقيت من رسول الله : لقد جاء كم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم . . إلى آخر السورة . فقال عثمان : وأنا أشهد أنهما من عندالله ، فأين ترى أن نجعلهما ؟ قال : اختم بهما آخر ما نزل من القرآن ، فختمت بهما براءة » (44) .
3 ـ « كان عمر لا يثبت آية في المصحف حتى يشهد رجلان ، فجاء رجل من الانصار بهاتين الآيتين : لقد جاء كم رسول من أنفسكم . . إلى آخرها ، فقال عمر : لا أسألك عليها بينة أبدا ، كذلك كان رسول الله » ( 45) .
4 ـ خزيمة بن ثابت : « جئت بهذه الآية : لقد جاءكم . . . إلى عمر بن
____________
(42) فتح الباري 9 : 11 .
(43) منتخب كنز العمال 2 : 45 .
(44) منتخب كنز العمال 2 : 45 .
(45) منتخب كنز العمال 2 : 45 ـ 46 .

( 131 )

الخطاب وإلى زيد بن ثابت ، فقال زيد : من يشهد معك ؟ قلت : لا والله ما أدري . فقال عمر : أنا أشهد معه على ذلك » (46) .
5 ـ زيد بن ثابت : « لما كتبنا المصاحف فقدت آية كنت أسمعها من رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فوجدتها عند خزيمة بن ثابت : من المؤمنين رجال صدقوا . . . وكان خزيمة يدعى ذا الشهادتين ، أجاز رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ شهادته بشهادة رجلين » (47) .
6 ـ « أول من جمع القرآن أبوبكر وكتبه زيد ، وكان الناس يأتون زيد بن ثابت فكان لا يكتب إلا بشهادة عدلين ، وإن آخر سورة براءة لم توجد إلا مع أبي خزيمة بن ثابت ، فقال : اكتبوها فإن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ جعل شهادته بشهادة رجلين فكتب . وإن عمر أتى بآية الرجم فلم نكتبها لانه كان وحده » (48) .
ومما يزيد بطلان هذه الاحاديث وضوحا وجود التكاذب فيما بينها ، وبيان ذلك :
إن الحديث الثاني صريح في أن الجمع كان في زمن عمر والآتي بالآيتين خزيمة بن ثابت والشاهد معه عثمان . لكن في الثالث « جاء رجل من الانصار » وقال عمر : « لا أسألك عليها بينة أبدا كذلك كان رسول الله » . وفي الرابع : « فقال زيد : من يشهد معك ؟ » قال خزيمة : « لا والله ما أدري ، فقال عمر : أنا أشهد معه » . وفي السادس : أن الجمع كان في زمن أبي بكر والكاتب زيد « فكان لا يكتب آية إلا بشهادة عدلين » وأن آخر سورة براءة لم توجد إلا مع خزيمة بن ثابت ، فقال : « اكتبوها فإن رسول الله جعل شهادته بشهادة رجلين » .
وأيضا : وجود التكاذب بينها وبين الحديث التالي : « إنهم جمعوا القرآن في المصاحف في خلافة أبي بكر ، وكان رجال يكتبون ويملي عليهم ابي ، فلما انتهوا
____________
(46) منتخب كنز العمال 2 : 46 .
( 47) منتخب كنز العمال 2 : 49 و52 .
(48) الاتقان 1 : 101 .


( 132 )

إلى هذه الآية من سورة براءة : ثم انصرفوا صرف الله . . . فظنوا أن هذا آخر مانزل من القرآن ، فقال ابي بن كعب أقرأني بعدها آيتين : لقد جاءكم رسول . . . » (49) .
وهكذا ترتفع جميع الشبهات حول القرآن الكريم بعد سقوط الاحاديث التي هي المناشئ الاصلية لها . . . .
ويبقى الكلام حول ما صنعه عثمان . . فهل جمع القرآن من جديد ؟ وكيف ؟ وبواسطة من ؟
لقد اختلفت أحاديث القوم وكلمات علمائهم في هذا المقام أيضا ، وقد أشرنا إلى بعض ذلك فيما تقدم . . ولما كان الصحيح كون القرآن مكتوبا على عهد الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ ومجموعا مدونا قبل عهد عثمان بزمن طويل ، بل لا دور لمن تقدم عليه في جمعه . . . فالصحيح أن الذي فعله عثمان على عهده لم يكن إلا جمع المسلمين على قراءة واحدة ، وهي القراءة المشهورة المتعارفة بينهم ، المتواترة عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ . . ومنعهم عن القراءات الاخرى المبنية على أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف ، أما هذا العمل فلم ينتقده عليه أحد من المسلمين ، لان مصاحف الصحابة والتابعين كانت مختلفة حتى أن بعض العلماء ألف في اختلافها كتابا خاصا ، وكان لكل من الصحابة أتباع في البلاد يقرؤون على قراءته ، ومن الطبيعي أن يؤدي الاختلاف في قراءة القرآن إلى ما لا تحمد عقباه . . . بل أعلن بعض الاصحاب تأييده لما قام به عثمان ، ورووا عن أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ أنه قال : « لا تقولوا في عثمان إلا خيرا ، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملامنا . قال : ما تقولون في هذه القراءة ، فقد بلغني أن بعضهم يقول : إن قراءتي خير من قراءتك ، وهذا يكاد يكون كفرا .
قلنا : فما ترى · قال : أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد ، فلا يكون فرقة ولا اختلاف . قلنا : فنعم ما رأيت (50) وعنه أنه قال : « لو وليت لفعلت مثل الذي
____________
(49) مجمع الزوائد 7 : 35 .
(50) فتح الباري 9 : 15 .


( 133 )

فعل » (51) .

ما كان بين عثمان وابن مسعود

نعم ، انتقد علي عثمان أخذه المصاحف من أصحابها بالقوة وإحراقه لها ، وقد رووا عن ابن مسعود الامتناع من تسليم مصحفه . . والانتقاد الشديد لتقديم زيد بن ثابت عليه . . . .
قلت : أما امتناعه عن تسليم مصحفه فهو من الامور الثابتة التي لا تقبل الخدش ، ولا حاجة إلى ذكر أخباره ومصادره ، وأما اعتراضه على تقديم زيد بن ثابت ففيه روايات صحيحة عندهم . . . فقد روى الحافظ ابن عبد البر ، عن الاعمش ، عن شقيق ، قال : « لما أمر عثمان في المصاحف بما أمر قام عبد الله بن مسعود خطيبا فقال : أيأمروني أن أقرأ القرآن على قراءة زيد بن ثابت ؟! والذي نفسي بيده لقد أخذت من في رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ سبعين سورة وأن زيد بن ثابت لذو ذؤابة يلعب به الغلمان ، والله ما نزل من القرآن شيء إلا وأنا أعلم في أي شيء نزل ، وما أحد أعلم بكتاب الله مني ، ولو أعلم أحدا تبلغنيه الابل أعلم بكتاب الله مني لاتيته . ثم استحيى مما قال فقال : وما أنا بخيركم ، قال شقيق : فقعدت في الحلق فيها أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ فما سمعت أحدا أنكر ذلك عليه ولا رد ما قال » (52) .
فهذا الحديث يكشف عن مدى تألم ابن مسعود وتضجره وشدة اعتراضه وانتقاده لتقديم زيد بن ثابت عليه . . . ومثله أحاديث وآثار اخرى .
وهذا الموضع أيضا من المواضع المشكلة . . . ولذا اضطراب القوم فيه اضطرابا شديدا ، أما البخاري فقد أخرج الحديث محرفا وتصرف فيه تسترا على عثمان وزيد ، فرواه عن الاعمش ، عن شقيق ، قال : « خطبنا عبد الله فقال : والله
____________
(51) إرشاد الساري 7 : 448 ، البرهان 1 : 240 وغيرهما .
(52) الاستيعاب 3 : 993 .


( 134 )

لقد أخذت من في رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ بضعا وسبعين سورة ، والله لقد علم أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ أني من أعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم . قال شقيق : فجلست في الحلق أسمع ما يقولون ، فما سمعت رادا يقول غير ذلك » (53) .
وأما ابن أبي داود فقد ترجم باب رضى ابن مسعود بعد ذلك بما صنع عثمان ، لكن لم يورد ما يصرح بمطابقة ما ترجم به (54) .
وقال بعضهم : ما رووا عن ابن مسعود من الطعن في زيد بن ثابت كله موضوع (55) .
وأما ما كان من عثمان بالنسبة إلى ابن مسعود فمشهور في التاريخ ، فقد ضربه حتى كسر بعض أضلاعه ، ومنعه عطاءه ، ووقعت بينهما منافرة شديدة حتى عهد ابن مسعود إلى عمار أن لا يصلي عثمان عليه ، وعاده عثمان في مرض الموت فقال له : ما تشتكي ؟ فقال : ذنوبي . فقال : فما تشتهي ؟ قال : رحمة ربي . قال : أدعو لك طبيبا ؟ قال : الطبيب أمرضني . قال : أفلا آمر لك بعطائك ؟ قال : منعتنيه وأنا محتاج إليه وتعطينيه وأنا مستغن عنه ؟ قال : يكون لولدك . قال : رزقهم على الله تعالى . قال : استغفر لي يا أبا عبد الرحمن . قال : أسأل الله أن يأخذ لي منك حقي » ( 56) .

كلمة في زيد بن ثابت

قلت : ما رواه الاعمش عن شقيق أخرجه مسلم والنسائي وأبوعوانة وابن أبي داود . . . وسواء كان صحيحا أو موضوعا . . فإن أمر جميع ما ورد حول القرآن
____________
(53) صحيح البخاري بشرح ابن حجر 9 : 390 .
(54) فتح الباري 9 : 40 .
(55) مباحث في علوم القرآن ، لصبحي الصالح : 82 .
(56) اسد الغابة 3 : 259 ، تاريخ ابن كثير 7 : 163 ، الخميس 2 : 268 ، السيرة الحلبية 2 : 78 ، شرح النهج 1 : 236 نقلا من هامش نهج الحق : 295 .

( 135 )

مشتملا على دور لزيد بن ثابت فيه مريب . . لان هذا الرجل الذي كان حين قدوم رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ المدينة ابن إحدى عشرة سنة (57) قد جعلوه من مؤلفي القرآن على عهد الرسول . . وأنه على قراءته عارض جبريل القرآن مع النبي عام وفاته ـ صلى الله عليه وآله ـ . . وأنه الذي جمع القرآن على عهد أبي بكر بأمره . . وأنه الذي جمع القرآن على عهد عثمان بأمره . . وأن القرآن الموجود على حرف زيد . . . ! !
فإن صح هذا كله فهي « شنشنة أعرفها من أخزم » ، ولكن محمد بن كعب القرظي لم يذكر زيدا فيمن جمع القرآن على عهد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (58) .
وأما على عهد أبي بكر فقد عرفت بطلان أحاديث الجمع على عهده ، على أن أبا بكر لم يصفه إلا بـ « إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك » وما كان فيه شيء يتقدم به على ابن عباس وابن مسعود وابي بن كعب وأضرابهم من حفاظ القرآن وقرائه والعلماء فيه . . . مضافا إلى أن قوما من أهل السنة عارضوا بهذا الحديث حديث أنس بن مالك أن زيد بن ثابت أحد الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ قالوا : « فلو كان زيد قد جمع القرآن على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ لاملاه من صدره وما احتاج إلى ما ذكر » (59) .
وأما حديث معارضة القرآن على قراءته ـ كما عن ابن قتيبة ـ فقد تكذبه رواية وكيع وجماعة معه ، عن الاعمش عن أبي ظبيان ، قال : قال لي عبد الله بن عباس : أي القراءتين تقرأ ؟ قلت : القراءة الاولى قراءة ابن ام عبد ، فقال : أجل هي الآخرة ، إن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ كان يعرض القرآن على جبرئيل في كل عام مرة ، فلما كان العام الذي قبض فيه رسول الله ـ صلى الله عليه وآله
____________
(57) الاستيعاب 2 : 536 .
(58) الاتقان 1 : 272 ، منتخب كنز العمال 2 : 370 .
(59) الاستيعاب 2 : 538 .

( 136 )

وسلم ـ عرضه عليه مرتين ، فحضر ذلك عبد الله فعلم ما نسخ من ذلك وما بدل « (60) .

خلاصة البحث

ويتلخص البحث في هذه الناحية في النقاط التالية :
1 ـ إن القرآن الكريم كان مكتوبا على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ ، وكان حفاظه وقراؤه يفوق عددهم حد التواتر بكثير .
2 ـ إن أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ جمع القرآن الكريم على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ ثم رتبه ودونه بعد وفاته على ترتيب نزوله وذكر فيه الناسخ والمنسوخ وبعض التفسير والتأويل .
3 ـ إن الخلفاء الثلاثة لا دور لهم في جمع القرآن ولا في كتابته ولا في حفظه ، لا على عهد الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ ولا في عهد حكومتهم .
4 ـ إن الذي فعله عثمان هو ترتيب سور القرآن كما هو موجود الآن ، من غير زيادة فيه ولا نقصان ، وحمل الناس على قراءة هذا المصحف ونبذ القراءات الاخرى التي كان البعض عليها تبعا لاصحابها .

كلمة لا بد منها :

وهي أنه لو أطاع المسلمون نبيهم ـ صلى الله عليه وآله ـ وامتثلوا أمره بالرجوع إلى أهل بيته من بعده والتمسك بهم والتعلم منهم ـ كما في حديث الثقلين المتواتر وغيره ـ لاخذوا القرآن وعلومه من عين صافية ، ولكن هل علم الذي قال : « حسبنا كتاب الله » ثم منع عن كتابة السنة وسعى وراء عزل أهل البيت عن قيادة الامة ، وحرمها من العلوم المودعة عندهم ـ عليهم السلام ـ بأن القرآن سيمزق على المدى البعيد على يد « الوليد » ، فلا يبقى كتاب ولا سنة ولا عترة ؟!
____________
(60 ) الاستيعاب 3 : 992 .
( 137 )

إنه قد يصعب على بعض الناس القبول بترتب كل هذه الآثار ، بل تغير مصير أمة بكاملها على كلمة واحدة قالها قائلها ! !