صلةقبل


الوضع البدائي للنحو

1 ـ نضوج المستوى الفكري :
نحن نعلم بأن ظهور الاسلام قد أدى إلى نضوج المستوى الفكري العام عند الناس ، وخاصة طبقة المفكرين والمثقفين ، حيث حمل الاسلام إلى البشر مفاهيم وتصورات جديدة في مختلف مجالات الحياة ، بل إن الانسان في عصر البعثة كان قد بلغ مستوى من الوعي والادراك أرقى ممن سبقه ، لذلك كانت معجزة النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ معجزة فكرية وهي القرآن الكريم ، بينما معجزات الانبياء السابقين كانت حسية ، وهذا ما يدل على ارتقاء الوعي عند الانسان المعاصر لبعثة الاسلام ، بالاضافة إلى ما حمله القرآن الكريم والنبي ـ صلى الله عليه وآله ـ إلى البشر من مفاهيم ومعلومات جديدة وتصورات في مختلف مجالات الكون والحياة ، فرفع من وعيهم وزودهم بكثير من المعلومات ، بالاضافة إلى اختلاط المسلمين بغيرهم من الشعوب والثقافات ، هذه الاسباب وغيرها أدت إلى ارتفاع مستواهم الفكري والثقافي ، وفي تلك المرحلة بالذات ظهرت بدايات حركة علمية تعتمد التفكير الواعي في فهم مختلف المجالات ـ وخاصة الثقافية ـ ولو أن ما صنعوه وفهموه لا يرتفع في مستواه الفكري والثقافي والعلمي إلى ما نراه اليوم في نفس تلك المجالات .
ومن هنا نرى بعض أحاديث المسلمين آنذاك وأفكارهم ومفاهيمهم أسمى بكثير من أحاديث الجاهليين ، بل أحاديثهم أنفسهم قبل انتمائهم للاسلام ، وظهر بعض الرجال الذين بلغوا مستوى علميا رفيعا أمثال عبد الله بن عباس وغيره ـ كما نلاحظ أحاديثهم في كتب التاريخ والادب والفقه وغيرها ـ كل ذلك للزخم الجديد الذي نفخه الاسلام في أذهان المسلمين وقلوبهم ، وهذا ما لا يمكن أن


( 51 )
ينكره إلا من أعمى الشيطان بصيرته .
هل يمكن لنا أن ننكر تأثير الاسلام وتأثير القرآن الكريم وتأثير الاحاديث النبوية في نفوس المسلمين ؟ ! إن المسلمين آنذاك كانوا يعيشون الاجواء القرآنية والنبوية الجديدة بكل مشاعرهم ، كانت المفاهيم الاسلامية تدخل إلى قلوبهم لتفعل فيها فعل السحر ، وكانوا يتعلمون ويقتبسون منها طريق حياتهم ، وكان النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ هو القدوة والاسوة لهم ، والقرآن الكريم والاحاديث النبوية حافلة بالاصطلاحات الجديدة والتقسيمات والتفريعات والتعريفات والافكار الفلسفية والمنطقية .
ألم يتعلم المسلمون منها طريقة التفكير والاستدلال والمعرفة وخاصة اولئك الافراد الذين يتميزون بالفكر والوعي والثقافة ؟ !
ألا نفرق بين الانسان قبل الاسلام وبعده ؟ !
وهل يمكن لنا أن ننكر تأثير القرآن الكريم والاحاديث النبوية في المسلمين ؟ !
وهل يمكن لنا أن ننكر وجود المفاهيم الجديدة فيها ؟ !
إن من ينكر هذه الحقيقة الملموسة ، فهو لا ينكر دور الاسلام فحسب ، بل إنه ينكر أيضا حقيقة واضحة وواقعا تشهد له كل الشواهد الحية .
وبعد كل ذلك فليس عجيبا أن تظهر من بعض المسلمين المتميزين بالفكر والثقافة بعض الابداعات والتقسيمات الجديدة نتيجة لتأثير المرحلة القرآنية والاسلامية الجديدة وما خلقته في المسلمين من معطيات فكرية وثقافية .
ولعلنا ـ من هنا ـ نستطيع أن نلمح الهدف البعيد الذي تهدفه أمثال دائرة المعارف الاسلامية وبعض المستشرقين والسائرين على خطاهم من إنكار هذه النسبة ، حيث كانوا يهدفون إلى عدم تأثير الاسلام في تكوين الوعي الجديد بين المسلمين ، وإلى عدم تمكن المسلم باستقلاله على إبداع فن جديد ، وأن كل ما يبدعه المسلم فهو مقتبس من ثقافات اخرى ، بل ربما إلى التشكيك في أصل القرآن الكريم والاحاديث النبوية حيث تشتمل على مثل هذه التقسيمات


( 52 )

والتعريفات ، وأن عصرها عصر بداوة لا يمكن أن تظهر فيه تلك التقسيمات إلى غيرها من أهداف جهنمية ، لا يستهدفون منها التشكيك بالتشيع فحسب ، بل بالاسلام كله .

2 ـ بدائية النحو :
نحن نعلم أن بداية كل علم أو فكرة تبدأ بهذه الصورة البدائية والتي تتجه للكليات والمسائل العامة كتقسيم الكلمة مثلا ، ثم تتوسع وتتفرع لتتضمن المسائل الجزئية والتفريعات والابواب والفصول ، كما صرح بهذه الحقيقة الدجيلي فيما نقلناه عنه سابقا (49) ، وهذه الحقيقة يقربها أحمد أمين في بداية كتابه « ضحى الاسلام » فهو يقول حول العصر الاسلامى الاول : « ورأينا المسائل تبحث بنظر أدق » (50) ، وهو يعترف بالتفاوت الفكري بين الانسان الجاهلي والاسلامي ، ويعترف بانتقال العلوم النقلية ـ من علوم دينية ولغوية ـ إلى العصر العباسي ، أي أنها كانت موجودة ولو بصورة بدائية ، أي بشكل « مسائل جزئية مبعثرة » (51) ، وهو يعترف « بأن هناك عوامل شخصية أثرت في العلم لو لم تحدث لاخرت مسير العلم بعض الزمن » (52) ويقصد من ذلك الحاجة ، ونفسرها نحن بالحاجة الدينية . إذا فكل هذه الاسباب والدوافع والمسائل يعترف بها أحمد أمين ، ثم ينكر وجود النحو ولو بصورته البدائية التي استدعت ظهوره الحاجة الملحة ، والتي كانت ـ تلك الصورة البدائية ـ على شكل كليات ومسائل عامة ، وربما غائمة في بعض مسائلها وليست عميقة الفكرة وليس داخلها أبواب وفصول وتفريعات كما نراها اليوم .
وعندما نقول بالصورة البدائية فإننا نعني تلك المجالات التي استدعت وجودها الحاجة ، فوضع أبوالاسود بعض المسائل والابواب النحوية بعد ما رأى أن
____________
(49 ) مقدمة ديوان أبي الاسود : 66 .
(50) ضحى الاسلام 2|. . . .
(51) ضحى الاسلام 2|. . . .
(52) ضحى الاسلام 2|. . . .

( 53 )

الحاجة تدور حول هذا الباب أو ذاك ، وبمقدار مايملكه من ثقافة ووعي وإبداع في خلق النواة الاولى لعلم النحو « فلم يقل أحد أنها وضعت في أول الامر كاملة على الوجه الذي نراه في كتب العربية اليوم ، وانما قيل إنه وضع بابي المفعول والفاعل أو باب التعجب أو أن وأخواتها . . إلى آخره ، فهو لم يضع النحو كاملا ، وإنما وضع فكرة أبواب استدعتها الظروف ولا بد أن هذه الابواب التي وضعها وضعت بطريقة عامة مبسطة ليس فيها من الدقة والتفريع ما نراه اليوم في كتب القواعد ، فالاعتراض إذا غير قائم لان أحدا لم يقل به » (53) . ولعل ما يؤيد ذلك ، وضع أبي الاسود لفكرة (التعجب) فإنه واجه حالة حفزته على البحث عن هذه الظاهرة بعد أن وجد وقوع اللحن في مجال التعجب خاصة على لسان ابنته حين سألته : « ما أشد الحر » فظنها تسأل ، وهي في الواقع تريد التعجب ، فهذا المثال ـ والشك حوله ـ حفز أبا الاسود على متابعة هذه الظاهرة ، حتى وصل أخيرا إلى وضع فكرة بدائية عامة عن التعجب ـ كما ينقل عنه ـ مهدت الطريق لمن يأتي بعده ليواصل البحث عنها وعن سائر المسائل .
إذا ، فالنحو الذي وضعه أبوالاسود كان بدائيا بسيطا ، كما هو الحال في بدايات مختلف العلوم والافكار ، وإلا لتوجه الاعتراض لكل العلوم أنها كيف ولدت في أذهان مخترعيها ؟ !

تقييم أبي الاسود

1 ـ شخصية أبي الاسود الثقافية :
ونحن لو درسنا شخصية أبي الاسود ـ لان شخصية الامام ( عليه السلام) فوق البرهان ـ لرأيناه باعتراف المؤرخين والنحاة يملك ثقافة واسعة في مجالي اللغة والفكر ، حيث كان مطلعا على لهجات العرب ولغتها وغريبها وأدبها وكان شاعرا غير مكثر ، وكان يدرس العربية في البصرة ، حيث انصرف إليه بعض
____________
(53) مدرسة البصرة النحوية : 55 .
( 54 )

طلاب العربية الذين واصلوا بعده مسيره في تطوير القواعد اللغوية والنحوية والادبية ، وكان يكلفه بعض الامراء بتعليم أبنائهم ، وكان المفزع لهم في معالجة المشاكل اللغوية والنحوية والثقافية ، وقد تعرضنا إلى مجالات ثقافية في ترجمة حياته ، لذلك نكتفي الآن بهذه الخطوط العريضة ، فالجاحظ مثلا يقول : « أبو الاسود معدود في طبقات من الناس وهو في كلها مقدم مأثور عنه الفضل في جميعها ، كان معدودا في التابعين والفقهاء والشعراء والمحدثين والاشراف والفرسان والامراء والدهاة والنحويين والحاضري الجواب والشيعة » (54) .
فكان يملك مواهب ثقافية واجتماعية مختلفة ، فمثل هذا الشخص الفذ الذي يملك مثل هذه المواهب ألا يحتمل أنه وضع بدايات النحو بعد أن مهد الامام ـ عليه السلام ـ له الطريق ، وفتح عينه على هذا الموضوع ، وقد أجمع المؤرخون على أنه أول من حرك المصحف الشريف بواسطة التنقيط ، وفي هذه العملية دلالة كبيرة على معرفته الواسعة باللغة العربية وحركات الاعراب وعلى ما يملكه من عمق في التفكير وثقافة لغوية ، بل تدل على توجهه للقواعد النحوية .
ويتوصل عبد الرحمن السيد إلى النتيجة التالية فيقول : « كما لا يستطيع أحد أن يدعي أن عالما مشهودا له بالتقدم والتفوق مقصودا من الخلفاء والولاة لرسوخ قدمه في العلم وحدة ذكائه في الفهم ينقط المصحف كلمة كلمة ، ويلاحظ حركات حروفه حرفا حرفا ، ويفعل ذلك في دقة وبراعة ثم يخرج من عمله هذا دون أن تتكون لدية فكرة أولية عن عمل بعض الادوات أو عن حركة بعض الكلمات ذات الوظيفة المتشابهة والوضع المتحد ، اللهم إلا أن يكون راسخ القدم في الغباء بعيدا عن صفات أبي الاسود » (55) .
ونحن نضيف إلى قوله : إن من يخوض هذه المهمة ويتكفل بالقيام بها لا بد أن يملك مسبقا توجها وفهما لبعض المسائل والقواعد النحوية .

____________
(54) نقلا عن مقدمة ديوان أبي الاسود ـ للدجيلي ـ : 13 .
( 55) مدرسة البصرة النحوية : 60 .

( 55 )

وسوف نبحث في فصل لاحق هذه القضية ـ قضية تحريك أبي الاسود للمصحف الشريف ـ لنبحث عن كيفيتها وطريقتها ودوافعها ، وأنها تشابه من قريب أو بعيد وضعه للنحو ، وأن القادر على القيام بهذه المهمة قادر على وضع الجذور الاساسية والبدائية للنحو .

2 ـ كتاب أبي الاسود :
فهناك رواية شائعة على ألسنة المؤرخين والنحاة ، وهي أنه كان لابي الاسود كتاب في النحو واسمه « التعليقة » إلا أنه ضاع واختفى كما اختفى غيره من الكتب ، وكما اختفى كتابا عيسى بن عمر ، اللذان اشتهرا على ألسنة النحاة أيضا ، قال أبي قتيبة في كتابه الشعر والشعراء : « أول من عمل كتابا في النحو بعد علي بن أبي طالب » (56) أي أبوالاسود ، وقال السيوطي : « قال ابن عساكر في تاريخه : كان أبوإسحاق إبراهيم بن عقيل النحوي الدمشقي المعروف بابن المكبري يذكر أن عنده تعليقة أبي الاسود التي ألقاها إليه علي بن أبي طالب » (57) وقد أكد وجود هذه التعليقة ، ابن النديم في فهرسته وأتى بكثير من القرائن والشواهد التاريخية على ذلك (58) .
إذا فهذا الكتاب قد رآه ابن النديم ، وهو خبير وثقة في الكتب كما صرح بذلك المؤرخون ، ويذكر السيد الامين في أعيان الشيعة نقلا عن ابن النديم في فهرسته قوله : « رأيت ما يدل على أن النحو عن أبي الاسود ما هذه حكايته ، وهي أربع أوراق أحسبها من ورق الصين ، ترجمتها هذه فيها كلام في الفاعل والمفعول من أبي الاسود ـ رحمة الله عليه ـ بخط يحيى بن يعمر ، وتحت هذا الخط بخط عتيق : هذا خط علان النحوي ، وتحته : هذا خط النظر بن شميل » (59 ) ، وكذلك ينقل
____________
(56) الشعر والشعراء .
(57) الاشباه والنظائر 1|7 .
(58) الفهرست : 61 .
(59) أعيان الشيعة 1|163 .

( 56 )

السيد الامين عن القفطي أنه رأى ما يدل على وجود هذا الكتاب بخط أبي الاسود نفسه .
وهكذا نرى أن المؤرخين ، وخبراء الكتب والتراجم ، يذكرون كتابا في النحو وضعه أبوالاسود بتعليم وتوجيه من الامام ـ عليه السلام ـ ، ولكن اختفائه لا ينفي وجوده ، كما اختفت الكثير من الكتب .
3 ـ تلاميذ أبي الاسود :
يحدثنا التاريخ أن هناك تلاميذ لابي الاسود درسوا على يديه (النحو) وقد ذكر المعارضون من المعاصرين أيضا وجود النحو عندهم ، وهم الذين اعتبرهم النحاة طبقة نحوية ثانية بعد أبي الاسود في سلسلة طبقات علماء النحو ، والذين عبر عنهم عيسى بن عمر والخليل وسيبويه نفسه ـ في كتابه ـ بـ (البادئين الاولين) .
والمعروف من تلاميذه : يحيى بن يعمر ، وعنبسة الفيل ، وميمون الاقرن ، وعطاء ابن أبي الاسود ، وأبوحرب ابن أبي الاسود ، ونصر بن عاصم ، وعبد الرحمن بن هرمز ؛ ولو راجعنا كتب التراجم والتاريخ لرأينا أنها تصرح بأن هناك تلاميذ لابي الاسود درسوا على يديه النحو والعربية ، كما أننا نلاحظ أنهم حينما يتعرضون لترجمة هؤلاء يذكرون أنهم كانوا من النحاة وأنهم تعلموا النحو من أبي الاسود .
فإذا قلنا بأن طبيعة المرحلة البدائية التي عاشها الامام ـ عليه السلام ـ وأبو الاسود تمنع مثل هذه النسبة ـ نسبة النحو ـ لانهم عاشوا قبل الارتباط الثقافي مع الثقافات الاجنبية ، وقبل نضج الفكر والتطور الثقافي للمسلمين ، فكذلك يصح لنا أن نقول مثل هذا القول في الطبقة التالية لهما أيضا ، إذ أنهم عاشوا في فترة زمنية متقاربة الفترة ، أي أنهم عاشوا نفس المناخ الفكري والثقافي ، إذا فلما ذا ننسبه إلى الطبقة الثانية دون الاولى مع أنهم يعيشون مناخا ثقافيا وحضاريا متشابها ?!


( 57 )

4 ـ وجود النحو في تلك الفترة :
هناك بعض الاخبار المتناثرة هنا وهناك في كتب التاريخ والادب والترجمة حين تؤرخ فترة العصر الاموي ، بل حتى قبله ، وتذكر الخلفاء والولاة أو رجال العصر الاموي تؤكد وجود النحو آنذاك ، فيذكر « إنه كان من أعظم المصائب في نفس عبد الملك أن ابنه الوليد كان لحانة وأنه أخذه بتعلم العربية فلم يفلح » (60) .
ويذكر أن الدافع الذي دفع عبد العزيز بن مروان إلى الاهتمام بالعربية ما رواه ابن عساكر قبل هذا الخبر أنه دخل على عبد العزيز رجل يشكو صهرا له فقال : « إن ختني فعل بي كذا وكذا » فقال له عبد العزيز : « من ختنك ؟ » فقال له : « ختنني الختان الذي يختن الناس » فقال عبد العزيز لكاتبه : « ويحك ، بم أجابني ؟! فقال له : أيها الامير إنك لحنت ـ وهو لا يعرف اللحن ـ وكان ينبغي أن تقول : ومن ختنك ؟ فقال عبد العزيز : أراني أتكلم بكلام لا يعرفه العرب ، لا شاهدت الناس حتى أعرف اللحن ، فأقام في البيت جمعة لا يظهر ومعه من يعلمه العربية فصلى بالناس الجمعة ، وهو من أفصح الناس (61) .
وفي « سفينة البحار » في لفظة (النحو) نقلا عن كتاب الجواهر للكراجكي : « قال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ : العلوم أربعة : الفقه للاديان ، والطب للابدان ، والنحو للسان ، والنجوم لمعرفة الازمان » (62) .
فهذه الروايات والاخبار وأمثالها تدل على توجه أبناء العصور الاسلامية الاولى للحن وللنحو وقواعد العربية ، وتدل على وجود النحو والعربية في عصر أبي الاسود أو العصر المقارب له ، وقبل الاتصال بالثقافة اليونانية وقبل تطور العقلية
____________
(60) تاريخ النحو : 13 .
(61) تاريخ النحو : 14 .
(62) سفينة البحار 2|581 .

( 58 )

العربية ونضجها في العصر العباسي كما ادعاه البعض .
إذا فاولئك الذين ينسبون وضع النحو إلى أفراد مقاربين لعصر الامام ـ عليه السلام ـ وأبي الاسود لماذا يحاولون ـ وبمختلف الاساليب والمظاهر ـ التهرب عن نسبته للامام ـ عليه السلام ـ أو لابي الاسود ، أو التشكيك فيها وتكذيبها ؟! ولعل هناك نوايا سوداء في بعض النفوس المريضة وراء محاولتها التشكيك أو الاعتراض أو التكتم على هذه النسبة .

مع الاعتراض الثاني

النحو العربي والثقافات الاجنبية :
المعارضون يعترضون على أصالة النحو العربي ويعتقدون بأن النحو العربي قد اكتسبه الواضع من النحو اليوناني وأنه لم يتم مثل هذا الاتصال إلا في مرحلة زمنية متأخرة عن تلك المرحلة التي عاشها أبوالاسود ، فقد ذهب رينو « إلى تأثر النحو العربي بمنطق أرسطو ، كما ذهب إلى هذا غير واحد من المستشرقين » (63) .
ولكن يمكن توجيه عدة مناقشات لهذا الاعتراض :
1 ـ إن مرحلة وضع النحو العربي متقدمة زمنيا على مرحلة الاتصال بالثقافة اليونانية ، والملاحظ أن بعض المعارضين حينما يبحثون حول جذور النحو العربي نراهم ينتهون إلى عبد الله بن إسحاق ـ المتوفى سنة 117 هـ ـ والذي تتلمذ على يد تلامذة أبي الاسود ، وعاش في زمن سابق على زمن الاتصال الثقافي والتلاقح الحضاري بين المسلمين واليونان ، إذ أن العرب تعرفوا على الثقافة اليونانية بعد ترجمتها إلى اللغة العربية ، وقد بدأت حركة الترجمة في العصر العباسي ، وكما ذكرنا في البحث السابق وجود النحو خلال العصر الاموي ، ومن هنا ندرك أن النحو العربي كان موجودا قبل حركة الترجمة ، وقبل العصر العباسي ، أي قبل
____________
( 63) الدكتور إبراهيم السامرائي ، دراسات في اللغة : 206 .
( 59 )

زمن الاتصال الثقافي .
2 ـ اختلاف طبيعة النحو العربي عن النحو اليوناني ، يقول الدكتور إبراهيم السامرائي في مجال عدم تأثر النحو العربي بالنحو اليوناني : « . . . ولقد فاته أن اليونانية تختلف نحوا وطبيعة عن العربية ، ولم يكن واضع النحو عارفا أو متأثرا باليونانية بأي وجه من الوجوه » (64) وفيه إشارة لكلا المناقشتين ، كما أشار إليهما أيضا فؤاد حنا ترزي في بحثه عن « اللغة » التي اكتسب العرب منها نحوهم : « ومن الواضح أن هذه اللغة لا يمكن أن تكون السنسكريتية الهندية أو الفارسية لاختلاف نحوهما عن نحو العربية لعدم انتمائها إلى الفصيلة السامية ، كما لا يمكن أن تكون اليونانية للسبب ذاته ، ولان وضع النحو العربي أسبق في الزمن من احتكاك العرب الوثيق بعلوم اليونان وفلسفتهم » (65) .
ونحن نلاحظ أن القائلين بتأثر النحو العربي بالنحو اليوناني إما بصورة مباشرة أو بوساطة النحو السرياني ، على اعتبار أن النحو السرياني قد اكتسب نحوه من النحو اليوناني ، والنحو العربي قد اكتسب نحوه من السريانية ، فهو بالتالي قد اكتسب نحوه من النحو اليوناني ، فهذه الفكرة نتيجة تقليد هؤلاء المحدثين للمستشرقين في أقوالهم ، فإلى مثل هذا الرأي ذهب دي ‍پور (66) .
وفكرة الاكتساب لم يكن لها عند القدماء أثر ، وإنما ابتدعها المستشرقون واتبعهم بعض المحدثين من العرب ، وخاصة الكتاب المصريين كما يقول إبراهيم السامرائي (67) ، ولعل هذا الرأي جزء من تلك الحملة المسعورة التي شنها الغرب على السامية ، والتي كان من أقطابها رينان ، ولعل هدفها الرئيس هو الاسلام « فقد ذهب هؤلاء إلى أن العقلية العربية الاسلامية قد تأثرت في صورها المختلفة بالعقلية الاغريقية ، وأول من أطلق هذه الاحكام هم المستشرقون ، ومن بين هؤلاء
____________
(64) دراسات في اللغة : 13 .
(65) في اصول اللغة والنحو : 110 .
(66) دراسات في اللغة : 14 .
(67) دراسات في اللغة : 14 .

( 60 )

من لم يتصف بالعدل والقصد ، فما أمر رينان الفرنسي في القرن الماضي ببعيد ، فقد ذهب إلى أن العرب أو قل : إن العقلية السامية لاترقى إلى غيرها من العقليات كالاغريقية والرومانية ، ومن أجل هذا كان هؤلاء عيالا على غيرهم من الشعوب في حضارتهم ، وقد أسرف هذا الفرنسي المسيحي المتعصب لاكثر من غرض واحد ، ولسنا بصدد بيان هذا ، وقد ذهب غيره هذا المذهب دون أن يلتزم بعنفه وشدته ، ولا اريد أن أدفع عن ثقافتنا تأثير الاغريق فما إلى ذلك قصدت وأنا إن فعلت ذلك فقد جرت على الحقيقة كما جار النفر الآخر » (68) .
إن لهذه الحملة المسعورة على السامية ـ أسبابها وأهدافها وأساليبها ـ لسنا في مجال البحث عنها فللحديث عنها مجال آخر ، ومن هنا ذهب هؤلاء إلى تأثر النحو العربي بالنحو اليوناني إما بصورة مباشرة أو بوساطة النحو السرياني ، ولم يقولوا بتأثره بالنحو السرياني فحسب ، لان السريان ساميون أيضا ، بينما اليونان غير ساميين ، وهم لا يريدون الاعتراف بالساميين .
ولكن نقول : بأن النحو العربي لم يتأثر بالنحو اليوناني بصورة مباشرة لما ذكرناه ، وكذلك لم يتأثر بالنحو السرياني كما سنبحثه ، فينهار أساس التأثر بالنحو اليوناني .
وقد ذهب بعض المعاصرين إلى أن النحو العربي قد اكتسبه العرب من النحو السرياني المشابه في كثير من اصوله وأحكامه للنحو العربي ، على اعتبار اشتراكهما في السامية ، ولان الاتصال بين العرب والسريان قد تم قبل الاتصال بين العرب واليونان ، فلا بد أن يتعرف العرب على ثقافة السريان ومنها النحو ، وذلك لان النحو السرياني قد وضع قبل وضع النحو العربي كما يقول جرجي زيدان : « إن السريان دونوا نحوهم وألفوا فيه الكتب في أواسط القرن الخامس الميلادي ، وأول من باشر ذلك منهم الاسقف يعقوب الرهاوي الملقب بمفسر
____________
( 68) دراسات في اللغة : 202 .
( 61 )

الكتب ، المتوفى سنة 640 م »(69) .
ولا يحتمل اكتساب النحو العربي من النحو العبري ، لان النحو العبري لم يدون إلا في القرن العاشر الميلادي ، أي بعد تدوين النحو العربي (70) .
ولا يهمنا في هذا المجال الحديث حول النحو السرياني ، وهل هو مكتسب من النحو اليوناني ـ كما يصرح بذلك الكثير من الباحثين ـ وخاصة أن الاتصال الثقافي بين اليونان والسريان كان وثيقا ، فانتقل على أثر ذلك الكثير من الافكار الفلسفية والنحوية إليهم ، وإنما نستهدف هنا البحث حول مدى تأثر النحو العربي بالنحو السرياني .
فمن الباحثين الذين يؤمنون بتأثر النحو العربي ـ في بدايته ـ بالنحو السرياني أحمد حسن الزيات حيث يقول : « والغالب في ظننا أن أبا الاسود لم يضع النحو والنقط من ذات نفسه وإنشائه وإنما نظن أنه ألم بالسريانية ـ وقد وضع نحوها قبل نحو العربية ـ أو اتصل بقساوسها وأحبارها فساعده ذلك على وضع ما وضع » (71) وإلى هذا الرأي ذهب إبراهيم مدكور (72) وجرجي زيدان (73) وفؤاد حنا ترزي (74) وغيرهم ، وكذلك بعض المستشرقين ، وينقل فؤاد حنا ترزي تأكيدا لرأيه هذا ، حديثا عن العلماء السريان الذين عاصروا بدايات الحركة الثقافية الاسلامية : « والاسقف سوبرس سيبوخت ، المتوفى عام 666 م ، وقد كان يتقن اليونانية ونقل بعض كتبها في الفلسفة والمنطق ، كما عني بالصرف والنحو السريانيين ، وشجع التعاون الثقافي بين المسلمين والسريان » (75) .

____________
(69) تاريخ آداب اللغة العربية 1|251 .
(70) في اصول اللغة والنحو : 110 .
(71) تاريخ الادب العربي : 154 .
(72) مجلة مجمع اللغة العربية 9|338 .
(73) تاريخ آداب اللغة العربية : 251 .
(74 ) في اصول اللغة والنحو : 110 .
(75) في اصول اللغة والنحو : 110 .

(62)

أصالة النحو العربي

1 ـ القائلون بالاصالة :
وهذا الرأي الذي يذهب إلى اكتساب النحو العربي عارضه بعض المعاصرين الذين ذهبوا إلى أصالة النحو العربي ابتداءا وإن تأثر في بعض مجالاته ـ بعد ذلك ـ بالثقافات الاجنبية ، فلم يتأثر لا بالنحو الاغريقي واليوناني مباشرة ، ولا بوساطة النحو السرياني .
يقول السامرائي : « والقول بهذا التأثر نتيجة تقليد هؤلاء المحدثين للمستشرقين في أقوالهم » (76) .
ويذهب لذلك الطنطاوي فيقول : « نشأ النحو في العراق في صدر الاسلام ، ولاسبابه نشأة عربية على مقتضى الفطرة ، ثم تدرج به التطور تمشيا مع سنة الترقي حتى كملت أبوابه غير مقتبس من لغة اخرى لا في نشأته ولا في تدرجه » (77) .
ويذهب إلى هذا الرأي بعض المستشرقين ، فيقول ليتمان : « ونحن نذهب في هذه المسألة مذهبا وسطا ، وهو أنه أبدع العرب علم النحو ابتداءا . . » (78).
وهبو تولد فايل يقول : « حفظت لنا الرواية العربية في مجموعات مختلفة من كتب التراجم وصفا لمسلك نمو هذا العلم الذي هو أجدر العلوم أن يعد عربيا محضا » (79) .
ويذكر بروكلمان : « إن علماء العرب يرددون دائما الرأي القائل : بأن النحو العربي صدر عن روح عربية خالصة ، ويرى أنه ليس من الممكن إبداء رأي
____________
(76) دراسات في اللغة : 13 .
(77) نشأة النحو : 14 .
(78) نقلا عن نشأة النحو : 15 .
(79) نقلا عن مدرسة النحو البصرية : 104 .

( 63 )

موثوق به عن المسألة مسألة اتصال علماء اللغة الاول بنماذج أجنبية نسجوا على منوالها ، ويذكر رأي برونيش القائل بأن تأثير الاجانب في علم اللغة العربية ـ النحو العربي ، لم يحدث إلا ابتداءا من سيبوبه الفارسي في حين أن استاذه الخليل كان عربيا خالصا » (80) .
وبذلك نرى أن بعض المتشرقين منصفون في آرائهم واحكامهم ، ولكن لا يعني ذلك أن ننظر للجميع تلك النظرة الامينة والصادقة ، بل حتى الباحثين المنصفين منهم والذين يحاولون معالجة القضايا الاسلامية معالجة منصفة وموضوعية فإنهم أحيانا يتوصلون إلى آراء غير سليمة ، لانهم لم يعيشوا الروح والمشاعر الاسلامية والاجواء التراثية والثقافية التي يعيشها الانسان المسلم وهذا لايمنع أن تكون لهم آراء صائبة في بعض المجالات .

2 ـ فرضية الاكتساب :
الملاحظ أن الرأي الذي يذهب إلى أن أبا الاسود قد تأثر بالثقافة السريانية يعتمد على الفرض فحسب ، إذ ليست هناك أية رواية ، أو أي سند تاريخي ، أو رأي من القدماء يثبت لنا هذا التأثر بصورة موثوقة ، فلم يتعرض له حتى واحد من القدماء الذين ذكروا بأن أبا الاسود وضع النحو العربي ، بالرغم من أن المعروف عن علمائنا القدامى تتبعهم وتحقيقهم في البحث عن المسائل العلمية والثقافية ، وقد ذكروا تأثر المسلمين باليونان أو غيرهم في بعض العلوم أمثال المنطق والفلسفة ، ولم يذكروا مثل ذلك عن بدايات علم النحو .
ولكن في المقابل هناك الكثير من الروايات المتواترة والآراء العديدة وإجماع القدامى على وضع أبي الاسود للنحو بتوجيه من الامام ـ عليه السلام ـ ، حيث تؤكد ـ بل تستدل ـ على أصالة وضعه وعدم تأثر أبي الاسود في ذلك بالثقافات الاخرى كما يقول كمال إبراهيم : « لم يثبت تاريخيا أن أبا الاسود أو
____________
(80) نقلا عن مدرسة النحو البصرية : 104 .
( 64 )

غيره ممن عمل في وضع قواعد لغة العرب من بعده كان يعرف اليونانية ، أو أنه اختلط بالسريان ، أو عرف السريانية وأخذ النحو أو شيئا من هذه اللغة منها ، ومؤرخو السير العرب لم يتركوا شيئا من تفاصيل حياة أبي الاسود إلا ذكروه ، وكذلك الامر بالنسبة لمن سواه ، ولو أن أحدا منهم وقع له شيء من هذا القبيل لما فات واحدا على الاقل من مؤرخي تلك السير » (81) .
فهم بالرغم من قرب عهدهم من أبي الاسود ، وتتبعهم في مثل هذه القضايا ، وأمانتهم ووثاقتهم في النقل ، لم يتعرضوا من قريب ولا بعيد لتأثر أبي الاسود ـ أو غيره من واضعي النحو العربي ـ بالثقافات الاجنبية ثم يظهر بعد أجيال طويلة من يتبنى هذا الرأي ، فهل عثر على شيء جديد كان قد خفي على علمائنا المعاصرين وغير المعاصرين لابي الاسود ؟! إذا فلا يعدو هذا الرأي أن يكون فرضية لا تعتمد على سند تاريخي .
3 ـ طبيعة التشابه :
بالاضافة إلى فرضية الرأي القائل باكتساب النحو العربي فإننا قد رأينا سابقا مدى الحاجة الملحة لحفظ القرآن الكريم من الضياع والغموض ، وبدافع من تلك الحاجة والضرورة الدينية كان لا بد من التفكير في وضع النحو « ووجود تشابه في شيء من النحو بين لغة ولغة لا يدل بالضرورة على أن نحو هذه قد اخذ من نحو تلك ولا سيما بين اللغات الناشئة في منطقة جغرافية واحدة أو مناطق متقاربة ذات احتكاك بينها » (82) .
أما « التشابه بين العربية من جهة والسريانية والعبرية من جهة اخرى فهو أمر طبيعي ، ذلك لان هذه اللغات الثلاث من فروع لغة واحدة هي اللغة السامية الاصلية ، ولا ريب أن ما ورثته كل لغة هو عين ما ورثته الاخرى من
____________
(81) مجلة البلاغ ، واضع النحو الاول ، ج 9 ص 26 .
(82) مجلة البلاغ ، واضع النحو الاول العدد 9 ، ص 25 .

( 65 )

اللغة الام ، والتوافق كثير بين كل لغة واختها » (83) .
ونرى هذا التوافق بينهما ليس في مجال النحو فحسب ، بل يشمل الكثير من المجالات اللغوية ، وهذا ناشئ من تشابه اللغتين في الاصول وفي كثير من الملامح ، لانهما من منبع واحد هو اللغة السامية .
إذا « فالقواعد التي تستنبط من كل لغة تأتي متشابهة إلى حد كبير وقواعد اللغة الاخرى ، وهذا لا يعني أن نحو هذه اخذ من نحو تلك ، بل لان الطبيعة اللغوية قد فرضت ذلك » (84) ونرى ذلك جليا في مجال التشابه في تقسيم الكلمة إلى ثلاثة أقسام في أكثر اللغات ، لان طبيعة الالفاظ البشرية تقتضي ذلك ، وما دام الامر كذلك فلا ضرورة للاكتساب ما دام هذا التوافق في الطبيعة اللغوية موجودا ، ويكفي الفرد المثقف الواعي إلقاء نظرة واعية نافذة إلى لغته ليبصر ويكتشف أمثال هذه الاقسام أو غيرها من الابواب اللغوية ، فليس النحو علما خرج من العدم ، وإنما هو قواعد موجودة في اللغة يعتمد اكتشافها على الاستقراء وقوة الملاحظة ، وعمق في التفكير والوعي ، ومعرفة واسعة في اللغة ، وخاصة لو وجد الدافع الذي يحرك هذا التطلع في الانسان ويثيره للبحث عنها ، وقد توفرت كل هذه العناصر في أبي الاسود .
4 ـ مدى تأثير الثقافات الاجنبية :
ولكن القول بأصالة النحو العربي أصالة عامة شاملة في بداياته وفي مراحل تطوره وتوسعه وفي كل أبوابه وتفريعاته ومسائله لا يصح القول به أيضا ، إذ نتيجة لمرور الزمن وسعة وشدة اتصال العرب بالاجانب واختلاطهم بهم والتلاقح الثقافي بينهم والانبهار والتأثر الشديد بالفلسفة والمنطق وبعض العلوم الوافدة من الثقافات الاخرى دخلت للنحو مسائل وعناصر جديدة وغيريبة عن
____________
(83) مجلة البلاغ ، واضح النحو الاول العدد 9 ، ص 26 .
(84) مجلة البلاغ ، واضع النحو الاول العدد 9 ، ص 27 .

( 66 )

وجهه وأصالته ، كما تأثرت سائر العلوم الاسلامية بمثل هذه الثقافات الوافدة بالرغم من أصالتها في بداياتها « فالعرب تأثروا بهما ـ أي بالفلسفة والمنطق اليونانيين ـ في تنظيم النحو وتهذيبه ، وفي بعض مصطلحاته وأساليبه ، وفي طريق الحجاج والمناقشة فيه ، وهناك فرق بين نقل النحو عنهم أو تقليدهم والتأسي بهم في إبداعه وإنشائه ، وبين الافادة من هذا المنطق في طريقة البحث فيه والاستدلال عليه وفي استعارة بعض مصطلحاته أو السير على نهجه واسلوبه » (85)
وهذا الرأي الذي يذهب إلى تأثر النحو العربي في مراحل تطوره بالثقافات الاجنبية قد اعترف به حتى بعض النحاة والمؤرخين القدامى ، لا في بدايات نشأته .
ومن هنا ظهرت حركة عند بعض القدامى والمعاصرين من النحاة في تهذيب النحو وتجريده من العناصر الدخيلة فيه والمسائل المتأثرة بالفلسفة والمنطق وإعادته إلى وجهه الاصيل ، مما يدل على وجود قواعد ومسائل أصيلة في النحو غير متأثرة بالثقافات المستوردة والاجنبية .
مرحلة الوضع الزمنية :
وقد نسلم للمعارضين ونقول بأن النحو العربي ليس أصيلا في وضعه ، بل هو مكتسب ، وقد اكتسب من الثقافات الاجنبية .
وحتى على هذا الفرض ، فإن مرحلة وضع النحو العربي لا تتأخر عن عصر الامام ـ عليه السلام ـ ، ولا ينهار الرأي الذي يذهب إلى وضع الامام ـ عليه السلام ـ وأبي الاسود للنحو العربي وذلك :
1 ـ تأثير الثقافة اليونانية : قلنا إنه لايمكن أن يكون الاكتساب من الثقافة اليونانية ، وذلك لاننا ذكرنا أنه لا يمكن أن يكون الاكتساب من هذه الحضارة لان اتصال المسلمين بها قد حدث في فترة متأخرة ، والنحو العربي كان موجودا
____________
(85) مدرسة البصرة النحوية : 101 .
( 67 )
قبل زمن الاتصال وقبل نقل الكتب اليونانية وترجمتها ، فسيبويه والخليل وعيسى ابن عمر ينقلون عن نحاة قبلهم يعبرون عنهم بـ « البادئين الاولين » .
2 ـ تأثير الثقافة السريانية : إذا فلا بد أن يكون الاكتساب من غير الحضارة الاغريقية المتأخر وفودها للبلاد الاسلامية ، وكما يذهب إليه بعض المعاصرين أن النحو العربي متأثر بالنحو السرياني ، فالسريانيون دخلوا الاسلام في خلافة عمر وخالطوا المسلمين مخالطة وثيقة آنذاك ـ وخصوصا في العراق ـ ، « ولم يكن العلماء السريان هم السبيل الوحيد لهذا التأثر ، بل اشترك معهم وربما بزهم اولئك الموالي من السريان الذين استعربوا وأسهموا في الدراسات النحوية والعربية إسهاما مباشرا » (86) .
وكما مر أن (سيبوخت) قد شجع التعاون الثقافي بين المسلمين والسريان ، فمثل هذا الاتصال الثقافي الوطيد بين العرب والسريان منذ صدر الاسلام يفرض أن يطلع المسلمون على التجارب الفكرية والثقافية ـ ومنها النحو ـ لدى السريان ، ومن هنا تنشأ فكرة احتمال اكتساب النحو في بدايته من السريان ، ونحن قد ناقشنا هذا الاحتمال .
3 ـ ولكن هذا الاحتمال ـ على تقدير تسليمه ـ لا يؤخر زمن الوضع عن تلك الفترة التي حددناها ـ أي زمن الامام (عليه السلام) ـ إذ ليس هناك أي ضرورة للتأخير مادام السريان كانوا منتشرين منذ خلافة عمر في الاوساط الاسلامية ، ففي خلال هذه المدة إلى زمان خلافة الامام ـ عليه السلام ـ ألا يحتمل أن تعرف المسلمون على الثقافة السريانية ومنها النحو ؟ يقول العقاد في هذا المجال : « ولكن الروايات العربية لا تنتهي إلى مصدر أرجح من هذا المصدر ، وغيرها من الروايات الاجنبية والفروض العلمية لا تمنع عقلا أن يكون الامام ـ عليه السلام ـ أول من استنبط الاصول الاولى لعلم النحو العربي من مذاكرة العلماء بهذه الاصول بين أبناء الامم التي تغشى الكوفة وحواضر
____________
(1) فؤاد حنا ترزي ، في اصول اللغة والنحو : 111 .
( 68 )

العراق والشام وهم هناك غير قليل ، ولا سيما السريان الذين سبقوا إلى تدوين نحوهم ، وفيه مشابهة كبيرة لنحو اللغة العربية « (87) .
فإذا كان يمكن الاتصال بالسريانيين في عصر الامام ـ عليه السلام ـ وأبي الاسود فلا يتأخر التدوين عن تلك الفترة على تقدير اكتساب أبي الاسود النحو منهم .
4 ـ بل يمكن لنا القول : إن النحو السرياني مكتسب من النحو العربي ، فقد ذكر المؤرخون أن يعقوب الرهاوي هو أول من وضع النحو السرياني ودونه « فهو أول من باشر وضع هذه القواعد للسريانيين » (88) وقد ذكر جرجي زيدان أن يعقوب الرهاوي قد توفي سنة 640 ، ولكن هذا غير صحيح ، إذ ذكر عبد الحميد حسن نقلا عن « اللمعة الشهية » أنه توفي سنة 708 ، كما ذكر ذلك أيضا دي بور وأحمد أمين وفؤاد حنا ترزي ، وقبل هذا التاريخ كان قد توفي أبوالاسود ، إذ أنه توفي سنة 688 ، وهو أول من وضع النحو العربي .
إذا فقد توفي أبوالاسود قبل وفاة الرهاوي بعشرين سنة ، فهو أسبق زمنيا منه ، وأبوالاسود عاش 85 سنة كما ذكرناه في ترجمته ، كما أنه لم يضع النحو في أواخر عمره ، بل وضعه في زمان خلافة الامام ـ عليه السلام ـ ، فهو قد توفي سنة 69 هـ ، وسوف نرى أنه قد وضع النحو في حدود سنة 36 هـ ، فيكون قد وضع النحو قبل وفاته بـ 33 سنة ، مضافة إلى 20 سنة ، فيكون قد وضع النحو قبل وفاة الرهاوي بـ 53 سنة ، فهل يمكن اكتساب النحو من السريانيين قبل وضع نحوهم وقبل تدوينه .
إذا فلما ذا لا نفرض العكس ونقول : إن السريان قد اكتسبوا نحوهم من العرب ـ كما ذهب البعض إلى ذلك ـ وكما يذكر ذلك صاحب « اللمعة الشهية » (89) ؟! ولماذا الاصرار على ضرورة الاكتساب ؟! ولما ذا نقول إنه ليس
____________
(87) العبقريات الاسلامية : 970 .
(88) مدرسة البصرة النحوية : 98 .
(89) مدرسة البصرة النحوية : 99 .

( 69 )

هناك اكتساب ، بل كل لغة ابتكرت نحوها بعد تجمع العوامل المحفزة على ذلك ؟!
وأنا لا اريد أن اؤيد نظرية الاصالة وعدم الاكتساب بصورة مطلقة وشاملة ، بل اريد أن أقول : إنه لا يمكن اكتساب النحو العربي من النحو السرياني ، للاسباب التي ذكرناها .
إذا ـ وكما قلنا سابقا ـ فإن فكرة اكتساب النحو في بدايته (فريضة) لا تثبتها أدلة وروايات تاريخية على العكس من (أصالته) التي تثبتها ـ بالاضافة إلى الادلة التي يذكرها المعاصرون والقدامى ـ روايات ونصوص تاريخية تؤكد هذا الرأي ، وأن الامام ـ عليه السلام ـ أو أبا الاسود قد وضع النحو العربي .
ولكن على أي احتمال فلا يتأخر تاريخ بداية النحو عن تلك المرحلة الزمنية التي عاشها الامام ـ عليه السلام ـ وأبوالاسود .

مع الاعتراض الثالث

ونناقش فيه الرأي الذي يذهب إلى « أن أقدم من نسبت إليه آراء نحوية هو عبد الله بن إسحاق ، ولا يجد رأيا لابي الاسود ، ولا لطبقتين بعده في كتاب سيبويه أو ما بعده » (90) كما مر ذكره .
ومناقشتنا ـ كما هو منهجنا ـ على خطوات :

1 ـ تأخر التدوين :
فقد تأخر التدوين والكتابة في شتى المجالات الثقافية ـ إلا في المصحف الشريف ـ وليس في مجال النحو فحسب ، بحيث كانت المسائل تحفظ في الذاكرة دون محاولة تدوينها وكتابتها ـ كما تذكر ذلك المصادر التاريخية ـ ومن هنا نفسر اختلاف الروايات في شكلها ومتنها ـ حتى بالنسبة للحديث الواحد ـ ، وهذا الامر
____________
(90) إبراهيم مصطفى ، في مقالة له في مجلة الآداب ، نقلا عن مدرسة البصرة النحوية : 53 .
( 70 )

نلاحظه حتى في الاحاديث النبوية الشريفة ، فكيف في الروايات التي لا تملك تلك القداسة والحافز الديني التي يملكها الحديث النبوي كهذه الروايات ـ كما سيأتي البحث في هذا الامر ـ ، فلم تسجل أو تدون آراء أبي الاسود ، أو آراء الطبقة الثانية التي من بعده ، لعدم شيوع التدوين آنذاك ، وللاعتماد على الذاكرة والحفظ في الصدور فحسب ، والتي تكون عادة عرضة للنسيان والاهمال .
2 ـ بدائية آراء أبي الاسود :
وإضافة إلى تأخر التدوين « فإن مسائل النحو ليست مسائل ثابتة ولا تتغير ، وإنما هي مسائل يأخذها الخلف عن السلف ، يزيدون عليها ويفرعون فيها بحسب الضرورة الداعية والتلاميذ المتعلمين ، وأظننا نشاهد ذلك بعد أن استقرت مسائل النحو وثبتت قواعده ، ونشاهد تيسيرا وتعديلا لا يختلف حقيقة مع الاصل ، ولكنه يتفق مع العقلية ومع الحاجة الداعية » (91) .
فعدم ذكر رأي لابي الاسود في كتاب سيبويه ليس لاجل عدم وجود رأي نحوي له ، بل لبعد الزمن وعدم تسجيل آرائه كتابة ، بينما ذكرت آراء عبد الله بن أبي إسحاق ـ مثلا ـ لان الخليل كان قد تلقاها منه مباشرة ونقلها إلى تلميذه سيبويه ، وكذلك لتطور الآراء النحوية بحيث لا تتلاءم بعقليتها ومنهجيتها وطبيعتها البدائية العامة مع كتابتها وعرضها في كتاب سيبويه ـ أو في غيره من الكتب النحوية ـ بعد أن طورها ووسعها تلامذة أبي الاسود ومن بعدهم وفرعوا فيها واعتمد على مناهج وأساليب وآراء تتلاءم وروح عصرها ووعيه بحيث وصلت لسيبويه بالصورة الثانية المتطورة وليست بالشكل الذي وضعه أبوالاسود .
وحتى آراء عبد الله بن أبي إسحاق النحوية ـ الذي يصفه النحاة والمؤرخون « بأنه أول من بعج النحو ومد القياس والعلل » (92) ـ لم تذكر ولم يألفها النحاة
____________
(91) مدرسة البصرة النحوية ، الدكتور عبد الرحمن السيد : 57 .
(92) مراتب النحويين : 12 .

( 71 )

بعد ذلك « يقول محمد بن سلام : سمعت رجلا يسأل يونس عن ابن أبي إسحاق وعلمه ، قال : هو والنحو سواء ، أي هو الغاية فيه ، قال : فأين علمه من علم الناس اليوم ؟ قال : لو كان في الناس اليوم من لا يعلم إلا علمه لضحك به ولو كان فيهم أحد له ذهنه ونفاذه ، ونظر نظره كان أعلم الناس » (93) فإذا كان شأن آراء ابن أبي إسحاق كما ذكر فكيف يكون الحال في آراء أبي الاسود وهو متقدم زمنيا عليه ؟ !

3 ـ الرواة المعاصرون لابي الاسود :
ولكن كل ذلك ليس بشيء أمام ذلك الحشد الكبير من الروايات المثبتة لهذه النسبة « وبعض الروايات لمؤرخين كانوا قريبي العهد إلى عصر وضع النحو » (94) كما مر ذكرهم ، إضافة إلى ما ذكره النحاة في كتبهم وسيبويه نفسه « من ذكر اصطلاحات نحوية وقواعد عرفت بالنقل عن البادئين الاولين ، والناقلون هم من أوثق الثقات كالخليل بن أحمد وابن العلاء ، فقد درس هؤلاء على رجال الطبقة الثانية » (95) فإذا لم يكن البادئون الاولون أبا الاسود وتلاميذه ، إذن فمن يكونون ؟! مع العلم أنه لم تفصل ـ كما يدل الرأي السابق ـ بين طبقة الخليل وابن العلاء وبين طبقة أبي الاسود فترة زمنية واسعة ، هذا كله بالاضافة للشواهد التي ذكرناها سابقا التي تدل على وجود كتاب لابي الاسود في النحو وتعرض بعض الكتب النحوية لآرائه ووضعه أمثال تقسيم الكلمة .

4 ـ سيبويه وأبي الاسود :
وبعد ذلك كله يقول كمال إبراهيم : « وهذا كتاب سيبويه ـ وهو بين
____________
(93) أخبار النحويين البصريين : 20 .
(94 ) كمال إبراهيم ، واضع النحو الاول ، مجلة البلاغ ، العدد 9 ص 27 .
(95) كمال إبراهيم ، واضع النحو الاول ، مجلة البلاغ ، العدد 9 ص 27 .

( 72 )

أيدينا ـ وسند الرواية فيه ، فإنه يروي عن السابقين ، فإذا روى عن بعضهم فقد يصل بالسند إلى أبي الاسود وينتهي عنده ، وهذا يدل على أنه كان الواضع الاول » (96 ) ، إذا فسيبويه أشار إلى أبي الاسود في كتابه إما بالايماء كتعبير السابقين والبادئين والاولين حيث يشعر هذا التعبير بقدمهم زمنيا لا أنهم مقاربون لعصره ، أو أشار إليه بالتصريح كما ذكره كمال إبراهيم .