صلةقبل


عقيدته :

أطبقت المصادر التي تعرضت لترجمة المصنف أنه كان حنفي المذهب معتزلي العقيدة ، ويقال انه لما صنف كتابه الكشاف استفتح الخطبة بالحمد لله الذي خلق القرآن . فقيل له : متى تركته على هذه الهيئة هجره الناس فغيره بالذي أنزل القرآن ، وقيل : هذا اصطلاح الناس لا اصطلاح المصنف (33) .
يقول فيه الذهبي : « صالح ، لكنه داعية إلى الاعتزال ، أجارنا الله ، فكن حذرا من كشافه » (34) .
وقال ابن كثير « وكان يظهر مذهب الاعتزال ، ويصرح بذلك في تفسيره ويناظر عليه » (35) .
ويظهر أن الزمخشري كان يعتد بما يذهب إليه كثيرا ، فقد ذكر ابن العماد الحنبلي ما لفظه : « وكان الزمخشري معتزلي الاعتقاد متظاهرا به حتى نقل عنه أنه كان إذا قصد صاحبا له واستأذن عليه في الدخول ، يقول لمن يأخذ له الاذن ، قل له : أبوالقاسم المعتزلي بالباب » (36) .
إلا أن الامير محمد حسين الحسني الحسيني الاصفهاني ذهب ـ على ما نقله عنه صاحب الروضات ـ إلى أن الرجل تشيع في أواخر حياته ، بدليل ما ورد في « ربيع الابرار » من نصوص تشعر بهذا المعنى ، فقال : « فإنه لا ريب في كونه على مذهب أهل السنة والجماعة في مبادئ أمره ، كما يفصح عنه تصفح الكشاف ، فإنه سلك فيه مسلك الاعتساف في مسألة الامامة وما يتعلق بها ، ولذلك أجمعت الامامية على كونه من العامة ولم يجوز أحد من العلماء استبصاره ورجوعه ، ولكنه
____________
(33) انظر مرآة الجنان لليافعي 3 : 270 .
(34) ميزان الاعتدال 4 : 78 .
(35) البداية والنهاية 12 : 219 .
(36) شذرات الذهب 4 : 121 .

( 209 )

لما اتفق لي مطالعة كتابه المسمى بـ « ربيع الابرار » وعثرت على كلام له صريح في التشيع لا يقبل التأويل ثم تصفحت وتفحصت فيه عما يؤكد ذلك فظفرت على غيره من الشواهد مما لا يجتمع مع قواعد العامة وتأويلاتهم من نحو ذكره لفضائل السيد الحميري وأشعاره الرائقة في فضائل أهل البيت عليهم السلام » (37 ) ثم ذكر عدة موارد من الكتاب تأكيدا لما يذهب إليه .
وعلق السيد الخوانساري على الابيات التي قالها في مدح آل النبي صلى الله عليه وآله قائلا : « وفيه أيضا من الدلالة على تشيع الرجل ـ ولو في آخر عمره ـ ما لا يخفى » (38) .
ولا نريد في هذه العجالة الخوض في لجج هذه المسألة ، بقدر ما قصدنا الاشارة إليها .

وفاته :

توفي الزمخشري بعد رجوعه من مكة المكرمة ليلة عرفة من سنة 538 هـ في جرجانية خوارزم ، وهي بضم الجيم الاولى وفتح الثانية وسكون الراء بينهما وبعد الالف نون مكسورة وبعدها ياء مثناة من تحتها مفتوحة مشددة ثم هاء ساكنة ، قال ياقوت : يقال لها بلغتهم كركانج ، وقد عربت فقيل لها الجرجانية وهي على شاطئ جيجون .
وأوصى أن تكتب على لوح قبره هذه الابيات :

يا من يرى مد البعوض جناحها * فـي ظلمة الليل البهيم الاليل
ويرى عروق نياطها في نحرها * والمخ فـي تلك العظام النحل
اغـفـر لعبد تاب من فرطاته * ما كان منه في الزمان الاول

____________
(37) روضات الجنات 8 : 120 .
(38) روضات الجنات 8 : 127 .

( 210 )

نحن والرسالة :

من الطريف أن كل من ترجم للزمخشري وذكر مصنفاته ، لم يذكر رسالتنا هذه ولم يتعرض لها ، مما يضفي على هذه الرسالة أهمية خاصة لا تخفى على ذوى الالباب ، إلا أن هذه الحقيقة تفتح الابواب مشرعة أمام من يتسأل عن صحة نسبة الرسالة للزمخشري ، وجوابنا هو ما يلي :
1 ـ إن اسلوب كتابة الرسالة من المتانة اللغوية والبلاغية بمكان ، يكاد يقطع كل من يطالعها إلى أنها ترتقي بمستواها إلى اسلوب الزمخشري الرفيع .
2 ـ توجد هناك مجموعة من التعابير المجازية المستخدمة في الرسالة وجدتها بألفاظها ومعانيها في كتاب « أساس البلاغه » للزمخشري ، وفي هذا من الدلالة ما لا يستهان به .
3 ـ قول السائل في مقدمة الرسالة التي بعثها للمؤلف : « ساعات سيدنا الامام الزاهد الحبر العلامة جار الله شيخ العرب والعجم » وقوله أيضا : (بعد أن جشم خاطره في « الكشاف عن حقائق التأويل ») يدل دلالة واضحة على أن مؤلف الرسالة هو الزمخشري صاحب الكشاف ، ويدل أيضا على أن تأليفها كان بعد تأليف كتاب الكشاف ، ولعل هذا يفسر عدم ذكر المصنف لهذه الرسالة في تفسير سورة الكوثر في كتابه الكشاف .

منهج التحقيق :

اعتمدت في تحقيق الرسالة على نسخة واحدة قام باستنساخها سماحة العلامة السيد عبد العزيز الطباطبائي عن النسخة المحفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق في تاريخ 17 ربيع الاول سنة 1383 هـ ، حيث تفضل علي بها مشكورا ، والنسخة المذكورة كان قد نقلها محمد سعيد بن عمر كرامة عن نسخة موجودة في المكتبة العارفية في المدينة المنورة ، صدرها بقوله : « رسالة في إعجاز سورة الكوثر التي هي


( 211 )

أقصر السور للعلامة الطائر الصيت جار الله الزمخشري « وتوجد في النسخة حواشي كتبها الناسخ ، نقلت منها في ثلاثة موارد فقط رامزا لها بـ « هـ م » أي هامش المخطوط ، حفظا للامانة العلمية .
وحاولت جهد الامكان أن أقدم نصا مضبوطا للقارئ ، أقرب ما يكون لما تركه المؤلف على أنه لم تقع في يدي أكثر من نسخة واحدة ، وفي ذلك من المصاعب ما لا يخفى على أصحاب الخبرة في هذه الميدان ، فسعيت لتحقيق هذا الغرض بتخريج أغلب الالفاظ الصعبة من المعاجم اللغوية ، ولا يفوتني أن أشكر أخي الاستاذ أسد مولوي الذي استفدت من ملاحظاته في هذا المضمار ، وترجمت لاغلب الاعلام الواردين في الرسالة ، وشرحت الامثال التي أقحمها المؤلف في سياق كلامه مع ذكرها مصادرها ، وتعرضت لشرح المصطلحات البلاغية والكلامية كـ « الالتفات » و« الصرفة » متوخيا بذلك تبسيط النص ، وخرجت النصوص الواردة من آيات وأحاديث وآثار ، ذيلت كل ذلك في هامش الكتاب الذي يعتبر ساحة عمل المحقق .
آملا بعملي هذا أن يكون قد قدمت جهدا متواضعا يصب في خدمة المكتبة الاسلامية ، ورافدا لمسيرتها المباركة ، بما هو نافع من تراثنا المعطاء ، والحمد لله رب العالمين .
حامد الخفاف
21 رجب 1408 هـ




( 212 )

هذه الرسالة المعروضة إلى العلامة الزمخشري من بعض معاصريه التي كانت رسالته الآتية جوابا عنها بيانا لما في ضمنها .





بسم الله الرحمن الرحيم
ساعات سيدنا الامام الزاهد الحبر العلامة جار الله شيخ العرب والعجم ، أدام الله إمتاع المسلمين ببقائه ، وإن كانت مقصورة على الاستعداد للمعاد ، مستغرقة في اتعاب خاطره الوقاد في فنون الاجتهاد ، لا يفتر طرفة عين عن تصنيف ينفث فيه سحره ، ويلفظ للغواصين فيه دره ، بعد أن جشم خاطره في « الكشاف عن حقائق التأويل » وأجال رويته في البحث عن وجوه التأويل ، مدئبا في الفكر مطاياه ، متغلغلا في علم البيان إلى زواياه وخباياه ، حتى ارتفع كتابا ساطعا بيانه ، جليا برهانه ، مشحونا بفوائد لا يدركها الاحصاء ، ومحاسن لا يقصرها الاستقصاء ، لكنه مع هذا يتوقع من دينه المتين وفضله المبين أن يتصدق على معشر الداعين لايامه ، الشاكرين لانعامه ، بالجواب عن اعتراضات تنزاح بسببه شبه المرتابين ، ليتوصلوا بنتائج خاطره ، وبركات أنفاسه ، إلى ثلج الصدور وبرد اليقين ، والله تعالى ولي توفيقه في مايكسبه جزيل المثوبة في العقبى ، وحسن الاحدوثة في الدنيا إن شاء الله .
فمنها : سأل سائل فقال : ذكرتم أن لغة العرب لها من الفضيلة ما ليس لسائر اللغات ، فقلتم قولا غفلا ساذجا من غير أن تشيروا إلى بيان وجه التفضيل ، وتبينوا الخواص التي لاجلها أحدث وصف الفضيلة والشرف ، وتعدوها فصلا فصلا ، وتشيروا إليها شيئا فشيئا ، وما أنكرتم على من قال لكم : إن لغة العرب وغيرها من اللغات المختلفة كالسريانية والعبرانية والهندية والفارسية كلها على


( 213 )

السواء ، لا فضيلة لبعضها على البعض ، وإنما هي مواضعات ورسوم واصطلاحات وضعت لاجيال الناس للافهام والاعلام ، لتكون دلالات على المقاصد والاغراض .
وذكرتم أن في لغة العرب دقائق وأسرارا لا تنال إلا بجهد التأمل وفرط التيقظ ، فلا يخفى أن هذه الاسرار والدقائق لا يمكن دعواها في الاسماء المفردة والافعال المفردة والحروف المفردة ، وإنما يمكن دعوى هذه الاسرار على تقدير ارتباط الكلم ، وجعل بعضها يتصل بسبب بعض وينتظم ، ومثل هذا موجود في كل لسان إذا ربطت بعض الكلم ببعض ، وراعيت في ربطها الاليق فالاليق ، حصل لك المقرر والمقصود ، وقارن في هذه القضية لغة العرب وغيرها من اللغات على السواء .
ومنها : أنه لا يخفى أن القرآن سيد معجزات رسولنا عليه الصلاة والسلام ، والعلم بكونه معجزا علم ضروري ، ولكن الشأن في بيان إعجازه ، فمن قائل يقول وهو النظام (1) ومن تبعه : إن الآية والاعجزية في القرآن اختصاصه بالاخبار عن الغيوب بما كان ويكون ، وبمنع الله العرب أن يأتوا بمثله . قال : وأما التأليف والنظم فقد كان يجوز أن يقدر عليه العباد ، لو لا أن الله تعالى منعهم وأعجزهم بمنع وعجز أحدثهما فيهم .
ومن قائل يقول : وجه الاعجاز في القرآن أنه اسلوب من أساليب الكلام ، وطريقة ما عهدها العرب ولا عرفوها ، ولم تكن مقدورة لهم .
ومن قائل يقوله : وجه الاعجاز فيه علمنا بعجز العرب العاربة عن أن
____________
(1) هو إبراهيم بن سيار بن هانئ البصري ، أبوإسحاق النظام ، من أئمة المعتزلة ، تبحر في علوم الفلسفة ، واطلع على أكثر ما كتبه رجالها من طبيعيين وإلهيين ، وانفرد بآراء خاصة ذكرها الشهرستاني في الملل والنحل ، تابعته فيها فرقة من المعتزلة ، سميت « النظامية » نسبة إليه ، أما شهرته بالنظام فبعض يقول :
إنها من إجادته نظم الكلام ، وبعض يقول : إنه كان ينظم الخرز في سوق البصرة ، توفي سنة 231 هـ .
انظر « أمالي المرتضى 1 : 132 ، تأريخ بغداد 6 : 97 ، الملل والنحل 1 : 56 ، سفينة البحار 2 : 597 ، الاعلام 1 : 43 » .

( 214 )

يأتوا بمثله ، وتركهم المعارضة مع تكرار التحدي عليهم وطول التقريع لهم ، فإذا عجز العرب عن ذلك فنحن أولى بالعجز .
ومن قائل يقول : وجه الاعجاز فيه هو ما اختص به من الفصاحة والبلاغة التي بهرم عند سماعها ، وطأطأوا رؤوسهم عند طروقها ، وعليه الاكثرون .
فإن عسى اعترض المعترض وقال :
ماذا أعجزهم ؟ وما ذا أبهرهم ؟ ألفاظ القرآن أم معانيه ؟! إن قال : أردت الالفاظ مع شيء منهما لا يجب فضل البته على تقدير الانفراد ، لان الالفاظ [ لا ] تراد لنفسها ، وإنما تراد لتجعل دلالات على المعاني ، ولان الالفاظ التي نطق بها القرآن ليست إلا أسماء وأفعالا وحروفا مرتبطا بعضها ببعض ، ويستعملونها في مخاطباتهم ، وكذلك الجمل المنظومة .
وإن قال : أعجزهم المعاني . يقال له : أليس انهم كانوا أرباب العقول وأهل الحجى ، يدركون غوامض المعاني بأفهامهم ، ولهم المعاني العجيبة ، والتمثيلات البديعة ، والتشبيهات النادرة .
وإن قال : بهرم النظم العجيب . يقال له : أليس . معنى النظم هو تعليق الكلم بعضها ببعض ، وهي الاسماء والافعال والحروف ، ومعرفة طرق تعلقها ، كتعلق الاسم بالاسم ، بأن يكون خبرا عنه أوصفة له أو عطف بيان منه ، أو عطفا بحرف عليه ، إلى ماشاكله من سعة وجوهه ، وكتعلق الاسم بالفعل ، بأن يكون فاعلا له ، أو مفعولا ، إلى سائر فروعه واتباعه ، وكتعلق الحرف بهما كما هو مذكور في كتب النحو ، وهم كانوا يعرفون جميع ذلك ، وكانوا يستعملونه في أشعارهم وخطبهم ومقاماتهم ، ولو لم يعرفوا وجوه التعلق في الكلم ، ووجوه التمثيلات والتشبيهات ، لما تأتي لهم الشعر الذي هو نفث السحر .
فحين تأتي لهم ذلك ، ومع هذا عجزوا عن المعارضة ، دل على أن الله تعالى أحدث فيهم عجزا ومنعا .


( 215 )

قال : ولان الاعجاز في القرآن لو كان لمكان اختصاصه بالفصاحة والبلاغة لنزل القرآن من أوله إلى آخره في أعلى مراتب الفصاحة ، ولكان كله على نسق قوله تعالى : « وقيل يا ارض ابلعي مائك ويا سماء اقلعي وغيض الماء . . . » (2) . وليس كله نزل على هذا النسق ، بل فيه ما هو في أعلى مراتب الفصاحة كما ذكرنا ، وما هو دونه كقوله تعالى : « تبت يدا أبي لهب وتب » و« اذَا جَاءَ نَصْرُ الله وَالْفَتْحُ » و« قُلْ يَا اَيُّهَا الْكَافِرُونَ » .
ولان الحال لا تخلو إما أن يقال لارتبة في الفصاحة أعلى من رتبة القرآن ، كما ذهب إليه بعض أهل العدل ، فقالوا : لو كان في المقدور رتبة أعلى منها لانزل الله سبحانه وتعالى عليها القرآن ، إذ لا يحسن أن يقتصر المكلف على أدنى البيانين مع قدرته على أعلاهما ، ولان في أعلى البيانين وجه الدلالة على صدق الرسول أقوى .
واما أن يقال : بأن القرآن وإن كان فصيحا بليغا ففي مقدور الله تعالى ما هو أعلى منه مرتبة في الفصاحة . فيقول المعترض فهلا أنزله من أوله إلى آخره على أعلى مراتب الفصاحة التي ليس وراءها منتهى .
قال : فهذا دليل على أن العمدة في الاعجاز ليس اختصاصه بالفصاحة والبلاغة لكن عجز ومنع أحدثهما الله تعالى فلم يشتغلوا بالمعارضة .
ومنها : ان الله تعالى أنزل القرآن وأودع فيه من العلوم ما علم أن حاجة الخلق تمس إليه إلى قيام الساعة ، لاجرم بذل العلماء في كل نوع منه مجهودهم ، واستفرغوا فيه جهدهم ووسعهم ، فأهل الكلام ـ خصوصا أهل العدل والتوحيد ـ استظهروا في ما ذهبوا إليه من العدل والتوحيد بالآيات الواردة فيه على صحة ما اعتقدوه ، وعلى [ إبطال ] ما ذهب إليه أهل الاهواء والبدع وفساد ما انتحلوا .
وأهل الفقه غاصوا في بحور النصوص فاستنبطوا منها المعاني وفرعوا الاحكام عليها .

____________
(2) سورة هود 11 : 44 .

( 216 )

وأهل التأويل خاضوا في محكمها ومتشابهها ، ومجملها ومفصلها ، وناسخها ومنسوخها .
وأهل النحو بسطوا الكلام في تصانيفهم بسطا فكل أنفق على قدر ما رزق ، ثم لم يبلغنا عن واحد منهم أنه شمر ذيله وادرع ليله (3 ) في بيان وجه الاعجاز على التفصيل سورة فسورة وآية فآية ، فابتدأ مثلا بفاتحة الكتاب فكشف عن وجه الاعجاز في ثلاث آيات منها ، ثم ترقى إلى ثلاث آيات اخر فكشف عنها أيضا وجه الاعجاز إلى أن ينتهي إلى آخرها ، مع شدة الحاجة إلى ذلك في كل زمان ، إذ حجة الله تعالى قائمة ، ومعجزته على وجه الدهر باقية .
وكذلك لم ينقل أنهم صنفوا في هذا الباب على هذا الوجه تصنيفا مع تهالكم وولوعهم ، والعجب أنهم صنفوا في حلي الصحابة والتابعين وهيئاتهم ، فذكروا الطوال منهم والقصار ، ومن ابتلي منهم بالعمى والعور والعرج والعجمة والزمانة والشلل ، مع أن بالخلق مندوحة وغنية عن ذلك .
وهذا أبوعثمان عمرو بن بحر الجاحظ (4) صنف كتبا في الجد والهزل تكاد لا تعد ولا تحصى ، فصنف كتابا سماه « القعرة والشفرة » (5) وآخر سماه « مفاخرة الشتاء والصيف » إلى أشباه هذا كثيرة ، صعد فيها وصوب ، وشرق وغرب ،
____________
(3) يقال : « شمر ذيلا وادرع ليلا » أي استعمل الحزم واتخذ الليل جملا . « الصحاح ـ درع ـ 3 : 1207 » . (4) عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء ، الليثي ، أبوعثمان ، الشهير بالجاحظ : كبير أئمة الادب ، ورئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة ، ولد سنة 163 هـ ، وكان مشوه الخلقة ، وفلج في آخر عمره ، له تصانيف كثيرة ذكرت في مظان ترجمته ، قتلته مجلدات من الكتب وقعت عليه ، مات في البصرة سنة 255 هـ .
انظر « تأريخ بغداد 12 : 212 ، وفيات الاعيان 3 : 470|506 ، لسان الميزان 4 : 355|1042 ، ميزان الاعتدال 3 : 347|6333 ، شذرات الذهب 2 : 121 ، الاعلام 5 : 74 » .
(5) إمرأة قعرة وقعيرة : بعيدة الشهوة ؛ عن اللحياني ، وقيل : هي التي تجد الغلمة في قعر فرجها ، وقيل : هي التي تريد المبالغة ، وقيل : نعت سوء في الجماع « لسان العرب ـ قعر ـ 5 : 109 » .
والشفرة والشفيرة من النساء : التي تجد شهوتها في شفرها فيجيء ماؤها سريعا ، وقيل : هي التي تقنع من النكاح بأيسره ، وهي نقيض القعيرة « لسان العرب ـ شفر ـ 4 : 419 » .

( 217 )

وحشاها بما لا حاجة للخلق فيه إلى معرفته ، ثم لما آل الامر إلى بيان وجه الاعجاز على التفصيل آية فآية وسورة فسورة ، ضم شفتيه ضما ، وختم على لسانه ختما ، فلم ينبس بكلمة أو كلمتين ، ورضي من الغنيمة بالاياب (6) .
وإذ صح أن السلف رحمهم الله مع تقدم الخواص منهم في علم البيان ، والتبحر في الاحاطة بحقائق المعاني ، وصدق رغبتهم في إحراز الثواب ، وحاجتهم إلى أن يكون لهم لسان صدق في الآخرين ممر الاحقاب ، لم يشتغلوا ببيان الاعجاز على التفصيل في كل آية منه ، بل أعرضوا من ذلك بواحدة مع أنهم أشاروا إلى ذلك على سبيل الاجمال ، والحال لا تخلو إما أن يقال خفي عليهم وجه الاعجاز على التفصيل على هذا الوجه ، فلم يقفوا عليه ولم يهتدوا إليه أولا . فإن قيل :
خفي عليهم ولم يقفوا عليه ولم يجدوا طريقا إليه . فيقال : إذن مؤنة البحث والتنقير عنهم ساقطة ، ووجوه العذر لهم في الاعراض عن ذلك ظاهرة .
ولئن لم يخف عليهم فلم لم يصرفوا معظم همهم إلى هذا الامر العظيم ، والخطب الجسيم ، فيصنفوا ويشرحوا كما صنفوا في فروع الاحكام من الحلال والحرام ، وصنفوا في فروع الكلام ، فلم يبق إلا أن يقال : أحدث في الكل منعا منعهم عن ذلك لمصلحة رآها فيه .
فهذه عدة أسئلة فليتفضل أدام الله علوه بالاجابه عنها ، والله يعصمه من الخطأ والزلل ، ويوفقه لاصابة القول والعمل ، إنه على ما يشاء قدير . تمت .
* *

____________
(6) مثل سائر ، أول من قاله امرؤ القيس بن حجر في بيت له ، وهو :
وقد طوفت في الآفاق حتى * رضيت من الغنيمة بالاياب
يضرب عند القناعة بالسلامة ، « مجمع الامثال 1 : 295|1560 » .

( 218 )

بسم الله الرحمن الرحيم
نمقت يد الاخ في الله الامام الصمصام زاده الله في الدين طمأنينة وثلجا (7) ، وفي مواقف الجدل فوزة وفلجا (8) ، صحيفة قد احتبى في تجويدها وتربع ، وتبدع في إنشائها وتبرع ، ولم يألها تمليحا وترشيقا ، وما ادخر عنها توشيحا وتطويقا ، وخرج سؤالات لوصك بها ابن الاهتم لهتمت أسنانه (9) ، أو ابن المقفع (10 ) لقفعت بنانه ، أو ابن القرية (11) لبقى خابطا في مرية (12) ، وإن أفرغ
____________
(7) يقال : ثلجت نفسي بالامر تثلج ثلجا ، وثلجت تثلج ثلوجا إذا اطمأنت إليه وسكنت ، وثبت فيها ووثـقت به « النهاية ـ ثلج ـ 1 : 219 » .
(8) الفالج : الغالب أو المنتصر ، انظر « النهاية ـ فلج ـ 3 : 468 » .
(9 ) صكه ضربه شديدا ، ومنه قوله تعالى : « فصكت وجهها » ، وابن الاهتم هو عمرو بن سنان الاهتم ، وإنما لقب أبوه سنان بالاهتم لانه هتمت ثنيته يوم الكلاب أي كسرت ، يقال : هتمت الثنيه إذا كسرتها ، وهتمت هي إذا انكسرت .
وعمرو هذا من أكابر سادات بني تميم وشعرائهم وخطبائهم في الجاهلية والاسلام وهو بليغ القول ، فصيح العبارة . قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم « إن من البيان لسحرا » لما سمع منه ما قاله في حق الزبرقان بن بدر . انظر شرح رسالة ابن زيدون عند الكلام على قوله : (وعمرو بن الاهتم إنما سحر ببيانك) . « هـ م » .
(10) عبد الله بن المقفع : من أئمة الكتاب ، وأول من عنى في الاسلام بترجمة كتب المنطق ، ولد في العراق مجوسيا ، وأسلم على يد عيسى بن علي (عم السفاح ) ، وولي كتابة الديوان للمنصور العباسي ، وأنشأ وسائل غاية في الابداع ، واتهم بالزندقة فقتله في البصره أميرها سفيان بن معاوية المهلبي سنة 142 هـ ، وأما المقفع أبوه فاسمه المبارك ، ولقب بالمقفع لان الحجاج ضربه فتقفعت يده أي تشنجت .
انظر « أمالي المرتضى 1 : 94 ، لسان الميزان 3 : 366 ، الاعلام للزركلي 4 : 140 » .
(11) هو أيوب بن زيد بن قيس بن زرارة الهلالي : أحد بلغاء الدهر ، خطيب يضرب به المثل ، يقال : « أبلغ من ابن القرية » والقرية جدته ، قتله الحجاج سنة 84 بعد أن أسره في وقعة دير الجماجم بعد أن قال له : والله لازيرنك جهنم ! قال : فأرحني فإني أجد حرها ! فأمر فضربت عنقه . ولما رآه قتيلا قال : لو تركناه حتى نسمع كلامه . وأخباره كثيرة .
انظر « وفيات الاعيان 1 : 250|106 ، الكامل في التاريخ 4 : 498 الاعلام 2 : 37 » .
(12) المراء : الجدال ، والتماري والمماراة : المجادلة على مذهب الشك والريبة « النهاية ـ مرا ـ 4 : 332 » .

( 219 )

صماخ قريته (13) ، وهكذا جحاجحة العرب ، لا تتخطاهم في رشق أصابه ، ولا تسقط لنازعهم في قوس نشابه (14) .
وسألني الاجابة عن تلك السؤالات بنظم رسالة من أبلغ الرسالات ، تقع من السائل موقع الفرات (15) من الحران (16) ، وتنزل منه منزلة السداد من الحيران ، وكرر الطلب وردد ، وألح فيه وشدد ، وضيق علي الامر وعوصه ، وقال : أنت الذي عينه الله وشخصه ، حتى لم أجد بدا من إجابته إلى ما أراد ، وإسعافه بما ابدأ فيه وأعاد ، وكان أمثل الامرين أن الجم نفسي وأحجرها ، وأن القمها حجرها ، ولا أفغر بمنطق فما ، ولا أبل بجواب قلما ، وليس بين فكي لسان دافع ، وليس في ماضغي ضرس قاطع ، ولا بين جنبي نفس حركة نشيطة ، ولكن حردة (17) مستشيطة ، لما أنا مفجوع به من مفارقة كل أخ كان يسمع مني الكلمة الفذة فيضعها على رأسه ، ويعض عليها بأضراسه ، ويتقبلها بروحه ، ويلصقها بكبده ، ويجعلها طوقا في أعلى مقلده ، ويسكنها صميم فؤاده ، ويخطها على بياض ناضره بسواده ، لولا خيفة أن تسول له نفسه أنني أقللت الاكتراث بمراسلته ، وأخللت الاحتفال بمسألته ، وأن يقول بعض السمعة ـ ممن يحسب لساني لسان الشمعة ـ :
أقسم بالله قسما ما وجد في ديسم (18) دسما ، فمن ثم ضرب عنه صفحا ، وطوى
____________
(13) أفرغ : صب ، وصماخ ككتاب : الاذن ، وكغراب : الماء ، وقرية : الحوصله . والمراد بها ما اشتهر به من البلاغة حتى صارت له كالعلم ، كما صار اسم حاتم للكرم ، والتفسير عليها دون القرية واحدة القرى ، ودون القربة سقاء الماء واللبن ، أي وإن صب اذن حافظته ، أو استنزف ماء قريحته ، كناية عن إجهاد نفسه في البيان ، وخنق فرسه في الميدان ، فهذه الاسئلة إن قرعت له سمعا يضيق بها ذرعا ، ويبقى خابطا في الشك والجدل ، لا حول له بها ولا حيل . « هـ م » .
(14) لا تسقط أي لا تخطئ ، ونزع القوس مدها ، ونشابه أي نبله ، أي هذه السؤالات كما يقصر عنها المذكورون من أئمة الادب ، فإنها تصيب بلاغة سادات العرب ، ولا تخطئ نبل متقوسهم في ارب . « هـ م » .
(15) الفرات : أشد الماء عذوبة « لسان العرب ـ فرت ـ 2 : 65 » .
(16) الحران : العطشان « مجمع البحرين ـ حرر ـ 3 : 264 » .
(17) يقال : حرد الرجل حرودا إذا تحول عن قومه وانفرد . انظر « النهاية ـ حرد ـ 1 : 362 » .
(18) الديسم : بالفتح ولد الدب ، قال الجوهري : قلت لابي الغوث : يقال إنه ولد الذئب من الكلبة ،

==


( 220 )

عنه كشحا ، ولم يوله لمحه طرف ، ولم ينطق في شأنه بحرف .
أما العرب فقد صح أن لغتها أصح اللغات ، وأن بلاغتها أتم البلاغات ، وكل من جمح في عنان المناكرة ، وركب رأسه في تيه المكابرة ، ولم يرخ للتسليم والاذعان مشافره (19) فما أفسد حواسه ومشاعره ! وهو ممن أذن بحرب منه لعقله الذي هو إمامه في المراشد ، ولتمييزه الذي هو هاديه إلى المقاصد .
إعلم يا من فطر على صلابة النبع ، وامد بسلامة الطبع ، ووفق للمشي في جادة العدل والانصاف ، وعصم من الوقوع في عاثور الجور والاعتساف ، فإن واضع هذا اللسان الافصح العربي من بين وضاع الكلام ، إن لم يكن واضعه رافع السماء وواضع الارض للانام ، فقد أخذ حروف المعجم التي هي كالمادة والعنصر ، وبمنزلة الاكسير والجوهر ، فعجمها مبسوطات فرائد ، ودافها (20) الواحد فالواحد ، وتقلقلت في يده قبل التأليف ، تقلقل الدنانير في أيدي الصياريف (21) ، حين تراهم ينفون زيفها وبهرجها (22) ، ويصطفون إبريزها وزبرجها ، فتخير من بينها أطوعها مخارج ، وتنخل منها أوطأها

____________
==
فقال : ما هو إلا ولد الدب ، وقال في المحكم : إنه ولد الثعلب . وقال الجاحظ : إنه ولد الذئب من الكلبة ، وهو أغير اللون وغبرته ممتزجه بسواد ، وحكمه تحريم الاكل على كل تقدير . « الحيوان 1 : 343 » .
(19) الشفر : بالضم ، وقد يفتح ، حرف جفن العين الذي ينبت عليه الشعر « النهاية ـ شفر ـ 2 : 484 » .
(20) داف الشيء دوفا وأدافه : خلطه « لسان العرب ـ دوف ـ 9 : 108 » .
(21) لم يرد جمع الصيرفي أي النقاد على هذه الصيغة إلا في الشعر قال ابن منظور : « الجمع صيارف وصيارفة ، والهاء للنسبة ، وقد جاء في الشعر الصيارف ، فأما قول الفرزدق :
تنفى يداها الحصى في كل هاجرة * نفي الدراهيم تنقاد الصيارف

فعلى الضرورة لما احتاج إلى تمام الوزن أشبع الحركة ضرورة حتى صارت حرفا » .

وقال الفيروز آبادي : « وقد جاء في الشعر صياريف » ولعل ما أورده الزمخشري تبعا لاقتضاء سجع العبارة ظاهرا ، انظر « لسان العرب 9 : 190 ، القاموس المحيط 3 : 162 ، مادة صرف » .
(22) البهرج : الباطل ، واللفظة معربة . وقيل كلمه هنديه أصلها نبهله ، وهو الردئ ، فنقلت إلى الفارسية ، فقيل نبهره ، ثم عربت فقيل : بهرج . « النهاية ـ بهرج ـ 1 : 166 » .

( 221 )

مدارج وميز أسلسها على الاسلات (23) ، وأعذبها على العذبات (24) ، وأحلاها في الذوق وأسمحها ، وأبهاها عند السبر وأملحها ، وأبعدها من مج الاسماع ، وأقربها امتزاجا بالطباع ، وأوقعها لفحول الامة الناغمة بأجراسها ، وأحسنها طباقا لطرق أنفاسها .
ولما انتقل من انتقاء وسائطها ، بعد انتقاد بسائطها ، إلى أن يؤلف ويركب ، ويرصف ويرتب ، عمد في عمل التراكيب إلى أشرف الانماط والاساليب ، فألف أنماطا تستهش (25) أنفس الناطقين ، وكلمات تتحلب (26 ) لها لهى (27) الذائقين ، وتجول في فجوات الافواه ، فتتمطق (28) بها مستلذات ، ويطرق بها الآذان فتهوي بها مغذات (29) ، وما طنت على مسامع أحد من أجيال الاعاجم ، وأخياف الطماطم (30) إلا أصغى إليها متوجسا ، وأصاخ لها مستأنسا ، وأناس (31) فوديه (32) مستعجبا ، وأمال عطفيه مستغربا ، وقال : ما هذا اللسان المستلذ على الصماخ (33) إيقاعه ، المحولى في مخارق الآذان استماعه ، المفارق لجميع اللغات والالسنة ، المصون من الحروف الملكنة .

____________
(23) الاسلات : جمع أسلة ، وهي طرف اللسان « النهاية ـ أسل ـ 1 : 49 » .
(24) عذبة اللسان : طرفه ، والجمع « عذبات » كقصبة وقصبات . « مجمع البحرين ـ عذب ـ 2 : 117 » .
(25) يقال : استهشني أمر كذا فهششت له أي استخفني فخففت له « لسان العرب ـ هشش ـ 6 : 364 » .
(26) تحلب العرق وانحلب أي سال « الصحاح ـ حلب ـ 1 : 115 » .
(27) جمع لهاة ، وهي اللحمات في سقف أقصى الفم « النهاية ـ لها ـ 4 : 284 » .
(28) يقال : ذاقه فتمطق له إذا ضم شفتيه إليه وألصق لسانه بنطع فيه مع صوت « أساس البلاغة : 432 » .
( 29) مغذات : مسرعات .
(30) أخياف أي مختلفون ، والطماطم جمع طمطم ، وهو الذي في لسانه عجمة لايفصح . انظر « أساس البلاغة ـ خيف ـ 124 ، الصحاح ـ طمم ـ 5: 1976 » .
(31) ناس الشيء ينوس نوسا ونوسانا : تحرك وتذبذب متدليا . « لسان العرب ـ نوس ـ 6 : 245 » .
(32) الفَوْدُ : معظم شعر الرأس ممايلي الاذن ، ووفودا الرأس جانباه « لسان العرب ـ فود ـ 3 : 340 » .
(33) صماخ الاذن بالكسر : الخرق الذي يفضي إلى الرأس ، وهو المسيع ، وقيل هو الاذن نفسها « مجمع البحرين ـ صمخ ـ 2 : 437 » .

( 222 )

وما ذاك إلا لان حكم المسموعات حكم المبصرات والممسوسات ، وغيرها من سائر المحسوسات ، فكما أن الاعين فارقة بين المناظر العثاث والملاح ، والاوجه القباح والصباح ، والانوف فاصلة بين الاعطار الفوائح ، وبين مستكرهات الروائح ، والافواه مميزة بين طعوم المآكل والمشارب وبين المستبشعات منها والاطائب ، والايدي مفرزة لما استلانت مما استخشنت ، ولما استخفت مما استرزنت (34) ، كذلك الآذان تعزل مستقيمات الالحان من عوجها ، وتعرف مقبول الكلام من ممجوجها ، والالسن تنبسط إلى ما أشبه من الكلام مجاج الغمام (35) ، وتنقبض عما يشاكل منه اجاج (36) الجمام (37) ، وهذه طريقة عامية يسمعها ويبصرها ويسلمها ولا ينكرها من يرى به شيء من طرف ، أو يرامق (38) بأدنى عرف .
وأما الطريقة الخاصية التي تضمحل معها الشبه ، ويسكت عندها المنطق المفوه ، فما عنى بتدوينه العلماء ، ودأب في تضييفه العظماء ، في ألفاظ العربية وكلمها ، من بيان خصائصها ونوادر حكمها ، مما يتعلق بذاوتها ، ويتصل بصفاتها ، من العلمين الشريفين ، والعلمين المنيفين ، وهما علم الابنية وعلم الاعراف ، المشتملان على فنون من الابواب ، وناهيك بكتاب سيبويه (39) الذي
____________
(34) رزنت الشيء أرزنه رزنا ، إذا رفعته لتنظر ما ثقله من خفته ، وشيء رزين أي ثقيل « الصحاح ـ رزن ـ 5 : 2123 » .
(35) مجاج الغمام : مطره . انظر « لسان العرب ـ مجج ـ 2 : 362 » .
(36) ماء اجاج أي ملح ؛ وقيل : مر ، وقيل : شديد المرارة ؛ وقيل : الاجاج : الشديد الحرارة . « لسان العرب ـ أجج ـ 2 : 207 » .
(37) الجمة : المكان الذي يجتمع فيه ماؤه ، والجمع الجمام . « الصحاح ـ جمم ـ 5 : 1890 » .
(38) رمقه بعينه رمقا : أطال النظر إليه « مجمع البحرين ـ رمق ـ 5 : 173 » .
(39) هو عمرو بن عثمان بن قنبر ، مولى بني الحارث ، يكنى أبا بشر وأبا الحسن ، الملقب بـ « سيبويه » ومعناه بالفارسية : رائحة التفاح ، ولد في إحدى قرى شيراز ، وقدم البصرة فلزم الخليل ابن أحمد ففاقه ، وصنف كتابه المعروف بـ « كتاب سيبويه » في النحو ، لم يصنع قبله ولا بعده مثله ، توفي سنة 180 هـ ، وفي مكان وفاته والسنة التي مات بها خلاف .
انظر « انباه الرواة 2 : 346|515 ، وفيات الاعيان 3 : 463|504 ، تأريخ بغداد

==


( 223 )

هو الكتاب ، يطلق فلا تضله الالباب ، وهو الديوان الاقدام ، والميزان الاقوم ، والقانون الذي هو لكل محتذ مثال ، والمعقل الذي لكل منضو تمثال ، وكأنه الرأس الذي هو رئيس الاعضاء ، والراز (40) الذي بيده مطمر (41) البناء ، والامام الذي إن نزلت بك شبهة أنزلتها به ، وإن وقعت بك معضلة أوردتها على بابه ، والحكمة التي قيدت بها الفلاسفه فهي حاجلة (42) فراسفه (43) .
حشا غامضات سيبويه كتابه * وأحـربـأن تعتاص تلك وتشتدا
إذا وقع الاحبار فيها تحيروا * فلم يجدوا من مرجع القهقرى بدا
آخران :
ألا صلى المليك صلاة صدق * على عمرو بن عثمان بن قنبر
فـإن كتابه لـم يغن عـنـه * بـنـو قـلـم ولا أبناء منبر
ثم لا تسأل عن تناسق هذه اللغة وتتاليها ، وعن تجاذب أطرافها وتجاليها ، وما ينادي عليه طرق اشتقاقها من حسن تلاؤمها واتفاقها ، يصادف المشتق الصيغ متناصره ، آخذا بعضها بيد بعض متخاصره ، ووراء ذلك من الغرائب ما لا ينزف وإن نزف البحر ، ومن الدقائق ما لا يدق معه الكهانة والسحر ، ولايعرف ذلك إلا من فقه فيها وطب (44) ، وزاولها مذ شب إلى أن دب ، وضرب آباطها (45) ، حتى بلغ نياطها (46) .

____________
==
12 : 195|6658 ، الاعلام 5 : 81 » .
(40) الراز : رأس البنائين « النهاية ـ روز ـ 2 : 276 » .
(41) المطمر : الزيج الذي يكون مع البنائين « الصحاح ـ طمر ـ 2 : 726 » .
(42) الحجل والحجل : القيد ، يفتح ويكسر ، والحجل : مشي المقيد ، وحجل يحجل حجلا إذا مشى في القيد « لسان العرب ـ حجل ـ 11 : 144 » .
(43) الرسف : مشي المقيد ، ورسف في القيد : مشى مشي المقيد ، وقيل : هو المشي في القيد رويدا ، فهو راسف « لسان العرب ـ رسف ـ 9 : 118 » .
(44) رجل طب بالفتح ، أي عالم « الصحاح ـ طبب ـ 1 : 171 » .
(45) من المجاز قولهم : نزل بإبط الرمل ، وهو مسقطه ، وبإبط الجبل ، وهو سفحه ، وضرب آباط المفازة ، وتقول : ضرب آباط الامور ومغابنها واستشف ضمائرها وبواطنها « أساس البلاغة ـ أبط ـ 1 » .
(46) النوط : عرق غليظ علق به القلب من الوتين ، قال أبوطالب في رسول الله صلى الله عليه وآله :

==