صلةقبل


عمر ، قال : حضرت موت حسن بن علي فقلت للحسين بن علي : اتق الله ! ولا تثير فتنة ولا تسفك الدماء وادفن أخاك إلى جنب امه ، فإن أخاك قد عهد ذلك إليك ، فأخذ بذلك حسين (124).
قال : أخبرنا محمد بن عبدالله الاسدي ، قال : حدثنا سفيان الثوري ، عن أبي الجحاف ، عن إسماعيل بن رجاء ، قال : أخبرني من رأى حسين بن علي قدم على الحسن بن علي سعيد بن العاص وقال : لو لا أنها سنة ماقدمتك ! (125).
قال : أخبرنا سعيد بن منصور ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن سالم ابن أبي حفصة ، عن أبي حازم الاشجعي ، قال : قال حسين بن علي لسعيد بن العاص تقدم ، فلولا أنها سنة ما قدمتك ـ يعني على الحسن بن علي..
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا إسرائيل ، عن جابر ، عن أبي الاشعث ، عن حسين بن علي : انه قال لسعيد بن العاص ـ وهو يطعن بإصبعه في منكبه ـ : تقدم ، فلو لا أنها السنة ما قدمناك.
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا الحسن بن عمارة ، عن راشد عن حسين بن علي : انه قال يومئذ : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : الامام أحق بالصلاة !
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا هاشم بن عاصم ، عن جهم بن أبي جهم ، قال : لما مات الحسن بن علي بعثت بنوهاشم إلى العوالي صائحا يصيح في كل قرية من قرى الانصار بموت حسن ، فنزل أهل العوالي ولم يتخلف أحد عنه (126).
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا داود بن سنان ، قال : سمعت
____________
(124) رواه ابن عساكر في تاريخه ص 216 بإسناده عن ابن سعد.
(125) عندنا أن الامام لا يجهزه ولا يصلي عليه إلا الامام الذي بعده ، والامام الحسن ـ عليه السلام ـ جهزة أخوه الحسين ـ عليه السلام ـ وهو الامام بعده ، وصلى عليه خفية ليؤدي ما عليه ، وقدم سعيد بن العاص أمير المدينة يومئذ للصلاة عليه في الظاهر وأمام الملا ، فهذه الرواية ومايأتي في الروايات الاتية أن سعيد بن العاص قم للصلاة عليه ـ على يفرض صحتها ـ لا تنافي ما ذكرنا.
(126) رواه ابن عساكر في تاريخه برقم 371 بإسناده عن ابن سعد.

( 182 )

ثعلبة بن أبي مالك قال : شهدنا حسن بن علي يوم مات ودفناه بالبقيع ، فلقد رأيت البقيع ولو طرحت إبرة ما وقعت إلا على أنسان (127).
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا محمد بن عبدالله بن عبيد بن عمير ، عن ابن أبي نجيح ، عن أبيه ، قال : بكى على حسن (128) بن علي بمكة والمدينة سبعا النساء والرجال والصبيان.
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا حفص بن عمر ، عن أبي جعفر ، قال : مكث الناس يبكون على حسن بن علي سبعا ما تقوم الاسواق (129).
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثني عبدالله بن جعفر ، عن ام بكر بنت المسور ، قالت : كان الحسن بن علي سقي مرارا ، كل ذلك يفلت حتى كانت المرة الاخرة التي مات فيها ، فإنه كان يختلف كبده ، فلما مات أقام نساء بني هاشم عليه النوح شهرا (130).
____________
(127) رواه ابن عساكر في تاريخه برقم 372 ، والمزي في تهذيب الكمال ، كلاهما في ترجمة الحسن ـ عليه السلام ـ عن ابن سعد.
وأخرجه الحاكم في المستدرك 3 | 373 ، والذهبي في تلخيصه ، وابن حجر في الاصابة 1 | 330 ، كلهم عن الواقدي.
(128) كان في الاصل : حسين ! والصحيح : حسن ، فإنه في ترجمته ، وكذا ابن عساكر رواه في ترجمة الحسن ـ عليه السلام ـ من تاريخه برقم 373 بإسناده عن ابن سعد وفيه : حسن ، وكذا ابن كثير في تاريخه 8 | 44.
ومهما كان ، سواء كان حسنا أو حسينا فإن هذه الرواية والروايات الاتية الثلاث تدل على جواز البكاء والنوح والحداد على الميت عند من يحتج بعمل الصحابة وعمل أهل المدينة.
وقد روى ابن إسحاق عن مساور ، قال : رأيت أبا هريرة قائما على المسجد يوم مات الحسن يبكي وينادي بأعلى صوته : يا أيها الناس ، مات اليوم حب رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فابكوا [ تهذيب كمال للمزي ، وتهذيب التهذيب 2 | 301 ، والبداية والنهاية 8 | 44 ].
وأقوى من ذلك كله ما يأتي في ترجمة الحسين ـ عليه السلام ـ من بكاء جده وأبيه عليه ـ صلوات الله عليهم ـ فراجع.
(129) أخرجه الحاكم في المستدرك 3 | 173 عن الواقدي ، وليس فيه : سبعا.
(130) تقدم في صفحة 152 ، ورواه الحافظ المزي في تهذيب الكمال ، وابن عساكر في تاريخه برقم 338 ، كلاهما عن ابن سعد.
وقال ابن الاثير في اسد الغابة 1 | 16 : ولما مات الحسن أقام نساء بني هاشم عليه النوح شهرا ، ولبسوا الحداد سنة. =



( 183 )

قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثتنا عبيدة بنت نابل ، عن عائشة بنت سعد ، قالت : حد نساء بني هاشم على حسن بن علي سنة (131).
قال : أخبرنا علي بن محمد ، عن يونس بن أبي إسحاق ، عن أبيه ، عن عمرو بن بعجة ، قال : أول ذل دخل على العرب موت الحسن بن علي (132).
قال : أخبرنا علي بن محمد ، عن جويرية بن أسماء ، قال : لما مات الحسن ابن علي ـ رضي الله عنه ـ أخرجوا جنازته فحمل مروان سريره ! فقال له الحسين : تحمل سريره ، أما والله لقد كنت تجرعه الغيض ؟ ! فقال مروان : إني كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال (133).
قال : أخبرنا علي بن محمد ، عن مسلمة بن محارب ، عن حرب بن خالد ، قال : مات الحسن بن علي لخمس ليال خلون من شهر ربيع الاول سنة خمسين.
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا عبدالله بن نافع ، عن أبيه ، قال : سمعت أبان بن عثمان يقول : إن هذا لهو العجب يدفن ابن قاتل عثمان مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبي بكر وعمر ! ! ويدفن أمير المؤمنين المظلوم الشهيد ببقيع الغرقد (134).
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا علي بن محمد العمري ، عن
____________
=
ورواه ابن كثير في تاريخه 8 | 43 عن الواقدي كما هنا ، وقال في ص 44 : وقد بكاه الرجال والنساء سبعا واستمر نساء بني هاشم ينحن عليه شهرا ، وحدث نساء بني هاشم عليه سنة.
(131) أخرجه الحاكم في المستدرك 3 | 173 ، وابن كثير في تأريخه 8 | 43 ، عن الواقدي وهو محمد بن عمر.
وعبيدة ـ بضم العين كما في الاكمال 6 | 39 ـ بنت نابل ـ بالباء ـ ، ففي الاكمال 7 | 325 : أما نابل ـ بعد الالف باء معجمة بواحدة ـ فهو... وعبيدة بنت نابل تروي عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص...
(132) وأورده الحافظ المزي في تهذيب الكمال عن ابن سعد ، ورواه محمد بن حبيب في أماليه من قول ابن عباس ، كما نقله عنه ابن أبي الحديد 16 | 10.
(133) رواه أبو الفرج في مقاتل الطالبيين ص 74 ، وعنه ابن أبي الحديد 16 | 51 ورواه قبله في ص 13 عن المدائني ، ورواه الذهبي في سير أعلام النبلاء 3 | 183.
(134) بل العجب كل العجب تدخل أبناء الشجرة الملعونة في شؤون النبي وذريته ـ عليه وعليهم السلام ـ ، نعم العجب كل العجب دفن الاباعد عنده ! ومنع عترته من الدفن معه !

( 184 )

عيسى بن معمر ، عن عباد بن عبدالله بن الزبير ، قال : سمعت عائشة تقول يومئذ : هذا الامر لا يكون أبدا ! يدفن ببقيع الغرقد ، ولا يكون لهم رابعا ، والله إنه لبيتي أعطانيه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، في حياته ، وما دفن فيه عمر وهو خليفة إلا بأمري ، وما أثر علي ـ رحمه الله ـ عندنا بحسن ! (135).
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا أبو بكر بن عبدالله بن أبي سبرة ، عن مروان بن أبي سعيد ، عن نملة بن أبي نملة ، قال : أعظم الناس يومئذ أن يدفن معهم أحد ! وقالوا لمروان : أصبت يا با عبدالملك ! لا يكون معهم رابع أبدا (136).
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثني عبدالرحمن بن أبي الزّناد ، عن إبراهيم بن يحيى بن زيد ، قال : سمعت خارجة بن زيد يقول : صوب الناس يومئذ مروان ورأوا أنه عمل بحق ! لا يكون معهما ـ يعني أبا بكر وعمر ـ ثالث أبدا (137).
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثني محرز بن جعفر ، عن أبيه ، قال : سمعت أبا هريرة يقول يوم دفن الحسن بن علي : قاتل الله مروان ، قال : والله ما كنت لادع ابن أبي تراب يدفن مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد دفن عثمان بالبقيع !
فقلت : يا مروان اتق الله ولا تقل لعلي إلاخيرا ، فأشهد لسمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ [ يقول ] يوم خيبر : لاعطين الراية رجلا يحبه الله ورسوله
____________
(135) نترك التعليق هنا لزميلنا العلامة الباحث الشيخ محمد علي برو ، حيث كتب مقالا ضافيا ودراسة شاملة حول مدفن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ وحجرة عائشة ، فليراجع ، فقد طبع غير مرة باسم : أين ـ دفن النبي ؟ صلى الله عليه وآله.
(136) من هؤلاء الناس الذين صوبوا رأي مروان ؟ لم يصوب رأيه إلا من كان على شاكلته من أبناء الشجرة المعلونة في القرآن ، معاوية ونظراؤه من رؤوس الشقاق والنفاق الذين لميزالوا حربا لله ولرسوله ولال بيت رسوله منذ الجاهلية وهلم جرا.
بل إنما وقف مروان هذا الموقف إرضاء لمعاوية ليرد إليه ولاية المدينة فصوبه معاوية وشكره برده إلى حكم المدينة : راجع التصريح بذلك في الصفحات 180 و 187 ـ 188 و 189.
(137) رواه ابن عساكر في تاريخه ص 217.
وراجع التعليقة السابقة.

( 185 )

ليس بفرار ، وأشهد لسمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول في حسن : اللهم إني احبه فأحبه ، وأحب من يحبه.
فقال مروان : والله إنك قد أكثرت على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الحديث فلا نسمع منك ماتقول ، فهلم غيرك يعلم ما تقول.
قال : قلت : هذا أبو سعيد الخدري ، فقال مروان : لقد ضاع حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين لا يرويه إلا أنت وأبو سعيد الخدري ، والله ما أبو سعيد الخدري يوم مات رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا غلام ، ولقد جئت أنت من جبال دوس قبل وفاة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيسير ، فاتق الله يا با هريرة ، قال : قلت : نعم ما أوصيتبه ، وسكت عنه.
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثني كثير بن زيد ، عن الوليد بن رباح ، قال : سمعت أبا هريرة يومئذ يقول لمروان : والله ما أنت وال ، وإن الوالي لغيرك فدعه ، ولكنك تدخل في ما لا يعنيك ، إنما تريد بهذا إرضاء من هو غائب عنك.
قال : فأقبل عليه مروان مغضبا فقال له : يا با هريرة ، إن الناس قد قالوا : أكثر عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الحديث ، وإنما قدم قبل وفاة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيسير !
فقال أبو هريرة : قدمت على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بخيبر سنة سبع وأنا يومئذ قد زدت على الثلاثين سنة سنوات ، فأقمت معه حتى توفي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أدور معه في بيوت نسائه وأخدمه ، وأنا والله يومئذ مقل واصلي خلفه وأغزو وأحج معه ، فكنت والله أعلم الناس بحديثه ، قد والله سبقني قوم صحبته والهجرة من قريش والانصار فكانوا يعرفون لزومي له فيسألوني عن حديثه ، منهم عمر بن الخطاب ـ وهدي عمر هدي عمر ـ ، ومنهم عثمان وعلي ! والزبير وطلحة.
ولا والله لا يخفى علي كل حدث كان بالمدينة ، وكل من أحب الله ورسوله ، وكل من كانت له عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منزلة ، وكل


( 186 )

صاحب لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فكان أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ صاحبه في الغار ، وغيره قد أخرجه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من المدينة أن يساكنه.
فليسألني أبو عبدالملك عن هذا وأشباهه ، فإنه يجد عندي منه علما كثيرا جما.
قال : فوالله ان زال مروان يقصر عنه عن هذا الوجه بعد ذلك ويتقيه ويخاف جوابه ، ويحب على ذلك أن ينال من أبي هريرة ولا يكون هو منه بسبب ، يفرق أن يبلغ أبا هريرة أن مروان كان من هذا بسبب فيعود له بمثل هذا فكف عنه (138).
قال : أخبرنا علي بن محمد ، عن سحيم بن حفص وعبدالله بن فائد ، عن بشير بن عبدالله ، قال : أول من نعى الحسن بن علي بالبصرة عبدالله بن سلمة بن المحبق أخو سنان ، نعاه لزياد ، فخرج الحكم بن أبي العاص الثقفي فنعاه وبكى الناس ، وأبو بكرة مريض فسمع الضجة فقال : ما هذا ؟ فقالت امرأته عبسة بنت سحام ـ من بني ربيع ـ : مات الحسن بن علي فالحمد الله الذي أراح الناس منه ! فقال أبو بكرة : اسكتي ـ ويحك ـ فقد أراحه الله من شر كثير وفقد الناس خيرا كثيرا.
قال محمد بن عمر : قال : حدثنا عبدالعزيز بن محمد ، عن عمرو بن ميمون ، عن أبيه ، قال : لما جاء معاوية نعي الحسن بن علي استأذن ابن عباس على معاوية ، وكان ابن عباس قد ذهب بصره فكان يقول لقائده : إذا دخلت بي على معاوية فلا تقدني فإن معاوية يشمت بي ، فلما جلس ابن عباس قال معاوية : لاخبرنه بما هو أشد عليه من أن أشمت به ، فلما دخل قال : يا أبا العباس ، هلك الحسن بن علي ، فقال ابن عباس : إنا لله وإنا إليه راجعون ، وعرف ابن عباس أنه شامت به فقال : أما والله يا معاوية لا يسد حفرتك ولا تخلد بعده ، ولقد اصبنا
____________
)138) البلاذري في أنساب الاشراف ج 3 ص 16 رقم 19 عن المدائني عن أبي اليقظان ؟
ورواه ابن عساكر في ترجمة بشير بن عبيد الله بن أبي بكرة من تاريخه 10 | 157 بإسناده عن ابن سعد.

( 187 )

بأعظم منه فجبرنا الله بعده ، ثم قال ، فقال معاوية : لا والله ما كلمت أحدا قط أعد جوابا ولا أعقل من ابن عباس (139).
قال : أخبرنا عفان بن مسلم ، قال : حدثنا سلام أبو المنذر ، قال : قال معاوية لابن عباس : مات الحسن بن علي ـ ليبكته بذلك ـ ، قال : فقال : لئن كان قد مات فإنه لايسد بجسده حفرتك ، ولا يزيد موته في عمرك ، ولقد اصبنا بمن هو أشد علينا فقدا منه فجبر الله مصيبته.
قال : أخبرنا علي بن محمد ، عن مسلمة بن محارب ، عن حرب بن خالد ، قال : قال معاوية لابن عباس : يا عجبا من وفاة الحسن ! شرب عسلة بماء رومة فقضى نحبه ! لا يحزنك الله ولا يسوؤك في الحسن ، فقال : لا يسوؤني ما أبقاك الله !فأمر له بمائة ألف وكسوة.
قال : ويقال : إن معاوية قال لابن عباس يوما : أصبحت سيد قومك ، قال : ما بقي أبوعبدالله فلا.
قال : أخبرنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا أبو هلال ، عن قتادة ، قال : قال معاوية : واعجبا للحسن ! شرب شربة من عسل يمانية بماء رومة فقضى نحبه ! ! ثم قال لابن عباس : لا يسوؤك الله ولا يحزنك في الحسن ، فقال : أما ما أبقى الله لي أمير المؤمنين فلن يسوءني الله ولن يحزنني !
قال : فأعطاه ألف ألف من بين عرض وعين ، فقال :اقسم هذه في أهلك.
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، عن أبيه ، قال : لما مات الحسن بن علي بعث مروان بن الحكم بريدا إلى معاوية يخبره أنه قد مات.
قال : وبعث سعيد بن العاص رسولا آخر يخبره بذلك ، وكتب مروان يخبره بما أوصى به حسن بن علي من دفنه مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأن ذلك لا يكون وأنا حي ، ولم يذكر ذلك سعيد.
____________
(139) رواه ابن عساكر برقم 368 بإسناده عن ابن سعد.

( 188 )

فلما دفن حسن بن علي بالبقيع أرسل مروان بريدا آخر يخبره بما كان من ذلك وقيامه ببني امية ومواليهم ، وإني يا أمير المؤمنين عقدت لواء وتلبسنا السلاح ، وأحضرت معي ممن اتبعني ألفي رجل ، فلم يزل الله بمنه وفضله يدرأ ذلك أن يكون مع أبي بكر وعمر ثالثا أبدا ، حيث لم يكن أمير المؤمنين عثمان المظلوم رحمه الله ، وكانوا هم الذين فعلوا بعثمان ما فعلوا.
فكتب معاوية إلى مروان يشكر له ما صنع واستعمله على المدينة ونزع سعيد بن العاص.
وكتب إلى مروان : إذا جاءك كتابي هذا فلا تدع لسعيد بن العاص قليلا ولا كثيرا إلا قبضته !.
فلما جاء الكتاب إلى مروان بعث به مع ابنه عبدالملك إلى سعيد يخبره بكتاب أمير المؤمنين ، فلما قرأه سعيد بن العاص صاح بجارية له : هات كتابي أمير المؤمنين ، فطلعت عليه بكتابي أمير المؤمنين فقال لعبد الملك : اقرأهما ، فإذا فيهما كتاب من معاوية إلى سعيد بن العاص يأمره حين عزل مروان بقبض أموال روان التي بذي المروة والتي بالسويداء والتي بذي خشب ولا يدع له عذقا واحدا ، فقال : اخبر أباك فجزاه عبدالملك خيرا ، فقال سعيد : والله لو لا أنك جئتني بهذا الكتاب ما ذكرت مما ترى حرفا واحدا.
قال : فجاء عبدالملك بالخبر إلى أبيه فقال : هو كان أوصل منا إليه.
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثني أبو بكر بن عبدالله بن أبي سبرة ، عن صالح بن كيسان ، قال : كان سعيد بن العاص رجلا حليما وقورا ، ولقد كانت المأمومة التي أصابت رأسه يوم الدار قد كاد أن يخف منها بعض الخفة وهو على ذلك من أوقر الرجال وأحلمه.
وكان مروان رجلا حديدا ، حديد اللسان سريع الجواب ذلق اللسان قل ما صبر أن يكون في صدره شيء من حب أحد أو بغضه إلا ذكره
وكان في سعيد خلاف ذلك ، كان من أحب صبر عن ذكر ذلك له ، ومن أبغض فمثل ذلك ، ويقول : إن الامور تغير والقلوب تغير ، فلا ينبغي للمرء


( 189 )

أن يكون مادحا اليوم عائبا غدا.
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثني عبدالرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه ، قال : حج معاوية سنة خمسين ، وسعيد بن العاص على المدينة وقد وليها قبل ذلك في آخر سنة تسع وأربعين ، وهي السنة التي مات فيها الحسن بن علي ، فلم يزل معاوية يهم بعزله ويكتب إليه مروان يعلمه ما أبلى في شأن حسن بن علي وأن سعيد بن العاص قد لاقى بني هاشم ومالاهم على أن يدفن الحسن مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبي بكر وعمر ! فوعده معاوية أن يعزله عن المدينة ويوليه ، فأقام عليها سعيد ومعاوية يستحي من سرعة عزله إياه ، وسعيد يعلم بكتب مروان إلى معاوية ، فكان سعيد يلقى مروان ممازحا له يقول : ما جاءك فيما قبلنا بعد شيء ؟ ! فيقول مروان : ولم تقول لي هذا ؟ أتظن أني أطلب عملك ؟ ! فلما أكثر مروان من هذا سكت سعيد بن العاص واستحى.
وبلغ مروان أنه كتب إلى سعيد من الشام يعلم بكتبك إلى أمير المؤمنين تمحل بسعيد وتزعم أن سعيدا في ناحية بني هاشم ، ثم جاءه بعد العمل وقد حج سعيد سنة ثلاث وخمسين ودخل في الرابعة فجاءه ولاية مروان بن الحكم ، فكان سعيد إذا لقيه بعد يقول له ممازحا له : قد كان وعدك حيث توفي الحسن بن علي أن يوليك ويعزلني فأقمت كما ترى سنتين والله يعلم لو لا كراهة أن يعد ذلك مني خفة لاعتزلت ولحقت بأمير المؤمنين ، فيقول مروان : أقصر فإنا رأينا منك يوم مات الحسن بن علي امورا ظننا أن صغوك مع القوم ، فقال سعيد : فوالله للقوم أشد لي تهمة وأسوأ في رأيا منهم فيك.
فأما الذي صنعت من كفي عن حسين بن علي فوالله ما كنت لاعرض دون ذلك بحرف واحد وقد كفيت أنت ذلك.
قال محمد بن عمر : قال عبدالرحمن بن أبي الزناد : قال أبي : فلم يزالا متكاشرين فيما بينهما فيما يغيب أحدهما عن صاحبه ليس بحسن ، وهم بعد يتلاقيان ويقضي أحدهما الحق لصاحبه إذا لزمه ، وإذا التقيا سلم أحدهما على صاحبه


( 190 )

سلاما لا يعرف أن فيه شيئا مما يكره ، وكان هذا من أمورهما (140).
قال : أخبرنا محمد بن عمر : ان الحسن بن علي مات سنة تسع وأربعين وصلى عليه سعيد بن العاص ، وكان قد سقي مرارا ، وكان مرضه أربعين يوما (141).
قال ابن سعد: وولد الحسن بن علي في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة.

***

____________
(140) رواه ابن عساكر برقم 391 بإسناده عن ابن سعد.
(141) رواه ابن عساكر بإسناده عن ابن سعد في ترجمة الحسن ـ عليه السلام ـ من تاريخ دمشق رقم 356.