صلةقبل


ولا أذكر لك ما في كلام فصحائهم ، من خطبائهم وشعرائهم ، من طرق فصاحة انتهجوها ، وخيل بلاغة ألجموها وأسرجوها ، وما وجد في مراكضهم ومضاميرهم ، من سبقهم ومحاضيرهم ، من الافتنان في بابي الكناية والمجاز ، وإصابة مواقع الاشباع والايجاز ، والابداع في الحذف والاضمار ، والاغراب في جملة اللطائف والاسرار ، فإنك تعارضني بأن هذه الاشياء أشرك الله فيها العقلاء ، ورأينا الاعاجم قد صنفوا فيها معاجم ، فكم في الفرس من الفرسان ، وما أهل خراسان بالخرسان ، على أني لو قلت تلك (47 ) لوجدت مقالا ، وصادفت لفرسي مجالا ، ولاصبت فيه وجها من الاحتجاج ، وردا للشغب واللجاج ، فإن هذه الاشياء لا تجمل ولا تجزل ولا تنبل ولا تفحل ، ولا تحسن ولا تبهى ، ولا تختال ولا تزهى ، إلا واقعة في هذا اللسان ، دائرة بين أظهر هذا البيان ، ومثل ذلك مثل الوشي الفاخر ، والحلي من سري الجواهر ، تلبسها الحسناء فتزيدها حسنا إلى حسن ، وتعطيها زينا إلى زين ، فإن نقلتها إلى الشوهاء تخاذل أمرها وتضاد ، وتناقض وتراد ، وعصف بنصف حسنها وزينها ، ما تطلعه الشوهاء من قبحها وشينها ، وكفاك بما عددت عليك أدلة متقبلة ، وشهودا معدلة ، على أن هذا اللسان هو الفائز بالفصل ، الحائز للخصل (48) ، وأن ما عداه شبه (49 ) إلى العسجد ، وشب (50) إلى زبرجد .
ثم اسمع بفضلك ، فقد آن أن أفذلك ( 51) ، وأختم هذا الفصل بما يحلق
____________
==
بني أخـــي ونوط القلب منـــي * وأبـيـض مـــاؤه غـدق كثير

ومن المجاز : مفازة بعيدة النياط أي الحد والمتعلق ، ولا يخفى ما في المتن من تعبير مجازي ، انظر « أساس البلاغة ـ نوط ـ 476 » .
( 47) الكلمه قلقة في هذه العبارة .
(48) يقال : أصاب خصله واحرز خصله : غلب على الرهان ، وقال بعضهم : الخصلة الاصابة في الرمي « لسان العرب ـ خصل ـ 11 : 206 » .
(49) الشبه والشبه : النحاس الاصفر ، انظر « لسان العرب ـ شبه ـ 13 : 55 » .
(50) الشب : حجر معروف يشبه الزاج ، وقد يدبغ به الجلود « النهاية ـ شبب ـ 2 : 439 » .
(51) يقال : فذلك حسابه أنهاه وفرغ منه ، « القاموس المحيط ـ فذلك ـ 3 : 315 » .

( 225 )

الحلاقم (52) ويَجز الغلاصم(53) ، وهو أن الله تعالى ادخر لمحمد عليه صلاته وسلامه كل فضيلة ، وزوى عنه كل رذيلة ، واختصه بكل توقير ، وبعد حاله من كل تحقير ، واختار له كل ما يقع عليه الاختيار ، وخوله ما يطول به الافتخار ، فجعل ذاته خيرة الانس ، وصفوة الانبياء ، وسيد الاموات والاحياء ، والامة التي انتضاه منها خير امة ، والائمة الذين استخلفهم بعده خير أئمة ، وكتابه الذي أنزل عليه خير كتاب ، وأصحابه الذين قرنهم به خير أصحاب ، وزمانه الذي بعثه فيه خير زمان ، ولسانه الذي نطق به خير لسان ، ولا يحسن أن ينزل على أفضل رسول ، أفضل كتاب بلسان مفضول ، ومن لم يعقل عن الله تعالى : (بلسان عربي مبين) (54) فلا عقل ، ومن لم ينقل : (خير اللسان العربي) فلا نقل ، ثم هو لسان أهل الجنة ، وذلك طول من ذي الطول والمنة .
ووجدت العرب كما يتباهون بالشدة في مواطن الحرب ، وبالنجدة في مقاوم الطعن والضرب ، وبدقهم في النحور صدور الرماح ، وحطمهم في الرقاب متون الصفاح ، يتحلقون فيعدون أيامهم في الجاهلية والاسلام ، ووقائعهم في أشهر الحل والاحرام ، كذلك حالهم في التباهي بالكلام الفحل ، والتباري في المنطق الجزل ، والافتخار بالالسن اللد ، وإرسالها في أودية الهزل والجد ، وبثبات الغدر (55) في مواقف الجدل والخصام ، وعند مصاك الركب ومصاف الاقدام ، ليسوا في مجالدتهم بأشد منهم في مجادلتهم ، ولا في مقاتلتهم بأحد منهم في مقاولتهم ، ولقد نطقت بذلك أشعارهم ، وشهدت به آثارهم .
____________
(52) الحلقوم : الحلق ، وقال الزجاج : الحلقوم بعد الفم وهو موضع النفس وفيه شعب تتشعب منه ، وهو مجرى الطعام والشراب « المصباح المنير ـ حلق ـ 146 » .
(53) الغلصمة : رأس الحلقوم بشواربه وحرقدته ، وهو الموضع الناتئ في الحلق ، والجمع الغلاصم ، وقيل : الغلصمة اللحم الذي بين الرأس والعنق . وقيل : متصل الحلقوم بالحلق إذا ازدرد الآكل لقمنه فزلت عن الحلقوم ، وقيل : هي العجرة التي على ملتقى اللهاة والمريء ، « لسان العرب ـ غلصم ـ 12 : 441 » .
(54) سورة الشعراء 26 : 195 .
(55) يقال : رجل ثبت الغدر : أي ثابت في قتال أو كلام « الصحاح ـ غدر ـ 2 : 766 » .

( 226 )

قال لبيد (56) :
ومقام ضـيق فرجته * ببياني ولـسـانـي وجدل
لو يقوم الفيل أو فياله * زل عن مثل مقامي وزحل (57)
ورأيتهم يسؤون بين الجبناء واللكن ، ولا يفصلون بين العي والجبن ، ويستنكفون من الخطأ واللحن .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أنا أفصح العرب بيد أني من قريش ، واسترضعت في سعد بن بكر ، فأنى يأتيني اللحن » (58) .
ويتحرون أن ينطقوا بالكلم الفصاح ، وأن يمضوا فيها على الاساليب الصحاح ، باحثين عن مفرق الصواب ، ومصيبين منحر الاعراب ، متيقضين لما يستفصح ، متنبهين على ما يستملح ، يسمعون الكلمة العيناء فيشرئبون لها ، واللفظة العوراء فيشمئزون منها .
قال بعض امراء العرب لاعرابي رأى معه ناقة فأعجب بها : هل أنزيت عليها ؟ قال : نعم أضربتها أيها الامير ! قال : أضربتها ؛ قد أحسنت حين أضربتها ، نعم ما صنعت إذ أضربتها ، فجعل يرددها .
قال الراوي : فعلمت أنه إنما يريد أن يثقف بها لسانه .
____________
(56) لبيد بن ربيعة بن مالك ، أبوعقيل العامري ، أحد الشعراء الفرسان الاشراف في الجاهلية من أهل عالية نجد ، أدرك الاسلام ، ووقد على النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ ، ويعد من الصحابة ومن المؤلفة قلوبهم ، وترك الشعر ، فلم يقل في الاسلام إلا بيتا واحدا ، قيل هو :

ما عاتب المرء الكريم كنفسه * والمرء يصلحه الجليس الصالح
وسكن الكوفة ، وعاش عمرا طويلا ، وهو أحد أصحاب المعلقات ، ومطلع معلقته :

عفت الديار محلها فمقامها * بمنى تأبد غولها فرجامها
توفي سنة 41 للهجرة . « الاعلام 5 : 240 » . (57) زحل الشيء عن مقامه : أي زل عن مكانه « لسان العرب ـ زحل ـ 11 : 302 » وفيه البيت الثاني عن البيد .
(58) ذكره المتقي الهندي في كنز العمال 11 : 404 |31884 باختلاف يسير .

( 227 )

وسمعت أنا كوفيا يسأل بدويا عن ماوان ( 59) وقد شارفناها ، فقال : هي ميهة . فقال الكوفي : أميه مما كانت ؟ قال : إي والله أموه مما كانت . كأنه يصححها عليه .
ورأيت الخلق في المسجد الحرام يترادون الكلام في اللغات الفصحى ، ويتعادون من له في ميدان البلاغة الخطا الفسحى ، ويتذاكرون الكلمات التي تزيغ فيها الحاضرة (60) عن السنن ولا ينقحونها من العجر (61) والابن (62) كأن أفواههم للحكمة ينابيع ، وهم على ذلك مطابيع .
هذا ، ولما سمعت العرب القرآن المجيد ملات الروعة قلوبهم وملكت نفوسهم ، وهز الاستعجاب مناكبهم ، وأنغض رؤوسهم ، وبقي أذلقهم لسانا ، وأعرقهم بيانا ، كالمحجوج إذا أبكتته الحجة ، فأخذته الرجة ، وكالياسر إذا أصبح مقمورا مقهورا ، فقعد مبهوتا مبهورا ، وكالصريع إذا عن له من لا يبالي بصراعه ، وكالمرتبع (63) إذا غلبه من لا يلتفت إلى ارتباعه ، ولقد قابلوه بأفصح كلامهم ، فقال منصفوهم : جرى الوادي فطم على القري (64) ، ومن يعبأ بالعباء مع الوشي العبقري (65) .
____________
(59) ماوان: واد فيه ماء بين الفقرة والربذة فغلب عليه الماء فسمي بذلك الماء ماوان . قال في المعجم : فأما ماوان السنور فليس بينه وبين مساكن العرب مناسبة ولعل أكثرهم ما يدري ما السنور : وهي قرية في أودية العلاة من أرض اليمامة ، انظر « معجم البلدان 5 : 45 ، مراصد الاطلاع 3 : 1222 » .
(60) أي أهل الحضر لانهم مظنة اللحن .
(61) العجر : جمع عجرة ، وهي العقدة في عود وغيره ، ويقال : في كلامه عجر فيه وتعجرف أي جفوة « أساس البلاغة ـ عجر ـ 294 » .
(62) الابن : العقد تكون في القسى تفسدها وتعاب بها « النهاية ـ ابن ـ 1 : 17 » .
(63 ) ربع الحجر وارتباعه إشالته ورفعه لاظهار القوة « النهاية ـ ربع ـ 2 : 189 » .
( 64) مثل سائر ، معناه : جرى سيل الوادى فطم ، أي دفن ، يقال : طم السيل الركية : أي دفنها ، والقري : مجرى الماء في الروضة ، والجمع أقرية وقريان و« على » من صلة المعنى : أي أتى على القري ، يعني أهلكه بأن دفنه ، انظر « مجمع الامثال 1 : 159|823 » .
(65) الوشي من الثياب معروف ، والعبقري : الديباج ، انظر « الصحاح ـ وشي ـ 6 : 2524 ، النهاية ـ عبقر ـ

==


( 228 )

وقال الوليد بن المغيرة المخزومي (66) : والله لقد نظرت فيما قال هذا الرجل ، فإذا هو ليس بشعر ، وإن له لحلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمعذق (67) ، وإنه ليعلو وما يعلى (68) .
وبلغنا أن أعرابيا صلى خلف ابن مسعود (69) رضي الله عنه فتعتع في قراءته ، فقال الاعرابي : ارتبك الشيخ ، فلما قضى ابن مسعود صلاته ، قال : يا أعرابي إنه والله ما هو من نسجك ولا من نسج آبائك ، ولكنه عزيز من عند عزيز نزل ، وهو الحمال ذو الوجوه ، والبحر الذي لاتنقضي عجائبه . قال الله لموسى عليه السلام : إنما مثل كتاب محمد في الكتب كمثل سقاء فيه لبن كلما مخضته استخرجت زبده .
فحينما عجزوا عن المماتنة (70) ، فزعوا إلى المفاتنة ، ولما لم يقدروا على المقابلة أقبلوا على المقاتلة ، فكان فزعهم إلى شيء ، ليس من المتحدى فيه في
____________
==
3 : 173 » .
(66) الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم ، أبوعبد شمس ، من قضاة العرب في الجاهلية ، ومن زعماء قريش ، ومن زنادقتها ، أدرك الاسلام وهو شيخ هرم فعاداه وقاوم دعوته ، ذكره ابن الاثير في الكامل تحت عنوان : ذكر المستهزئين ومن كان أشد الاذى للنبي (صلى الله عليه وآله) ، وهو والد خالد بن الوليد ، هلك بعد الهجرة بثلاثة أشهر وهو ابن خمس وتسعين سنة ، ودفن بالحجون ، انظر « الكامل في التاريخ 2 : 71 ، الاعلام 8 : 122 » .
(67) أي له شعب وجذور ، وفي بعض المصادر : لمغدق ، وهو من الغدق أي الماء الكثير ، وفي بعضها الآخر : لعذق ، والعذق : النخلة ، وهو استعارة من النخلة التي ثبت أصلها .
(68) ورد باختلاف في لفظه في دلائل النبوة 2 : 198 ، تأريخ الاسلام : 155 ، السيرة النبوية 1 : 289 ، الوفا بأحوال المصطفى : 55 ، وأخرجه الحاكم النيسابوري في مستدركه 2 : 506 ، عن ابن عباس ، وقال : هذا حديث صحيح الاسناد على شرط البخاري ، ولم يخرجاه .
(69) عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي ، أبو عبد الرحمن ، من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) السابقين إلى الاسلام ، وولي بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) بيت مال الكوفة ، ثم قدم المدينة في خلافة عثمان ، فتوفي فيها عن نحو ستين عاما في سنة 32 هـ .
انظر « الاصابة في تمييز الصحابة 2 : 368|4954 ، تهذيب التهذيب 6 : 24|43 ، معجم رجال الحديث 10 : 322|7160 ، الاعلام 4 : 137 » .
(70) المماتنة : المعارضة في جدل أو خصومة « تاج العروس ـ متن ـ 9 : 340 » .

( 229 )

شيء ، دليلا قاطعا على تمام المعجزة ، وشاهد صدق لصحة النبوة بظهور المعجزة ، على أن عداوة المتحدي هي العجز بعينه ، والتقصير بذاته ، لان كل ذي منقبة إذا توقل (71) في مرتبة قد عجز عنها مدعوها ، ولم يقدروا أن يطلعوها ، كان نتيجة عجزهم أن يشتملوا على الغيظ والضجر ، وقرينة تقصيرهم أن يقصدوه بالنكاية والضرر ، وأن يقشوروه (72 ) بالعصا ويرجموه بالحصا .
والذي طولبوا به فعجزوا عنه هو الاتيان بسورة لو كتبت بين السور ، لم تكن مشخلبة (73) بين الدرر ، ولكن كواحدة منهن في حسنها وبهائها ، ونورها وضيائها ، وبيانها الباهر ، وديباجها الفاخر ، حتى لو عرضت على صيارفة المنطق ونقاده ، المميز بين زيوفه وجياده ، لقالوا هي منها بالقرب ، لم يقولوا ليس عليها ابهة دار الضرب ، والجهة التي أتاهم العجز عنها امتياز السورة عن هذه الاجناس ، التي تتقلب في أيدي الناس ، من خطب يحبرونها (74) ، وقصائد يسيرونها ، ورسائل يسطرونها ، كما أن كل واحد من هذه الاجناس له حيز ، وبعضها عن بعض متميز ، وكل مستبد بطريق خاص إليه ينتحي وإياه ينتهج ، ومثال ومنوال عليه يحتذي وعليه ينتسج ، فلو تحدي الرجل بقصيدة شاعرة فجاء بخطبة باهرة أو رسالة نادرة ، أو تحدي بخطبة أو رسالة غراء فعارض بقصيدة حذاء (75) ، لم يكن على شاكلة التحدي عاملا ، ونسب إلى قلة التهدي عاجلا ، وتمثل له بقوله :
شكونا إليه خراب السواد * فـحـرم فينا لحوم البقر

____________
(71) التوقل : الاسراع في الصعود « النهاية ـ وقل ـ 5 : 216 » .
(72) قشوره بالعصا : ضربه « القاموس المحيط ـ قشر ـ 2 : 117 » .
(73) قال الليث : مشخلبة كلمة عراقية ليس على بنائها شيء من العربية ، وهي تتخذ من الليف والخرز أمثال الحلي « لسان العرب ـ شخلب ـ 1 : 486 » .
(74) يقال حبرت الشيء تحبيرا إذا حسنته « النهاية ـ حبر ـ 1 : 327 » .
(75) الحذو : من أجزاء القافية ، حركة الحرف الذي قبل الردف ، يجوز ضمته مع كسرته ولا يجوز مع الفتح غيره ، قاله ابن منظور في « اللسان ـ حذا ـ 14 : 170 » عن ابن سيده .

( 230 )

فـكـنـا كـمـا قـال من قبلنا * اريها السها (76) وتريني القمر (77)
ذلك أن الشعر كلام ذو وزن وقري (78) ، وقافية وروي ، أكثره تمويهات وتخاييل ، وأكاذيب وأباطيل ، ومن ثم سموه سحرا ، وزعموا أن لكل شاعر جنيا ، وأنه معه رئيا ، وأن ذلك الجني يخطره بجنانه ويلقنه إياه ويلقيه على لسانه .
والخطب والرسائل لا يمس طنب القريض أطنابها ، ولا تقرع يده أبوابها ، والسورة أبعد شوطا منها في التميز ، وأعلى فوقا في المباينة والتحيز ، بديباجتها الخاصة وذوقها وندائها على أن لا منظوم بطوقها ، وعلى أنها ليست من القريحة ، المعتصر لها ثرى السجيحة (79) ، المستعان فيه بالروية والفكر ، المستملى من لسان الزكن (80) والحجر (81) ، وأن مثلها معه مثل الحيوان الذي هو تسوية الله وتقديره ، مع التماثيل التي هي نقش المصور وتصويره ، عليها ضياء الجلالة الربانية ، وسيمياء (82) الكتب السماوية ، وابهة المسطور في اللوح المنزل في اللوح ( 83) وآئين (84) الملقن منه وهو
____________
(76) السها : كويكب صغير خفي الضوء في بنات نعش الكبرى ، والناس يمتحنون به أبصارهم « لسان العرب ـ سها ـ 14 : 408 » .
(77) مثل سائر ، ذكره الميداني في مجمع الامثال 1 : 291 | 1545 ، تحت عنوان « اريها استها وتريني القمر » وذكر قصته ، وقال : وبعضهم يرويه « اريها السها وتريني القمر » ، يضرب لمن يغالط فيما لايخفى .
(78 ) قال الزمخشري وغيره : أقراء الشعر : قوافيه التي يختم بها ، كأقراء الطهر التي ينقطع عندها ، الواحد قرء ، وقرء ، وقري ، لانها مقاطع الابيات وحدودها . « النهاية ـ قرا ـ 4 : 32 » .
(79) السجيحة : الطبيعة « الصحاح ـ سجح ـ 1 : 373 » .
(80) الزكن والازكان : الفطنة ، والحدس الصادق . « النهاية ـ زكن ـ 2 : 307 » .
(81) الحجر : العقل واللب ، لامساكه ومنعه وإحاطته بالتمييز ، وفي التنزيل : هل في ذلك قسم لذي حجر . « لسان العرب ـ حجر ـ 4 : 170 » .
(82) السومة والسيمة والسماء والسيمياء : العلامة . « لسان العرب ـ سوم ـ 12 : 312 » .
(83) اللوح الاول بالفتح : هو اللوح المحفوظ ، والثاني بالضم : الهواء . « لسان العرب ـ لوح ـ 2 : 585 » .
(84) آئين : كلمة فارسية بمعنى الزينة ، استعملها الجاحظ في البخلاء في قصة محمد بن أبي المؤمل فيما حكاه عن لسانه : وكانوا يعلمون أن إحضار الجدي إنما هو شيء من آئين الموائد الرفيعة

==

.

( 231 )

لسان الروح ، كأنك إذا قرأتها مشاهد سبحات (85) وجه فاطرك ، ومعاين لملائكة عرشه بناظرك .
عن جعفر الصادق (86) رضي الله تعالى عنه : والله لقد تجلى الله تعالى لخلقه في كلامه ولكنهم لم يبصروه (87) .
والمعاني التي تستودع الكتب والرسائل ، من معانيه ومؤدياته على مراحل ، وقد انطوت رصانة هذه المعاني والمقاصد تحت سلس الالفاظ العذبة الموارد ، مع
____________
==
وفي تاريخ العتبي عند شرح هذا البيت في رثاء الصاحب بن عباد :

لم يبق للجود رسم منذ بنت ولا * للسؤدد اسم ولا للمجد آئين

قال : وكأنه تعريب آئين ، وهو أعواد أربعة تنصب في الارض وتزين بالبسط والستور والثياب الحسان ، ويكون ذلك في الاسواق والصحارى وقت قدوم ملك .
أقول : هو قوس النصر في مصطلح عصرنا هذا « هـ م » .
(85) سبحات الله : جلاله وعظمته ، وهي في الاصل جمع سبحة ، وقيل : أضواء وجهه « النهاية ـ سبح ـ 2 : 332 » .
(86) أبو عبد الله جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ، سادس أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ، وإليه ينمى المذهب الجعفري ، لقب بالصادق لصدق حديثه ، ولد في 17 ربيع الاول سنة 80 هـ ، أمره في الشرف والفضل والعلم والعصمة أجل من أن يذكر في سطور ، قال ابن حجر : « نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في البلدان » وجمع أصحاب الحديث أسماء الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات فكانوا أربعة آلاف رجل ، ذكرهم الحافظ ابن عقدة في كتاب رجاله ، وذكر مصنفاتهم فضلا عن غيرهم ، استشهد عليه السلام مسموما لعشر سنين خلت من خلافة المنصور العباسي سنة 148 هـ ، ودفن بالبقيع مع أبيه وجده عليهم السلام .
انظر « أعيان الشيعة 1 : 659 ، حلية الاولياء 3 : 192 ، وفيات الاعيان 1 : 327|131 ، الجرح والتعديل 2 : 487 | 1987 ، رجال صحيح مسلم 1 : 120|221 ، تهذيب الكمال 5 : 74|950 ، ميزان الاعتدال 1 : 414|1519 ، تهذيب التهذيب 2 : 88|156 ، سير أعلام النبلاء 6 : 255|117 » .
(87) رواه الشهيد الثاني في كتابه أسرار الصلاة : 36 ، ونقله عنه الفيض الكاشاني في المحجة البيضاء 2 : 247 ، وفيهما : ولكنهم لا يبصرون . وفي المصدرين أيضا ، عنه عليه السلام : وقد سألوه عن حالة لحقته في الصلاة حتى خرمغشيا عليه فلما أفاق قيل له في ذلك ، فقال : ما زلت اردد الآية على قلبي وعلى سمعي حتى سمعتها من المتكلم بها ، فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته .
قال الفيض : وفي مثل هذه الدرجة تعظم الحلاوة ولذة المناجاة .

( 232 )

تكاثر نكت علم البيان وفقره ، ومحاسن حجوله وغرره ، وغرائب وشيه وأعلام حبره ، تنثال ارسالا على الناظر البصير ، وتزدحم أسرابا على الناقد النحرير .
وأنا اضرب لك سورة الكوثر ـ وهي أقصر السور ـ مثالا أنصبه بين يديك ، وأجعله نصب عينيك ، فأنت أكيس الاكياس ، ومعك نهية (88) كشعلة المقباس ، وتكفيك الرمزة وإن كانت خفية ، والتنبيهة وإن كانت غير جلية ، فكيف إذا ذللت بأنور من وضح الفلق ، وأشهر من شية (89) الابلق .
أقول وبالله التوفيق : ورد على رسول الله صلى الله عليه وآله عن عدو الله العاص بن وائل (90) ما يهدم مقاله ، ويهزم محاله (91) ، وينفس عن رسوله ، وينيله نهاية سؤله ، فأوحى إليه سورة على صفة إيجاز واختصار ، وذلك ثلاث آيات قصار ، جمع فيها مالم يكن ليجتمع لاحد من فرسان الكلام ، الذين يخطمونه بالخطام (92) ويقودونه بالزمام ، كسحبان (93) وابن عجلان ، وأضرابهما من الخطباء المصاقع والبلغاء البواقع ( 94) الذين تفسحت في هذا الباب خطاهم ، وتنفس في ميادينه مداهم .
انظر إلى العليم الحكيم كيف حذا ثلاث الآيات على عدد المسليات ، من
____________
(88) النهية : العقل « لسان العرب ـ نهى ـ 15 : 346 » .
(89) الشية : كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره ، وأصله من الوشي . « النهاية ـ شيه ـ 2 : 522 » .
(90) العاس بن وائل بن هاشم السهمي ، من قريش ، أحد الحكام في الجاهلية ، كان نديما لهشام بن المغيرة وأدرك الاسلام ، وظل على الشرك ويعد من المستهزئين ومن الزنادقة الذين ماتوا كفارا وثنيين ، وهو والد عمرو بن العاص صاحب معاوية . « الاعلام 3 : 247 » .
(91 ) يقال : رجل يماحل : أي يدافع ويجادل ، من المحال ، بالكسر ، وهو الكيد ، وقيل : المكر ، وقيل : القوة والشدة ، انظر « النهاية ـ محل ـ 4 : 303 » .
(92 ) الخطام : الزمام . وخطمت البعير : زممته « الصحاح ـ خطم ـ 5 : 1915 » .
(93 ) سحبان بن زفر بن اياس الواثلي ، من باهلة ، خطيب يضرب به المثل في البيان ، يقال : « أخطب من سحبان » و« أفصح من سحبان » اشتهر في الجاهلية وعاش زمنا في الاسلام ، وكان إذا خطب يسيل عرقا ولا يعيد كلمة ، أسلم في زمن النبي ولم يجتمع به .
« الاصابة 2 : 109|3663 ، بلوغ الارب 3 : 156 ، مجمع الامثال 1 : 249 ، الاعلام 3 : 79 » .
(94) الباقعة : الرجل الداهية . « لسان العرب ـ بقع ـ 8 : 19 » .

( 233 )

إجلال محل رسول الله وإعلاء كعبه ؛ وإعطائه أقصى ما يؤمله عند ربه (95) ، ومن الايعاز إليه أن يقبل على شأنه من أداء العبادة بالاخلاص ( 96) ، وأن لا يحفل بما ورد عليه من ناحية العاص ، ولا يحيد عن التفويض إليه محيدا ، فلا يذره وائبا وحيدا ، ومن الغضب له بما فيه مسلاته من الكرب ، من إلصاق عار البتر بالكلب (97) ، والاشعار بأن كان عدو الله بورا ، ولم يكن إلا هو صنبورا (98) .
ثم انظر كيف نظمت النظم الانيق ، ورتبت الترتيب الرشيق ، حيث قدم منها ما يدفع الدعوى ويرفعها ، وما يقطع الشبهة ويقلعها ، ثم لما يجب أن يكون عنه مسببا ، وعليه مترتبا ، ثم ما هو تتمة الغرض من وقوع العدو في مغواته (99) التي حفر ، وصليه بحر ناره التي سعر ، ومن الشهادة على إلصاقه بالسليم عيبه ، وتوريكه على البريء ذنبه (100) .
وتأمل كيف أن من اسند إليه إسداء هذه العطية ، وإيتاه هذه الموهبة السنية ، هو ملك السماوات والارض ، ومالك البسط والقبض ، وكيف وسع العطية وكثرها ، وأسبغها ووفرها ، فدل بذلك على عظم طرفي المعطى ، وعلى جلال جنبي المسدي والمسدى ، وقد علم أنه إذا كان المعطي كبيرا ، [ كان ] العطاء كثيرا ، فيالها من نعمة مدلول على كمالها ، مشهود بجلالها .
وأراد بالكوثر أولاده إلى يوم القيامة من امته ، جاء في قراءة عبد الله : « النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أبوهم وأزواجه امهاتهم » (101) وما أعطاه الله
____________
(95) إشارة إلى قوله تعالى : « إنا أعطيناك الكوثر » .
(96) إشارة إلى قوله تعالى : « فصل لربك وانحر » .
(97) إشارة إلى قوله تعالى : « إن شانئك هو الابتر » .
(98) أي أبتر لا عقب له « النهاية ـ صنبر ـ 3 : 55 » .
(99) مغواة : حفرة كالزبية تحفر للذئب ، ويجعل فيها جدي إذا نظر إليه سقط عليه يريده . ومنه قيل لكل مهلكة مغواة . « النهاية ـ غوا ـ 3 : 398 » . (10) ورك عليه ذنبه : حمله عليه « أساس البلاغة ـ ورك ـ 497 » .
(101) قال المصنف في الكشاف 3 : 251 : وفي قراءة ابن مسعود : « النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم » ، وقال القرطبي في الجامع لاحكام القرآن 14 : 123 : ثم إن في مصحف ابي بن كعب

==


( 234 )

في الدارين من مزايا الاثرة ولتقديم في الدارين من مزايا الاثرة والتقديم ، ووضع في يديه من نواصي التفضيل والتكريم ، والثواب الذي لم يعرف إلا هو كنهه ، ولم يعط إلا الملك شبهه ، ومن جملة الكوثر ما اختصه به من النهر الذي حاله المسك (102) ، ورضراضه التوم (103) ، وعلى حافاته من أواني الذهب والفضة ما لا يعاده النجوم .
ثم تبصر كيف نكت في كل شيء تنكيتا ، يترك المنطيق سكيتا ، حيث بنى الفعل على المبتدأ فدل على الخصوصية ، وجمع ضمير المتكلم فأذن بعظم الربوبية ، وصدر الجملة المؤخرة على المخاطب أعظم القسم ، بحرف التأكيد الجاري مجرى القسم ، ما ورد الفعل بالفظ الماضي ، على أن الكوثر لم يتناول عطاء العاجلة دون عطاء الآجلة ، دلالة على أن المتوقع من سيب (104) الكريم في حكم الواقع ، والمترقب من نعمائه بمنزلة الثابت النافع . وجاء بالكوثر محذوف الموصوف ، لان المثبت ليس فيه ما في المحذوف من فرط الابهام والشياع ، والتناول على طريق الاتساع ، واختار الصفة المؤذنة بافراط الكثرة ، المترجمة عن المعطيات الدثرة ، ثم بهذه الصفة مصدرة باللام المعرفة ، لتكون لما يوصف بها شاملة ، وفي إعطاء معنى الكثرة كاملة .
وعقب ذلك بفاء التعقيب ، مستعارة لمعنى التسبيب ، يشتقها معنيان ، صح تسبيب الانعام بالعطاء الاكثر ، للقيام بما يضاهيه من الشكر الاوفر ، وتسليمه
____________
==
« وأزواجه امهاتهم وهو أب لهم » وقرأ ابن عباس « من أنفسهم وهو أب [ لهم ] وأزواجه [ أمهاتهم ] » .
وقال الطبرسي في مجمع البيان 4 : 338 : وروي أن النبي صلى الله عليه وآله لما أراد غزوة تبوك ، وأمر الناس بالخروج ، قال قوم : نستأذن آباءنا وامهاتنا فنزلت هذه الآية .
وروي عن ابي وابن مسعود وابن عباس أنهم كانوا يقرؤون « النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه امهاتهم وهو أب لهم » وكذلك هو في مصحف اُبَيٌ ، وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام .
(102) حاله المسك : أي طينه المسك . « النهاية ـ حول ـ 1 : 464 » . ( 103) الرٌضْراض : الحصى الصغار ، والتوم : الدر . « النهاية ـ رضرض ـ 2 : 229 » . (104) السيب : العطاء . « الصحاح ـ سيب ـ 1 : 150 » .

( 235 )

لترك المبالاة بقول ابن وائل ، وامتثال قول الله عز من قائل ، وقصد باللامين ( 105) التعريف بدين العاص وأشباهه ، ممن كانت عبادته ونحره لغير إلهه ، وتثبيت قدمي رسول الله على صراطه المستقيم ، وإخلاصه العبادة لوجهه الكريم ، وأشار بهاتين العبادتين إلى نوعي العبادات ، وصنفي الطاعات ، أعني الاعمال البدنية التي الصلاة إمامها ، والمالية التي نحر البدن سنامها ، ونبه على ما لرسول الله من الاختصاص بالصلاة التي جعلت لعينه قرة (106) وبنحر البدن التي كانت همته بها المشمخرة .
روينا بالاسناد الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى مائة بدنة فيها جمل لابي جهل في أنفه برة (107) من ذهب (108) . وحذف اللام الاخرى لدلالته عليها بالاولى ، مع مراعاة حق التسجيع ، الذي هو من جملة صنعة البديع ، إذا ساقه قائله مساقا مطبوعا ، ولم يكن متكلفا أو مصنوعا ، كما ترى اسجاع القرآن وبعدها عن التعسف ، وبراءتها من التكلف .
وقال : « لربك » ، وفيه حسنان ، وروده على طريقة الالتفات (109) التي هي ام من الامهات ، وصرف الكلام عن لفظ المضمر إلى لفظ المظهر ، وفيه إظهار لكبرياء شأنه ، وانافة لعزة سلطانه ، ومنه أخذ الخلفاء قولهم : يأمرك أمير المؤمنين بالسمع والطاعة ، وينهاك أمير المؤمنين عن مخالفة الجماعة .
____________
( 105) أي بلام « لربك » ، واللام المحذوفة في قوله « وانحر » أي وانحر له ، كما سيصرح بذلك « هـ م » .
(106) إشاره إلى قوله صلى الله عليه وآله : حببت إلي من الدنيا ثلاث : النساء ، والطيب ، وجعلت قرة عني في الصلاة . « الخصال : 165|218 » .
(107) البرة : حلقة تجعل في لحم الانف ، وربما كانت من شعر . « النهاية ـ بره ـ 1 : 122 » .
(108) أخرجه البيهقي في سننه 5 : 230 .
( 109) قال ابن حمزه العلوي في الطراز 2 : 132 : الالتفات : هو العدول من اسلوب في الكلام إلى اسلوب آخر مخالف للاول ، وهذا أحسن من قولنا : هو العدول من غيبة إلى خطاب ، ومن خطاب إلى غيبة ، لان الاول يعم سائر الالتفاتات كلها ، والحد الثاني إنما هو مقصور على الغيبة والخطاب لاغير ، ولا شك ان الالتفات قد يكون من الماضي إلى المضارع وقد يكون على عكس ذلك فلهذا كان الحد الاول هو أقوى دون غيره .


( 236 )

وعن عمر بن الخطاب (رض) أنه حين خطب الازدية أتى أهلها فقال لهم : خطب إليكم سيد شباب قريش مروان بن الحكم ، وسيد أهل المشرق حسن بن بجيلة ويخطب إليكم أمير المؤمنين ـ عنى نفسه ـ .
وعلم بهذه الصفة أن من حق العبادة أن يخص بها العباد ربهم ومالكهم ، ومن يتولى معايشهم ومهالكم ، وعرض بخطأ من سفه نفسه ونقض قضية لبه ، وعبد مربوبا وترك عبادة ربه .
وقال : « إن شانئك » فعلل الامر بالاقبال على شانه ، وقلة الاحتفال بشنآنه ، على سبيل الاستئناف ، الذي هو جنس حسن الموقع رائعه ، وقد كثرت في التنزيل مواقعه ، ويتجه أن يجعلها جملة للاعتراض ، مرسلة إرسال الحكمة لخاتمة الاغراض ، كقوله تعالى : « إن خير من استأجرت القوي الامين » (110) .
وعنى بالشانئ السهمي المرمي بسهمه ، وإنما ذكره بصفته لاباسمه ، ليتناول كل من كان في مثال حاله ، من كيده بدين الحق ومحاله ، وفيه أنه لم يتوجه بقلبه إلى الصدق ، ولم يقصد به الافصاح عن الحق ، ولم ينطق إلا عن الشنآن الذي هو توأم البغي والحسد ، وعن البغضاء التي هي نتيجة الغيظ والحرد (111) ، وكذلك وسمه بما ينبئ عن المقت الاشد ، ويدل على حنق الخصم الالد ، وعرف الخبر ليتم له البتر ، كأنه الجمهور (112) الذي يقال له الصنبور ، وأقحم الفصل لبيان أنه المعين لهذه النقيصة ، وأنه المشخص لهذه الغميصة (113) ، وذلك كله مع علو مطلعها ، وتمام مقطعها (114) ، ومجاوبة عجزها لهاديتها (115) ،
____________
( 110) سورة القصص 28 : 26 .
(111) الحرد : الغضب . « تاج العروس ـ حرد ـ 2 : 334 » .
(112) كذا .
(113) يقال : اغتمصت فلانا اغتماصا : احتقرته « لسان العرب ـ غمص ـ 7 : 61 » .
(114) مقاطع القرآن : مواضع الوقوف .
( 115) في الحديث : « طلعت هوادي الخيل » يعني أوائلها ، والهادي والهادية : العنق ؛ لانها تتقدم على البدن ، ولانها تهدي الجسد . « النهاية ـ هذا ـ 5 : 255 » .

( 237 )

وسبيبها (116) لناصيتها ، واتصافها بما هو طراز الامر كله من مجيئها ، مع كونها مشحونة بالنكت الجلائل ، مكتنزة بالمحاسن غير القلائل ، خالية من تصنع من يتناول التنكيت ، وتعمل من يتعاطى بمحاجته التبكيت (117 ) ، وكأنها كلام من يرمي به على عواهنه ، ولا يتعمد إلى إبلاغ نكته ومحاسنه ، ولا يلقاك ذلك إلا في كلام رب العالمين ، ومدبر الكلام والمتكلمين ، فسبحان من لو أنزل هذه الواحدة وحدها ، ولم ينزل ما قبلها وما بعدها ، لكفى بها آية تغمر الاذهان ، ومعجزة توجب الاذعان ، فكيف بما أنزل من السبع الطوال ، وما وراءها إلى المفصل (118) ، والمفصل ، يالها من معجزة كم معجزات في طيها ، عند كل ثلاث آيات تقر الالسن بعيها ، لو أراد الثقلان تسلية المغيظ المحنق ؛ لاخذت من أفاصحهم بالمخنق ، إن هموا بإنشاء سورة توازيها ، وثلاث آيات تدانيها . هيهات قبل ذلك يشيب الغراب ، ويسيب الماء كالسراب .
ودع عنك حديث الصرفة (119) ، فما الصرفة إلا صفرة (120) من النظام ، وفهة (121) منه في الاسلام ، ولقد ردت على النظام صفرته ، كما ردت عليه طفرته ، ولو صح ماقاله لوجب في حكمة الله البالغة ، وحجته الدامغة أن ينزله على أرك نمط وأنزله ، وأفسل (122) اسلوب وأسفله ، وأعراه من حلل البلاغة وحليها ،
____________
( 116) السبيب : شعر الذنب « لسان العرب ـ سبب ـ 1 : 459 » .
(117) بكته بالحجة أي غلبه « لسان العرب ـ بكت ـ 2 : 11 » .
(118) المفصل من القرآن السبع الاخير ، وذلك للفصل بين القصص بالسور القصار ، والفواصل آواخر الآي « مفردات ألفاظ القرآن ـ فصل ـ 381 » .
(119) الصرفة : هي مما ذهب إليه النظام المعتزلي في إعجاز القرآن ، وهو صرف الدواعي عن المعارضة ، ومنع العرب عن الاهتمام به جبرا وتعجيزا ؛ حتى لو خلاهم سبحانه لكانوا قادرين على أن ياتوا بسورة من مثله بلاغة وفصاحة ونظما . انظر « الملل والنحل 1 : 58 » .
( 120) يقال : إنه لفي صفرة ، للذي يعتريه الجنون ، إذا كان في أيام يزول فيها عقله ، لانهم كانوا يمسحونه بالزعفران . « الصحاح ـ صفر ـ 2 : 714 » .
(121 ) الفهة : السقطة والجهلة . يقال : فه الرجل يفه فهاهة وفهة ، فهوفة وفهيه : إذا جاءت منه سقطة من العي وغيره « النهاية ـ فهه ـ 3 : 482 » .
(122) الفسل : الرديء من كل شيء . « مجمع البحرين ـ فسل ـ 5 : 440 » .

( 238 )

وأخلاه من بهي جواهر العقول وثريها ، ثم يقال لولاة أعلى الكلام طبقة وأمتنه ، ولارباب آنقه طريقة وأحسنه : هاتوا بما ينحو نحوه ، وهلموا بما يحذو حذوه ، فيعترضهم الحجز ، ويتبين فيهم العجز ، فيقال قد استصرفهم الله عن أهون ما كانوا فيه ماهرين ، وأيسر ما كانوا عليه قادرين ، ألم ترهم كيف كانوا يعنقون (123) في المضمار فوقفوا ، وينهبون الحلبة بخطاهم فقطفوا (124) ، ولا يقال الله قادر على أن يأتي بما هو أفصح وأفصح ، وأملح لفظا ومعنى وأملح ، فهلا أتى بذلك المتناهي في الفصاحة والمتمادي في الملاحة ، فإن الغرض اتضاح الحجة وقد اتضحت ، وافتضاح الشبهة وقد افتضحت ، وإذا حصل الغرض فليس وراءه معترض .
وأما إغفال السلف لما نحن بصدده ، وإهمالهم الدلالة على سننه ، والمشي على جدده ( 125) ، فلان القوم كانوا أبناء الآخرة ، وإن نشأوا في حجر هذه الغادرة ، ديدنهم قصر الآمال ، وأخذ العلوم لتصحيح الاعمال ، وكانوا يتوخون الاهم فالاهم والاولى فالاولى والازلف فالازلف من مرضاة المولى ، ولانهم كانوا مشاغيل بجر أعباء الجهاد ، معنين (126) بتقويم صفات أهل العناد ، معكوفي الهمم على نشر الاعلام لنصرة الاسلام ، فكان ما بعث به النبي عليه الصلاة والسلام لتعليمه وتلقينه ، وارسل للتوقيف عليه وتبيينه ، أهم عندهم مما كانوا مطبوعين على معرفته ، مجبولين على تبين حاله وصفته ، وكان إذ ذاك البيان غضا طريا ، واللسان سليما من اللكنة بريا ، وطرق الفصاحة مسلوكة سائرة ، ومنازلها مأهولة عامرة ، وقد مهد عذرهم تعويلهم على ما شاع وتواتر ، واستفاض وتظاهر ، من عجز العرب وثبات العلم به ورسوخه في الصدور ، وبقائه في القلوب على ممر العصور .
____________
(123) يعنقون : أي يسرعون . انظر « لسان العرب ـ عنق ـ 10 : 273 » .
(124) القطاف : تقارب الخطو في سرعة ، من القطف : وهو القطع . « النهاية ـ قطف ـ 4 : 84 » .
(125) الجدد : الارض الصلبة ، وفي المثل : « من سلك الجدد أمن العثار » . « الصحاح ـ جدد ـ 2 : 452 » .
(126) معنين : أي متعبين . انظر « لسان العرب ـ عنن ـ 13 : 290 » .

( 239 )

وبعد انقراض اولئك العرب ، المالئة دلو البلاغة إلى عقد الكرب (127) ، وبقاء رباعها ( 128) بغير طلل (129) ورسم (130) ، وذهابها ذهاب جديس وطسم (131) ، لم يبق من هذا العلم إلا نحو الغراب الاعصم (132) ، والنكتة (133) البيضاء في نقبة الادهم (134) ، وجملة تلك البقية قد اتبعوا سنن الاولين ، وكانوا على عجز العرب معولين ، ولم يقولوا كم بين إيمان السحار وبين إيمان النظار ، ثم ادرج هذا العلم تحت طي النسيان ، كما يدرج الميت في الاكفان .
ولو لا أن الله أوزعني أن أنفض عليه لمتي (135) ، وألهمني أن أنهض إليه بهمتي ، حتى أنفقت على النظر فيه شبابي ، ووهبت له أمري ، وكانت إجالة الفكر في غوامضه دهري ، لم تسمع من أحد فيه همسا ، ولم تلق من ينبس منه بكلمة نبسا ، والله أسأل أن يهديني سبل الاصابة ، ويثيبني على ذلك احسن إثابة ، فما نويت بما لقيت فيه من عرق الجبين ، إلا التوصل إلى ما فيه من ثلج اليقين ، وإلا
____________
(127) مثل سائر مأخوذ من قول الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب حيث يقول :
من يساجلني يساجل ماجدا * يملا الدلو إلى عقد الكرب
وهو الحبل الذي يشد في وسط العراقي ثم يثنى ، ثم يثلث ، ليكون هو الذي يلي الماء فلا يعفن الحبل الكبير . يضرب لمن يبالغ فيما يلي من الامر انظر « مجمع الامثال 2 : 421 |4715 » .
(128) الربع : المنزل ودار الاقامة ، وربع القوم محلتهم ، والرباع جمعه « النهاية ـ ربع ـ 2 : 189 » .
(129) الطلل : ما شخص من آثار الدار ، والجمع أطلال وطلول . « الصحاح ـ طلل ـ 5 : 1752 » .
(130) الرسم : الاثر ، انظر « مجمع البحرين ـ رسم ـ 6 : 72 » .
(131) جديس : قبيلة من العرب العاربة البائدة ، كانت مساكنهم اليمامة والبحرين ، وكان يجاورهم طسم ، وهي قبيلة من العرب العاربة أيضا ، تنتسب إلى طسم بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح ، وقد انقرضت . انظر « معجم قبائل العرب 1 : 172 و2 : 680 ، ومصادره » .
( 132) الغراب الاعصم : الذي في جناحه ريشة بيضاء لان جناح الطائر بمنزلة اليد له . « الصحاح ـ عصم ـ 5 : 1986 » .
(133) النكتة ، بالضم : النقطة . « القاموس المحيط ـ نكت ـ 1 : 159 » .
(134) الدهمة : السواد . يقال : فرس أدهم ، وبعير أدهم ، وناقه دهماء ، إذا اشتدت ورقته حتى ذهب البياض الذي فيه . « الصحاح ـ دهم ـ 5 : 1924 » .
(135) اللمة : الهمة ، والخطرة تقع في القلب « النهاية ـ لمم ـ 4 : 273 » .

( 240 )

استبانه حجة الله وبرهانه واستيضاح أنوار قرآنه ، وأنه يوفقني للخير وطلبه ، وأن ينظمني في زمره أهله ويختم لي به ـ تمت .

* * *