بعدقبل

اهل البيت (ع)

في راي صاحب الملل النحل





الدكتور محمد علي آذرشب



محمد بن عبدالكريم الشهرستاني (ت 548 هـ) صاحب كتاب « الملل ـ والنحل» المعروف ، دارت حوله بحوث كثيرة ، وخاصة فيما يرتبط بمذهبه.
فالاقدمون بين متهم إياه بالغلو في التشيع ، وبين مدافع عنه وموكد بأنه أشعري شافعي. والمتأخرون منهم من داافع عن نزاهته ، ومنهم من طعن فيه (1).

____________
(1) يذكر ظهير الدين البيهقي (ت 565 هـ) في كتابه« تتمة صوان الحكمة» ص 140 ، أن الشهرستاني كان يشتغل بتفسير القرآن على أساس الحكمة ، وهو أمر ـ في رأي البيهقي ـ بعيد عن الصواب ، لان ـ القرآن لا يفسر (إلا بتأويل السلف من الصحابة والتابعين).
ومحمود بن محمد الخوارزمي ـ معاصر للشهرستاني ـ قال عن الشهرستاني في كتاب « تاريخ خوارزم» : « ولولا تخبطه في الاعتقاد وميله إلى هذا الالحاد لكان هو الامام...». معجم البلدان 5 | 314 ـ 316.
وأبوسعد السمعاني (ت 562 هـ) ـ معاصر آخر للشهرستاني ـ أشار إلى أنه « متهم بالالحاد والميل إليهم. غال في التشيع). التحبير في المعجم الكبير 2 |161.
أما السبكي (ت 771 هـ) فينقل ما ذكره السمعاني في االتحبير ثم يقول : « وما أدري من أين ذلك لابن السمعاني ، فإن تصانيف أبي الفتح ـ أي الشهرستاني ـ دالة على خلاف ذلك». طبقات الشافعية الكبرى 5 | 128 ـ 130.
هذا بالنسبة للقدماء.
والمحدثون أيضا منهم من تحامل عليه مثل :
الشيخ عباس القمي في الكنى والالقاب 2 | 374 ، والعلامة الاميني في الغدير 3 | 142 ـ 147.
ومنهم من دافع عنه مثل بعض المستشرقين وبعض الكتاب المسلمين. راجع مقدمة بدران لكتاب « الملل والنحل».

( 8 )

ولما كانت كل الاختلافات في شخصيته تدور حول موقفه من آل البيت ـ عليهم السلام ـ ومذهبهم ، فنحن ندرس هذا الموقف على ضوء ما وصلنا من مؤلفاته ، وخاصة تفسيره المخطوط المعروف باسم « مفاتيح الاسرار ومصابيح الابرار» (2).

الامامة السياسية والامامة الدينية
واضح أننا لا نجد في مصادر الفكر الاسلامي السياسية ( القرآن والسنة ) انفصال بين الامامة السياسية والامامة الدينية. ورسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ جمع بين إمامة الدين والدنيا ، بسبب عدم انفصال الاثنين في نظرالاسلام ، لكن الذي حدث بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ هو ظهور نوع من الانفصال بين الامامتين ، فكان في المجتمع الاسلامي دوماً شخصية بارزة في الحكم هو ( الخليفة ) ، ثم كان في المجتمع أيضاً ( إمام ) أو ( أئمة ) يرجع إليهم الناس في شؤون دينهم ، وتلقي أحكامهم.
هذا الانفصال ظهر ـ طبعاً ـ في غير مدرسة أهل البيت عليهم السلام ، لان أتباع مدرسة أهل البيت كانوا يرون أن الامامتين مجتمعتان في شخص ( الامام ) ، وإن كان هذا الامام مقصياً عن ممارسة دوره في الحكم.
جدير بالذكر أن هذا الانفصال بدأ يتضح ويتبلور أكثر فأكثر منذ نهضة الحسين بن علي ـ عليه السلام ـ بعد أن حطمت هذه النهضة قدسية الخلافة الاموية (3) ، ثم بدأ الافتراق بين الامامتين يتسع ويأخذ طابعاً تشريعياً (4) مع توالي

____________
(2) النسخة التي راجعناها من تفسير الشهرستاني تتضمن جزءين في مجلد واحد. وتحتوى على مقدمة وتفسير سورتي الحمد والبقرة فقط. وهي نسخة وحيدة ـ فيما نعلم ـ محفوظة في مكتبة مجلس الشورى الاسلامي ، تحت رقم 8086 | 78 ب ، درسنا هذه النسخة وحققنا جزء منها ، في رسالة الدكتوراه ، محفوظة في كلية الالهيات والمعارف الاسلامية / جامعة طهران.
(3) ارجع حول دور ثورة الحسين في تحطيم قدسية الخلافة الاموية إلى كتاب : ( ثورة الحسين ) ، محمد مهدي شمس الدين.
(4) ارجع إلى « نظام الحكم والادراة في الاسلام » ، محمد مهدي شمس الدين ، ص 97 ـ 99 و 103 ـ 104 ـ و 107 ـ 112 ، ففيه توضيح مستند بشأن اتخاذ الامامة السياسية طابعا بعيدا عن المعايير الرسالية.


( 9 )

الخلفاء المروانيين والعباسيين ، بسبب ابتعاد هولاء الخلفاء بدرجة واخرى عما ينبغى أن يتحلى به إمام الدين من علم وفقاهة وتقوى والتزام.
وهذه مسألة هامة توضح لنا كثيرا من المسائل الغامضة في حياة الشخصيات الموالية لاهل البيت ولاء عاطفياً وفكرياً من أبناء السنة والجماعة... ومنهم الشهرستاني.
كتاب « الملل والنحل » متحامل على الشيعة والفرق الشيعية بشكل واضح ، لكن الشهرستاني حين يتحدث عن الامام الصادق ـ عليه السلام ـ يتبين من حديثه الامران المذكوران : أولا ـ ولاؤه العاطفي والفكري للصادق ، وثانيا ـ الانفصال بين الامامتين الدينية والسياسية.
يقول : « وهو [ الامام الصادق ] ذو علم غزير في الدين ، وأدب كامل في الحكمة ، وزهد بالغ في الدنيا ، وورع تام عن الشهوات. وقد أقام بالمدينة مدة ، يفيد الشيعة المنتمين إليه ويفيض على الموالين له أسرار العلوم ، ثم دخل العراق وأقام بها مدة ، ماتعرض للامامة قط [ المقصود طبعا الامامة السياسية ] ولا نازع أحدا في الخلافة قط ، ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط ، ومن تعلى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حط...» (5).
ومن الطبيعي أن تكبر في نظر الشهرستاني ـ وهو الحكيم العالم ـ مكانة الامامة العلمية الدينية ، وتصغر في عينه الامامة السياسية. ومن الطبيعي أن نرى عكس هذه النظرة ـ أي تضخم الامامة السياسية ـ عند العامة الدهماء من الناس ، وعند المنهارين أمام مراكز القوة والذين لا يقيمون وزنا لعلوم الدين وأهلها ، وهذه ظاهرة واضحة في مل عصور التاريخ الاسلامي.

مذهب أهل السنة والجماعة وأهل البيت
الشهرستاني في تفسيره المخطوط يتحدث عن تفرق الامة المسلمة إلى مذاهب شتى ، ويشير إلى أن الفرقة الناجية هي أهل السنة والجماعة... ثم ينقل

____________
(5) الملل والنحل | تحقيق بدران 1 | 148.

( 10 )

حديثا عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ عن معنى السنة والجماعة ، يقول :
« قال الذين لهم وجهة الحق : كما كان امة وجهة وقبلة هم مولوها ، فالفلاسفة وجهتهم إلى العقل والنفس ، والصابئة وجهتهم إلى الهياكل والاصنام ، واليهود وجهتهم إلى البيت المقدس ، وبعضهم إلى الشمس ، والمجوس وجهتهم إلى النور ، وبعضهم إلى الشمس ، والمسلمون وجهتهم إلى الكعبة ، وقد تعينت الكعبة قبلة للناس حقا ، كذلك لكل امة وفرقة وجهة إمام هم مولوه ومذهب هم متقلدوه ، كما قال النبى ـ صلى الله عليه وآله ـ : ستفترق امتى على ثلاث وسبعين فرقة ، الناجية منها واحدة ، والباقون هلكى. وكما أن الجهات كلها قد بطلت إلا جهة واحدة هي الكعبة بيت الله الحرام ، كذلك الفرق كلها قد هلكت إلا فرقة واحدة هم أهل السنة والجماعة ، كما قال في جواب السائل : وما السنة والجماعة ؟ قال : ما أنا عليه اليوم وأصحابي...) (6).
النص واضح في أن الشهرستاني على مذهب أهل السنة والجماعة ، ولكنه لا يفهم هذا المذهب كما أراد الامويون أن يبلوروه ويجعلوه جبهة مقابلة لاهل البيت ، بل يفهم هذا المذهب بأنه ما كان عليه السلف الصالح في عصر صدر الاسلام.
وكيف كان موقف هذا السلف من أهل البيت ؟ يقول الشهرستاني في تفسيره :
« ولقد كانت الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ متفقين على أن علم القرآن مخصوص بأهل البيت عليهم السلام ، إذ كانوا يسألون علي بن أبى طالب ـ رضي الله عنه ـ : هل خصصتم أهل البيت دوننا بشيء سوى القرآن ؟ وكان يقول : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا بما في قراب سيفي هذا ... الخبر (7).

____________
(6) الورقة 269 من المخطوطة.
(7) والذي في قراب سيفه كما يبدو من الروايات هو الصحيفة ، وهو كتاب في الديات (المراجعات ، المطبوع مع تحقيق الراضي | ص 411). وأخرج أحمد عن طارق بن شهاب ، قال : شهدت عليا ـ رضي الله عنه ـ وهو يقول على المنبر : « والله ما عندنا كتاب نقرؤه عليكم إلا كتاب الله تعالى وهذه الصحيفة ـ وكانت صحيفة معلقة بسيفه ـ أخذتها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم...==


( 11 )

فاستثناء القرآن بالتخصيص دليل على إجماعهم بأن القرآن وعلمه ، تنزيله وتأويله ، مخصوص بهم ، ولقد كان حبر الامة عبدالله بن عباس ـ رضي الله عنه ـ مصدر تفسير جميع المفسرين ، وقد دعا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ بأن قال : اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ، تتلمذ لعلي رضي الله عنه حتى فقهه في الدين وعلمه التأويل) (8).
ولو جمعنا بين النصين المذكورين أعلاه لا تضح أن كل من على مذهب أهل السنة والجماعة لا بد أن يرجع في فهم كتاب الله ـ على رأي الشهرستاني ـ إلى أهل البيت ، لان الصحابة فعلوا ذلك.

ضرورة الرجوع إلى أهل البيت
ذكرنا أن الشهرستاني يرى أن الصحابة كانوا مجمعين على أن فهم القرآن مختص بأهل البيت ، وينقل في هذا المجال أحاديث توكد على عدم انفصال القرآن عن أهل البيت ، من ذلك يروي « ان أبا ذرالغفاري ـ رضي الله عنه ـ شهد الموسم بعد وفاة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فلما احتفل الناس في الطواف وقف بباب الكعبة وأخذ بحلقة الباب ونادى: أيها الناس ، ثلاثا ، فاجتمعوا وأنصتوا ، ثم قال : من عرفني فقد عرفني ، ومنلم يعرفني فأنا أبوذر الغفاري ، احدثكم بما سمعته من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، سمعته حين احتضر يقول : إني تارك فيكم الثقلين ، كتاب الله وعترتي ، وإنهما لم يفترقا حتى يردا على الحوض كهاتين ـ وجمع بين إصبعيه المسبحتين من يديه وساوى بينهما ـ ولا أقول كهاتين ـ وقرن بين إصبعه الوسطى والمسبحة من يده اليمنى ـ لان إحداهما تسبق الاخرى ، ألا وإن مثلهما فيكم مثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ومن تركها غرق» (9).
مثل هذا التأكيد على ضرورة الرجوع إلى أهل البيت ينقله الشهرستاني

____________
==
الحديث» ، مسند أحمدبن حنبل 2 | 121 ح 782.
(8) الورقة 1 | أ من المخطوطة.
(9) الورقة 26 | أ ، ب من المخطوطة.

( 12 )

عن الامام الصادق ـ عليه السلام ـ ، قال :
« عن جعفر بن محمد ـ عليه السلام ـ : ان رجلا سأله فقال : من عندنا يقولون في قوله تعالى : فاسألوه أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ، أن الذكر هو التوراة ، وأهل الذكر هم علماء اليهود ، فقال : إذن والله يدعوننا إلى دينهم ، بل نحن والله أهل الذكر الذين أمر الله تعالى برد المسألة إلينا. وكذلك نقل عن علي ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : نحن أهل الذكر» (10).
علم علي عليه السلام
يعقد الشهرستاني في تفسير كل مقطع قرآني فصلا تحت عنوان « الاسرار » يبين فيه الابعاد العميقة للايات ، ويشير في المقدمة إلى أنه حصل على هذه الاسرار من البيت العلوي ، وخلال فصوله يركز على علم علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ داعما حديثه بروايات ينقلها عن علي والصحابة من ذلك ما ذكرناه بشأن تتلمذ ابن عباس لعلي ، وما رواه : « عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ : ان القرآن انزل على سبعة أحرف ، ما منها حرف إلا له ظهر وبطن ، فإن عليا عنده منه علم الظاهر والباطن » (11).
« وقد قال علي ـ رضي الله عنه ـ والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم انزلت وأين انزلت ، إن ربي وهب لي قلبا عقولا ، ولسانا سؤولا»(12).
« وقال علي ـ رضي الله عنه ـ : سلوني قبل أن تفقدوني ، فما أحد أعرف مما ـ في اللوحين مني »(13).
نتيجة الابتعاد عن أهل البيت
يرى الشهرستاني أن ما وقع للمسلمين من تحير فكري واختلاف عقائدي

____________
(10) هذه الرواية نقلها المجلسي في بحاره عن تفسيرالشهرستاني (البحار 23 | 172).
(11) و (12) الورقة 25 | ب من المخطوطة.
(13) الورقة 26 | ب من المخطوطة.


( 13 )

كان سببه الابتعاد عن أهل البيت ـ عليهم السلام ـ ، يقول ـ بعد أن يصف تحير المتحيرين في تفسير القرآن :
« وإنما وقع لهم هذا التحير لانهم ارتابوا العلم من بابه ، ولم يتعلقوا بذيل أسبابه ، فانغلق عليهم الباب ، وتقطعت بهم الاسباب ، وذهبت بهم المذاهب حيارى ضالين : (ذلك بأنهم كذبوا بايات الله وكانوا عنها غافلين) (14) وآيات الله أولياؤه ، كما قال تعالى : (وجعلنا ابن مريم وامه آية) (15) ، وقد قال عز من قائل : (ولو ردوه إلى الرسول وإلى اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) (16) ، ولا كل مستنبط مصيب ، وإلا لبطل فائدة (منهم) و (منهم).
وأذكر الخبر عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ : (علي مني وأنا منه) (17) ، وقال حين نزلت سورة براءة: (يبلغها رجل منك)...) (18).
يتحدث الشهرستاني في مقدمة تفسيره عن جمع القرآن وعن المصاعب والمشاكل التي واجهت المسلمين في لم شتات القرآن ، ويرى أنهم لو تركوا هذه المسؤولية لاهل البيت ما واجهوا هذه العقبات ، ولكن « الذين تولوا جمعه... لم يراجعوا أهل البيت ـ عليهم السلام ـ في حرف بعد اتفاقهم على أن القرآن مخصوص بهم ، وأنهم أحد الثقلين في قول النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ : (إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي ـ وفي روايةـ أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا ، وإنهما لم يفترقا حتى يردا علي الحوض) (19)... » (20).

* * *


____________
(14) كذا في الاصل ، وفي القرآن : « ذلك بأنهم كذبوا باياتنا وكانوا عنها غافلين » الاعراف | 146.
(15) المؤمنون | 50.
(16) النساء | 83.
(17) صحيح الترمذي 5 | 296 ح 3796.
(18) الورقة 25 | ب من المخطوطة.
(19) راجع مصادر الحديث من كتب الصحاح والمسانيد في (البيان في تفسير القرآن) للسيد ـ الخوئي | ص 499 ، وسبيل النجاة في تتمة المراجعات للراضي | ص 20 ـ 22.
(20) الورقة 5 | أ من المخطوطة.


( 14 )

الانحراف عن أهل البيت كانحراف الامم السابقة
يشير الشهرستاني في مواضع عديدة من تفسيره إلى أن ما جرى على أهل البيت من ابتعاد وإقتصاء إنما يشبه ما حدث من انحرافات في الامم السابقة. فما جرى على (طالوت) جرى على (علي) ، وما جرى لبني إسرائيل جرى لقتلة الحسين ابن علي ... وأمثال هذه التشبيهات كثيرة نذكر على سبيل المثال قوله في تفسير آيات قصة طالوت وجالوت :
« إن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ قال : (أنت يا علي طالوت هذه الامة وذو قرنها) وعلى هذا لتمثيل يجب أن يجري ما أمكن من أحكام طالوت في علي ابن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ . من قول نبيهم : (إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا). وقول بعضهم : (أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه) ، أي بالولاية والامارة ، (ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا). هذا من جهةاختيار الله ، (وزاده بسطة في العلم) فهو أعلم الناس وأقضاهم ، (والجسم) فهو أشجع الناس وأقواهم. وهذا ـ من جهة نفسه ، (والله يؤتي ملكه من يشاء). والملك ملك الدين. والله واسع ـ العطاء عليم بمواضع العطاء...».
ويقول في بيان أسرار قوله تعالى : (وإذ قال موسى لقومه ياقوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل) (22) :
« قال المعتبرون بقصص القرآن : ما من قصة في القرآن إلا ووزانها موجود في هذه الامة ، إما فيما مضى من الزمان ، وإما في مايستقبل ، فلئن ظهر في بني إسرائيل فتنة عبادة العجل من السامري بعد غيبة موسى ـ عليه السلام ـ ، وفي زمان خلافة هارون ـ عليه السلام ـ ، كذلك ظهرت في هذه الامة فتن في عباده العجال واتخاذهم أئمة خلفاء يعبدونهم عبادة القوم في بني إسرائيل ، يحلون الحرام ،

____________
(21) الورقة 388 | ب ، والورقة 389 | أ من المخطوطة.
(22) البقرة | 54.


( 15 )

ويحرمون الحلال ، فيتابعونهم على ذلك. ومن أصغى إلى أحدهم فقد عبده. وهم الذين رآهم النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ في نعمته على المنبر : (كأن رجالا ينزون على منبري نزو القردة) وأنزل الله تعالى : (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك ـ إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن) ، فدفعت جماعة أولياء الله عن حقهم ، ـ وقتلت جماعة أولياء الله بغير حق ، وكلهم يعبدون عجلا نصبوه ... فكما أمر عبدة العجل بقتل أنفسهم على ما حكى في القصة ، كذلك أنزل الله سخطه على عبدة العجال في هذه الامة حتى قتل في ساعة من نهار سبعون ألفا من قتلة الحسين ـ رضي الله عنه ـ وهم عاكفون على عبادة يزيد ، زاده الله عقابا في النار. وتلك السحابة السوداء بعد باقية حيت يبلغ الكتاب أجله...» (23).

المصاديق القرآنية وأهل البيت
في كتب التفسير روايات كثيرة توضح مصداق الاية القرآنية، وقسم كبير من هذه الروايات يجعل أهل البيت مصداقا لم أثنى عليهم القرآن ومجدهم وأكد على حقوقهم.
الشهرستاني في تفسيره ينحى هذا المنحنى ، ويسمي عملية الكشف عن المصداق باسم (تشخيص الخاص) ، فالعام يحتاج إلى تخصيص ، والخاص يجتاج ـ على رأي الشهرستاني ـ إلى تشخيص ، وهذا التشخيص هو نفسه عملية « التأويل » لايات القرآن الكريم.
قال في بيان أسرار قوله تعالى : (ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير) (24) :
(قال المصلحون لاموال اليتامى : إن أول يتيم في الدين من قال في حقه : (ألم يجدك يتما فاوى) ، وهو الدر اليتيم ، وهو الفرد من الدرالذي لا زوج له. وإنما آواه بأبي طالب على قول عامة المفسرين. والاصلاح له : اتباعه ، والمناصحة

____________
(23) الورقة 154 من المخطوطة.
(24) البقرة | 220.


( 16 )

له ، والقيام بأمره.
واليتيم الثاني : علي بن أبي طالب أخوه في الدين ومولاه بمعنى الاتباع ، ومولى المؤمنين بحكم الاستتباع (من كنت مولاه فعلي مولاه) ، والاصلاح له موالاته ومشايعته ، والحب له في الله ، وهو يتيم عن والده ، فاواه رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ كفاء لحق والده إذ آواه.
واليتيم الثالث : فاطمة عليها السلام. ومن بقي عن مثل المصطفى فهو أحق باليتم. والاصلاح لها إعطاء حقها ومعرفة قدرها ، وتعظيم شأنها وأمرها. وكذلك أولادها فهم اليتامى ، ورثوا يتمهم من آبائهم الطاهرين. وهم الافراد من الدر اليتيم » (25).
وقال فيما قاله عن أسرار قوله تعالى : (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع... أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) (26).
« ... وسر آخر : الاية خاصة بجماعة من المهتدين الهادين المهديين.
وكذلك الصلوات خاصة بهم ، بها أرفع الدرجات التي يرتقي إليها الانسان ، ولا يجوز إطلاقها إلا على الانبياء والاولياء ، ولذلك نقول : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، والوصل والصلة من باب واحد ، وصلى ووصل على نمط ، (ولقد وصلنا لهم القول) ، (والذين يصلون ما أمرالله به أن يوصل) ، وكما وصل القول الحق ، والامر العدل ، من إبراهيم إلى إسماعيل إلى أولاده الطاهرين حتى ظهر بصاحب الشريعة الاخرة ، كذلك وصل القول منه إلى أهل بيته المطهرين حتى ينتهي إلى يوم الدين ، صلاة دائمة يزكيها إلى يوم الدين ، كما صلى على إبراهيم وآل إبراهيم ، إنه حميد في القول الاول ، مجيد في القول الاخر. وهذا معنى الصلوات على النبي وآله فيما يلي عالم الخلق على الاشخاص ، ثم الصلوات على النبي وآله فيما يلي عالم الامر على الارواح ، فهي أشرف البركات ، وأعلى التحيات ، وأطيب الطيبات على أرواح الطاهرين والطاهرات من المسلمين والمسلمات ، والمؤمنين والمؤمنات ،

____________
(25) الورقة 359 من المخطوطة.
(26) البقرة | 155 ـ 157.


( 17 )

وذلك خاص بقوم مخصوصين.
وكما اختص الجزاء بهم ، كذلك اختص البلاء بهم ، (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع) خاص بهم ، نازل فيهم ، ومن خص بالخوف والجوع في الدنيا قيل له في العقبى : (لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون). ومن خص بنقصان في المال والنفس والولد خص بكمال في الحال والنفس والولد ، وفي شأنهم : (وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا)... الايات.
فهم أصحاب الكساء خمسة أشخاص ، ولهم من البلاء خمسة أحوال ، و (عليهم صلوات من ربهم ورحمة واولئك هم المتهدون) ، ومن كان من محبيهم يبتلى بواحد أو اثنين كان له من الصلوات والرحمة على قدر بلائه ، (ومن أحبنا أهل البيت فليعد للبلاء جلبابا)...» (27).

أهل البيت يرفضون الغلو
لم يترك الشهرستاني حديثه عن أهل البيت دون أن يشير إلى رفض أهل البيت للغلو وللاتجاه الباطني المعرض عن ظواهر الشريعة. وهو بذلك يبين أن إيمانه بمدرسة أهل البيت لا يشوبها غلوالغالين ، ولا انحرافات الباطنيين.
ولعله أراد بذلك أن يدافع عن نفسه تجاه ما رشقه به معاصروه من تهمة الميل إلى أهل القلاع.
يذكر في مقدمة تفسيره « ان سدير الصيرفي سأل جعفر بن محمد الصادق ـ عليه السلام ـ فقال : جعلت فداك ، إن شيعتكم اختلفت فيكم ، فأكثرت حتى قال بعضهم : إن الامام ينكت في اذنه ، وقال آخرون : يوحى إليه ، وقال آخرون : يقذف في قلبه ، وقال آخرون : يرى في منامه ، وقال آخرون : إنما يفتي بكتب آبائه ، فبأي جوابهم آخذ جعلني الله فداك ؟ قال : لا تأخذ بشيء مما يقولون يا سدير ، نحن حجة الله وامناؤه على خلقه، حلالنا من كتاب الله ، وحرامنا
____________
(27) الورقة 277 | ب من المخطوطة.

( 18 )

منه» (28).
وفي موضع آخر من المقدمة قال : (روي أن الفيض بن المختار دخل على جعفر بن محمد ـ عليه السلام ـ فقال : جعلت فداك، ما هذا الاختلاف الذي بين شيعتك ، فإني ربما أجلس في حلقتهم بالكوفة فأكاد أشك ، فأرجع إلى المفضل فأجد عنده ما أسكن إليه. فقال أبوعبدالله : أجل ، إن الناس اغروا بالكذب علينا ، حتى كأن الله ـ عزو جل ـ فرضه عليهم لا يريد منهم غيره ، وإني لا حدث أحدهم الحديث فلا يخرج من عندي حتى تناوله على غير تأويله» (29).
ويروي أيضا أن الامام الصادق ـ عليه السلام ـ : « كتب إليه أن قوما من شيعته قالوا : إن الصلاة رجل ، والصوم رجل ، والزكاة رجل ، والحج رجل ، فمن عرف ذلك الرجل فقد صلى وصام وزكى وحج ، وكذلك تأولوا المحارم على أشخاص ، فقال :
من كان يدين الله بهذه الصفة التي سألت عنها فهو عندي مشرك بين الشرك. واعلم أن هؤلاء القوم قوم سمعوا ما لم يقفوا على حقيقته ، ولم يعرفوا حدود تلك الاشياء مقايسة برأيهم ، ومنتهى عقولهم ، ولم يضعوها على حدود ما امروا به تكذيبا وافتراء على الله وعلى رسوله ، وجرأة على المعاصي ، والله تعالى لم يبعث نبيا يدعو إلى معرفة لبس فيها طاعة ، وإنما يقبل الله ـ عزوجل ـ العمل من العباد بالفرائض التي أفرضها عليهم بعد معرفة من جاء بها من عنده. فأول ذلك معرفة من دعا إليه ، وهو الله الذي لا إله إلا هو ، وتوحيده ، والاقرار بربوبيته ، ومعرفة الرسول الذي بلغ عنه ، وقبول ما جاء به ، ثم معرفة الائمة بعد الرسل الذين افترض طاعتهم في كل عصر وزمان على أهله ، ثم العمل بما افترض الله ـ عزوجل ـ تحريما ظاهرا وباطنا ، واجتناب ما حرم الله ـ عز وجل ـ تحرينا ظاهرا وباطنا ، وإنما حرم الظاهر بالباطن ، والباطن بالظاهر ـ جميعا ، والاصل والفرع كذلك » (30).
____________
(28) الورقة 25 | ب من المخطوطة.
(29) الورقة 26 | أ من المخطوطة.
(30) الورقة 26 | أ. الرواية في البحار 24 | 286 ـ 289.


( 19 )

مصادر الشهرستاني في معرفة مدرسة أهل البيت
ليس من العسير أن نستنتج من خلال ماكتبه الشهرستاني في « الملل والنحل » أنه كان على اطلاع واسع بشأن مصادر المذاهب المختلفة ، ويتبين من خلال تفسيره المخطوط أنه بحث عن علوم أهل البيت ـ بعد أن آمن بمنزلتهم ومكانتهم ـ لدن من عنده أثارة من علوم آل محمد ، سواء كان من الصوفية ، أو من أهل الحديث ، أو من الشيعة الامامية ، أو الاسماعيلية ، آخذا ما كان في اعتقاده ـ من علوم آل البيت ورافضا ما كان ـ في اعتقاده ـ منحولا عليهم ، غير متقيد بمعتقدات مدرسة مذهبية معينة.
ويبدو أن أول من وجهه إلى علوم أهل البيت هو استاذه الانصاري (31).
يقول في مقدمة تقسيره : (ولقد كنت على حداثة سني أسمع تفسير القرآن من مشايخي سماعا مجردا حتى وفقت فعلقته على استاذي ناصر السنة أبي القاسم سلمان بن ناصر الانصاري ـ رضي الله عنه ـ تلقفا ، ثم أطلعني [ من ] مطالعات كلمات شريفة عن أهل البيت وأوليائهم ـ رضي الله عنهم ـ على أسرار دفينة واصول متينة في علم القرآن...).
ويبدو أن الانصاري كان حافزا للشهرستاني كي بطلب مزيدا من علوم أهل البيت ، فبدأ يبحث ، وإذا هو يعثر عى ضالته عند (عبد من عباد الله الصالحين) ، يقول في المقدمة بعد الفقرة المذكورة :
« ... وناداني من هو في شاطيء الوادي الايمن في البقعة المباركة من الشجرة الطيبة : (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين).
فطلبت الصادقين طلب العاشقين ، فوجدتعبدا من عباد الله الصالحين ، كما طلب موسى ـ عليه السلام ـ مع فتاه (فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من

____________
(31) أبوالقاسم ، سلمان بن ناصر الانصاري ، من أهل نيسابور ، عالم في التفسير ، ومن أهل العرفان والتصوف . واجع ترجمته في طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 7 | 96 ، وتاريخ نيسابور | 386 ، العبر 4 | 27.

( 20 )

عندنا وعلمناه من لدنا علما) فتعلمت مناهج الخلق والمر ، ومدارج التضاد والترتب ، ووجهي العموم والخصوص ، وحكمي المفروغ والمستأنف ، فشبعت من هذا المعا الواحد دون الامعاء التي هي ماكل الضلال ومداخل الجهال...» (32).
ولا يوضح لنا الشهرستاني من هو العبد الصالح هذا ، بل يتضح من القرائن أنه رجل يحمل علوم أهل البيت ، لان ما تعلمه منه هو اسس الاسرار المذكورة في تفسيره. وهذه الاسرار لا ينسبها الشهرستاني لنفسه حين يذكرها ، بل ينسبها إلى آخرين. يقول مثلا... قال أهل القرآن ... قال أصحاب الاسرار ، وهو يوضح هذه النسبة في آهر الفصل السابع من مقدمته فيقول :
« وإذا قلت : قال أهل القرآن ، وأصحاب الاسرار ، أو الذي شققت له اسما من معنى الاية ، فلا اريد به نفسي عياذا بالله ، وإنما اريد الصديقين من أهل بيت النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ فهم الواقفون على الاسرار ، وهم من المصطفين الاخيار) (33).
ثم إن الشهرستاني حين ينقل أحاديث عن أهل البيت أو روايات في فضلهم لا يذكر ـ مع الاسف ـ مصادره ، ولا أسانيده ، بل ينقلها مرسلة ، ولذلك لا نستطيع أن نتعرف على مصادره سوى ما ذكرنا ، وسوى كتابين حديثيين ذكرهما في مقدمته ، الاول : صحيح البخاري ، والثاني : الكافي للكليني.
لكن الشهرستاني قد رجع حتما إلى كتب اخرى للحصول على علوم أهل البيت ، ولا نستبعد أن تكون بعض مراجعه اسماعيلية.

تلخيص واستنتاج
الشهرستاني رجل استطاع أن يتجاوز الاطار الاموي الذي ضرب على الفكر الاسلامي... وفهم مذهب أهل السنة والجماعة على أنه العمل بما كان عليه رسول الله وأصحابه... وهذا يفرض الولاء الفكري لمدرسة أهل البيت

____________
(32) الورقة 1 | ب من المخطوطة.
(33) الورقة 18 | أ من المخطوطة.


( 21 )

ـ عليهم السلام ـ.. من هنا راح يبحث عن علوم هذه المدرسة دون أن يتقيد بمذهب معين من المذاهب المشايعة لاهل البيت.
ومثل ذلك فعل كثيرون من علماء السنة والجماعة بدرجة أو اخرى كالامام الشافعي ، والحاكم النيسابوري ، والثعلبي المفسر ،والكياهراسي.
واليوم ، وبعد زوال الرقابات الفكرية التي كانت تفرضها مصالح السلاطين.. يستطيع المسلمون جميعا أن يجدوا في فكر مدرسة أهل البيت خير محور..للعودة إلى إسلام رسول الله وأصحابه الكرام... ولتحقيق وحدة إسلامية فكرية بين أبناء امتنا الاسلامية.
والحمد لله أولا وآخرا ، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين.

* * *