 
| |
مقتل الحسين بن علي
صلوات الله عليها وسلامه

282 ـ [ 47 |
ب ] قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا ابن أبي ذئب ، قال : حدثني عبدالله
بن عمير مولى ام الفضل .

قال : وأخبرنا عبدالله بن محمد بن عمر بن علي ، عن أبيه.

قال : وأخبرنا يحيى بن سعيد بن دينار السعدي ، عن أبيه.

قال : وحدثني عبدالرحمان بن أبي الزناد ، عن أبي وجرة السعدي ، عن
علي ان حسين.

قال : وغير هؤلاء قد حدثني.

قال محمد بن سعد : وأخبرنا علي بن محمد ، عن يحيى بن اسماعيل بن
أبي المهاجر ، عن أبيه.

وعن لوط بن يحيى الغامدي ، عن محمد بن بشير الهمداني ، وغيره.

وعن محمد بن الحجاج ، عن عبدالملك بن عمير.

وعن هارون بن عيسى ، عن يونس بن أبي إسحاق ، عن أبيه.

وعن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن مجالد ، عن الشعبي .

قال ابن سعد : وغير هؤلاء أيضا قد حدثني في هذا الحديث بطائفة ،
فكتبت جوامع حديثهم في مقتل الحسين رحمة الله عليه ورضوانه وصلواته
وبركاته.

قالوا : لما بايع معاوية بن أبي سفيان ليزيد بن معاوية كان حسين بن علي بن
أبي طالب ممن لم يبايع له.

وكان أهل الكوفة يكتبون إلى حسين يدعونه إلى الخروج إليهم في خلافة
معاوية كل ذلك يأبى . فقدم منهم قوم إلى محمد بن الحنفية فطلبوا إليه أن يخرج
معهم فأبى ، وجاء إلى الحسين فاخبره بما عرضوا عليه ، وقال : ان القوم إنما
يريدون
( 163 )
أن يأكلوا بنا ، ويشيطوا دماءنا.

فأقام حسين [ 48 | أ ] على ما هو عليه من الهموم ، مرة يريد أن يسير إليهم
ومرة يجمع الاقامة.

فجاءه أبوسعيد الخدري ، فقال : يا با عبدالله إني لكم ناصح ، وإني عليكم
مشفق، وقد بلغني أنه كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج
إليهم ، فلا تخرج ، فإني سمعت أباك رحمه الله يقول بالكوفة : والله لقد مللتهم
وابغضتهم، وملوني وابغضوني ، وما بلوت منهم وفاء ، ومن فاز بهم فاز بالسهم
الاخيب ، والله ما لهم
(1) ثبات ، ولا عزم أمر ، ولا صبر على السيف.

قال : وقدم المسيب بن نجبة الفزاري وعدة معه إلى الحسين بعد وفاة
الحسين فدعوه إلى خلع معاوية ، وقالوا : قد علمنا رأيك ورأي أخيك.

فقال : إني أرجو أن يعطي الله أخي على نيته في حبه الكف ، وان يعطيني
على نيتي في حبي جهاد الظالمين .

وكتب مروان بن الحكم إلى معاوية : إني لست آمن أن يكون حسين
مرصدا للفتنة ، واظن يومكم من حسين طويلا.

فكتب معاوية إلى الحسين : إن من أعطى الله صفقة يمينه وعهده لجدير
بالوفاء وقد انبئت أن قوما من أهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق ، وأهل العراق من
قد جربت ، قد أفسدوا على أبيك وأخيك ، فاتق الله ! واذكر الميثاق ، فإنك متى
تكدني أكدك.

فكتب إليه الحسين : أتاني كتابك وأنا بغير الذي بلغك عني جدير ،
والحسنات لا يهدي لها إلا الله ، وما [ 48 | ب ] أردت لك محاربة ولا عليك
خلافا ، وما أظن لي عند الله عذرا في ترك جهادك ، وما أعلم فتنة أعظم من
ولايتك أمر الامة.

فقال معاوية : ان أثرنا بأبي عبدالله إلا أسدا.

وكتب إليه معاوية أيضا في بعض ما بلغه عنه : اني لاظنان في رأسك
____________
(1) في الاصل يقرأ : نيات .
( 164 )
نزوة ! فوددت اني أدركتها فأغفرها لك.

283 ـ قال : أخبرنا علي بن محمد ، عن جويرية بن أسماء ، عن مسافع بن
شيبة ، قال : لقي الحسين معاوية بمكة عند الردم فأخذ بخطام راحلته فأناخ به ، ثم سارة حسين طويلا ، وانصرف.

فزجر معاوية راحلته ، فقال له يزيد : له يزال رجل قد عرض لك فأناخ بك ،
قال : دعه فلعله يطلبها من غيري فلا يسوغه فيقتله.
رجع الحديث إلى الاول

قال : ولما حضر معاوية دعا يزيد بن معاوية
فأوصاه بما أوصاه به ، وقال : انظر حسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، فانه أحب الناس إلى الناس ، فصل رحمه وارفق به ، يصلح لك
أمره ، فان يك منه شيء فاني أرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه.

وتوفي معاوية ليلة النصف من رجب سنة ستين وبايع الناس ليزيد.

فكتب يزيد مع عبدالله بن عمرو بن اويس العامري | [ 49 | أ ] ـ عامر
ابن لؤي ـ إلى الوليد بن عقبة بن أبي سفيان وهو على المدينة :

أن ادع
الناس فبايعهم ، وابدأ بوجوه قريش وليكن أول من تبدأ به الحسين بن علي ، فإن
أمير المؤمنين عهد إلي في أمره الرفق به واستصلاحه.

فبعث الوليد بن عقبة من ساعته ـ نصف الليل ـ إلى الحسين بن علي وعنده
عبد الله بن الزبير فاخبرهما بوفاة معاوية ودعاهما إلى البيعة ليزيد ! فقالا : نصبح
وننظر ما يصنع [ الناس ] .

ووثب الحسين فخرج وخرج معه ابن الزبير ، وهو يقول : هو يزيد الذي
تعرف ، والله ما حدث له حزم ولا مروءة .

وقد كان الوليد أغلظ للحسين فشتمه الحسين واخذ بعمامته فنزعها من
رأسه ، فقال الوليد : ان هجنا بأبي عبدالله إلا أسدا .

فقال له مروان ـ أو بعض
جلسائه ـ : اقتله : قال : ان ذاك لدم مظنون في بني عبد مناف.
( 165 )

فلما صار الوليد إلى منزله قالت له امراته أسماء بنت عبدالرحمان بن
الحارث بن هشام : أسببت حسينا ؟ ! قال : هو بدأ فسبني ! قالت : وان سبك تسبه ؟
! وان سب أباك تسب أباه ؟ !

وخرج الحسين وعبدالله بن الزبير من ليلتهما إلى
مكة ، فاصبح الناس فغدوا على البيعة ليزيد ! وطلب الحسين وابن الزبير فلم
يوجدا ، فقال المسور بن مخرمة : عجل أبوعبدالله ، وابن الزبير الان يلفته ويزجيه
إلى العراق ليخلو [ 49 | ب ] بمكة .

فقدما مكة ، فنزل الحسين دار العباس بن عبدالمطلب ، ولزم ابن الزبير الحجر ولبس المعافري وجعل يحرض الناس على بني امية.

وكان يغدو ويروح إلى الحسين ويشير عليه أن يقدم العراق ! ويقول : هم
شيعتك وشيعة أبيك.

وكان عبدالله بن عباس ينهاه عن ذلك ، ويقول : لا تفعل . وقال له عبدالله
بن مطيع
(1) : أي فداك أبي وامي متعنا بنفسك ، ولا تسر إلى العراق ، فوالله لئن
قتلك هؤلاء القوم ليتخذنا خولا وعبيدا.
____________
(1) ترجم ابن سعد في الطبقات 5 : 144 لعبدالله بن مطيع
هذا ، وقال :
أخبرنا محمد بن عمر ، قال :حدثني عبدالله بن جعفر بن أبي عون ،
قال : لما خرج حسين بن علي من المدينة يريد مكة مر بابن مطيع وهو يحفر بئره ،
فقال له : أين فداك أبي وامي ؟ قال :أردت مكة . .. وذكر له انه كتب إليه شيعته بها ، فقال له ابن مطيع : انى فداك أبي وامي ،
متعنا بنفسك ولا تسر إليهم ، فأبى حسين ، فقال له ابن مطيع : إن بئري هذه قد
رشحتها وهذا اليوم أوان ما خرج إلينا في الدلو شيء من ماء ، فلو دعوت الله لنا
فيها بالبركة ، قال : هات من مائها ، فاتي من مائها في الدلو فشرب منه ثم مضمض
ثم رده في البئر فأعذب وأمهى.
حدثنا محمد بن سعد ، قال: أخبرنا محمد بن عمر ، عن عبدالله ، عن أبيه ،
قال : مر حسين بن علي على ابن مطيع وهو ببئره قد انبطها ، فنزل حسين عن
راحلته فاحتمله ابن مطيع احتمالا حتى وضعه على سريره ، ثم قال :
بأبي وامي
أمسك علينا نفسك ، فوالله لئن قتلوك ليتخذنا هؤلاء القوم عبيدا.
ورواه ابن العديم في ترجمة الحسين عليه السلام من كتابه بغية الطلب في
تاريخ حلب ، المجلد : 7 الورقة 51 | أ بإسناده عن ابن سعد .
( 166 )

ولقيهما عبدالله بن عمرو عبدالله بن عياش
(1) بن أبي ربيعة
بالابواء منصرفين من العمرة ، فقال : لهما ابن عمر : اذكركما الله إلارجعتما
فدخلتما في صالح ما يدخل فيه الناس ! . وتنظروا ، فإن اجتمع الناس عليه لم
تشذا ، وإن افترق عليه كان الذي تريدان !

وقال ابن عمر الحسين : لا تخرج ، فان
رسول الله صلى الله عليه وسلم خيره الله بين الدنيا والاخرة فاختار الاخرة ،
وانت بضعة منه ولا تنالها ـ يعني الدنيا ـ ، فاعتنقه وبكى وودعه.

فكان ابن عمر يقول : غلبنا حسين بن علي بالخروج ، ولعمري لقد رأى في
أبيه وأخيه عبرة ، ورأى من الفتنة وخذلان الناس لهم ما كان ينبغي له أن لا يتحرك
ما عاش ، وان يدخل في صالح ما دخل فيه الناس فان الجماعة خير ! !

وقال له
ابن عياش : أين تريد يابن فاطمة ؟ قال : العراق وشيعتي ، [ 50 | أ ] فقال : اني لكاره
لوجهك هذا ، تخرج إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك حتى تركهم سخطة وملة
لهم ، اذكرك الله أن تغرر بنفسك.

وقال أبوسعيد الخدري : غلبني الحسين على الخروج ، وقد قلت له : اتق
الله في نفسك ! والزم بيتك ، فلا تخرج على إمامك ! !
(2).

وقال أبوواقد الليثي : بلغني خروج حسين فادركته بملل ، فناشدته الله ان
لا يخرج ، فانه يخرج في غير وجه خروج ، انما يقتل نفسه ، انما يقتل نفسه ، فقال :
لا أرجع.
____________
(1) هو عبدالله بن عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي
الزرقي ـ بضم الزاي وفتح الراء ، نسبة إلى بني زريق ، مصغرا ـ : ترجم له في اسد
الغابة 3 | 240 وقال : ولد بأرض الحبشة ، وروى عن النبي . قال ابن حجر في
الاصابة 2 | 349 : ذكره الباوردي في الصحابة وأورد من طريقه خبرا في صفة علي موقوفا.
وبنو عمه هم : خالد بن الوليد وابنه عبدالرحمان وأضرابهم من المنافقين
من مبغضي علي عليه السلام.
(2) لقد جوزي أبو سعيد الخدري من إمامه يزيد ! خيرا يوم الحرة حيث
صرعه جيشه على الارض ونتفوا لحيته شعرة شعرة.
ولابد أن يكون في الابكار المفتضات يوم أباح إمامه المدينة لجيشه ثلاثة
أيام غير واحدة من قرائب أبي سعيد وأرحامه .
( 167 )

وقال جابر بن عبدالله : كلمت حسينا ، فقلت : اتق الله ! ولا تضرب
الناس بعضهم ببعض ! ! فو الله ما حمدتم ما صنعتم ؟ ! فعصاني
(1).

وقال سعيد بن المسيب: لو ان حسينا لم يخرج لكان خيرا له !

وقال
أبوسلمة بن عبدالرحمان : قد كان ينبغي لحسين أن يعرف أهل العراق ولا يخرج
اليهم ، ولكن شجعه على ذلك ابن الزبير.

وكتب إليه المسور بن مخرمة : اياك ان تغتر بكتب أهل العراق ، ويقول لك
ابن الزبير : إلحق بهم فانهم ناصروك ، اياك أن تبرح الحرم ، فانهم ان كانت لهم بك
حاجة فسيضربون إليك اباط الابل حتى يوافوك فتخرج في قوة وعدة ، فجزاه
خيرا وقال : أستخير الله في ذلك.

وكتبت إليه عمرة بنت عبدالرحمن تعظم عليه ما يريد أن يصنع ، وتأمره
بالطاعة ولزوم الجماعة ! وتخبرهانه انما يساق إلى مصرعه ، وتقول : اشهد
لحدثتني [ 50 | ب ] عائشة انها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

يقتل حسين بأرض بابل ، فلما قرأ كتابها قال : فلابد لي إذا من مصرعي ، ومضى.

وأتاه أبوبكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام ، فقال : يابن عم ان الرحم
تضارني عليك ، وما أدري كيف أنا عندك في النصيحة لك ، قال : يابابكر ما أنت
ممن يستغش ولايتهم ، فقل .

فقال : قدرأيت ما صنع أهل العراق بأبيك وأخيك وأنت تريد أن تسير
إليهم وهم عبيد الدنيا ، فيقاتلك من قد وعدك أن ينصرك ، ويخذلك عن أنت
أحب إليه ممن ينصره ، فاذكرك الله في نفسك.
____________
(1) هذا تقول على جابر وافتراء ، فإن جابرا يجل عن مثل
هذا الكلام وقد ورد في رواياتنا في مدحه عن الصادق عليه السلام : كان رجلا
منقطعا إلينا أهل البيت.
وقد شهد هو صفين مع أمير المؤمنين عليه السلام فكيف ينسب إليه هذا
الهذيان ؟ !
ثم كان جابر ـ رحمه الله ـ أول من زار قبر الحسين عليه السلام قصده
من المدينة إلى كربلاء ووافاه يوم الاربعين من مصرعه عليه السلام.
ولعله صدر عن بعض الامويين أو الخوارج أن بعض المنافقين فنسبه الراوي
خطأ إلى جابر .
( 168 )

فقال : جزاك الله يابن عم خيرا ، فلقد اجتهدت رأيك ، ومهما
يقضي الله من أمر يكن.

فقال أبوبكر : إنا لله ، عند الله نحتسب أبا عبدالله.

وكتب عبدالله بن جعفر بن أبي طالب إليه كتابا يحذره أهل الكوفة ويناشده
الله أن يشخص إليهم.

فكتب إليه الحسين : اني رأيت رؤيا ، ورأيت فيها رسول الله صلى الله عليه
وسلم وأمرني بأمر أنا ماض له ، ولست بمخبر بها أحدا حتى الاقي عملي
(1).

وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص : اني أسأل الله أن يلهمك رشدك ،
وان يصرفك عما يرديك ، بلغني انك قد اعتزمت على الشخوص إلى العراق ،
فاني اعيذك بالله من الشقاق ، فان كنت خائفا فاقبل إلي ، فلك عندي الامام والبر
والصلة.

فكتب إليه الحسين : إن كنت أردت بكتابك إلي بري وصلتي فجزيت خيرا
[ 51| أ ] في الدنيا والاخرة ، وانه لم يشاقق من دعا إلى الله وعمل صالحا وقال
انني من المسلمين ، وخير الامان أمان الله ، ولم يؤمن بالله من لم يخفه في الدنيا
، فنسأل الله مخافة في الدنيا توجب لنا أمان الاخرة عند.

وكتب يزيد بن معاوية إلى عبدالله بن عباس يخبره بخروج الحسين إلى
مكة ونحسبه جاءه رجال من أهل هذا المشرق فمنوه الخلافة وعندك علم منهم
خبرة وتجربة فان كان فعل فقد قطع واشج القرابة وأنت كبير أهل بيتك والمنظور
إليه فاكففه عن السعي في الفرقة ! !

وكتب بهذه الابيات إليه ، والى من بمكة
والمدينة من قريش :
يا أيـهـا الـراكب الغـادي (مطيتـه) |
* |
عـلى عذافرة فــي سـيرها قـحـم |
أبلــغ قريشــا على نأي المزار بها |
* |
بــيني وبــين حسين الله والرحــم |
____________
(1) قال ابن الاثير في أسد الغابة1 | 21 : فنهاه جماعة ، منهم : أخوه محمد بن
الحنفية وابن عمر وابن عباس ،وغيرهم ، فقال : رأيت رسول الله صلى الله عليه
وسلم في المنام وأمرني بأمر فأنا فاعل ما أمر .
( 169 )
ومـوقـف بـفـنـاء الـبـيـت انـشــده |
* |
عـهـد الا لـه ومـا تـوفــى بـه الذمم |
عـنـيـتـم قـومـكـم فـخرا بـامـكـم |
* |
ام لـعـمـري حـصــان (عـفـة) كرم |
هـي الـتـي لا يـدانـي فـضلها احــد |
* |
بنت الرسول وخير النــاس قـد علمــوا |
وفـضـلـها لـكـم فضـل وغـيـركـم |
* |
مـن قـومـكـم لـهـم فـي فضلها قسم |
انـي لا عــلــم اوظنـا كـعـالـمـه |
* |
والـظـن يـصـدق احـيـانـا فـيـنتظم |
ان سوف يـتـركـكـم ما تــدعون بـها |
* |
قـتـلـى تـهـاداكـم الـعـقبان والرخـم |
يــا قومنا لاتشبوا الحــرب اذ سكـنـت |
* |
و مسكو بحبــال السلــم واعتصــمـوا [ 51/ب ] |
قد غـرت الحرب مــن قـد كان قبلكــم |
* |
مـن القرون وقـد بـادت بـهـا الامــم |
فانصفوا قـومـكـم لا تهلـكوا بـذخــا |
* |
فــرب ذي بــذخ زلـت بـه الـقـدم |

قال : فكتب إليه عبدالله بن عباس
: اني أرجو أن لا يكون خروج الحسين لامر تكرهه ، ولست أدع النصيحة له فيما
يجمع الله به الالفة وتطفأ به النائرة.

ودخل عبدالله بن عباس على الحسين فكلمه طويلا ، وقال : أنشدك الله
أن تهلك غدا بحال مضيعة ، لا تأتي العراق ، وان كنت لابد فاعلا فأقم حتى
ينقضي الموسم ، وتلقى الناس وتعلم على ما يصدرون ، ثم ترى رأيك ، وذلك في عشر ذي الحجة سنة ستين.

فأبى الحسين إلا أن يمضي إلى العراق ، فقال له ابن عباس : والله إني
لاظنك ستقتل غدا بين نسائك وبناتك كما قتل عثمان بين نسائه وبناته ، والله
اني لاخاف أن تكون الذي يقاد به عثمان ، فإنا لله وانا إليه راجعون.

فقال الحسين : أبا العباس إنك شيخ قد كبرت ، فقال ابن عباس
(1) :
____________
(1) أخرج الحافظ يعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ 1 :
541 قال : حدثنا أبوبكر ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثنا ابراهيم بن ميسرة ، قال
: سمعت طاووسا يقول : سمعت ابن عباس يقول: إستشارني الحسين بن علي في
الخروج فقلت : لولا أن يزري ذلك بي أو بك لنشبت يدي في رأسك ، فكان الذي
رد علي ان قال : لئن اقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي من أن تنجدني ـ يعني مكة ـ ،
قال ابن عباس : فذلك الذي سلا بنفسي عنه .
( 170 )
لولا أن يزري ذلك بي أو بك لنشبت يدي في رأسك ، ولو أعلم انا
إذا تناصينا أقمت لفعلت ، ولكن لا أخال ذلك نافعي.

فقال له الحسين: لئن اقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي أن تستحل بي ـ يعني
مكة ـ ، قال : فبكى ابن عباس ، وقال أقررت عين ابن الزبير فذلك الذي سلا
بنفسي عنه.

ثم خرج عبدالله بن عباس من عنده وهو مغضب [ 52 | أ ] وابن الزبير على
الباب ، فلما رآه قال : يابن الزبير قد أتى ما أحببت ، قرت عينك ، هذا أبو عبدالله
يخرج ويتركك والحجاز .
| يـا لـك مـن قــبــرة بـمـعـمـر |
* |
خلا لك الجـو فبيضــي واصــفـري |
ونقريمــا شــئـت ان تنــقــري (1)

وبعث حسين إلى المدينة فقدم عليه من خف معه من
بنى عبدالمطلب وهم تسعة عشر رجلا ونساء وصبيان من إخوانه وبناته ونسائهم

وتبعهم محمد بن الحنفية فأدرك حسينا بمكة واعلمه ان الخروج ليس له
برأي يومه هذا ، فأبى الحسين أن يقبل.

فحبس محمد بن علي ولده فلم يبعث معه أحدا منهم! حتى وجد الحسين في نفسه على محمد ، قال : ترغب بولدك عن موضع اصاب فيه ؟ !

فقال محمد
: وما حاجتي أن تصاب ويصابون معك ، وان كانت مصيبتك أعظم عندنا منهم.

وبعث أهل العراق إلى الحسين الرسل والكتب يدعونه إليهم ، فخرج
متوجها إلى العراق في أهل بيته وستين شيخا من أهل الكوفة ، وذلك يوم الاثنين في عشر ذي الحجة سنة ستين .
____________
واخرجه الحافظ الطبراني في المعجم الكبير 3 : 128 في
ترجمة الحسين عليه السلام برقم 2859 ، قال : حدثنا علي بن عبدالعزيز ، حدثنا
اسحاق حدثنا سفيان . ..
(1) البيت لطرقة بن العبد ، وراجع قصته في مجمع الامثال 1 | 239 وحياة
الحيوان (القبرة) ، وربما نسب إلى كليب بن ربيعة ، راجع لسان العرب 20 | 385 .
( 171 )

فكتب مروان إلى عبيدالله بن زياد : أما بعد ، فان الحسين بن علي
قد توجه إليك وهو الحسين بن فاطمة ، وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، وبالله ما أحد يسلمه الله أحب إلينا من الحسين ! فاياك أن تهيج على
نفسك مالا يسده شيء ، ولا تنساه العامة ولا تدع ذكره ، والسلام

وكتب [ 52 | ب ]
إليه عمرو بن سعيد بن العاص : أما بعد ، فقد توجه إليك الحسين ، وفي مثلها
تعتق ، أو تسترق كما تسترق العبيد
(1).

284 ـ قال : أخبرنا عبدالله بن الزبير الحميدي ، قال : حدثنا سفيان بن
عيينة ، قال : حدثني لبطة بن الفرزدق ـ وهو في الطواف وهو مع ابن شبرمة ـ ، قال
: أخبرني أبي ، قال : خرجنا حجاجا فلما كنا بالصفاح إذا نحن بركب عليهم
اليلامق ومعهم الدرق ، فلما دنوت منهم إذا أنا بحسين بن علي ، فقلت : أي أبو
عبدالله ؟ قال : يا فرزدق ما وراءك ؟ قال : أنت أحب الناس إلى الناس ، والقضاء
في السماء ، والسيوف مع بني امية.

قال : ثم دخلنا مكة ، فلما كنا بمنى قلت له : لو أتينا عبدالله بن عمرو
فسألناه عن حسين وعن مخرجه ، فأتينا منزله بمنى فاذا نحن بصبية له سود
مولدين يلعبون ، قلنا : أين أبوكم ؟ قالوا : في الفسطاط يتوضأ ، فلم يلبث أن خرج
علينا من فسطاطه ، فسألناه عن حسين ؟ فقال : أما إنه لا يحيك فيه السلاح ! قال :
فقلت له : تقول هذا فيه وأنت الذي قاتلته وأباه ؟ ! فسبني وسببته !

ثم خرجنا
حتى أتينا ماء لنا يقال له : تعشار ، فجعل لا يمر بنا أحد إلا سألناه عن حسين ،
حتى مر بناركب فناديناهم ما فعل حسين بن علي قالوا : قتل ! فقلت : فعل الله
بعبد الله بن عمرو ، وفعل .
____________
(1) من أول المقتل إلى هنا ، أورده المزي في تهذيب الكمال
6 | 412 ـ 422 عن ابن سعد.
ومن أوله إلى هنا أيضا رواه الحافظ كمال الدين ابن العديم في كتابه بغية
الطلب في ترجمة الامام الحسين عليه السلام ج 7 الورقة 58 ب إلى 64 | أ
بإسناده عن ابن سعد إسنادا ومتنا.
(284) ورواه يعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ 2 : 673
(تذكرة الحفاظ 372) عن الحميدي وذكره بكنية أبي بكر.
والطبري 5 | 386.
رواه ابن عساكر برقم 257.
( 172 )

قال سفيان : ذهب الفرزدق إلى غير المعنى ـ أو قال : الوجه ـ انما
قال : لا يحيك فيه السلاح ولا يضره [ 53 | أ ] القتل ، مع ما قد سبق له .

285 ـ قال : أخبرنا عبدالله بن الزبير الحميدي ، قال : حدثنا سفيان ، قال
: حدثنا شيعي لنا يقال له : العلاء بن أبي العباس ، عن أبي جعفر ، عن عبدالله ابن
عمرو ، أنه قال في حسين : خرج ، أما إنه لا يحيك فيه السلاح
(1).

286 ـ قال : أخبرنا موسى بن اسماعيل ، قال : حدثنا معاوية بن عبد
الكريم ، عن مروان الاصغر ، قال : حدثني الفرزدق بن غالب قال :

لما خرج
الحسين بن علي رحمه الله لقيت عبدالله بن عمرو ، فقلت له : ان هذا الرجل قد
خرج ، فما ترى ؟ قال : أرى أن تخرج معه ، فانك أن أردت دنيا أصبتها ، وان أردت
آخرة أصبتها .

قال : فرحلت نحوه ، فلما كنت في بعض الطريق بلغني قتله ، فرجعت إلى عبدالله بن عمرو ، فقلت : أين ما قلت لي ؟ ! قال : كان رأيا رأيته !

287 ـ قال : أخبرنا علي بن محمد ، عن الهذلي ، ان الفرزدق قال : لقيت حسينا ، فقلت: بأبي
أنت لو أقمت حتى يصدر الناس ، لرجوت أن يتقصف أهل الموسم معك ، فقال :
لم آمنهم يا أبا فراس.

قال فدخلت مكة فاذا فسطاط وهيئة ، فقلت :لمن هذا ، قالوا : لعبدالله ابن
عمرو بن العاص ، فأتيته فاذا شيخ أحمر فسلمت ، فقال : من ؟ قلت : الفرزدق ،
أترى أن أنصر حسينا ؟ قال : إذا تصيب أجرا وذخرا ، قلت : بلا دنيا ، فاطرق ، ثم
قال : يابن غالب لتتمن خلافة يزيد ، فانظرن ، فكرهت ما قال.

قال : فسببت يزيد ومعاوية ، قال : مه ! [ 53 | ب ] قبحك الله ! ! فغضبت ،
فشتمته وقمت ، ولو حضر حشمه لاوجعوني.

فلما قضيت الحج رجعت ، فاذا عير فصرخت : ألا ما فعل الحسين ؟ فردوا
علي : ألا قتل.
____________
(1) من أول المقتل إلى هنا رواه ابن عساكر بإسناده عن ابن
سعد في ترجمة الحسين عليه السلام من ص 196 ـ 206 .
( 173 )

288 ـ قال : أخبرنا علي بن محمد ، عن جويرية بن أسماء وعلي بن مدرك ، عن اسماعيل بن يسار، قال :

لقي الفرزدق حسينا بالصفاح فسلم عليه ،
فوصله بأربع مائة دينار ، فقالوا : يا أبا عبدالله تعطي شاعرا مبتهرا ؟ ! قال : ان خير
ما أمضيت ما وقيت به عرضك ، والفرزدق شاعر لايؤمن.

فقال قوم لا سماعيل : وما عسى أن يقول في الحسين ومكانه مكانه ، وأبوه
وامه من قد علمت ؟

قال : اسكتوا ، فان الشاعر ملعون ، ان لم يقل في أبيه وامه
قال في نفسه.

289 ـ قال : أخبرنا علي بن محمد ، عن حباب بن موسى ، عن الكلبي عن
بحير بن شددا الاسدي ، قال : مر بنا الحسين بالثعلبية ، فخرجت إليه مع أخي ، فاذا عليه جبة صفراء لها جيب فيصدرها ، فقال له أخي : اني أخاف عليك ، فضرب بالسوط على عيبة قد حقبها خلفه، وقال : هذه كتب وجوه أهل المصر.

290 ـ قال : أخبرنا موسى بن اسماعيل ، قال : حدثنا جعفر بن سليمان ،
عن يزيد الرشك ، قال : حدثني من شافه الحسين ، قال:

رأيت أبنية مضروبة بفلاة
من الارض ، فقلت : لمن هذه ؟ قالوا : هذه لحسين ، قال : فأتيته فاذا شيخ يقرأ
القران [ 54 | أ ] قال : والدموع تسيل على خديه ولحيته ، قال : قلت : بأبي وامي
يابن رسول الله ما أنزلك هذه البلاد والفلاة التي ليس بها أحد ؟ فقال : هذه كتب
أهل الكوفة إلي ولا أراهم إلا قاتلي ، فاذا فعلوا ذلك لم يدعوا لله حرمة إلا
انتهكوها ، فيسلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من فرم الامة ـ يعني
مقنعتها ـ ! .
ثم رجع الحديث إلى الأول

قالوا : وقد كان الحسين قدم مسلم بن عقيل بن
أبي طالب إلى الكوفة ، وأمره أن ينزل على هانيء بن عروة المرادي وينظر إلى
اجتماع الناس عليه ، ويكتب إليه بخبرهم.
____________
(289) رواه ابن عساكر برقم 266 عن ابن سعد .
( 174 )

فقدم مسلم بن عقيل الكوفة مستخفيا وأتته الشيعة فأخذ بيعتهم ،
وكتب إلى الحسين بن علي : اني قدمت الكوفة فبايعني منهم إلى أن كتبت إليك
ثمانية عشرألفا ، فعجل القدوم فانه ليس دونها مانع !

فلما أتاه كتاب مسلم أغذ
السير حتى انتهى إلى زبالة ، فجاءت رسل أهل الكوفة إليه بديوان فيه أسماء مائة
ألف.

وكان النعمان بن بشير الانصاري على الكوفة في آخر خلافة معاوية فهلك
وهوعليها ، فخاف يزيد أن لا يقدم النعمان على الحسين ، فكتب إلى عبيدالله
بن زياد بن أبي سفيان ! [ 54 | ب ] وهو على البصرة فضم إليه الكوفة ، وكتب
إليه بإقبال الحسين إليها ، فإن كان لك جناحان فطر حتى تسبق إليها.

فاقبل عبيدالله بن زياد على الظهر سريعا حتى قدم الكوفة فاقبل متعمما
متنكرا حتى دخل السوق ، فلما رأته السفلة واهل السوق خرجوا يشتدون بين يديه وهم يظنون انه حسين ! وذاك انهم كانوا يتوقعونه ، فجعلوا يقولون لعبيد الله : يابن رسول الله الحمد لله الذي أراناك وجعلوا يقبلون يده ورجله ، فقال عبيدالله لشد مافسد هؤلاء !

ثم مضى حتى دخل المسجد فصلى ركعتين ثم صعد المنبر
وكشف عن وجهه ، فلما رأه الناس مال بعضهم على بعض واقشعوا عنه.

وبنى عبيدالله بن زياد تلك الليلة بأهله ام نافع بنت عمارة بن عقبة بن أبي
معيط.

واتي تلك الليلة برسول الحسين بن علي قد كان أرسله إلى مسلم بن عقيل
يقال له : عبدالله بن يقطر فقتله.

وكان قدم مع عبيدالله من البصرة شريك بن الاعور الحارثي وكان شيعة
لعلي فنزل أيضا على هانىء بن عروة ، فاشتكا شريك ، فكان عبيدالله يعوده في
منزل هانىء ومسلم بن عقيل هناك لا يعلم به.

فهيؤوا لعبيدالله ثلاثين رجلا يقتلونه إذا دخل عليهم واقبل عبيدالله
فدخل على شريك يتسأل به فجعل شريك يقول :
( 175 )

ما تنظرون بسلمى أن تحيوها.

[ 55 | أ ] اسقوني ولو كانت فيها نفسي ، فقال عبيدالله : ما يقول ؟ قالوا :
يهجر ، وتحشحش القوم في البيت ، فأنكر عبيدالله ما رأى منهم فوثب فخرج ،
ودعا مولى لهانىء بن عروة كان في الشرطة فسألة فأخبره الخبر فقال : أولا.

ثم مضى حتى دخل القصر وارسل إلى هانىء بن عروة وهو يومئذ ابن بضع
وتسعين سنة ، فقال : ما حملك على أن تجير عدوي وتنطوي عليه ؟ فقال : يابن
أخي انه جاء حق هو أحق من حقك وحق أهل بيتك ، فوثب عبيدالله وفي يده
عنزة فضرب بها رأس هانىء حتى خرج الزج واغترز في الحائط ونثر دماغ الشيخ
فقتله مكانه.

وبلغ الخبر مسلم بن عقيل فخرج في نحومن أربعمائة من الشيعة فما بلغ
القصر إلا وهو في نحو من ستين رجلا ، فغربت الشمس واقتتلوا قريبا من الرحبة
ثم دخلوا المسجد وكثرهم أصحاب عبيدالله بن زياد ، وجاء الليل فهرب مسلم
حتى دخل على امرأة من كندة يقال لها : طوعة فاستجار بها ، وعلم بذلك محمد بن الاشعث بن قيس فاخبر به عبيدالله بن زياد فبعث إلى مسلم فجيء به فأنبه وبكته
وأمر بقتله.

فقال : دعني اوصي ، قال : نعم ، فنظر إلى عمر بن سعد بن أبي وقاص ،
فقال : ان لي إليك حاجة وبيني وبينك رحم.

فقال عبيدالله : انظر في حاجة ابن [ 55 | ب ] عمك ، فقام إليه فقال : يا هذا انه ليس هاهنا رجل من قريش غيرك ، وهذا الحسين بن علي قد اظلك فارسل
إليه رسولا فلينصرف فان القوم قد غروه وخدعوه وكذبوه ، وانه إن قتل لم يكن
لبني هاشم بعده نظام ، وعلي دين أخذته منذ قدمت الكوفة فاقضه عني ، واطلب
جثتي من ابن زياد فوارها.

فقاله له ابن زياد : ما قال لك ؟ فاخبره بما قال ، فقال : قل له : اما مالك فهو
لك لا نمنعك منه ، واما حسين فان تركنا لم نرده ، واما جثته فاذا
( 176 )
قتلناه لم نبال ما صنع به ، ثم امر به فقتل ، فقال عبدالله بن الزبير
الاسدي
(1) في ذلك :
إن كـنت لا تـدرين مــا الموت فــانظري |
* |
إلــى هــانىء فـي السوق وابــن عقيـل |
تـرى جـسـدا قـد غـيـر الموت لـونـه |
* |
ونضـح دم قـد سـال كــل مـسـيـــل |
أصـابهـمـا أمـر الامـام فـأصــبـحـا |
* |
أحـاديـث مــن يـهـوى بكــل سبيــل |
ترى بـطـلا قـد هـشـم السـيف رأســه |
* |
وآخـر يـهـوى مـن طـمـار قـتيـــل |
| أيـركـب أسـمـاء الـهـمـالـيـج آمنـا |
* |
وقـد طــلـبـتـه مـذحـج بـقـتـيـل |
فــإن أنــتـم لـم تـثأروا بـأخـيـكـم |
* |
فـكـونـوا بـغـايـا ارضيــت بقليــل |

يعني بأسماء ابن خارجة الفزاري ، كان عبيدالله بن زياد بعثه ـ وعمرو بن الحجاج
الزبيدي ـ إلى هانىء بن عروة فأعطياه العهود والمواثيق فاقبل معهما [56 | أ ] حتى
دخل على عبيدالله بن زياد فقتل.

قال : وقضى عمر بن سعد دين مسلم بن عقيل وأخذ جثته فكفنه ودفنه ،
وأرسل رجلا إلى الحسين فحمله على ناقة واعطاه نفقة ، وامره أن يبلغه ما قال
مسلم بن عقيل فلقيه عى أربع مراحل فاخبره .

وبعث عبيدالله برأس مسلم بن عقيل وهانىء بن عروة إلى يزيد بن معاوية.

وبلغ الحسين قتل مسلم وهانىء ، فقال له ابنه علي الاكبر : يا أبه إرجع فانهم
أهل(كدر) وغدر وقلة وفائهم ، ولا يفون لك بشيء ، فقالت بنو عقيل لحسين ،
ليس هذا بحين رجوع ، وحرضوه على المضي.

فقال حسين لاصحابه : قد ترون ما يأتينا ، وما أرى القوم إلا سيخذلوننا
____________
(1) هو عبدالله بن الزبير ـ بفتح الزاي ـ الاسدي ، أسد خزيمة ، كوفي ،
شاعر مشهور في أيام بني امية ، قيل : مات في زمن الحجاج ، جمع شعره يحيى
الجبوري بالعراق وحققه ، له ترجمة مطولة في الاغاني وهو الذي قال لابن الزبير :
لعن الله ناقة حملتني إليك ، فقال : ان وراكبها ، وراجع قصته في تاريخ ابن عساكر
(عبدالله بن جابر ـ عبدالله بن زيد) ص 506 وله ترجمة في تلخيص المتشابه في
الرسم 10 | 223 وفي سير أعلام النبلاء 3 | 383 وراجع المصادر المذكورة في
تعاليقها.
والشعر عند الطبري 5 | 379 ثمانية أبيات وفيه : ويقال : قاله الفرزدق .
( 177 )
فمن أحب أن يرجع فليرجع.

فانصرف عنه [ الذين ] صاروا إليه في طريقه ، وبقي في أصحابه الذين
خرجوا معه من مكة ونفير قليل [ من ] من صحبه في الطريق . فكانت خيلهم اثنين وثلاثين فرسا.

قال : وجمع عبيدالله المقاتلة وأمر لهم بالعطاء واعطى الشرط ، ووجه
حصين بن تميم الطهوي إلى القادسية ، وقال له : أقم بها فمن أنكرته فخذه .

وكان
حسين قد وجه قيس بن مسهر الاسدي إلى مسلم بن عقيل قبل أن يبلغه قتله
، فأخذه حصين فوجه به إلى عبيدالله ، فقال له عبيدالله : قد قتل الله مسلما !فقم
في الناس فاشتم [ 56 | ب ] الكذاب ابن الكذاب فصعد قيس المنبر فقال : ايها
الناس اني تركت الحسين بن علي بالحاجر ، وأنا رسوله إليكم وهو يستنصركم .

فأمر به عبيدالله فطرح من فوق القصر فمات.

ووجه الحصين بن تميم الحر بن يزيد اليربوعي من بني رياح في ألف إلى
الحسين ، وقال : سايره ولا تدعه يرجع حتى يدخل الكوفة ، وجعجع به ، ففعل
ذلك الحر بن يزيد.

فاخذ الحسين طريق العذيب حتى نزل الجوف مسقط النجف مما يلي
المائتين ، فنزل قصر أبي مقاتل ، فخفق خفقة ثم انتبه يسترجع وقال : اني رأيت في المنام آنفا فارسا يسايرنا ويقول : القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم ، فعلمت انه
نعى إلينا أنفسنا.

ثم سار حتى نزل بكربلاء ، فاضطرب فيه ، ثم قال : أي منزل نحن به ؟ قالوا
: بكربلاء ، فقال : يوم كرب وبلاء.

فوجه إليه عبيد الله بن زياد عمر بن سعد بن أبي وقاص في أربعة الاف ،
وقد كان استعمله قبل ذلك على الري وهمذان ، وقطع ذلك البعث معه ، فلما
أمره بالمسير إلى حسين تأبى ذلك وكرهه واستعفى منه ، فقال له ابن زياد : اعطي
الله عهدا لئن لم تسر إليه وتقدم عليه لاعزلنك عن عملك واهدم دارك واضرب
( 178 )
عنقك ! قال : إذا أفعل.

فجاءته بنو زهرة قالوا : ننشدك الله أن تكون أنت الذي [ 57 | أ ] تلي هذا
من حسين فتبقى عداوة بيننا وبني هاشم ، فرجع إلى عبيدالله فاستعفاه فأبى ان
يعفيه ، فصمم وسار إليه.

ومع حسين يومئذ خمسون رجلا ، واتاهم من الجيش عشرون رجلا ،
وكان معه من أهل بيته تسعة عشر رجلا.

فلما رأى الحسين عمر بن سعد قد قصد له فيمن معه قال : يا هؤلاء اسمعوا
يرحمكم الله ، ما لنا ولكم ! ما هذا بكم يا أهل الكوفة ؟ ! قالوا : خفنا طرح العطاء ،
قال : ما عند الله من العطاء خير لكم ، يا هؤلاء دعونا فلنرجع من حيث جئنا ،
قالوا : لا سبيل إلى ذلك ، قال : فدعوني أمضي إلى الري فاجاهد الديلم ، قالوا : لا
سبيل إلى ذلك ، قال : فدعوني أذهب إلى يزيد بن معاوية فأضع يدي في يده ،
قالوا : لا ، ولكن ضع يدك في يد عبيدالله بن زياد !

قال : اما هذه فلا ، قالوا : ليس
لك غيرها.

وبلغ ذلك عبيدالله ، فهم أن يخلي عنه ، وقال : والله ما عرض لشيء من
عملي ، وما أراني إلا مخل سبيه يذهب حيث شاء.

قال شمر بن ذي الجوشن الضبابي : انك والله انفعلت وفاتك الرجل لا
تستقيلها أبدا ، وانما كان همة عبيدالله أن يثبت على العراق ، فكتب إلى عمر ابن
سعد :
الان حـيـن تـعـلـقـتـه حبالنا |
* |
يرجو النجاة ولات حيــن منـاص |

فناهضه ، وقال
لشمر بن ذي الجوشن : سر أنت إلى عمر بن سعد [ 57 | ب ] فان مضى لما أمرته
وقاتل حسينا والا فاضرب عنقه ، وأنت على الناس

قال : وجعل الرجل والرجلان والثلاثة يتسللون إلى حسين من الكوفة ،
فبلغ ذلك عبيدالله فخرج فعسكر بالنخيلة ، واستعمل على الكوفة عمرو بن
( 179 )
حريث ، واخذ الناس بالخروج إلى النخيلة ، وضبط الجسر فلم
يترك أحدا يجوزه
(1) .

وعقد عبيدالله لحصين بن تميم الطهوي على ألفين ووجهه إلى عمر بن
سعد مددا له.

وقدم شمر بن ذي الجوشن الضبابي على عمر بن سعد بما أمره به عبيد الله عشية الخميس لتسع خلون من المحرم سنة إحدى وستين بعد العصر ، فنودي
في العسكر فركبوا ، وحسين جالس أمام بيته محتبيا ، فنظر إليهم قد اقبلوا فقال
للعباس ابن علي بن أبي طالب : إلقهم فسلهم ما بدا لهم ؟ فسألهم فقالوا : أتانا
كتاب الأمير يأمرنا أن نعرض عليك أن تنزل على حكمه أو نناجزك ، فقال :
إنصرفوا عنا العشية حتى ننظر ليلتنا هذه فيما عرضتم ، فانصرف عمر.

وجمع حسين أصحابه في ليلة عاشوراء ليلة الجمعة فحمد الله واثنى عليه
وذكر النبي صلى الله عليه وسلم وما اكرمه الله به من النبوة وما انعم به على امته ،
وقال :

إني لا أحسب القوم إلا مقاتلوكم غدا وقد أذنت لكم جميعا فانتم في حل
مني ، وهذا الليل قد غشيكم ، فمن كانت له منكم قوة فليضم [ 58 | أ ] رجلا من
أهل بيتي إليه وتفرقوا في سوادكم ، حتى يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا
____________
(1) قال البلاذري في « أنساب الاشراف » صفحة 166 : قالوا :
ولما بلغ عبيدالله بن زياد إقبال الحسين إلى الكوفة بعث الحصين بن اسامة
التميمي ـ ثم أحد بني جشيش بن مالك بن حنظلة ـ صاحب شرطه حتى نزل
القادسية ، ونظم الخيل بينها وبين خفان ، وبينها وبين القطقطانة إلى لعلع.
وقال في صفحة 173 : أمر ابن زياد فأخذ ما بين واقصة إلى طريق الشام إلى
طريق البصرة فلا يترك أحد يلج ولا يخرج !
وفي صفحة 178 : أمر الناس
فعسكروا بالنخيلة وأمر أن لا يتخلف أحد منهم . . . فلا يبقين رجل من العرفاء
والمناكب والتجار والسكان إلا خرج فعسكر معي فأيما رجل وجدناه بعد يومنا هذا متخلفا عن العسكر برئت منه الذمة .
وفي صفحة 179 : ثم إن ابن زياد استخلف
على الكوفة عمرو بن حريث وأمر القعقاع بن سويد ابن عبدالرحمان بن بجير
المنقري بالتطواف بالكوفة في خيل فوجد رجلا من همدان قد قدم يطلب ميراثا له بالكوفة ، فأتى به ابن زياد فقتله !
فلم يبق بالكوفة محتلم إلا خرج إلى العسكر
بالنخيلة ! . . . ووضع ابن زياد المناظر على الكوفة لئلا يجوز أحد من العسكر
مخافة لان يلحق بالحسين .
( 180 )
على ماأسروا في أنفسهم نادمين ، فان القوم انما يطلبونني ، فاذا
رأوني لهوا من طلبكم.

فقال أهل بيته : لا أبقانا الله بعدك ، لا والله لا نفارقك حتى يصيبنا ما اصابك
، وقال ذلك أصحابه جميعا ، فقال : أثابكم الله على ما تنوون الجنة.

291 ـ قال : أخبرنا الضحاك بن مخلد أبوعاصم الشيباني ، عن سفيان ، عن
أبي الجحاف ، عن أبيه :

ان رجلا من الانصار أتى الحسين ، فقال : ان علي دينا ،
فقال: لا يقاتل معي من عليه دين.

292 ـ قال : أخبرنا علي بن محمد ، عن أبي الاسود العبدي ، عن الاسود بن قيس العبدي ، قال :

قيل لمحمد بن بشير الحضرمي : قد اسر ابنك بثغر الري ،
قال : عندالله أحتسبه ونفسي ، ما كنت أحب أن يؤسر ولا أن أبقى بعده.

فسمع قوله الحسين ، فقال له : رحمك الله أنت في حل من بيعتي ، فاعمل
في فكاك ابنك ، قال : أكلتني السباع حيا ان فارقتك ، قال : فاعط ابنك هذه
الاثواب يستعين بها في فكاك أخيه ، فاعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار.
رجع الحديث إلى الاول

فلما أصبح يومه الذي قتل فيه رحمة الله عليه قال
:

اللهم أنت ثقتي في كل [ 58 | ب ] كرب ، ورجائي في كل شدة ، وانت لي في
كل أمر نزل بي ثقة ، وانت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة.
____________
(292) رواه ابن عساكر برقم 200 باسناده عن ابن سعد ،
وفيه أيضا : محمد بن بشير كما هو كذلك في أصلنا من الطبقات ، لكن الظاهر ان
كلمة (محمد بن) زائدة ،وانما قاله الحسين عليه السلام لبشير بن عمرو الحضرمي
الكندي : ان ابنك عمر اسر بثغر الري . . . وكذا ورد هذا الاسم (بشير بن عمرو)
في أنساب الاشراف ص196 وفي تاريخ الطبري 5 : 444 ورد اسمه مشكولا
بالضم والفتح مصغرا.
ورواه ابن العديم في ترجمة الحسين عليه السلام من كتابه بغية الطلب في
تاريخ حلب المجلد 7 الورقة 51 | أ عن أبي نصر بن الشيرازي عن ابن عساكر
باسناده عن ابن سعد وفيه أيضا محمد بن بشير .
( 181 )

ثم قال حسين لعمر واصحابه : لا تعجلوا حتى أخبركم خبري ، والله
ما أتيتكم حتى أتتني كتب أماثلكم بان السنة قد اميتت ، والنفاق قد نجم ،
والحدود قد عطلت ، فاقدم لعل الله تبارك وتعالى يصلح بك امة محمد صلى
الله عليه وسلم ، فأتيتك فاذكرهتم ذلك فانا راجع عنكم ، وارجعوا إلى أنفسكم
فانظروا هل يصلح لكم قتلي أو يحل لكم دمي ؟ ! ألست ابن بنت نبيكم وابن ابن
عمه وابن أول المؤمنين إيمانا ، أو ليس حمزة والعباس وجعفر عمومتي ، أو لم
يبلغكم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفي أخي : هذان سيدا شباب
أهل الجنة.

فان صدقتموني والا فاسألوا جابر بن عبدالله وأبا سعيد الخدري وأنس بن
مالك وزيد بن أرقم.

فقال شمر بن ذي الجوشن : هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما تقول
!

فأقبل الحر بن يزيد ـ أحد بني رياح بن يربوع ـ على عمر بن سعد فقال : أمقاتل
أنت هذا الرجل ؟ قال : نعم ! قال : أما لكم في واحدة من هذه الخصال التي عرض
رضى ؟ قال : لو كان الامر الي فعلت ، فقال : سبحان الله ما اعظم هذا ! أن يعرض
ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم ما يعرض فتأبونه !

ثم مال [ 59 |
أ ] إلى الحسين فقاتل معه حتى قتل ، ففي ذلك يقول الشاعر المتوكل الليثي :
لنـعـم الحــر حــر بنــي ريــاح |
* |
وحــرعـنــد مشـتبـك الـرمــاح |
ونعم الحــر نـــاداه حســيـــن |
* |
فجــاد بنفســـه عنــد الصبــاح |

وقال الحسين : أما والله يا عمر ليكونن لما ترى يوما
يسؤوك ، ثم رفع حسين يده مدا إلى السماء فقال :

اللهم ان أهل العراق غروني
وخدعوني وصنعوا بحسن بن علي ماصنعوا ، اللهم شتت عليهم أمرهم واحصهم
عددا.

وناوش عمر بن سعد حسينا ، فكان أول من قاتل مولى لعبيدالله بن زياد
يقال له سلام ، نصل من الصف فخرج إليه عبدالله بن تميم بن . . . فقتله ،
( 182 )
والحسين جالس عليه جبة خز دكناء وقد وقعت النبال عن يمينه
وعن شماله ، وابن له ـ ابن ثلاث سنين ـ بين يده فرماه عقبة بن بشر الاسدي فقتله.

ورمى عبدالله بن عقبة الغنوي أبابكر بن الحسين بن علي فقتله فقال
سليمان بن قتة :
وعنــد غني قـطــرة مــن دمــائـنا |
* |
وفـــي أســد اخــرى تعـد وتذكــر |

قال : ولبس حسين لامته ، وأطاف به أصحابه يقاتلون دونه حتى قتلوا جميعا ، وحسين
عليه عمامة سوداء وهو مختضب بسواد يقاتل قتال الفارس الشجاع.

قال : ودعا رجل من أهل الشام علي بن حسين الاكبر وامه آمنة بنت أبي
مرة بن عروة بن مسعود [ 59 | ب ] الثقفي ، وامها بنت أبي سفيان بن حرب ـ فقال
: إن لك بأمير المؤمنين قرابة ورحما ، فان شئت آمناك وامض حيث ما احببت ،
فقال : أما والله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت أولى أن ترعى من
قرابة أبي سفيان ، ثم كر عليه وهو يقول :
أنــا عـلـي بــن حسين بــن علـي |
* |
نــحـن وبيـــت الله أولى بــالنبــي |
مـــن شمـر وعمــرو ابــن الدعـي

قال : وأقبل عليه رجل من عبدالقيس يقال له : مرة بن منقذ بن النعمان فطعنه ، فحمل فوضع قريبا من أبيه ، فقال له : قتلوك يا بني ؟ على الدنيا بعدك العفاء ، وضمه أبوه إليه حتى مات ، فجعل
الحسين يقول :

اللهم دعونا لينصرونا فخذلونا وقتلونا ، اللهم فاحبس عنهم قطر
السماء وامنعهم بركات الارض ، فان متعتهم إلى حين ففرقهم شيعا واجعلهم
طرائق قددا ، ولا ترضي الولاة عنهم أبدا.

وجاء صبي من صبيان الحسين يشتد حتى جلس في حجر الحسين فرماه
رجل بسهم فأصاب ثغره نحره فقتله ، فقال الحسين :

اللهم إن كنت حبست عنا
النصر فاجعل ذلك لما هو خير في العاقبة ، وانتقم لنا من القوم الظالمين.
( 183 )

قال : وخرج القاسم بن حسن بن علي وهو غلام هو عليه قميص
ونعلان فانقطع شسع نعله اليسرى فحمل عليه [60 | أ ] عمرو بن سعيد الازدي
فضربه فسقط ونادى : يا عماه ، فحمل عليه الحسين فضربه فاتقاها بيده فقطعها من
المرفق فسقط.

وجاءت خيل الكوفيين ليحملوه ، وحمل عليهم الحسين فجالوا ووطؤوه
حتى مات ،

ووقف الحسين على القاسم فقال : عز على عمك أن تدعوه فلا
يجبيك ، أو يجيبك فلا ينفعك ، يوم كثر واتره وقل ناصره ، وبعدا لقوم قتلوك.

ثم أمر به فحمل ورجلاه تخطان الارض حتى وضع مع علي بن حسين.

وعطش الحسين فاستسقى ـ وليس معهم ماء ـ فجاءه رجل بماء فتناوله
ليشرب فرماه حصين بن تميم بسهم فوقع في فيه فجعل يتلقى الدم بيده
ويحمد الله .

وتوجه نحو المسناة يريد الفرات ، فقال رجل من بني ابان دارم :
حولوا بينه وبينه الماء ، فعرضوا فحالوا بينه وبين الماء وهو أمامهم ، فقال حسين :
اللهم اظمه.

ورماه الاباني بسهم فاثبته في حنكه ، فانتزع السهم وتلقى الدم فملأ كفه ،
وقال : اللهم اني أشكو إليك ما فعل هؤلاء.

فما لبث الاباني إلا قليلا حتى رئيوانه ليؤتى بالقلة أو العس ان كان ليروى
عدة فيشربه فإذا نزعه عن فيه قال : اسقوني فقد قتلني العطش ! فما زال بذلك
حتى مات.

وجاء شمر بن ذي الجوشن فحال بين الحسين وبين قتله فقال الحسين :

رحلي لكم عن ساعة مباح فامنعوه من .. . لكم وطغامكم [ 60 | ب ] ـ وكونوا في
دنياكم أحرارا إذا لم يكن لكم دين.

فقال شمر : ذلك لك يابن فاطم.

قال : فلما قتل أصحابه وأهل بيته بقي الحسين عامة النهار لا يقدم عليه
أحد إلا انصرف حتى أحاطت به الرجالة ، فما رأينا مكثورا قط أربط جأشا منه ،
( 184 )
ان كان ليقاتلهم قتال الفارس الشجاع ، وان كان ليشد عليهم
فينكشفون عنه انكشاف المعزى شد فيها الاسد.

فمكث مليا من النهار والناس يتدافعونه ويكرهون الاقدام عليه ، فصاح بهم
شمر بن ذي الجوشن : ثكلتكم امهاتكم ! ماذا تنتظرون به ، أقدموا عليه.

فكان أول من انتهى إليه زرعة بن شريك التميمي فضرب كتفه اليسرى
وضربه حسين على عاتقه فصرعه.

وبرز له سنان بن أنس النخعي فطعنه في ترقوته ، ثم انتزع الرمح فطعنه في
بواني صدره ، فخر الحسين صريعا ثم نزل إليه ليحتز رأسه ونزل مع خولى بن يزيد
الاصبحي فاحتز رأسه ثم أتى به عبيد الله بن زياد ، فقال :
أوقــر ركـابـي فـضـة وذهبــا |
* |
انــا قـتلت المــلك المـحـجـبـا |
قتلت خيــر النــاس امــا وأبــا |
* |
وخـيــرهـم إذا ينسبــون نسبــا |

قال : فلم يعطه عبيدالله شيئا
(1).

قال : ووجدوا بالحسين ثلاثا وثلاثين جراحة ، ووجدوا في ثوبه مائة
وبضعة عشر خرقا من [ 61 | أ ] السهام وأثر الضرب.

وقتل يوم الجمعة يوم عاشوراء في المحرم سنة إحدى وستين ، وله يومئذ
ست وخمسون سنة وخمسة أشهر.

وكان جعفر بن محمد يقول : قتل الحسين وهو ابن ثمان وخمسين سنة ،
وقتل مع الحسين اثنان وسبعون رجلا ، وقتل من أصحاب عمر بن سعد ثمانية
وثمانون رجلا.

وقتل مع الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما :

الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، قتله سنان بن أنس النخعي ، وأجهز عليه وحز رأسه
الملعون خولى بن يزيد الاصبحي.

والعباس بن علي بن أبي طالب الاكبر ، قتله زيد بن رقاد الجنبي وحكيم
السنبسي من طي.
____________
(1) حكاه سبط ابن الجوزي في تذكرة خواص الامة ص 256
عن الطبقات .
( 185 )

وجعفر بن علي بن أبي طالب الاكبر ، قتله هانىء بن ثبيت الحضرمي وعبد الله بن علي بن أبي طالب ، قتله هانىء بن ثبيت الحضرمي.

قال : وقد كان العباس بن علي قال لجعفر وعبدالله ابني علي : تقدما فان
قتلتما ورثتكما ، وإن قتلت بعدكما ورثني ولدي ، وان قتلت قبلكما ثم قتلتما
ورثكما محمد بن الحنفية ! فتقدما فقتلا ولم يكن لهما ولد ثم قتل العباس بعدهما.

وعثمان بن علي بن أبي طالب ، رماه خولى بن يزيد بسهم فاثبته ، واجهز
عليه رجل من بني ابان بن دارم.

وأبوبكر بن علي بن أبي طالب ، يقال : انه قتل في ماقيه [ 61 | ب ].

ومحمد بن علي بن أبي طالب الاصغر ـ وامه ام ولد ـ ، قتله رجل من بني
ابان بن دارم.

وعلي بن حسين الاكبر ، قتله مرة بن النعمان العبدي.

وعبدالله بن الحسين ، قتله هانىء بن ثبيت الحضرمي وجعفر بن الحسين.

وأبوبكر بن الحسين بن علي ، قتلهما عبدالله بن عقبة الغنوي.

وعبدالله بن الحسين ، قتله ابن حرملة الكاهلي من بني أسد

والقاسم بن الحسن ، قتله سعيد بن عمرو الازدي.

وعون بن عبدالله بن جعفر ، قتله عبد الله بن قطبة الطائي.

ومحمد بن عبدالله بن جعفر ، قتله عامر بن نهشل التميمي.

ومسلم بن عقيل بن أبي طالب ، قتله عبيد الله بن زياد بالكوفة صبرا .

وجعفر بن عقيل ، قتله بشر بن حوط الهمداني ، ويقال : عروة بن
عبدالله الخثعمي.

وعبدالرحمان بن عقيل ، قتله عثمان بن خالد بن أسير الجهني وبشر بن
حوط.

وعبدالله بن عقيل ـ وامه ام ولد ـ ، قتله عمرو بن صبح الصدائي.

وعبدالله بن عقيل ـ الاخر ، وامه ام ولد ـ ، قتله عمرو بن صبح الصدائي
ويقال: قتله اسيد بن مالك الحضرمي.
( 186 )

ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل ، قتله لقيط الجهني ورجل من آل أبي
لهب لم يسم لنا.

ورجل من آل أبى سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب يقال له : أبوالهياج
وكان شاعرا.

وسليمان مولى الحسين بن علي، قتله سليمان بن عوف الحضرمي [ 62 | أ
] ومنجح مولى الحسين بن علي.

وعبدالله بن يقطر ـ رضيع الحسين ـ ، قتل بالكوفة ، رمي به من فوق القصر
فمات، وهو الذي قيل فيه :

. . . . . . . . . وآخر يهوى مــن طمــار قتـيــل

وكان من
قتل معه رضي الله عنه ما سائر الناس من قبائل العرب من القبيلة الرجل
والرجلان والثلاثة ممن صبر معه.

وقد كان ابنا عبدالله بن جعفر لجئا إلى امرأة عبدالله بن قطبة الطائي ثم
النبهائي ، وكانا غلامين لما يبلغا ، وقد كان عمر بن سعد أمر مناديا فنادى : من جاء
برأس فله ألف درهم ، فجاء ابن قطبة إلى منزله فقالتله امرأته : ان غلامين لجئا
إلينا فهل لك ان تشرف بهما فتبعث بهما إلى أهلهما بالمدينة ؟ قال : نعم أرنيهما ،
فلما رآهما ذبحهما وجاء برؤسهما إلىعبيدالله بن زياد فلم يعطه شيئا ، فقال
عبيدالله : وددت أنه كان جاءني بهما حيين فمننت بهما على أبي جعفر ـ يعني
عبدالله بن جعفر ـ.

وبلغ ذلك عبدالله بن جعفر ، فقال : وددت انه كان جاءني بهما فاعطيته
ألفي ألف.

ولم يفلت من أهل بيت الحسين بن علي الذين معه إلا خمسة نفر :

علي بن حسين الاصغر ، وهو أبو بقية ولد الحسين بن علي اليوم ، وكان مريضا فكان مع
النساء.

وحسن بن حسن بن علي ، وله بقية.

وعمرو بن حسن بن علي ، ولا بقية له.
( 187 )

والقاسم بن عبدالله بن جعفر [ 62 | ب ] .

ومحمد بن عقيل الاصغر.

فان هؤلاء استضعفوا فقدم بهم وبنساء الحسين بن علي وهن :

زينب
وفاطمة ابنتا علي بن أبي طالب.

وفاطمة وسكينة ابنتا الحسين بن علي.

والرباب بنت أنيف الكلبية امرأة الحسين بن علي ، وهي ام سكينة
وعبدالله المقتول ، ابني الحسين بن علي.

وام محمد بنت حسن بن علي ، امرأة علي بن حسين.

وموالي لهم ومماليك عبيد واماء قدم بهم على عبيدالله بن زياد مع رأس
الحسين بن علي ورؤوس من قتل معه رضيالله عنه وعنهم.

ولما قتل الحسين رضي الله عنه انتهب ثقله فأخذ سيفه الفلافس النهشلي ،

واخذ سيفا آخر جميع بن الخلق الاودي.

واخذ سراويله بحر الملعون بنكعب التميمي ، فتركه مجردا !

واخذ
قطيفته قيس بن الاشعث بن قيس الكندي ، فكان يقال له : قيس قطيفة.

واخذ نعليه الاسود بن خالد الاودي.

واخذ عمامته جابر بن يزيد.

واخذ برنسه ـ وكان من خز ـ مالك بن بشير الكندي .

واخذ رجل من أهل العراق حلي فاطمة بنت حسين وهو يبكي ! فقالت :
لم تبكي ؟ فقال : أسلب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبكي ؟ ! فقالت :
دعه ، قال: اني أخاف أن يأخذه غيري ! !

وكان علي بن حسين الاصغر مريضا نائما على فراش ، فقال شمر بن ذي الجوشن الملعون : اقتلوا هذا ! فقال له رجل من أصحابه[ 63 | أ ] سبحان الله أتقتل فتى حدثا مريضا لم يقاتل !

وجاء عمر بن
سعد فقال : لاتعرضوا لهؤلاء النسوة ولا لهذا المريض.
( 188 )

قال علي بن حسين : فغيبني رجل منهم واكرم نزلي واحتضنني
وجعل يبكي كلما خرج ودخل حتى كنت أقول : ان يكن عند أحد من الناس وفاء
فعند هذا ، إلى أن نادى منادي ابن زياد : ألا من وجد علي بن حسين فليأت به فقد جعلنا فيه ثلاثمائة درهم.

قال : فدخل والله علي وهو يبكي وجعل يربط يدي إلى عنقي ! وهو يقول
: أخاف ! فاخرجني والله إليهم مربوطا حتى دفعني إليهم واخذ ثلاثمائة درهم وأنا
أنظر إليه.

فاخذت فادخلت على ابن زياد ، فقال : ما اسمك ؟ فقلت : علي بن
حسين ، قال : أولم يقتل الله عليا ؟ قال : قلت : كان لي أخ يقال له علي أكبر مني
قتله الناس ، قال : بل الله قتله ، قلت : الله يتوفى الانفس حين موتها ، فأمر بقتله ،
فصاحت زينب بنت علي بابن زياد : حسبك من دمائنا ، أسألك بالله ان قتلته إلا
قتلتني معه ، فتركه.

قال : ولما أمر عمر بن سعد بثقل الحسين ان يدخل الكوفة إلى عبيدالله
ابن زياد وبعث إليه برأسه مع خولى بن يزيد الاصبحي.

فلما حمل النساء والصبيان فمروا بالقتلى صرخت امرأة منهم : يا محمداه ،
هذا حسين بالعراء ، مزمل بالدماء ، واهله ونساؤه سبايا ، فما بقي صديق ولا عدو
إلا أكب باكيا.

ثم قدم بهم على عبيدالله [ 63 | ب ] بن زياد فقال عبيدالله : من هذا ؟
فقالوا: زينب بنت علي بن أبي طالب ! فقال : يكف رأيت صنع الله بأهل بيتك ؟
قالت : كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بيننا وبينك وبينهم .

قال : الحمد لله الذي قتلكم وأكذب حديثكم ، قالت : الحمد لله الذي
أكرمنا بمحمد وطهرنا تطهيرا.

فلما وضعت الرؤوس بين يدي عبيدالله بن زياد جعل جعل يضرب
بقضيب معه على في الحسين ! وهو يقول :
( 189 )
يفلقـن هـامـا مــن انـاس أعــزة |
* |
عليـنــا وهــم كانـوا أعق وأشأمـا |

فقال له
زيد بن أرقم : لو نحيت هذا القضيب فان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان
يضع فاه على موضع هذا القضيب
(1).

293 ـ قال : أخبرنا سليمان بن حرب ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن
علي بن زيد ، عن أنس بن مالك ، قال : شهدت عبيدالله بن زياد حيث اتي برأس الحسين رضي الله عنه ، قال : فجعل ينكت بقضيب معه على أسنانه ويقول : إن
كان لحسن الثغر ! قال : فقلت : والله لاسوأنك فقلت : أما اني قد رأيت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقبل موضع قضيبك من فيه.
رجع الحديث إلى الاول

قالوا: وأمر عبيد الله برأس الحسين فنصب.

294 ـ قال : أخبرنا محمد بن عمر [ 64 | أ ] قال : حدثنا عطاء بن مسلم ،
عن من أخبره ، عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش ، قال : أول رأس رفع
____________
(293) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق باب مناقب
الحسن والحسين بإسناد آخر عن أنس وفيه : فجعل ينكت ، وقال في حسنه شيئا
، فقال أنس : كان أشبههم برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
ورواه الترمذي في سننه 5 ، 659 برقم 3778 بإسناد آخر عن أنس ، وفيه
فجعل يقول بقضيب له في أنفه ، ويقول : ما رأيت مثل هذا حسنا ! قلت :أما انه
كان . . . ثم قال : هذا حديث حسن صحيح غريب.
ورواه أبوبكر الشافعي في الغيلانيات عن إسماعيل بن إسحاق عن سليمان
بن حرب.
فقلت : أما إنه كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم.
ابن عساكر في الحسين ص 30 من رقم 48.
وخرجه ابن الضحاك كما في ذخائر العقبى ص 127.
ورواه القطيعي فيزيادات الفضائل عن الكجي عن سليمان بن حرب عن
حماد بالاسناد واللفظ ، ورواه أسلم بن سهل بحشل في تاريخ واسط ص 245 ـ
246 بإسناد آخر عن أنس وفيه فجعل يقول بقضيبه في أنفه ! . . . فقلت : إنه كان
أشبههم برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
وأخرجه القطيعي في زيادات الفضائل بإسناده عن أنس بلفظ أسلم
وأخرجه أيضا بإسناده آخر ولفظه فجعل ينكت بقضيب في يده . ..
الفائق 1 | 419 ، ابن حسان 184 ب ، مورد الضمان رقم 2243.
كنز العمال 13 | 672 عن الخطيب في المتفق والمفترق .
( 190 )
على خشبة رأس الحسين.

295 ـ قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثني عيسى بن عبدالرحمن
السلمي ، عن الشعبي ، قال : رأس الحسين أول رأس حمل في الاسلام.

296 ـ قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا شيبان ، عن جابر ، عن
عامر ، قال : رأيت رأس الحسين بن علي بعد أن قتل قد نصل الشيب من صبغ
السواد.
رجع الحديث إلى الاول

قال : وأمر عبيدالله بن زياد بحبس من قدم به عليه
من بقية أهل حسين معه في القصر ، فقال ذكوان أبوخالد : خل بيني وبين هذه
الرؤوس فادفنها ففعل فكفنها ودفنها بالجبانة ، وركب إلى أجسادهم فكفنهم
ودفنه.

وكان زهير بن القين قد قتل مع الحسين فقالت امرأته لغلام له يقال له
شجرة : انطلق فكفن مولاك ، قال : فجئت فرأيت حسينا ملقى ، فقلت : أكفن
مولاي وأدع حسينا ! فكنت حسينا ، ثم رجعت فقلت ذلك لها ، فقالت : أحسنت
، وأعطتني كفنا آخر ، وقالت : إنطلق فكفن مولاك ، ففعلت.

وأقبل عمر بن سعد فدخل الكوفة ، فقال : ما رجع رجل [ 63 | ب ] إلى
أهله بشر مما رجعت به ، أطعت ابن زياد ، وعصيت الله ، وقطعت الرحم !

قال : وقدم رسول من قبل يزيد بن معاوية يأمر عبيدالله ان يرسل إليه بثقل الحسين
ومن بقي من ولده وأهل بيته ونسائه ، فأسلفهم أبوخالد ذكوان عشرة الاف درهم
، فتجهزوا بها.

وقد كان عبيدالله بن زياد لما قتل الحسين بعث زحر بن قيس الجعفي إلى
يزيد بن معاوية يخبره بذلك فقدم عليه ، فقال : ما وراءك ، قال :يا أميرالمؤمنين
أبشر بفتح الله وبنصره ، ورد علينا الحسين بن علي في ثمانية عشر من أهل بيته
وفي سبعين من شيعته ، فسرنا إليهم فخيرناهم الاستسلام والنزول على حكم
عبيدالله بن زياد أو القتال ، فاختاروا القتال على الاستسلام ، فناهضناهم عند
( 191 )
شروق الشمس وأطفنا بهم من كل ناحية ، ثم جردنا فيهم
السيوف اليمانية فجعلوا يبرقطون يبرقطون إلى غير وزر ويلوذون منا بالاكام
والامر والحفر لواذا كما لاذ الحمائم من صقر ، فنصرنا الله عليهم ! فوالله يا
أميرالمؤمنين ما كان إلا جزر جزور أو نومة قائل ، حتى كفى المؤمنين مؤنتهم فأتينا
على آخرهم فهاتيك أجسادهم مطرحة مجردة وخدودهم معفرة ومناخرهم
مرملة تسفي عليهم الريح ذيولها ، بقي سبسب تنتابهم عرج الضباع [ 65 | أ ]
زوارهم العقبان والرخم ! !قال : فدمعت عينا يزيد ! وقال : كنت أرضى من
طاعتكم بدون قتل الحسين ، وقال : كذلك عاقبة البغي والعقوق ! ثم تمثل يزيد
مــن يــذق الحــرب يجــد طعمهــا |
* |
مـــراً وتــتـركــه بــجعـجــاع |

قال : وقدم برأس الحسين
محفز بن ثعلبة العائذي ـ عائذة قريش ـ على يزيد ، فقال : أتيتك يا أمير المؤمنين
برأس أحمق الناس وألامهم ، فقال يزيد : ما ولدت ام محفز أحمق وألام ، لكن
الرجل لم يقرأ كتاب الله «
تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من
تشاء وتذل من تشاء »

ثم قال بالخيزرانة بين شفتي الحسين وانشأ يقول :
يفلـقن هامــا مــن رجال أعـزة * عــلينــا وهــم كانوا أعـق وأظلما

ـ والشعر لحصين بن الحمام
المري ـ ، فقال له رجل من الانصار ـ حضره ـ : إرفع قضيبك هذا فاني رأيت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقبل الموضع الذي وضعته عليه.

297 ـ قال : أخبرنا كثير بن هشام ، قال : حدثنا جعفر بن برقان ، قال : حدثنا
يزيد بن أبي زياد ، قال : لما اتي يزيد بن معاوية برأس الحسين بن علي جعل
ينكت بمخصرة معه سنه ويقول : ما كنت أظن أباعبدالله [ 65 | ب ] يبلغ هذا
السن !

قال : واذا لحيته ورأسه قد نصل من الخضاب الاسود.
*
*
*