ونناقش فيه مشكلة اختلاف الروايات ، في سبب الوضع ، وفي الشكل اللفظي للروايات ، وفي الواضع .
عرفنا سابقا مدى شيوع اللحن ، ومدى خطورته الدينية واللغوية ، وكان
الامام ـ عليه السلام ـ قد اطلع على بعض مضاعفات ومظاهر هذا الوباء على
الالسنة ، كما أن أبا الاسود كان يلمس بين آونة واخرى مدى انتشار اللحن بين
المسلمين نظرا لثقافته اللغوية وإحساسه باللحن وتفكيره الدائم في هذا المجال ،
وكان يرى أمثالا وشواهد كثيرة للحن بين الناس ، وكان ينقل بعض هذه
الشواهد والمؤشرات للامام ـ عليه السلام ـ كما درسنا ذلك .
إذا فالسبب الذي دعا إلى وضع النحو هو (انتشار اللحن) ، ولا يمكن أن
يكون اللحن منتشرا إلا إذا كانت هناك مؤشرات وشواهد عديدة تعبر عن هذا
الانتشار ، أما إذا كان هناك شاهد واحد للحن ـ أو شاهدان ـ فلا تدفع مثل هذه
الضئالة الامام ـ عليه السلام ـ أو أبا الاسود لوضع النحو ، لانه حينئذ لا يشكل حافزا
قويا فاعلا لوضعه ، فإذا أدركنا ذلك عرفنا لما ذا تعددت الاسباب لوضع النحو .
يقول عبد الرحمن السيد : « . . لانه إذا كان السبب في التفكير في هذا
كما نرى ذلك في بعض الروايات الواردة في هذا المجال ، ولكننا نلاحظه
أن هذا الاختلاف لا يقتصر عليها فحسب ، بل نراه أيضا حتى في الاحاديث
النبوية الشريفة مع وجود حوافز أقوى وأكثر لحفظها وعدم إهمالها ونسيانها ، كل
ذلك لاجل عدم وجود التدوين وتأخر الكتابة ، والاعتماد على الذاكرة في
حفظها ، والنقل بالمعنى للاحاديث لا نقل اللفظ وهذه الحالة تفرض هذا
الاختلاف في المتن والشكل ـ ولو بصورة جزئية ـ لا تؤدي إلى الاختلاف الكبير في
المعنى والمضمون .
فإن بعض الروايات ـ كما رأينا ـ تدل على أن أبا الاسود هو الذي وضع
النحو ، بينما البعض الآخر منها تدل على وضعه النحو بتوجيه من الامام
ـ عليه السلام ـ بعد أن وضع له بعض القواعد الاساسية ليسير على ضوئها ، إذا
1 ـ ولكن ـ وكما لا حظنا في فصل سابق ـ فإن الروايات والادلة لم تجمع
على أبي الاسود فحسب ، بل إن أكثر الروايات ، بل ما يقارب الاجماع تنسب وضع
النحو للامام ـ عليه السلام ـ ، وأنه تلا بعض القواعد الرئيسية على أبي الاسود وأشار
عليه أن يواصل البحث من خلالها ، فوسع فيها أبوالاسود وأضاف إليها قواعد
وآراء اخرى اكتشفها من خلال بحوثه وتجاربه في هذا المجال ، أو كما يقول
عبد الرحمن السيد : « وهذه الروايات تكاد تجمع أيضا على أن أبا الاسود وضع
النحو بإرشاد علي ـ رضي الله عنه ـ وبعضها يروي ذلك على لسان أبي الاسود
نفسه ، وقلة منها تجعل أبا الاسود هو مبتكر هذا العلم ومبدعه دون أن يطلب إليه
ذلك أحد أو يوجهه فيه موجه » (98) .
فإذا اعترف أبوالاسود نفسه بأخذه النحو من الامام ـ عليه السلام ـ
واعترف بهذه النسبة نفس القائلين بوضع أبي الاسود للنحو وهي أكثر بكثير من
الروايات التي تنسب وضع النحو لابي الاسود بصورة مستقلة ، بل ربما قام الاجماع
على ذلك . هذه المرجحات وغيرها ترجح الرأي والروايات التي تدل على دور
الامام ـ عليه السلام ـ في وضع النحو ، بينما الروايات التي تعتبر أبا الاسود مستقلا في
وضع النحو لا تملك مثل هذه المرجحات التي تملكها تلك الروايات التي تدل
على دور الامام ـ عليه السلام ـ في وضع النحو .
2 ـ إننا لو تتبعنا « نهج البلاغة » وأحاديث الامام ـ عليه السلام ـ في مختلف
المجالات ، ومن خلال سيرته الفكرية والحياتية ـ بغض النظر عن مقدرة الامام
المعصوم كما يؤمن بها الشيعة ـ لرأينا أن الامام أوسع من أبي الاسود ثقافة واطلاعا
على لغة العرب ، وأكثر تركيزا ووعيا في شتى القضايا وأكثر فهما واهتماما
لاحتياجات المسلمين ، وبالحفاظ على القرآن الكريم والاحاديث الشريفة ، فعندما
ننسب النحو لابي الاسود فمن طريق أولى نسبته للامام ـ عليه السلام ـ على أساس
إذا فلا يمكن لنا أن ننكر دور الامام ـ عليه السلام ـ في وضع النحو ، كما
لا يمكن أن ننكر دور أبي الاسود ومشاركته في ذلك ، فالرأي الصائب أن نقول :
إن الامام ـ عليه السلام ـ وضع بعض القواعد الرئيسية في النحو ، وفتح عيون أبي
الاسود على هذا العلم ، ووجهه إلى الطريق وأكد عليه مواصلة البحث فيه ،
فأضاف أبوالاسود ـ على ضوء ذلك ـ أبوابا وقواعد اخرى للنحو ، ووسع وطور ما
وضعه الامام ـ عليه السلام ـ .
وعلى هذا الاساس فإن عملية الوضع قد شارك فيها الامام ـ عليه السلام ـ
وأبوالاسود ، وكان لكل منهما دوره الفاعل الخلاق في هذا المجال ، وبذلك يمكن
الجمع والتوفيق بين هذه الروايات المتعارضة صوريا ، فلا حاجة إلى طرح بعضها
والالتزام بالبعض الآخر مادام الجمع ممكنا اتباعا للقواعد والمقاييس المتبعة في
مجال الروايات المتعارضة ، حيث أن (الجمع مهما أمكن أولى من الطرح) ، فذكر
الامام بعض القواعد العامة ، وواصل أبوالاسود المسير في تفريعاتها وتطويرها
وإضافة أبواب لها بتوجيه من الامام ـ عليه السلام ـ وتأكيد منه على ذلك ، لانه
تلميذه المتميز بالخبرة اللغوية ، والذهنية الوقادة ، كما ذكرنا عن خصائصه
فيما سبق .
ولكن هناك من ينكر نسبة النحو للامام ـ عليه السلام ـ على اعتبار أن
الاخبار والروايات التي تثبت نسبة النحو للامام ـ عليه السلام ـ هي من وضع
الشيعة الذين يحاولون نسبة كل علم لائمتهم ـ عليهم السلام ـ أو أصحابهم ،
وأتباعهم ، فهي موضوعة لسبب مذهبي .
فيقول أحمد أمين : « وأخشى أن يكون ذلك من وضع بعض الشيعة
ويقول سعيد الافغاني : « وفي النفس شيء من نسبة الاولية في وضع
النحو وسائر العلوم لعلي بن أبي طالب » (100) .
وهناك غيرهما من ينكر هذه النسبة لهذا السبب المذهبي .
1 ـ إننا لو نسبنا تهمة الوضع للروايات التي تنسب وضع النحو للامام
ـ عليه السلام ـ لامكن لنا أن ننسب نفس التهمة للروايات التي تسنده لابي الاسود ،
إذ كان أبوالاسود ـ باعتراف الجميع ـ من أقطاب الشيعة وكبارهم ، إذا فلنتهم
هذه الروايات بالوضع أيضا ، بالاضافة إلى أن أبا الاسود أدنى درجة من الامام
ـ عليه السلام ـ علميا وفكريا وأدبيا ولغويا ـ وهما من عصر واحد ـ فتكون التهمة
بالنسبة إليه أشد منها بالنسبة للامام ـ عليه السلام ـ لما يملكه الامام ـ عليه السلام ـ
من المؤهلات التي تفوق مؤهلات أبي الاسود في هذا المجال .
2 ـ إن الروايات التي تنسب وضع النحو للامام ـ عليه السلام ـ أكثر رواتها
ورجالها من غير الشيعة ، وأكثر المصادر التي ذكرتها غير شيعية ، بل أكثر من قال
بنسبة النحو للامام ـ عليه السلام ـ والتزم بهذا الرأي من غير الشيعة ، فلو كان فيها
أقل ريب أو شبهة لحاول الكثير الطعن فيها أو أغفلها ، مع محاولة الكثير التكتم أو
الطعن في الروايات الشيعية ، فلا بد أن تكون هذه الفضيلة والنسبة قد بلغت حدا
كبيرا من الشيوع والانتشار والواقعية بحيث لا يمكن للكثير إغفالها أو الطعن فيها ،
وليس لهم إلا التسليم للامر الواقع ، فذكرهم للروايات والآراء في كتبهم دليل على
عدم وجود مغمز فيها ، ودليل على وصولها إلى الحد الذي لا يقبل الطعن والزيف
والوضع ، يقول محمد الطنطاوي بعد ذكر موجة العداء للشيعة : « فكيف يدعون
3 ـ إن الشيعة يدعون أن أكثر العلوم منسوبة لائمة أهل البيت
ـ عليهم السلام ـ وأتباعهم ، والحقائق التاريخية تثبت ذلك ولا يدعون ذلك جزافا
بدون أدلة مقنعة وقوية ، إذ تدل الروايات الصحيحة والحقائق التاريخية التي
يذعن بها حتى خصومهم على نسبة أكثر العلوم إليهم (102) فلا يوجد هناك مبرر
لاستثناء النحو منها ، وهناك عوامل كثيرة أدت إلى نشأة أكثر العلوم على أيدي
الشيعة ليس هنا مجال ذكرها ، ومنها أن الشيعة تفرغوا أكثر للاعمال الفكرية
والثقافية وبذل جهودهم في مثل هذه المجالات .
4 ـ وبالاضافة لذلك كله ، ما ذكرناه في موضوع « الاختلاف في الوضع »
من كثرة الروايات والآراء ، ومن دلالة « نهج البلاغة » وغيرها على ذلك ، فمن
الروايات ما ذكره الحافظ ابن كثير في ذيل تفسيره « فضائل القرآن » ص 15 ـ طبع
في ذيل المجلد الرابع ـ : « قد توجد مصاحف على الوضع العثماني يقال إنها بخط
علي ـ رضي الله عنه ـ وفي ذلك نظر ، قال في بعضها (كتبه علي بن أبي طالب)
وهذا لحن من الكلام ، وعلي ـ رضي الله عنه ـ من أبعد الناس عن ذلك فإنه كما
هو المشهور عنه هو أول من وضع علم النحو ـ فيما رواه عنه أبوالاسود ظالم بن
عمرو الدؤلي ـ وأنه قسم الكلام إلى : اسم وفعل وحرف ، وذكر أشياء اخر تممها
أبوالاسود بعده ، ثم أخذ الناس عن أبي الاسود فوسعوه فصار علما مستقلا » وهو
يؤكد ما ذكرناه من الجمع بين الروايات المختلفة في هذا المجال ، وعن بدائية النحو
الذي وضع .
وقال ابن جني في الخصائص 2|8 ـ الطبعة الحديثة ، تحقيق محمد علي
النجار ـ : « وروي من حديث علي ـ رضي الله عنه ـ مع الاعرابي الذي أقرأه المقرئ
(إن الله بريء من المشركين ورسوله) حتى قال الاعرابي : برئت من رسول الله ! !
فأنكر ذلك علي ـ عليه السلام ـ ورسم لابي الاسود من عمل النحو ما رسمه ما لا
يجهل موضعه . . . » .
وغيرها من الروايات التي ذكرنا بعضها في هذه الدراسة ، وهناك كثير لم
نذكره ـ تراجع في الكتب ـ كلها تؤكد على دور الامام ـ عليه السلام ـ في وضع النحو .
يبقى هنا زمن اكتساب أبي الاسود النحو من الامام ـ عليه السلام
ومكانه .
هناك روايات عديدة تصرح بأن أبا الاسود كان قد أخفى النحو حين
اكتسبه من الامام ـ عليه السلام ـ بالاضافة إلى أن « الكثير من المؤرخين يشير إلى أن
حين أخذ العلم من الامام علي أو وضعه من نفسه لم يخرجه إلى أحد » (103 ) .
ومن ذلك ما قاله أبوعبيدة معمر بن المثنى : « أخذ أبوالاسود عن علي
ابن أبي طالب ـ عليه السلام ـ العربية فكان لا يخرج شيئا ما أخذه عن علي بن أبي
طالب ـ عليه السلام ـ إلى أحد حتى بعث إليه زياد : اعمل شيئا تكون فيه إماما
ينتفع الناس به » (104) .
ونحن لا نستبعد هذا الرأي لاننا نعلم أن أبا الاسود اكتسب النحو من
الامام ـ عليه السلام ـ حين جاء الامام ـ عليه السلام ـ إلى العراق ـ كما ذكرت ذلك
بعض الروايات التي ذكرنا قسما منها في فصول هذه الدراسة ـ ولا يمكن أن يكون
مثل هذا الاكتساب قد حصل حين كانا في المدينة ، إذ اتصلت بوضع النحو بعض
فالرأي الراجع هو أن أبا الاسود اكتسب القواعد الاساسية للنحو من
الامام ـ عليه السلام ـ حين مجيئه إلى العراق ، وبعد أن لمس انتشار اللحن وأدرك
أخطاره الكبيرة ـ في المجال الديني خاصة ـ ، ولكن هناك عوامل كثيرة أدت إلى
إخفائه ـ سنذكر بعضها في موضوع التنقيط ـ ولعل منها ظروف تلك المرحلة المثيرة
الصاخبة التي أدت إلى عدم الاعلان عنه إلى أن تهدأ الاجواء ، لان أبا الاسود
كان مشاركا أيضا في شتى المهام والنشاطات العسكرية والسياسية والاجتماعية
في تلك المرحلة ـ كما ذكرنا ذلك في ترجمته ـ ولكن بعد شهادة الامام
ـ عليه السلام ـ في محراب مسجد الكوفة ، وحين هدأ الجو لابي الاسود ولم تعد
الحوادث والمناصب تستغرق أوقاته حينذاك ـ كما ذكرنا في ترجمته ـ تفرغ إلى
البحث والدراسة وأظهر ما اكتسبه من الامام ـ عليه السلام ـ بعد إلحاح الحاجة
والضرورة على ذلك ، ولم يكتف بما اكتسبه من الامام ـ عليه السلام ـ بل حاول
التوسع فيه جهد طاقته وبما يملكه من فكر وثقافة .
وحين كان يجلس في مسجد البصرة ويتردد عليه بعض طلاب الثقافة أو
حين كان يجتمع مع الناس في كل مكان كان يعرفهم حينذاك على هذه الفكرة
الجديدة وعلى كيفية ولادتها .
ونناقش فيه الرأي الذي يذهب إليه المعارضون بأن المراد من العربية أو
وقبل أن ندخل في مناقشتنا لهذا الرأي يجدر بنا أن نبحث حول عملية
تحريك المصحف الشريف بالتنقيط والتي قام بها أبوالاسود بإجماع القدماء .
فتذكر ـ في الكتب والمصادر القديمة والحديثة ـ الطريقة التي ابتكرها أبو
الاسود في تحريك المصحف الشريف وهي في واقعها الاساس للحركات الاعرابية
التي تعتمد على المعرفة النحوية واللغوية وتدل أيضا على قوة الابداع والابتكار
التي يملكها أبو الاسود وهو يؤكذ أكثر إبداعه لعلم النحو ، فيقول أبوالعباس المبرد
عن أبي الاسود : « أول من نقط المصاحف » (105) ، ويقول السيرافي : « كان أبو
الاسود لا يخرج شيئا مما أخذه عن علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ
إلى أحد حتى بعث إليه زياد وقال له : اعمل شيئا لتكون فيه إماما
ينتفع به الناس وتعرب به كتاب الله ، غير أن أبا الاسود رفض حتى سمع قارثا
يقرأ : (إن الله بريء من المشركين ورسولِه) فقال : ما ظننت أن أمر الناس يصل إلى
هذا ، فرجع إلى زياد فقال : أنا أفعل ما أمر به الامير فليبغني كاتبا لقنا يفعل ما
أقول ، فاتي بكاتب من عبد القيس فلم يرضه ، فاتي بآخر ، وقال أبوالعباس : أحسبه
منهم ، فقال له أبو الاسود : إذا رأيتني فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة بين يدي
الحرف وإن كسرت فاجعل النقطة تحت الحرف ، فإن أتبعت شيئا من ذلك
غنة فاجعل مكان النقطة نقطتين ، فهذه نقط أبي الاسود « (106) ولعل
مراده من النقطتين هو التنوين وأن التنوين علامته نقطتان . ويمكن أن يكون مراد
السيرافي من (الشيء) في قوله : « كان أبوالاسود لا يخرج شيئا مما أخذه عن
علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ » هو تنقيط المصحف ، ويمكن أن يكون النحو .
« ومن كتاب المطالع السعيدة لجلال الدين السيوطي قال : وأخرج ابن
أمثل عبيدالله يضيع ؟! فبعث زياد إلى أبي الاسود ، فقال : يا أبا الاسود ، إن هذه
الحمراء ـ وأراد بهم العجم لغلبة الحمرة على ألوانهم ـ قد أفسدت ألسن العرب ، فلو
وضعت شيئا يصلح به الناس كلامهم ويعرب به كتاب الله ، فأبى ذلك أبو
الاسود ، فوجه زياد رجلا ، فقال له : اقعد في طريق أبي الاسود فإذا مربك فاقرأ
شيئا من القرآن وتعمد اللحن فيه ، ففعل ذلك ، فلما مر به أبوالاسود رفع صوته
يقرأ (إن الله بريء من المشركين ورسولِه ) فاستعظم ذلك أبوالاسود فقال : عزوجه
الله أن يتبرأ من رسوله ، ثم رجع من فوره إلى زياد ، فقال : قد جئتك إلى ما
سألت ، ورأيت أن أبدأ بإعراب القرآن ، فابعث إلى ثلاثين رجلا ، فأحضرهم
زياد ، فاختار أبوالاسود عشرة ، ثم لم يزل يختارهم حتى اختار منهم رجلا من
عبد القيس ، فقال : خذ المصحف وصبغا يخالف لون المداد ، فإذا فتحت شفتي
فانقط واحدة فوق الحرف ، وإذا ضممتهما فاجعل النقطة إلى جانب الحروف ، فإذا
كسرتهما فاجعل النقطة في أسفل الحرف ، فإن اتبعت شيئا من هذه الحركات غنة
فانقط نقطتين ، فابتدأ بالمصحف حتى أتى على آخره ، ثم وضع المختصر المنسوب
إليه بعد ذلك » (107) .
وهناك روايات وآراء اخرى تؤكد نسبة التنقيط لابي الاسود ، وإن كان
هناك بعض الاختلاف الضئيل في متون هذه الروايات ، ولكن لو تأملنا فيها لرأينا
عدم تعارضها واختلافها ، إذ يمكن الجمع بينها .
والملاحظ أن هذا العمل من أبي الاسود قد تم في زمان زياد ومعاوية
ـ كما تؤكده الروايات ـ وأن أبا الاسود كان عالما به قبل هذا الزمان ، وربما كان
بتعليم وتوجيه من الامام ـ عليه السلام ـ كما تحتمله عبارة السيرافي ـ وكما سنذكره
بعد ذلك ـ ولكن بالرغم من علمه بذلك في زمان سابق فإن أبا الاسود كان
فربما كان السبب في التأخير الظروف السياسية والاجتماعية والحربية
الصاخبة آنذاك في الفترة التي عاشها أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ حيث لم تسمح له
بنشر هذا العمل .
وربما كان السبب هو المنع الذي كان مفروضا على التدوين والكتابة
عامة وخاصة بما يرتبط بالشريعة الاسلامية ، وبالاخص على أصحاب أمير المؤمنين
ـ عليه السلام ـ ومواليه وشيعته ، خوفا من كتابة ونشر بعض الكتابات التي ترفع
من شأن أهل البيت ـ عليهم السلام ـ وتحط من أعدائهم ومخالفيهم ، فالشيعة كانوا
مطاردين في تصرفاتهم وأقوالهم وكتاباتهم ، لذلك لم تسمح السلطة بأمثال هذه
الاعمال منهم ، فربما لو كان أبوالاسود يبدأ بهذا العمل من نفسه لم يكن له مثل
هذا الانتشار والتأثير ، وربما حاربته السلطة الحاكمة ، ولكنه كان ينتظر الفرصة
المناسبة التي يشعر بها المسؤولون والحكام أنفسهم بخطورة اللحن على الامة وبإلحاح
من الظروف والناس ليطلبوا منه أو من غيره القيام بهذا العمل .
وربما كان حجة الذين منعوا من التدوين والكتابة بصورة عامة ، وخاصة
بما يرتبط بالشريعة الاسلامية ، هو الخوف من اختلاطها بالقرآن الكريم ،
وبذلك لا يحافظ على أصالة القرآن الكريم وسلامته .
إذا فكيف بمثل هذا العمل الذي يتعرض بصورة مباشرة للقرآن الكريم
ومحاولة تحريكه وتشكيله وإضافة بعض الكتابات فيه ، مما يكون عامل المنع فيه
أقوى ، وهذه الحجة وإن كان وراءها دوافع وأغراض سياسية ، ولكن قد تذرع بها
البعض للمنع من التدوين والكتابة .
أو أن السبب في ذلك عدم انتشار اللحن في القرآن الكريم وفي كلام
العرب ، وإنما أخذ بالانتشار والذيوع بعد اختلاط العرب بغيرهم مما أدى إلى
ظهور اللحن باتساع وإلى الشعور أكثر بخطورة المشكلة .
أو أن السبب هو احتياط بعض المسلمين وتورعهم عن إضافة بعض
الكتابات في المصحف الشريف ، لانهم كانوا يشعرون بأنه يلزم الحفاظ على
المصحف الشريف كما نزل على النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ دون إضافة ، ومن هنا
كان تجنبه تورعا عن القيام بمثل هذا العمل ، ولكن بعد أن أدرك أن الضرورة
الاسلامية تحتم عليه القيام بهذا العمل ، قام به خير قيام ، وكما قال الدكتور شوقي
ضيف : « كان ذلك عملا خطيرا حقا فقد أحاطوا لفظ القرآن الكريم بسياج يمنع
اللحن فيه » (108) ويقول الدكتور مازن المبارك : « ومعنى وضع أبي الاسود لشكل
المصحف أنه وضع الضوابط التي تمنع القارئ من الزلل أو اللحن في القرآن ،
وهل للنحو غاية اخرى أبرز من حفظ اللسان من الخطأ ؟! » ( 109) .
وهناك عوامل اخرى ـ ربما لا نعلمها ـ كانت السبب في تأخير أبي الاسود
إظهار هذا العمل ، وتشمل بعض هذه الاسباب النحو أيضا ، إذ تأخر أبوالاسود في
الاعلان عنه أيضا .
أما عن وجود هذا المصحف الذي شكله أبوالاسود ، فهل هو موجود
أوضاع كما ضاع الكثير من كتب التراث ؟
ذكر السيد محسن الامين في كتابه « أعيان الشيعة » أنه رأى في خزانة
الكتب الشريفة الرضوية مصحفا بخط الامام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ عليه مثل
هذا الشكل والتنقيط ، وهذا يؤيد ما ذكرناه بأن أبا الاسود قد تلقى تحريك
المصحف بالتنقيط من الامام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ كما تلقى النحو منه إلا أن
نقول بأن تحريك هذا المصحف الشريف الذي كتبه الامام ـ عليه السلام ـ بخطه
قد اضيف إليه من قبل أبي الاسود أو غيره ـ بعد كتابته ـ كما يحتمل ذلك السيد
الامين .
يقول السيد محسن الامين عن القرآن المنسوب إلى خط أمير المؤمنين
وأول من نقطها للشكل أبوالاسود الدؤلي في إمارة زياد ، كان يقول
للكتاب : إذا رأيتني فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه ، وإن ضممت
في فانقط نقطة بين يدي الحرف ، وإن كسرت فاجعل النقطة من تحت الحرف ،
وذكره ابن النديم في الفهرست وزاد ابن الانباري في نزهة الالباء : فإن اتبعت
شيئا من هذه الحركات غنة فانقط نقطتين ، وهذا بعينه تنقيط المصاحف التي
رأيناها ، وهو يؤيد أنها بخطوطهم ـ عليهم السلام ـ ، وفي آخره سطرين هكذا :|
كتبه علي بن أبي طالب |
وجلده مذهب ، موضوع في صندوق مذهب ، كلاهما في غاية الاتقان ،
مكتوب على جلده : وقف الشاه عباس الصفوي سنة 1008 ، عدد أوراقه 68 ،
سطور كل صفحة 15 ، طوله 34 سانتيما ، عرضه 23 سانتيما ، قطره 3
سانتيمات ، وكتب الشيخ البهائي على ظهره بخط يده ما صورته : هذا الجزء من
القرآن المجيد الذي هو بشريف خط سيد الاوصياء ، وحجة الله على أهل الارض
ثم يذكر السيد الامين أنه توجد نسخة اخرى من القرآن الكريم بخط
منسوب للامام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ وهو « كالجزء السابق بجميع مميزاته
سوى أن سوره غير سوره ، ونقط قليلة خضر من تحت وفوق ، وأقل منها زرق غير
نقط الشكل الحمر لم نتحقق المراد منها ، وفي آخره في سطرين هكذا :|
كتبه علي بن أبي طالب » |
وهكذا نرى بأن أبا الاسود كان قد تلقى علومه من الامام أمير المؤمنين
ـ عليه السلام ـ ، ولا عجب في ذلك فإنه من تلامذته وأصحابه الموالين والمخلصين
ـ كما ذكرناه في ترجمته ـ ، ولعله كان لديه مصحف بخط الامام ـ عليه السلام ـ
مشكل بهذا الشكل ، وهو الذي أخذه من الامام ـ عليه السلام ـ وهو الذي كان به
ضنينا ـ كما في قول السيرافي ـ .
وبعد هذا الذي ذكرناه حول عمل أبي الاسود في تحريك المصحف
الشريف بالتنقيط ، نعود لمناقشة هذا الاعتراض ، ومناقشته تكون على خطوات :
1 ـ فالملاحظ أن المعارضين الذين يعارضون نسبة النحو ـ بمعناه المصطلح ـ
لابي الاسود ، جميعهم يؤيدون نسبة التنقيط والتحريك إليه ، مع أن عملية تحريك
المصحف الشريف بالتنقيط ـ وبالصورة التي ذكرت ، والتي رويت عن أبي الاسود
نفسه ـ تعتمد على ملاحظة حركات الاعراب ، وهي عملية تحتاج إلى أن يكون
صاحبها عالما ببعض الافكار والمسائل النحوية ، إضافة إلى أنها عملية لا تقل تعقيدا
وتركيزا عن عملية وضع بدايات النحو ، فالقادر على التحريك لا تعصب عليه
عملية وضع النحو في بداياته ، وهذه العملية يفسرها أبوالاسود كما في الرواية « خذ
المصحف ، وصبغا يخالف لون المداد ، فإذا فتحت شفتي فانقط واحدة فوق
ونحن حينما نتأمل هذه الرواية جيدا ـ والتي يؤيدها حتى المعارضون لفكرة
وضعه النحو ـ نرى أن هذه العملية التي قام بها أبوالاسود تدل على مدى ثقافة أبي
الاسود النحوية واللغوية وعلى مدى تركيز ذهنيته وتطورها ، ونرى أيضا أن هذه
الرواية تشير إلى بعض المصطلحات ، كالحركات والكسر والفتح والضم ، وهي
مصطلحات تدل على وجود قابلية الابداع والتركيز ـ ولو بصورة بدائية بسيطة ـ عند
بعض رجال ذلك العصر ، وعلى تقدير اكتساب هذه العملية ـ عملية التحريك
بالتنقيط ـ ومصطلحاتها من السريان آنذاك ـ كما يتبنى هذا الرأي أحمد حسن
الزيات (112) ـ فإن ذلك لا يؤخر مرحلة وضعها عن زمان أبي الاسود وأنه الواضع
لها .
فالمعارضون يقولون : « بأن الامر قد اختلط على الرواة إذ كانوا يقصدون
بالنحو ضبط الكلام على سبيل العرب وسمتها في القول ، فأبو الاسود نقط
المصحف ، وهذا النقط هو النحو المقصود بكلام الرواة » (113) .
2 ـ ولكن الملاحظ من الروايات « أنها لم تكتف بأن أبا الاسود وضع
النحو أو العربية فقط ، بل ذكرت أبوابا من النحو نسبت إليه ، فكيف نأخذ شق
الرواية ونترك شقها الآخر ؟! الاولى أن تؤخذ جميعا أو تطرح جميعا » (114) فمن
الابواب التي ينسب وضعها إلى الامام ـ عليه السلام ـ وبعضها تنسب لابي الاسود :
3 ـ إضافة إلى أن بعض الروايات تشير إلى أن أبا الاسود وضع تشكيل
المصحف الشريف بالنقط والنحو أو العربية ، فتفصل بينهما ، مما يدل على
بالاضافة إلى أن المفهوم من كلمة النحو أو العربية غير المفهوم من كلمة
التنقيط كما هو ظاهر ، فكيف يكون المعنى في كليهما واحدا ؟!
ويذكر السيد محسن الامين : « وإعراب القرآن لا دخل له بوضع علم
النحو ، الذي كان في زمن أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ وبأمره لا بأمر زياد ، ويجوز أن
يكون أبوالاسود أظهر كتابه يومئذ ، وكان ألفه قبل ذلك ، أو رتب يومئذ ما كان
تلقنه من أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ وأضافه هو إليه فجعله كتابا » (117) .
وأخيرا . . فالملاحظ أن هناك علاقة وثيقة بين النحو وإعراب القرآن ،
فالمتمكن من إعراب القرآن الكريم والذي يقوم بمهمة تحريك المصحف الشريف
يدل على أن له علما ومعرفة بالنحو وتركيزا في التفكير ، ولكن على كل حال فإن
العمل بوضع النحو غير العمل بتحريك القرآن وتنقيطه كما يؤكد ذلك المؤرخون .
من خلال ما ذكرناه نستطيع التوصل للنتيجة التالية : إن الامام
ـ عليه السلام ـ شعر بضرورة وضع القواعد التي تحفظ اللسان من الخطأ ، وخاصة في
قراءة القرآن الكريم بعد أن وجد اللحن شائعا على الالسنة ، وبما أنه خليفة
والدليل على هذا الرأي : تواتر الروايات ، وتضافر الآراء ، وكثير من
الرواة قريبو العهد بعصر الامام ـ عليه السلام ـ .
وقد احتمل البعض اكتساب النحو من الحضارات الاجنبية ، ولم يتم
مثل هذا الاتصال الوثيق بالثقافات الاجنبية إلا في زمن متأخر من عصر الامام
ـ عليه السلام ـ .
ولا يمكن أن يكون الاكتساب من النحو اليوناني ، لان النحو العربي كان
موجودا قيل ترجمة الكتب اليونانية ، ولانه يختلف في طبيعته عن النحو اليوناني .
وكذلك لا يمكن أن يكون مكتسبا من النحو العبري ، لان مرحلة نشأته
متأخرة عن النحو العربي .
إذا فلا بد أن يكون الاكتساب من النحو السرياني ـ على القول بأنه
سبق النحو العربي في وضعه ـ لوجود السريانيين في المجتمع الاسلامي
آنذاك ، ونتيجة لاحتكاك المثقفين من العرب بهم انتقل النحو منها .
ولكن هذا الاحتمال لا يؤخر بداية النحو عن تلك الفترة من عصر
الامام ـ عليه السلام ـ إذ أن السريانيين دخلوا الاسلام في خلافة عمر ، وهم كانوا
مقيمين داخل المجتمع الاسلامي ، فيحتمل ـ مادام الامر يقوم على الاحتمال
والفروض دون الاعتماد على الروايات التي لاتشير إلى هذه الفكرة ـ أن اطلع
الامام ـ مع الغض عن فكرة علم الامام المعصوم ـ أو اطلع أبوالاسود على ثقافة
السريان وعلى نحوهم فاكتسب منهم بعض قواعدهم وآرائهم النحوية ، ولا يمنع
مثل هذا الاتصال والاكتساب أي مانع .
لكن هذا الاحتمال الاخير إنما يعتمد على الفرض والاحتمال دون أن
يكون له أي سند روائي ، وكذلك يعتمد على القول بأن النحو العربي مكتسب
وليس أصيلا ، وهذا الفكرة الاخيرة ينفيها كثير من المحدثين من العرب
والمستشرقين ، بالاضافة إلى أن التاريخ لا يشير أبدا إلى فرضية الاكتساب مع
اختلاف طبيعة النحو السرياني عن النحو العربي ، كما ذكره البعض .
وعلى أي احتمال ، فإن بداية وضع النحو العربي لا تخرج من تلك الفترة
ـ فترة عصر الامام (عليه السلام) ـ سواء قلنا بأصالة النحو العربي في بداياته كما هو
الرأي الحق ، ورأي إجماع القدماء وبعض المعاصرين ، أو قلنا بأنه مكتسب من
النحو السرياني كما هو رأي البعض الآخر من المعاصرين .
والحمد لله رب العالمين .
هاشم الهاشمي