أبوالاسود الدؤلي
ودوره في وضع النحو العربي
|
السيد هاشم الهاشمي
هذه دراسة عن أبي الاسود الدؤلي ، بحث فيها عن صلته بوضع النحو العربي ،
وقد اخترت هذا الموضوع لاهميته ، ولما يدور حوله من شبهات واعتراضات
وأنا أشعر بأنها تحتاج إلى إضافات اخرى ، لعل الفرصة تسمع لها ، ولكن رأيت
من الجدير نشر ما كتبته في هذا المجال ، لعله يلقي بعض الضوء ، على معالم هذه
الشخصية ، وعلى هذه القضية الهامة ، قضية (وضع النحو العربي) .
ورأيت أن أبدأ في نشر ما كتبته حول وضع النحو العربي ، لاهميته ، وبعد
ذلك سوف أنشر ترجمة أبي الاسود وتاريخ حياته ومعالم شخصيته .
فنبحث هنا حول مدى صلة أبي الاسود الدؤلي بوضع النحو العربي ،
ومدى صحة الرأي القائل بأنه واضع النحو العربي ، بتوجيه من الامام أمير المؤمنين
علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ .
نستطيع تقسيم الروايات التي تدلنا على بداية وضع النحو العربي ، وعلى
وهي الروايات التي تؤكد على أن الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
ـ عليه السلام ـ هو الذي وضع النحو ومنها :
1 ـ قال القفطي : « الجمهور من أهل الرواية على أن أول من وضع النحو
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، قال أبوالاسود : دخلت على أمير المؤمنين
ـ عليه السلام ـ فرأيته مطرقا مفكرا ، قلت : فيم تفكر يا أمير المؤمنين ؟ قال : سمعت
ببلدكم لحنا فأردت أن أضع كتابا في اصول العربية ، ثم أتيته بعد أيام فألقى إلي
صحيفة فيها : بسم الله الرحمن الرحيم ، الكلام : إسم وفعل وحرف ، فالاسم ما أنبأ
عن المسمى ، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى ، والحرف ما أنبأ عن معنئ ليس
بإسم ولا فعل ، ثم قال : تتبعه وزد فيه ما وقع لك ، وأعلم أن الاشياء ثلاثة :
ظاهر ومضمر ، وشيء ليس بظاهر ولا مضمر ، وإنما يتفاضل العلماء في معرفة ما
ليس بمضمر ولا ظاهر » (1) .
وفي الانباه أيضا رواية عن أبي الاسود ، قال : « دخلت على أمير المؤمنين
فأخرج لي رقعة فيها : (الكلام كله إسم وفعل وحرف جاء لمعنى) فقلت : ما
دعاك إلى هذا ، قال : رأيت فسادا في كلام بعض أهلي فأحببت أن أرسم رسما
يعرف به الصواب من الخطأ ، فأخذ أبوالاسود النحو من علي ولم يظهره » (2) .
وفي الانباء أيضا ـ ولعلها ملحقة بالرواية السابقة ـ : « ان زيادا سمع بشيء
عند أبي الاسود ورأى اللحن قد فشا فقال لابي الاسود : أظهر ما عندك للناس
2 ـ وذكر السيد حسن الصدر في كتابه تأسيس الشيعة : « قال ركن الدين
علي بن أبي بكر الحديثي في كتاب الركني : ان أول من وضع النحو أبوالاسود ،
أخذه من علي ـ عليه السلام ـ وسببه أن امرأة دخلت على معاوية في زمن عثمان
وقالت : أبوي مات وترك مالا ، فاستقبح معاوية ذلك ، فبلغ عليا فرسم لابي
الاسود ، فوضع أولا باب الاضافة » (4) .
3 ـ وقال ابن الانباري : « وروي أن سبب وضع علي لهذا العلم أنه سمع
أعرابيا يقرأ : لا يأكله إلا الخاطئين ، فوضع النحو » (5) .
وهي تدل على أن أبا الاسود هو الذي وضع النحو :
1 ـ قال ابن خلكان : « وقيل : كان أبوالاسود يعلم أولاد زياد بن أبيه
فجاء يوما وقال له : أصلح الله الامير ، إنني أرى العرب قد خالطت هذه الاعاجم ،
وتغيرت ألسنتهم ، أفتأذن لي أن أضع للعرب ما يعرفون أو يقيمون به كلامهم ،
فقال : لا ، فجاء رجل إلى زياد ، وقال : أصلح الله الامير ، توفي أبانا وترك بنون ،
فقال زياد : ادعوا لي أبا الاسود ، فلما حضر ، قال : ضع للناس الذي نهيتك
عنه » (6) .
2 ـ وفي الاغاني : « ان أبا الاسود دخل على ابنته بالبصرة فقالت : يا أبتي
ما أشد الحر ، فرفعت كلمة (أشد) فظنها تسأله وتستفهم منه أي زمان الحر أشد ؟
فقال : شهر ناجر ، فقالت : يا أبتي إنما أخبرتك ، ولم أسألك » (7) .
هذه نماذج للروايات الكثيرة في هذا المجال ، التي تمتلئ بها كتب الادب
والنحو والتاريخ ، وسوف نذكر روايات اخرى بهذا المضمون ، وسوف نفسر هذا
الاختلاف في سبب الوضع والواضع .
لم أجد من القدماء من يتنكر لصحة هذه الروايات إلا أفرادا قلائل جدا ،
أما المعاصرون فالكثير منهم قد عارض هذه الروايات ورفضها وأثبت عدم صحتها ،
وهناك آخرون من المعاصرين قد اتفقوا مع القدماء في تأييدها .
والحديث الآن يدور حول المؤيدين وأدلتهم .
فقد عقد السيد حسن الصدر في كتابه « تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام »
فصلا كبيرا جمع فيه شتى الروايات والآراء التي نسبت وضع النحو للامام
ـ عليه السلام ـ أو لابي الاسود .
1 ـ ونذكر بعض المؤيدين الذين ذكروا في كتبهم آراءهم :
فمنهم : محمد بن سلام الجمحي ـ المتوفى سنة 232 ـ يقول : « وكان لاهل
البصرة قدمة بالنحوه ، وبلغات العرب والغريب عناية ، وكان أول من أسس
العربية وأنهج سبيلها ووضع قياسها أبوالاسود الدؤلي » (8) .
ومنهم : أبوقتيبة الدينوري ـ المتوفى في سنة 276 ـ في كتابيه « الشعر والشعراء »
و« المعارف » حيث يقول : « وهو أول من وضع العربية » (9) ويقول : « أبوالاسود
الدؤلي يعد في النحويين لانه أول من عمل كتابا في النحو بعد علي بن أبي طالب
عليه السلام » (10) .
ومنهم : ابن النديم ـ المتوفى سنة 280 ـ فيقول : « زعم أكثر العلماء أن النحو
اخذ عن أبي الاسود ، وأن أبا الاسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين
ـ عليه السلام ـ » (11) .
ومنهم : أبوالطيب اللغوي الحلبي ـ المتوفى سنة 351 ـ حيث يقول : « ثم كان
أول من رسم للناس النحو أبوالاسود الدؤلي » (12) .
ومنهم : السيرافي ـ المتوفى سنة 368 ـ يقول : « اختلف الناس في أول من
رسم النحو ، وأكثر الناس على أبي الاسود الدؤلي » (13) .
ومنهم : أبوهلال العسكري في كتابه « الاوائل » ، وأبوالفرج الاصبهاني في
كتابه « الاغاني » ، والزجاجي في أماليه ، وابن خلدون في مقدمته ، والقفطي في
« إنباه الرواة » ، وابن الانباري في « نزهة الالباء » ، والسيوطي في « الاشباه
والنظائر » .
ولو أردنا استعراض القدماء الذين صرحوا في كتبهم بصحة هذا الرأي ،
والروايات في هذا المجال ، لطال بنا الحديث ، لذلك نكتفي بذكر هؤلاء وسنذكر
بعضهم خلال هذه الدراسة .
2 ـ وهناك من القدماء من روي عنهم صحة هذا الرأي والروايات ،
ويدخل في ذلك كثير من النحاة الذين رويت عنهم هذه الروايات ، أو روي
عنهم أنهم صرحوا بصحة نسبة وضع النحو للامام ـ عليه السلام ـ أو لابي الاسود .
فصاحب « الاغاني » (14) يروي رواية تؤكد هذه النسبة ، ومن رجال
سندها عبد الله بن أبي إسحاق ، وعيسى بن عمر ، وسيبويه ، والخليل .
ويروي صاحب « المحاسن والمساوئ » عن يونس بن حبيب النحوي
ـ المتوفى سنة 183 ـ قوله : « أول من أسس العربية وفتح بابها ونهج سبيلها أبو
ويروى عن معمر بن المثنى ـ المتوفى سنة 209 ـ أنه قال : « أخذ أبوالاسود
عن علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ العربية » (16 ) .
ومثل ذلك يروي لنا الزجاجي في أماليه عن المبرد .
ويقول أبوعمر عثمان بن سعيد الداني ـ المتوفى سنة 444 ـ في كتابه
« المحكم في نقط المصاحف » : « حدثنا محمد بن علي ، قال : حدثنا ابن الانباري ،
قال : حدثنا أبي ، عن عمر بن شيبة ، عن الثوري ، قال : سمعت أبا عبيدة معمر بن
المثنى يقول : أول من وضع النحو أبوالاسود الدؤلي ، ثم ميمون الاقرن » .
ومن خلال ذلك كله نستطيع الوصول إلى الدليل الذي استند إليه
المؤيدون في رأيهم :
1 ـ يقول السيرافي : « وأكثر الناس على أبي الاسود » (17) .
ويقول ابن الانباري : « إن الروايات كلها تسند وضع النحو إلى أبي
الاسود ، وأبوالاسود يسنده إلى علي ـ عليه السلام ـ » (18) .
ويقول الفخر الرازي : « وتطابقت الروايات على أن أول من وضع النحو
أبوالاسود ، وأنه أخذه أولا من علي ـ عليه السلام ـ » (19) .
وهكذا يقول السيوطي .
وبذلك تكون الادلة : إجماع العلماء واتفاقهم ، وشهرة الروايات وتواترها
المعنوي ، والروايات المسندة لرجال لهم اعتبارهم ووثاقتهم .
2 ـ ولا أقول : إن التواتر ، والاتفاق ، والروايات الصحيحة هي الادلة
الوحيدة التي اعتمد عليها المؤيدون إلى صحة هذا الرأي ، فهناك أدلة اخرى سوف
نراها تظهر خلال هذه الدراسة ، ولكنها الادلة الرئيسية في هذا المجال .
لعل ما يثير الاستغراب والدهشة حقا ، أن يظهر فجأة من يحاول
التشكيك في هذا الرأي ، وهو وضع الامام ـ عليه السلام ـ أو أبي الاسود للنحو
العربي ، أو يحاول تكذيبه ورفضه بعد تطابق القدماء وإجماعهم على صحة هذا
الرأي .
والمعاصرون الذين أنكروا صحة هذا الرأي ، نذكر منهم أحمد أمين في
كتابه « ضحى الاسلام » ، وإبراهيم مصطفى في بحثه في « مجلة كلية الآداب »
المصرية ، وشوقي ضيف ، وكثيرا من المستشرقين الذين اعتبروا مثل هذه الاحاديث
(حديث خرافة) أمثال دائرة المعارف الاسلامية ، وهناك غيرهم من المعاصرين لم
نذكر أسماءهم .
يلاحظ أنني قسمت الاعتراضات تقسيما محددا لنبتعد بذلك عن
الاضطراب المنهجي الذي حدث للكثير ممن حاول عرض الاعتراضات الموجهة
لهذا الرأي أو حاول مناقشتها ، والاعتراضات هي كما يلي :
ولعل هذا الاعتراض هو أهم الاعتراضات ، وأظن أن المصدر الاول له
هم المستشرقون (20) ، كما يبدو من دائرة المعارف الاسلامية ، وقد تبناه أحمد أمين
حيث يقول ـ بعد عرض الروايات السابقة ـ : « كل هذا حديث خرافة ، فطبيعة زمن
علي ـ عليه السلام ـ وأبي الاسود تأبي هذه التعاريف وهذه التقاسيم الفلسفية ،
والعلم الذي ورد إلينا من هذا العصر في كل فرع يتناسب مع الفطرة ، وليس فيه
تعريف ولا تقسيم ، إنما هو تفسير آية أو جمع لاحاديث ليس فيها ترتيب ولا
تبويب ، فأما تعريف وأما تقسيم منطقي فليس في شئ مما صح نقله إلينا عن
عصر علي وأبي الاسود » (21) .
وسعيد الافغاني يؤيد أحمد أمين في رأية هذا فيقول : « ولعل الاستاذ ـ أي
أحمد أمين ـ لم يكن بعيدا من الصواب حين روى هذا الخبر فعلق عليه ما يلي » (22) ،
وهذا الرأي يتبناه أيضا إبراهيم مصطفى فيقول : « ولكننا لا نستطيع أن
نتقبل ذلك ـ أي وضع الامام (عليه السلام) للنحو ـ بيسر ، ولا أن نستسيغ أن هذا
الزمن المبكر قد تمكن فيه العرب من الاشتغال بالعلوم ووضع القواعد على هذا
الوجه الذي نراه في كتب العربية ، وقد أنكر ذلك المستشرقون وعدوه حديث
خرافة » ( 23) .
ويقول عبد الكريم الدجيلي : « وفي وسعنا أن نقول : إن طبيعة العرب في
صدر القرن الاول للهجرة لم تكن طبيعة تقسيم وتبويب وتعريف للجزئيات
والاقسام والفصول ، ولا يقع في تفكير هذا الطبع الساذج ذلك الجدل النحوي
ولا تلك المماحكات ، وإنما هو طبع بسيط ينظر للامور عامتها لا خاصتها ،
وكلياتها لا جزئياتها ، وهذا القول يتناسب وما ورد إلينا من التراث الثقافي
لذلك العصر كتفسير بعض الآبيات » (24) .
إذا فالمعاصرون يستبعدون هذه النسبة ـ نسبة وضع النحو للامام
(عليه السلام) أو لابي الاسود ـ : « لقرب العرب في عصر أبي الاسود من غضاضة
البداوة ، إذ لابد من وضع قواعد العلوم من مدارسة واصطلاح لم تهيأ لها عقول
العرب بعد » (25) .
وهذا الاعتراض لا يقل أهمية عن الاعتراض الاول ، بل لعله يرتبط به
ارتباطا وثيقا ، فيقول المعارضون : « إن ما جاء في التحديدات والتقسيمات من
طبيعة منطقية أو فلسفية لم تكن تتناسب والعقلية العربية في ذلك الزمن ، وإنما
وهناك اعتراض آخر يوجه إلى تاريخ تدوين هذه الروايات ، حيث يذكر
بأنها متأخرة ، فلم تذكر آراء نحوية للامام ـ عليه السلام ـ أو لابي الاسود في الكتب
النحوية الاولى ككتاب سيبويه أو أي كتاب نحوي آخر ، يقول إبراهيم مصطفى :
« ويلاحظ أول ما يلاحظ أننا لم نجد في كتاب سيبويه ، ولا فيما بعده رأيا نحويا
نسب إلى أبي الاسود ، ولا إلى طبقتين بعده ، فنحن أمام حقيقة واضحة اخذت من
كتب النحو ، وهي أن أقدم من نسب إليه رأي نحوي هو عبد الله بن أبي إسحاق
الحضرمي » (27) .
في لفظها ومتنها ، وفي سبب وضع النحو ، وفي واضعه ، مما يؤدي إلى
الشك في الروايات نفسها ، يقول أحمد أمين بعد حديثه السابق : « ويشهد لهذا ـ أي
لرأيه في تكذيب الروايات ـ الروايات الكثيرة المتناقضة في سبب الوضع » (28 ) .
ويقول : الدجيلي : « وهذه الروايات التي تتنازع واضع النحو ، والتي تتباين
في سبب وضعه ، تبدو للمتتبع الممحص مختلفة مضطربة لا يركن إليها ، ولا يطمأن
إلى ما تهدف إليه » (29) .
ويقول فؤاد حنا ترزي : « وتبدو هذه الروايات مضطربة متناقضة » (30) .
ويتوصل هؤلاء المعارضون المعاصرون بعد الاعتراضات ـ التي ذكرناها ـ إلى
أن أبا الاسود لم يضع النحو ، بمعناه المصطلح الجديد ، بل الذي وضعه هو تحريك
المصحف الشريف بالنقط ، كما أجمع على ذلك الباحثون من القدامى
والمعاصرين ، وهذا الذي فعله أبوالاسود قد ظنه القدماء نحوا ، لذلك نسب إليه
وضع النحو ، ويكاد يجمع ويتفق على هذه النتيجة كل المعارضين ، يقول أحمد
أمين : « وعلى هذا فمن قال : إن أبا الاسود وضع النحو فقد كان يقصد شيئا من
هذا ، وهو أنه وضع الاساس بضبط المصحف حتى لا يكون فتحة موضع كسرة ،
ولا ضمة موضع فتحة ، فجاء بعده من أراد أن يفهم النحو على المعنى الدقيق ،
فاخترع تقسيم الكلمة » (31) .
ويقول الدجيلي : « فنحو أبي الاسود هو في الواقع تثبيت للنطق العربي
حين قراءة القراءات وترتيل الآيات ، فهو إذا قد وضع الجذر للنحو العربي فبهذا
الرأي المنطقي نرفض الروايات » (32) .
ويذهب إلى هذا الرأي إبراهيم مصطفى أيضا .
وبعد كل هذه الاعتراضات يحق لنا التساؤل ، إذا فمن هو واضع النحو
الاول ؟
هنا عدة إجابات للباحثين ـ من القدماء والمعاصرين ـ عن هذا التساؤل :
1 ـ إن النحو لم يضعه أبوالاسود ، بل وضعه بعض تلاميذه ، فبعضهم
2 ـ إن النحو قد وضع قبل أبي الاسود ، وينفرد بهذا الرأي ابن فارس ـ كما
هو رأيه في نشأة العروض ـ فيقول : « إن هذين العلمين قد كانا قديما وأتت عليهما
الايام وقلا في أيدي الناس ثم جدده هذان العلمان » (35) ، ويقصد منهما أبو
الاسود والخليل .
ولكن هذين الرأيين يفقدان عناصر الصحة والسلامة :
فالرأي الاول لم يلتزم به إلا بعض قليل من المؤرخين ، وبعض هؤلاء
الذين التزاموا بهذا الرأي اعتبروا الرأي الصحيح والرئيس هو وضع أبي الاسود
للنحو ، ونسبوا رأيهم هذا إلى كلمة (قيل) كدليل على ضعفه وقلة شأنه .
أما رأي ابن فارس ، فهو لا يعتمد على سند تاريخي أولا ، ولا يؤيده أحد
من القدماء والمعاصرين ـ كما أعلم ـ ثانيا ، وعدم وجود الروايات التي تدعمه .
إذا فنبقى نحن وهذه الروايات التي تنسب وضع النحو للامام
ـ عليه السلام ـ أو لابي الاسود ، لنبحث عن مدى ثباتها تجاه الاعتراضات الموجهة
لها ، ومدى توافقها للموازين النقدية والعلمية .
ويستغرب الطنطاوي من مثل هذا التشكيك والتكذيب من المعاصرين في
نسبة النحو للامام ـ عليه السلام ـ أو لابي الاسود فيقول : « فمن الغريب بعدئذ أن
يستنكر المستشرقون هذه النسبة المتواطأ عليها قديما وحديثا » (37) .
فهذه الاعتراضات ، هي أقرب إلى الفروض التي لم تبلغ مستوى النظرية
والجزم العلمي في مقابل التواتر والاجماع الذي بلغ مستوى الجزم العلمي ، فهي
أقرب إلى السفسطة في مقابل الواقع الراهن ، فهذه الاعتراضات هي من قبيل
الاجتهادات في مقابل النص ، فمع وجود هذه الروايات والنصوص الكثيرة وإجماع
القدماء ـ المقاربين في زمانهم لزمان أبي الاسود على وضعه للنحو ـ فلا مجال لكل
هذه الاجتهادات والافتراضات والسفسطات ، والاعتراضات المشككة لوضع أبي
الاسود للنحو حتى لو تلبست بلباس البحث العلمي .
الاعتراض الاول يدفعنا إلى الخوض في بحوث عقائدية كلامية تدور حول
علم الامام المعصوم ، وحول الامام علي ـ عليه السلام ـ حيث يطفح « نهج البلاغة »
بمثل هذه التقسيمات والمصطلحات والافكار المنطقية والفلسفية وغيرها من
المعارف السامية التي لم تفتض أسرارها ولم تكشف رموزها وكنوزها إلا بعد مرور
مراحل زمنية طويلة ، بعد ارتقاء الفكر البشري وثراء معلوماته ، وربما ستمر أجيال
طويلة بعد ذلك ولا يتوصل إلى عمق أسرارها ومعطياتها الزاخرة .
والملاحظ في هذا المجال أن الشبهات والاعتراضات التي يثيرها البعض
ولسنا هنا ـ في هذه الدراسة ـ في مجال البحث عن « نهج البلاغة » وصحة
نسبته للامام ـ عليه السلام ـ ، فإن لهذا الموضوع مجالا آخر ، ولكن نشير هنا وبإيجاز
إلى ملاحظة عابرة ، ونترك التوسع للدراسات الاخرى التي كتبت حول هذه
القضية :
هناك بعض الشبهات والشكوك التي أثارها بعض القدماء والمعاصرين
حول « نهج البلاغة » ومدى صحة نسبته للامام ـ عليه السلام ـ كله أو بعضه ، وأنه
في الواقع ـ حسب رأي هؤلاء ـ من تأليف الشريف الرضي نفسه ، ومن هؤلاء
الكثير من العرب والمستشرقين ، ولعل رأيهم في هذا المجال يشابه رأيهم في وضع
النحو العربي ، وبعض أدلتهم متشابهة .
فمن المشككين القدامى ، ابن خلكان ، ولعله أول من بذر بذور التشكيك
حول « نهج البلاغة » ، وتبعه الصفدي في « الوافي بالوفيات » ، واليافعي في « مرآة
الجنان » ، والذهبي في « ميزان الاعتدال » ، وابن حجر في « لسان الميزان » ، وابن
خلدون ، وغيرهم من القدامى .
ومن المعترضين المعاصرين أحمد أمين في « فجر الاسلام » ، وشوقي ضيف
في كتابه « الفن ومذاهبه في الادب العربي » ، ومحمد سيد كيلاني في كتابه « أثر
التشيع في الادب العربي » ، وغيرهم .
وقد تصدى لمناقشتهم جماعة من الباحثين ، وخاصة الباحثين الشيعة أمثال
الشيخ هادي كاشف الغطاء في كتابه « مدارك نهج البلاغة » ، والسيد هبة الدين
الشهرستاني في كتابه « ما هو نهج البلاغة » ، والشيخ الاميني في كتابه « الغدير » ،
والسيد عبدالزهراء الخطيب في كتابه « مصادر نهج البلاغة » وغيرهم .
ونحن نلاحظ أن القرآن الكريم يشتمل على الكثير من التقسيمات
والمضامين السامية ، فلا يستغرب صدور مثل هذه التقسيمات والابداعات في
تلك الفترة الزمنية من الامام ـ عليه السلام ـ وهو تلميذ القرآن ، والذي عايش
القرآن الكريم منذ صغره ، وكذلك نلاحظ وجود التقسيمات والتعاريف
والمصطلحات في الاحاديث النبوية ، فلا غرابة في أن يتعلم منها من نشأ وعاش في
أجوائها ، وخاصة الامام ـ عليه السلام ـ الذي يملك من القوى الفكرية الزاخرة التي
يشهد بها الجميع .
والملاحظ أن البعض من القدامى والمعاصرين الذي شكك في نسبة
« نهج البلاغة » للامام ـ عليه السلام ـ قد ذهب إلى صحة نسبة النحو للامام
ـ عليه السلام ـ أو لابي الاسود ولم يشكك في نسبة النحو .
وبعد هذه الملاحظة الموجزة والعابرة ، نقول : بأننا سنترك هذا الجانب
العقائدي في دراستنا ، ولو أن الايمان به وحده يغني عن عرض الادلة والنقاش ،
كما آمن به من تعرف على حقيقة الامام ـ عليه السلام ـ وما يملكه من قوى
ومعارف ، ونبحث عن هذه الواقعة التاريخية من خلال الواقع التاريخي نفسه
والروايات نفسها ، ونحاول دراسة هذه الظاهرة على حسب السيرة والطرق
نحن نعلم أن النحو لم يوضع جزافا وعبثا ـ كما هو الحال في كل ظاهرة
جديدة ـ فلا بد من حاجة ملحة على ظهورها ، وقد قالوا : « إن الحاجة ام
الاختراع » ، ولا بد من دوافع أدت إلى إبداع النحو ، وإلا لو لم توجد مثل هذه
الدوافع لما كان هنا تفكير في إبداعه . أجل ، إنما وضع النحو لاجل مواجهة
الظروف والاجواء الجديدة التي ظهرت آنذاك والتي أشاعت اللحن على ألسنة
الناس ، ولعل أهم الاسباب لذلك هو الاختلاط بين العرب والشعوب الاجنبية
الاخرى التي دخلت الاسلام ، أو خضعت للحكم الاسلامي وعاشت في بلاد
المسلمين ، أو ارتبط بها المسلمون ببعض العلاقات التي فرضتها الظروف الجديدة ،
وبإيجاز فإن هذا الاختلاط بكل صوره وأساليبه قد فرضته الظروف الجديدة التي
خلقها انبثاق الاسلام وبعثته وتحركه ، ومن طبيعة هذا الاختلاط في الالسنة أن
يخلق اللحن ، ولو راجعنا تاريخ اللحن لرأيناه قد ظهر حتى في عصر الرسول ـ صلى
الله عليه وآله ـ فيقول أبوالطيب الحلبي : « . . . لان اللحن ظهر في كلام الموالي
والمتعربين من عهد النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ فقد روينا أن رجلا لحن بحضرته
فقال : ارشدوا أخاكم » (38) .
وبعد عصر الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ وبعد أن اتسعت الفتوحات
الاسلامية وازداد الاختلاط أخذ اللحن يشيع تدريجيا على الالسنة نتيجة لاتساع
اختلاط العرب مع غيرهم فقد « كتب كاتب لابي موسى إلى عمر (من أبو
موسى . . .) ، فكتب إليه عمر : سلام عليك ، أما بعد ، فاضرب كاتبك سوطا
وروى الجاحظ أن « أول لحن سمع بالبادية : هذه عصاتي ، بدل عصاي ،
وأول لحن سمع بالعراق : حي على الفلاح ، بكسر الياء بدل فتحها » (40) .
وينقل ابن قتيبة : « ان رجلا دخل على زياد فقال : إن أبينا هلك ، وإن
أخينا غصبنا على ميراثنا من أبانا ، فقال زياد : ما ضيعت من نفسك أكثر مما
ضاع من مالك » (41) .
وفي زمان خلافة الامام ـ عليه السلام ـ حيث ازدادت رقعة الاختلاط
وتوسعت وكثر اللحن نتيجة لذلك ، لما دخل الامام ـ عليه السلام ـ العراق ،
والبصرة بالذات ، وهي المركز الحضاري الذي كثر فيه الاختلاط ، لاحظ مدى
شيوع اللحن على الالسنة ، فروى ابن الانباري أن الامام ـ عليه السلام ـ قال : « إني
تأملت كلام الناس فوجدته قد فسد بمخالطة هذه الحمراء ـ يعني الاعاجم ـ » (42) .
وكان أبوالاسود ـ بين آونة واخرى ـ بسبب انتمائه للشيعة وصحبته
للامام ـ عليه السلام ـ ينقل إليه أخبارا خطيرة عن هذا اللحن ، فتنقل عن أبي
الاسود الرواية المشهورة التي يصرح فيها بعروض اللحن على ابنته (43) .
فاللحن إذا بلغ حدا من الخطورة أن دخل بيته ، وكان أبوالاسود يحس
باللحن ـ شأن العرب الفصحاء آنذاك ـ كما ينقل السيرافي : « قال أبوالاسود
الدؤلي : إني لاجد للحن غمرا كغمر اللحم » (44) .
وهناك حكايات كثيرة تنقل عن شيوع اللحن على الالسنة آنذاك .
ويقول أبو عبد الله الزنجاني : « وحدثت عدة حوادث نبهتهم إلى النهوض
إلى صيانة القرآن الذي هو أساس الدين وحفاظ الاسلام من أن يطرق اللحن
عليه » (46) .
وقد شاع اللحن في قراءة القرآن الكريم آنذاك فينقل السيرافي أن أبا
الاسود : « سمع قارئا يقرأ : إن الله بريء من المشركين ورسوله » (47 ) بالكسر ، وقال
ابن الانباري : « وروي أن سبب وضع علي لهذا العلم أنه سمع أعرابيا يقرأ :
لا يأكله إلا الخاطئين » (48) حيث صرحت هذه الرواية بأن السبب الرئيس في
وضع النحو هو السبب الديني ، بل إن العامل الديني هو العامل الرئيس في وضع
علماء المسلمين لاكثر علومهم أيضا ، بل ربما كانت العوامل الاخرى داخلة ضمن العامل الديني كما صرح بهذا الدافع ابن خلدون وغيره .
إذا فلاجل الحفاظ على نصوص القرآن الكريم والاحاديث الشريفة أن
تتعرض للتغيير والتبديل ، ولسوء الفهم وعدم القدرة على فهمها ، وعدم التمكن من
استخراج الاحكام الشرعية والمفاهيم الاسلامية بصورة صحيحة ، كل ذلك حفز
الامام ـ عليه السلام ـ لوضع النحو ، لانه خليفة المسلمين ، والذي عليه مهمة الحفاظ
على الاسلام والقرآن الكريم لكل الاجيال .
فكان على الامام ـ عليه السلام ـ أن يحارب هذا الخطر الجديد باعتباره
خليفة المسلمين وإمامهم وعلى عاتقه مهمة الحفاظ على القرآن الكريم والاحاديث
الشريفة من الخطأ واللحن ، وكان يشاركه في هذا الشعور أبوالاسود الذي كان
يشعر باللحن ـ كما ذكرنا ذلك في الرواية السابقة ـ وكان يعتبر المستشار في الكثير
من القضايا اللغوية ـ آنذاك ـ لدى الخلفاء والولاة ، والذي تعرف على مدى شيوع
اللحن على الالسنة ومدى خطورته الدينية واللغوية ، وكان الدافع لابي الاسود هو
الدافع الديني ، لذلك قام بتنقيط المصحف الشريف دون سواه ، ولم يتحرك إلا
حين شعر بالخطر المحدق بالمصحف الشريف ، ولكن هذا العمل ـ رغم أهميته ـ
لايؤدي هذه الوظيفة بصورة تامة ، لذلك اندفع الامام ـ عليه السلام ـ وأبوالاسود
إلى التفكير جديا في محاربة هذا الوباء الزاحف ومعالجته ، وذلك بوضع النحو
الذي يتكفل بهذه المهمة الخطيرة ، فإن علم النحو هو الذي يمكنه القضاء على هذا
المرض الذي أخذ يشيع في الامة الاسلامية ، وأما التنقيط فإنه وإن كان يشكل
جزءا لا ينفصل عن هذه المهمة التي تبناها الامام ـ عليه السلام ـ وكلف بها أبا
الاسود ـ بعد أن مهد له السبيل ـ ولكنه لا يمكنه معالجة اللحن بصورة تامة كعلم
النحو ، كما سنرى ذلك .
وأما الاعتراض بأن تلك الفترة ـ عصر الامام (عليه السلام) ـ لم تكن
تسمح بظهور مثل هذه المصطلحات والافكار الفلسفية والتقسيمات والتعريفات