مع إطلالة شهر محرم
الحرام ـ يصدر هذا العدد ـ وهو أحد الاشهر التي ـ جعلها الله تعالى أوقات أمن
وسلام تستريح إليها البشرية المنكودة من النار التي أججها لها شياطين الانس
والجن ـ نار الحرب ـ .
وقد حرمه أهل الجاهلية في جاهليتهم حيث ألجأتهم الفطرة إلى تحريمه
حتى أن الرجل ليلقى الرجل وقد قتل أباه أو أخاه فيدعه .
في هذا الشهر المحرم استبيحت حرمة من أعظم حرمات الله بأفجع
صورة عرفها التاريخ ، وإلا فما الداعي إلى منع الماء ؟ وإلى قتل الطفل الرضيع
العطشان في حجر أبيه ؟ وإلى سبي الحرائر الخفرات من أشرف اسرة عرفتها
البشرية ؟ ثمما الداعي بالسير بهن من بلد إلى بلد ؟ وما الداعي إلى رض
الجسد الشريف بسنابك الخيل بعد أن شفى الطغاة غيظهم على جده النبي
الاكرم صلى الله عليه وآله بقتل خليفته وحفيده ومن هو منه كلحمه ودمه .
ولكن . . . شنشنة أعرفها منأخزم . . .
هذا أبو سفيان ـ جد يزيد ـ مر بجسد حمزة بن عبدالمطلب عليه
السلام وبيده رمح فصار يجأبه في شدق حمزة ، وكان الحليس بن علقمة سيد
الاحابيش ينظر إليه فصاح : يا معشر بني كنانة ، انظروا إلى من يزعم أنه سيد
قريش ما يصنع بابن
ولكن لم يكن الحليس وأشباه الحليس حاضرين يوم الطف !
وإذا كانت فعلة أبي سفيان لايعرفها إلا العالمون ، فإن فعلة يزيد شاء لها الله أن تخلد
علىالزمان وأن يعلمها الاعرابي في باديته والقروي في منقطع قريته فضلا عن
القراء الكتاب .
وما هذه النهضة الاسلامية المباركة إلا ثمرة من ثمرات ثورة الحسين ـ عليه السلام ـ وما تخليص البشرية ـ كل البشرية ـ من آلامها على يد مهدي
الامم ـ عجل الله فرجه وسهل مخرجه ـ إلا الثمرة الكبرى لشهادة الحسين ـ
عليه السلام ـ وإنا بانتظار ذلك اليوم الذي ينادى فيه : يا لثارات الحسين !
فتتخلص البشرية من الفراعين والطواغيت .
وقد حفل هذا العدد من (تراثنا) بعدة مقالات تدور حول هذه الفاجعة
التي غضب لها الله على عرشه .
فإليك ـ قارئي العزيز ـ :
إثبات قصيدة : كربلا لا زلت كربا وبلا . . . في كلمة الشريف الرضي .
وقصائد لشعراء الحسين ـ عليه السلام ـ في الادب المنسي في الاحساء .
والمقتل الشريف . .. الساقط من طبعة طبقات ابن سعد .
والاثني عشريات في رثاء الحسين . . . من نظم العالم الكبير السيد مهدي بحر العلوم .
وخلود فضح يزيد . . . في هذه الحلقة من أهل البيت في المكتبة العربية .
ولنتذكر ـ أخي القارىء ـ أولا وآخرا الحديث الشريف « الحسين عبرة المؤمن » .وإنا لله وإنا إليه راجعون
الشيخ محمد رضا الجعفري
لهذه البحوث تاريخ يطول ذكره ، وملخصه أنه كان لي بحث مقتضب جدا حول الشريف الرضي كمتكلم ، طلب مني أن اعيد النظر فيه وأعده
للذكرى الالفية لوفاة الشريف الرضي ، رضي الله عنه وأرضاه ! ولكن إعادة النظر انتهت إلى ركام من الملاحظات ـ وأقول الملاحظات ، لان في تسلسلها كثير
من الفجوات لم أستطع إلى الان أن أملاها ـ حول ثقافة الشريف ، وأساتذته ،
وعقيدته مذهبا وكلاما ، وآرائه الكلامية ، ثم طلب مني فيما بعد أن أستل منها
بحثا يتناسب والعدد الذي يصدر من (تراثنا) في شهور ذكرى سيد الشهداء ،
عليه وعلى المستشهدين معه سلام الله وتحياته وبركاته . وكان من بين تلك
الملاحظات ما يعود إلى ما ذكره الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو في تصديره
لديوان الشريف الرضي ، الذي تولت نشره له وزارة الاعلام في عراق صدام ،
وأهم ما يرجع منها إلى سيد الشهداء عليه السلام أن الدكتور عمد إلى مقصورة
الشريف الحسينية الشهيرة : (كربلا لا زلت كربا وبلا) فحذفها من الديوان ، ثم
وضع المعاذير لذلك ، وبذلك أثبت عمليا صدق قول الشريف : إن كربلاء ما
زالت كربا وبلا !
وقد ارتأيت أن أقدم ، قبل البحث عما قالهحول المقصورة ،
بعض الملاحظات التي تعود إلى الشريف ، ولها صلة إلى حد ماـ بما قاله
حول المقصورة ،
هناك نادرة تذكر
في سيرة الشريف الرضي وقعت له عندما حضر ، وهو طفل صغير لم يبلغ
العاشرة ، عند أحد أساتذة العربية والادب يومذاك ، أصبحت فيما بعد من أشهر
النوادر العلمية التي تذكر للتدليل على حدة الذكاء ، وسرعة الخاطر ، خاصة في
فترة من العمر ، الذي يكون تملك مثل هذا الذكاء وحدة الخاطر فيها يبعث
إعجابا أكثر وأكبر ، ويكشف عنعبقرية مبكرة يقل لها النظير ، والقصة كما يلي
:
قال ابن خلكان عندما ترجمللشريف الرضي :« وذكر أبو الفتح ابن جني
النحوي في بعض مجاميعه : أن الشريف الرضي احضر إلى ابن السيرافي
النحوي ، وهو طفل جدا ، لم يبلغ عمره عشر سنين ، فلقنه النحو ، وقعد معه يوما
في حلقته ، فذاكره بشيء من الاعراب على عادة التعليم ، فقال له : إذا قلنا :
(رأيت عُمَرَ) فما علامة النصب في عمر ؟ فقال له الرضي : بغض علي ! فعجب
السيرافي
ولكن الدكتور الحلو ذكر
القصة ، وجاء فيه : « . . . إذا قلنا : رأيت عمرو ، فما علامة النصب في عمرو . . .
) وقال في الهامش :
هكذا ذكر ابن خلكان : 4 |416 [ وواضح أنه يشير إلى
نفس طبعه الدكتور احسان عباس ] وهو أقدم من ذكر القصة [ وسيأتي أن الاقدم
منه هو القفطي ـ فيما وصلنا ـ ولعل هناك من هو أقدم منهما ، ولم يصلنا أو لم
نعثر عليه ] على أن المراد « عمرو بن العاص » وقد اعتاد النحويون التمثيل بزيد
وعمرو ، وتبعه على هذا ابن الوردي في تاريخه : 1| 627 ، وأكد أن المراد
عمرو بن العاص بقوله : (أشار إلى عمرو بن العاص وبغضه لعلي) . كما زاد هذا
القول توثيقا أبو الفداء في تاريخه : 1 | 145 حيث أورد القصة ، وعقب عليها
بقوله : « أراد السيرافي النصب الذي هو الاعراب ، وأراد الرضي الذي هو بغض
علي ، فأشار إلى عمرو بن العاص » . وأورد ابن حجر القصة في لسان الميزان :
5 | 141 ، كما أوردها ابن خلكان ، واللفظ فيه (عمرو) ، أما الصفدي في الوافي
بالوفيات : 2 | 375 ، وابن العماد في شذرات الذهب : 3 | 182 ، والخوانساري
في روضات الجنات | 547 ، وابن معصوم في الدرجات الرفيعة | 468 فقد
جاءت اللفظة لديهم : (عمر) على أن المراد عمر بن الخطاب (. . .) وربما كان
هذا خطأ في النسخ أو الطباعة ، وربما كان وهما سبق إلى الاذهان للنكتة اللغوية
في منع صرف الكلمة . ولو كانت اللفظة صوابا لم يكن جواب الرضي سديدا [
؟ ! ] لان شيعة علي (. . .) إنما يذكرون بغض عمرو بن العاص له [ وأما خصوم
علي ، فهم لا يذكرون إلا ولاء ابن النابغة ، وصاحبه ابن هند له ، واتباعهما
وتسليمهما لامره ! ] ولم يذكر أحد [ لا ولا إعلام صدام الذي تولى نشر الديوان
للدكتور ! ] أن قامت بين عمر وعلي (. . .) مثل هذه البغضاء التي استمرت تذكر
على مدى الايام [ ؟ ! ] (2) .
(1) وفيات الاعيان ، تحقيق الدكتور إحسان عباس ، دار
الثقافة ، بيروت ، بلا تاريخ ، 4 | 416 .
(2) ديوان الشريف الرضي ، تحقيق الدكتور عبدالفتاح محمد الحلو
،الجمهورية العراقية ، وزارة الاعلام ، 1977 ، 1 | 80 .
وتعليقي على ما ذكره الدكتور الحلو :
أولا : إن الطبعة التي رجع
إليها الدكتور من (وفيات الاعيان) جاء فيها (عمر) و (عمر) في الموضعين ،
ولم أجد تصويبا لما جاء في هذه الطبعة ، لا في هذا الجزء ولا فيما بعده من
الاجزاء ، وقد رجعت إلى المؤاخذات التي أخذها الدكتور علي جواد الطاهر
على هذه الطبعة من وفيات الاعيان فلم أر له ملاحظة هنا (3) .
وقد ذكر الدكتور إحسان عباس في مدخل الجزء الرابع النسخ الكثيرة
التي اعتمد عليها في تحقيق هذا الجزء ، وصنيعه يدل على أنه لم يجد ، ولا في
واحدة منها ما يخالف ما أثبته في طبعته .
وهكذا جاء في الطبعة الحجرية للوفيات طهران ، 1284 ، 2 | 107 ـ
وببالي أن الدكتورمصطفى جواد على ما قرأت له منذ زمن قديم كان يرى أن
هذه الطبعة الحجرية هي أصح طبعات الوفيات . نعم جاء في ط بولاق 1299 ،
2 | 3 ، وط مكتبة النهضة المصرية ، تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد ، ط
1 ، 1367 | 1948 ، 4 | 45 ـ والمأخوذة عن طبعة بولاق (عمرو) بدل (عمر) ،
ولكن الدكتور لم يتخذ أياً من هذه الطبعات مرجعا له سوى طبعة إحسان
عباس .
والذين ذكرو (عمر) ولم (يُعَمٌروُه) ! هم : عدا القفطي الذي سنذكره فيما بعد ، الذهبي ، العبر : 3 | 95 ، الصفدي ، الوافي بالوفيات : 2 | 5 37 ، اليافعي ،
مرآة الجنان : 3 | 19 ، ابن العماد الحنبلي ، شذرات الذهب : 3 | 182 ، مجالس
المؤمنين : 1 | 505 ، عن ابن خلكان واليافعي ، والدرجات الرفيعة : 468 ، وقد
تناقض النقل فيه ، ففي الاول (عمرا) وفي الثاني : (عمر) ـ ولم ينتبه الدكتور
الحلو إلى هذا التناقض ـ ، وروضات الجنات ، 6 | 191 ، 193 ـ بالاضافة إلى
الطبعة الحجرية التي أشار إليها الدكتور ـ مستدرك الوسائل : 3 | 514 ، معجم
رجال الحديث : 16 | 27 عن ابن خلكان .
وأما الذين ذكروا (عمرا) فالاصل هو أبو الفداء ، وابن الوردي قد أخذ
تاريخه وحكاه بتلخيص ، وأضاف إليه مالم يدركه عصره ، (راجع ابن الوردي ،
وثانيا : أن جمال
الدين ، علي بن يوسف القفطي (568 | 1172 646 | 1248) يروي القصة كما
يلي :
« وكان الرضي من أهل الفضل والادب ، والعلم ، والذكاء ، وحدة الخاطر
من صغره . ذكره أبو الفتح بن جني في مجموع له جمعه ، وذكر في بعض مجاميعه : أن هذا المجموع سرق منه في طريق فارس ، وتأوه عليه كثيرا ، ومات
وهو عادم له . ثم إن هذا المجموع حصل في بعض وقوف مدينة أصفهان ، ولما
توجه إليها سعيد بن الدهان [ سعيد بن المبارك بن علي ، ابن الدهان البغدادي
((494 | 1101 569 | 1174) أحد علماء اللغة والادب ] وجد المجموع
المذكور ، فنقل منه مجلدا واحدا ، ولم أر سواه بخط سعيد المذكور . ذكر فيه
أبو الفتح بن جني : أن الرضي احضر إلى ابن السيرافي ، وهو طفل صغير جدا ،
لم يبلغ عمره عشر سنين ، فلقنه النحو ، وقعد معه يوما في الحلقة ، فذاكره بشيء
من الاعراب على عادة التعليم ، فقال له : إذا قلنا : (رأيت عمرَ) ما علامة النصب
في عمر ؟ قال له الرضي : بغض علي ! فعجب [ ابن ] (4) السيرافي والحاضرون
من حدة خاطره » .
وابن خلكان ، أحمد بن محمد الاربلي(608 | 1211 ـ681 | 1282) وإن أدرك عصر القفطي ، إلا أنه يحكي عنه (ابن خلكان ، 5 | 47) وخاصة عن
كتابه (إنباه الرواة) (ابن خلكان ، 4 | 64 ، 6 | 129 ، 192 193) فالقفطي يعد
بمنزلة أحد شيوخ ابن خلكان ، وكتابه جعله أحد مصادر وفياته ، وأظن قويا أن
ابن خلكان لم ير مجموع ابن جني بنفسه ، وإنما اعتمد على القفطي وعن طريقه
ـ حكى القصة ، وإن لم يصرح به . وهو في حكاية القفطي(عمر) في الموضعين
، ولم يشر المحققون في الهامش إلى اختلاف في النسخ .
وثالثا : إن التمثيل في هذه النادرة إنما وقع من جهة الاعراب وعلاماته
نعم ، لو كان الامتحان لا في النحو ، بل من جهة الاملاء وكيفية الكتابة لكان
المناسب التمثيل بـ (عمرو) الذي زيد فيه (الواو) ظلما في الهجاء ـ كما يقول
الشاعرـ ليمتاز كتابة لانطقا عن (عمر) ، ولكن هذا (الواو) يثبت في حالتي الرفع
ـ والجر ، دون النصب ، إذ لا يتنصب (عمر) .
وصحيح أن النحويين اعتادوا التمثيل بزيد وعمرو ، في فروضهم النحوية
، ولكن ليس في مثل هذا المورد ! ولكن النحويين جرت عادتهم أيضا على
تقديم (زيد) على (عمرو) فإذا أرادوا التمثيل بأحدهما اختاروا زيدا ، فقالوا :
(قام زيد) وإذا احتاجوا إليهما معا قدموا زيدا وقالوا : (ضرب زيد عمرا) !
ورابعا : إن لفظة (عمرو) حكاها الدكتور عارية عن الاعراب ، وهي منصوبة ،
وملحقا بها (الواو) ، وهذا خطا لا يصدر من متعلم ، فكيف من عالم نحوي !
والصحيح حذف (الواو) وإدخال الاعراب ، بأن يقال : (رأيت عَمْراً) لا : (رأيت
عمرو) وقد جاءت عند أبي الفداءوابن الوردي (رأيت عمرا) ، وقد رجع إليهما
الدكتور نفسه ، فما الذي أوجب غفلته وهو العالم الاديب ـ عن هذه الملاحظة
، ولست أسمح لنفسي بأن أنسبه إلى التغافل كي يصح له ما قال ! نعم جاءت في
طبعتي بولاق ، ومحمد محيي الدين عبدالحميد كما ذكرها الدكتور ، إلا أن
الدكتور لم يعتمد عليها ، بل ولم أجد ما يدل على رجوعه إليهما ، ومهما يكن
فعذر
وخامسا : إن
قول الدكتور : (ولو كانت اللفظة صوابا لم يكن جواب الرضي سديدا . . .) لا
أدري كيف ابرره ، وكيف سمحت نفس الدكتور بأن يقوله ! فليس خصومة
علي ، ومعاوية ، وأخيه عمرو بالتي يذكرها الشيعة وحدهم ، وليست حرب
صفين ومضاعفاتها بالتي أرخها الشيعة وحدهم ! نعم خصومة من مكن معاوية
من رقاب المسلمين ، ومن أشاد له حكمه بالشام لا أقول حولها شيئا. . .
ويكفي في التعرف على رأي الشريفين الرضي وأخيه المرتضى ، ورأي
الشيعة الامامية ما يحكيه أبو القاسم بن برهان الحنبلي أولا ، ثم الحنفي ، وهو ما
سمعه من الشريف المرتضى في آخر لحظات حياته (5) .
نعم إن إعلام حكومة صدام ، وما يؤلف لهذا الاعلام لا تريد أن يذكر
ذلك أحد ! بل لا تريد أن يذكر ذاكر سيد الشهداء ـ عليه السلام ـ ومن علم الاباة
الحمية والاباء ! وبلغ بها السعي في الوصل إلى غايتها هذه أنها لاتريد أن يقرأ
أحد مقصورة الشريف الرضي الشهيرة :
كربلا لا زِلْتِ كربا وبلا !
فتحذفها من
طبعتها لديوان الشريف ثم تضع المعاذير لذلك ـ ومعذرة من الدكتور ، فإني لا
أرى هذا صنيعه ، بل صنيعها ـ !
من هو ابن السيرافي هذا ؟
والسيرافيان
اللذان عاصرهما الشريف ، هما :
(الاب) : الحسن بن عبدالله بن المرزبان ،
أبو سعيد السيرافي ، ثم البغدادي ، المعتزلي ، الحنفي (284 | 897 368 | 979
) أحد أعلام العلم والادب واللغة .
كان أبوه مجوسيا اسمه (بهزاد) فأسلم وسماه أبو سعيد (عبدالله)
. ولد أبو سعيد بسيراف ، وفيها نشأ ، ثم هاجر إلى بغداد فسكنها حتى توفى
عن أربع وثمانين سنة ، كان يدرس كما قال عنه المترجمون له القرآن ،
وعلومه ، والقراءات ، والنحو ، واللغة ، والفقه ، والفرائض والكلام ، والشعر
، والعروض ، والحساب ، وكان من أعلم الناس بنحو البصريين ، معتزلي
العقيدة ، حنفي المذهب ، ولي قضاء بغداد وكان نزيها ، عفيفا ، جميل الامر ،
حسن الاخلاق ، لم يأكل إلا من كسب يده ، ينسخ ويأكل منه ، حتى أيام قضائه
، وله كتب كثيرة في القراءات ، والنحو ، وغيرها (6) .
و (الابن) : يوسف بن الحسن ، أبو محمد ، ابن السيرافي ، البغدادي
(330 | 941 ـ 385 | 995) وكان عالما بالنحو ، والادب ، واللغة ، أخذ عن والده ، فخلفه في جميع علومه ، وتصدر مجلسه بعد موته ، وأكمل كتبه التي مات ولم
يكملها ، وألف كتبا عدة ، وكان يرجع إلى علم ودين ، رأسا في العربية (7) .
فأيهما الذي حضر عليه الشريف ؟
يقول الدكتور الحلو أنه الاب ،
أبو سعيد نفسه ، لا ابنه أبو محمد ، ابن السيرافي (8) ثم يتناوله بتفصيل أكثر
فيقول :
ويرى الدكتور إحسان عباس أنه : (ربما كان من الوهم أن نعد أبا سعيد
السيرافي واحدا من أساتذة الرضي (. . .) لان السيرافي أبا سعيد توفي وعمر
الرضي يقل عن ثمان سنوات (. . .) وابن السيرافي المشار إليه فيما أعتقد هو :
ابن أبي سعيد يوسف وقد توفي (. . .) ورثاه الرضي (. . .) وقد خلف يوسف
أباه في علومه) (9) وقد رد الاستاذ محمد عبد الغني حسن هذا الرأي ، وقال :
إنه (لا حاجة
ولست أرى مجالا للخلاف في هذه القضية ، فإن ابن جني يذكر أن الرضي احضر إلى مجلس ابن السيرافي ، وواضح أن المراد هنا أبو سعيد ،
لاولده ، فهو الذي كان صاحب المجلس واستاذا لابن جني ، وكان ابن جني
يتلقى عنه ، فهو شاهد عيان ، ولم تذكر الرواية أن الرضي قرأ عليه شيئا ، وإنما
لقنه النحو في جملة من يلقن من حضور الحلقة ، ثم ذاكره بشيء من الاعراب
ليختبر تقدمه ، وقد كان يوسف ولده يفيد الطلبة في حياة أبيه كما يذكر ابن
خلكان ولعله كان يعني بالمبتدئين في العلم من حضور حلقة والده كالرضي .
فالرضي إذا حضر حلقة أبي سعيد ، وهو صاحب القصة معه ، وهذا لا
يدفع أنه ربما استفاد من علم ولده يوسف الذي كان يفيد الطلبة في حياة أبيه ،
وإن كان لا يشعر نحوه بما يشعر به الطالب نحو استاذه ، فقصيدته في رثائه لا
تدل على أنه يرثي استاذا له ، ولم يقلها الرضي فيه إلا ليحافظ على ما ضيعه
الناس من الوفاء (. . .) وما هكذا يفعل الرضي في رثاء أساتذته (. . .) (11) .
وقد سبقه إلى عد أبي سعيد السيرافي نفسه استاذا للشريف ، شيخنا
العلامة الاميني في الغدير : 4 | 183 ، وسبقهما السيد الخوانساري في روضات
الجنات في ترجمة (أبي سعيد السيرافي) : 3 | 73 ، عندما ذكر تلك النادرة التي
تقدمت ، وأضاف : (ولما سمع بذلك أبوه فرح بذلك ، وقال له : أنت ابني حقا)
. ثم ذكر : أن الثعالبي ذكر في ترجمة الشريف : أنه له في أبي سعيد مرثية ـ وذكر
ثلاثة أبيات منها ثم ترجم لابنه يوسف ، وتبعه في هذا الشيخ عباس القمي في
الكنى والالقاب : 2 | 340 ولا أدري كيف وقع له مثل هذا مع أن
وهذه إحدى المشكلتين .
وهناك مشكلة اخرى ، وهي أن الشريف قد ذكر من قرأ عليهم وهم :
1 ـ علي بن عيسى بن الفرج ، أبو الحسن الربعي ، الشيرازي ، ثم البغدادي (328 | 940
420 | 1029) وتوفي الشريف ، والربعي كان لا يزال حيا.
2 ـ أبو الفتح عثمان بن جني ، الموصلي ، ثم البغدادي (ح 327 | 939 ـ
392 | 1002) .
وقال الشريف نفسه : (وقال لي شيخنا أبو الحسن علي بن عيسى
النحوي ، صاحب أبي علي الفارسي ، وهذا الشيخ كنت بدأت بقراءة النحو عليه
قبل شيخناأبي الفتح عثمان بن جني ، فقرأت عليه (مختصر الجرمي) وقطعة من (كتاب الايضاح) لابي علي الفارسي ، و (مقدمة) أملاها علي كالمدخل إلى
النحو . . .)(14) .
ووجه المشكلة أن الشريف إن كان قد قرأ على السيرافي ، الاب ، أو الابن ، أيا كان ، فلماذا لم يشر إليه ؟
وقال شيخنا النوري : (وظاهره أنه لم يقرأ
على السيرافي ، وإلا لاشار إليه ، مع أنه عند وفاة السيرافي [ الاب ، وهكذا فسره
بالاب ] كان ابن تسع سنين ، كما يظهر من تاريخ ولادة الاول ووفاة الثاني ) ثم
حكى ما حكاه ابن خلكان ، فقال : (وفي قوله : فلقنه النحو مسامحة) (15).
والذي أراه في حل المشكلة الاولى التأكيد على مدلول
(ابن) السيرافي ! فإن إضافة (ابن) إنما جيء بها للتعريف ، والتعريف بالاضافة
إلى الاب (السيرافي) لا يصح إلا إذا كان الاب قد بلغ من الشهرة المبلغ الذي
يعد أشهر من يحمل العنوان ، فيعرف به من يضاف إليه (إبنا) كان أو (أخا)
أوغيرهما ، وهذا يعني : أن المشتهر يومذاك بالسيرافي كان هو الاب ، لا الابن الذي حضر الشريف مجلسه ، وهذا لا يصح إلا إذا كان الاب أبو سعيد السيرافي
نفسه ، لا أبوه بهزاد المجوسي الذي عاش في سيراف ، والذي أسلم وسماه ابنه
عبدالله ،عاش مغمورا ومات مغمورا ، ولو لم يبلغ ابنه أبو سعيد ما بلغه لم
يسمع بذكره أحد . وبهذا يكون الذي حضر عنده الشريف ابن أبي سعيد
السيرافي أبا محمد ، لاهو نفسه . وليست المشكلة تدور حول قصر السن أو قلة الذكاء ، فإنه لا مناقشة
في شدة ذكاء الشريف وحدة فطنته ، وقصر سنه لم يمنعه من الحضور على
الشيخ المفيد ـ كما سيأتي وسيأتي أن عمره كان يومذاك في حدود السادسة .
ولم أجد فيما أملك من المصادر قراءة ابن جني على أبي سعيد السيرافي
، وانما الذي تتفق المصادر كلها عليه أنه قرأ على أبي علي الفارسي ، في صحبة
دامت أربعين سنة ،صحبه في أسفاره ، وخلا به في مقامه (16) ، ويذكر ابن
ماكولا أن ابن جني (سمع جماعة من المواصلة والبغداديين) (17) ، إلا أن أحدا
لم يذكر أنه كان فيهم أبو سعيد السيرافي .
ولا نملك أي حجة تدلنا على قراءة الشريف على السيرافي ، سواء أكان
الاب أم الابن ، سوى ما تدل عليه هذه النادرة ، وهي لا تدل إلا على أنه حضر
مجلس الابن دون الاب ، وبهذا لا أجد أي مبرر لما احتاط الدكتور الحلو في رأيه
حينما ارتأى أن الشريف قرأ على الاب ، وأضاف : (وهذا لا يدفع أنه
ربما استفاد من علم ولده يوسف) .
ولا يلزم أن تكون القراءة على الابن أنها كانت بعد وفاه الاب بل
أرجح أنها وقعت في حياة الاب ، وفيما يقرب من تأريخ حضوره على شيخنا
المفيد ـ كما سيأتي وإنما اختير له الابن (وكان يفيد الطلبة في حياة أبيه) (18)
، أن الاب يومذاك كان قد بلغ من العمر عتيا ، ومن الشخصية العلمية ما ارتفع
بها عن الاشتغال بمبادىء النحو والعربية ، وتلقين الصغار تلك المبادىء ، دون
الابن وخاصة في حياة الاب ، وهو بعد لم يشغل مجلس أبيه .
والذي كان من ابن السيرافي أنه لقن الشريف النحو ، ويقصد منه التعليم
الشفهي ، والتحفيظ وتقويم اللسان ، ولا تدل القصة على أن الشريف قرأ عليه
شيئا من الكتب الموضوعة في النحو ، لا صغيرها ولا كبيرها ، بل وان (مختصر
الجرمي) وما كان كالمدخل إلى النحو قرأهما على الربعي فيما بعد .
ولعل لهذه الجهة ، ولان التلقين انتهى بتلك النادرة سبب ذلك انقطاع
الشريف عن أبي محمد السيرافي ، بعد أن لقنه أوليات النحو .
وأرى أن ما ذكرته كاف لتعليل تلك الظاهرة التي أشار إليها الدكتور
الحلو ، والتي تبدو من رثاء الشريف لابي محمد السيرافي ، وأظن قويا أن موقف
أبي محمد السيرافي من نادرة الشريف كان موقف غضب وامتعاض ، ولم يكن
يومذاك بعد ، قد أبدل (عمر) بـ (عمرو) كي تخف الوطأة (ويسهل ابتلاع النادرة
) كما يقولون ولعل ذلك الموقف ، أو ما تعقبه من ملاحظات وتعليقات
خلف ذلك كله في نفس التلميذ الصغير وخاصة إن كان بمثل الشريف الرضي
آثار سوء ظلت حية ، حتى وبعد أن مات أبو محمد .
وأرى أيضا أن هذا كاف لتفسير تغافل الشريف عن الايام المعدودات
التي حضر فيها عند ابن السيرافي ، وعدم الاهتمام بتلك الايام وتغافلها ، عندما
ذكرالشريف من قرأ عليه النحو والادب .