كتب محققة تحت الطبع
1 ـ وسائل الشيعة
2 ـ مستدرك الوسائل
3 ـ نقد الرجال السيد جواد الشهرستاني
بغية كل محقق ، ومشكاة كل فقيه ، قبس وضاء يستضىء العلماء بنوره ويرتوون
من معينه المتدفق ، ويغوصون في أعماقه لاقتناء درره .
خير مجموعة حديثية منتقاة من كلام هداة الامة ومنقذيها من الضلالة
والغواية ، ورشحات عبقة من هدي أئمة أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ،
والوسيلة التي ترفد الفكر النير لاستنباط الاحكام الشرعية ، والمحور الذي
تدور عليه رحى الابحاث العليا في الحوزات العلمية لترتيبه الجيد ومنهجيته الحسنة ،
وهو كما قال مؤلفه :
« كتاب يطمئن الخاطر به ، وتركن النفس اليه، ويصلح للوثوق به والاعتماد
عليه، ويكتفي به أرباب الفضل والكمال، في الفقه والحديث والرجال .
كتاب كافل ببلوغ الامل ، كاف في العلم والعمل ، يشتمل على أحاديث
المسائل الشرعية، ونصوص الاحكام الفرعية، المروية في الكتب المعتمدة الصحيحة
التي نص على صحتها علماؤنا نصوصا صريحة، تكون مفزعا لي في مسائل الشريعة،
ومرجعا يهتدي به من شاء من الشيعة ».
استخرج مؤلفه الاحاديث الكثيرة في الفروع الفقهية والآداب الشرعية من
الكتب الاربعة، وأضاف إليها أحاديث كثيرة من كتب الاصحاب الاخرى التي
تربو على مائة وثمانين كتابا .
ووزع الاحاديث حسب الترتيب الفقهي من الطهارة الى الديات .
*
*
لقد افنى مؤلفه الشيخ محمد بن الحسن بن علي بن علي بن محمد بن الحسين
الحر العاملي المشغري المتوفى عام 1104 هجرية مايقارب من العشرين عاما من
عمره الشريف في تأليف هذا السفر العظيم ، وبذل مجهودا كبيرا وشاقا بمؤازرة وتأييد
إلهي .
قال العلامة الكبير آية الله العظمى السيد البروجردي (ره) في مقدمته لكتاب
جامع أحاديث الشيعة عند ذكره لوسائل الشيعة أنه :
جاء بأحسن ما صنف في هذا الفن وله علينا حق عظيم ، شكر الله تعالى
مساعيه وأرضاه.
وقال المحقق الخونساري في روضاته (ج 7|96):
هو صاحب كتاب (وسائل الشيعة)، وأحد المحمدين الثلاثة المتأخرين
الجامعين لاحاديث هذه الشريعة، ومؤلف كتب ورسائل كثيرة اخر في مراتب
جليلة شتى... [كان] في غاية سلامة النفس وجلالة القدر، ومتانة الرأي ورزانة
الطبع، والبراءة من التصلب في الطريقة، والتعصب على غير الحق والحقيقة ، والملازمة
في الفقه والفتوى لجادة المشهور من العلماء ، والملازمة للصدق والتقوى في مقام المعاملة
مع كل من هؤلاء وهؤلاء.
منهجية مؤسسة آل البيت عليهم السلام في التحقيق:
في الوقت الذي نثمن ونكبر الدور الذي خطه آية الله الشيخ عبد الرحيم
الرباني الشيرازي بقيامه بتحقيق هذا السفر العظيم ، وما بذل من جهد جهيد وعمل
جبار ومتواصل ودؤوب لاخراجه بالشكل اللائق به، لكن تعوزه بعض الامور الهامة
التي كانت السبب للشروع بتحقيقه وإخراجه بحلة اخرى منها:
1 - انه اعتمد في عمله على نسخة العلامة الكبير الطباطبائي المصححة على
نسخة الشيخ محمد الخمايسي المطابقة مع نسخة الحر العاملي.
وقد تمكنا بفضل الله وسعي أهل الخبرة والاطلاع بالحصول على جل نسخ
الاصل التي هى بخط مؤلفه الحر العاملي ، وكان من جراء ذلك اطلاعنا على وجود
أخطاء فاحشة وأغلاط كثيرة في النسخة المحققة السابقة.
فمنها التصحيفات الواردة في سلسلة السند كما في «خثيمة» الذي هو «خيثمة»
أو سقوط كلمة كما في «محمد بن موسى بن القاسم» والصحيح أنه «محمد بن يحيى عن
موسى بن القاسم» كما في النسخة الخطية، أو ما رواه عن محمد بن يحيى العمركي
الخراساني وهو خطأ لسقوط كلمة (عن) قبل (العمركي) فتأمل.
ومنها التصحيفات الواردة في كثير من كلمات المتن أو سقوط كلمة تؤدي الى
تغيير المعنى.
علما بأن لمؤلفه العظيم هوامش هامة ومفيدة أعرض عنها مصححو النسخة
التي اعتمد عليها المرحوم الرباني الشيرازي، أشرنا إليها في طبعتنا المحققة.
2 - سعت المؤسسة منذ البداية للاستفادة من الخبرات العلمية التي يمتلكها
الفضلاء والعلماء كل حسب اختصاصه، ومراجعتهم في ضمن دائرة عملهم لاخراج
وقد تشكلت أربع لجان :
الاولى : مهمتها استخراج الاحاديث ومطابقتها مع النسخة الاصلية والمصدر،
وذكر موارد الاختلاف لفوائده الجمة للمحقق عند مراجعته لها.
وعنت الثانية باستخراج الكلمات الصعبة من المعاجم اللغوية والاشارة
للتصحيفات الموجودة.
والثالثة مهمتها الاشارة إلى موارد ما (تقدم ويأتي) بدقة متناهية.
وأما الرابعة فعملها التنسيق بين اللجان الثلاث ، والتخطيط لرسم الهوامش
واثبات الصالح منها وترك ما يستدعي تركه.
3 - الاخراج الفني من تقويم النص وتوزيعه: لم يكن الاخراج السابق على
وتيرة وشاكلة واحدة من توزيع النص، فلذا تطلب منا الاهتمام باخراجه بحلة
قشيبة خالية من الاخطاء المطبعية والفنية.
وختاما نبتهل الى الله جل وعلا أن يهدينا سواء الطريق، ويأخذ بيدنا لما فيه
صلاحنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.بقلم التحرير
استدراك ما فات الحر العاملي في كتابه العظيم وسائل الشيعة، وقد كفانا مؤونة
التعريف به ماجادت به القريح الوقادة للعلم العلامة والاديب الاريب الشيخ عباس
كاشف الغطاء بتقريظه الشعر الرائع الوصف بقوله:| وسائل الحر أعـيـت مـن يـباريها | * | لله أقـلامـه قـد جـل بـاريهـا |
| حتى بدا الكـوكـب (النوري) متضحا | * | فأبصر الطرف منه ما يـساويهـا |
| (مسـتـدركا) لنصوص غاب أكثرها | * | عن (الوسائل) تزهو باسم راويهـا |
| ومدعين سـواه قـط ما عـرفــوا | * | نصا ولا حفظوا إلا أسـاميــهـا |
| فلو رأى الحر ما استدركتــه لـزها | * | وقال: احسنت قد تمت مـبانيـهـا |
| فيالك الخير كم تسعى لنـيـل عــلا | * | ببذل نفس فما خابت مسـاعيـهـا |
| مازلـت تـبـرز أخبـاراً وقد خفيت | * | حتى كشفت لنا مستور خافـيـهـا |
| تلك المـكارم قـد خـص الكريم بها | * | كف (الحسين) فقل لي من يجاريها |
| آي السـؤال وآي الــراسـخــون | * | إذا تلوتها فحسين من مـعـانيهـا |
| أنامل لك ما خطت سـوى حـكــم | * | عن أهل بيت لها الرحمن يوحيهـا |
| أخـرجت للـنـاس أخبـاراً معـنعنة | * | أسندتها لـرواة صـرحـت فيهـا |
| عن النبي عن الآل الـكــرام مـعاً | * | عن جبرئيل عن الرحمن ترويـهـا |
| هذبت (تهذيبها) (الكافي) (الفقيه) فان | * | (بحارها) التطمت يلقاك (وافيـهـا) |
| فيالك الاجـر مادامـت مصـاحفـها | * | تتلا وفاز بنيل النجح تـاليــهــا |
وأما عن منهجية التحقيق فاقتطفنا نتفا يسيرة من المقدمة المطبوعة للنسخة
المحققة التي قامت مؤسسة آل البيت (ع) بتحقيقها.
وقد تشكلت عدة لجان لتحقيق هذا السفر القيم :
الاولى : مهمتها استخراج الاحاديث التي نقله المحدث النوري من الكتب
الاصول المعتمدة عنده، مع ضبط النص وذكر موارد الاختلاف الموجودة بين
النسختين، الاصل المنقول عنه والمستدرك الذي هو بخط المحدث النوري،
واصطدمنا في بداية الطريق بعدم وجود تلك الاصول لا في إيران ولا في غيرها، كما
ومهمتها الاخرى مقابلة النسخة الخطية ومطابقتها مع الاصول المعول عليها،
وذكر موارد الاختلاف الحاصل بينها.
وقد تضلع الكثير منهم في هذا الحقل وصاروا من ذوي الخبرة والاطلاع
لاستخراج الحديث المتعسر حصوله من أبوابه الاخر وبالسرعة المطلوبة.
الثانية: تتحدد مهمتها الى قسمين:
أ - استخراج الكلمات الصعبة المتعسرة الفهم وشرحها في الهامش وعزوها
الى مصادرها اللغوية المهمة.
ب - مطالعة الكتاب بدقة متناهية لاستخراج التصحيفات الموجودة في
الكتاب ، ولا نكون مبالغين إن قلنا : إن عدد التصحيفات التي عثر عليها هؤلاء
الاخوة تربو على المئات وهو أمر ليس بالهين عند ذوي الخبرة والاطلاع والتحقيق،
ولا يعرف قدره إلا أصحاب الممارسة الجادة، ومنها هذه التصحيفات والتحريفات على
سبيل المثال لا الحصر :
1 - ماجاء في ج 1|522 باب 7 ح 2 من الطبعة الحجرية (به أربعين) وهو
تحريف بين صحته (بدانقين) كما يظهر من سياق الحديث ومن تقسيم الدرهم أيامذاك
الى دوانق.
2 - ماجاء في ج 1|438 باب 1 ح 2 من الطبعة الحجرية (الرضاب) وصحتها
(الظراب) ولكنها تصحفت على ناسخ الحجرية فانقلب المعنى المراد رأسا على عقب.
وهناك هيئة مهمتها الاشراف على سيرالعمل، ومراجعة إجمالية وسريعة
للنصوص وموارد الاختلاف الموجود، ووضع ما ينبغي وضعه في الهامش أو حذفه منها،
فالنسخة الحجرية مشحونة بمئات الاخطاء الفاحشة سندا ومتنا مما يستدعي التأمل
طويلا، وسرح النظر في الاصول المعتمدة المخطوطة منها والمطبوعة التي لم تكن هي
بأقل من الحجرية أخطاء وبعد الجهد الشاق المضني صحح - بفضل الله وقوته - جله.
والثالثة: تقع مهمتها على كاهل عدة من فضلاء الحوزة همهم التنقيب عن
بحوثها الرجالية التي ترتبط بخاتمة المستدرك التي تعد بحق إحدى امهات الكتب
الرجالية التي جهل قدرها حتى فضلاء الحوزة ولم يعطوها وزنها وقيمتها اللائقة بها
إلا الاوحدي منهم.الشيخ أحمد علي مدرس (شيخزاده)
لا شبهة بعدم إمكان استنباط الاحكام من دون مراجعة الاحاديث
والروايات، ومن البداهة بمكان عدم تمييز الاحاديث الصحيحة من السقيمة من دون
الرجوع الى علم الرجال.
وقد ألف علماؤنا العظام في هذا الحقل تصانيف كثيرة، جزاهم الله عن
الاسلام وأهله خير الجزاء.
ومن الكتب القيمة في هذا المجال، كتاب « نقدالرجال » للعلامة الفقيه السيد
مير مصطفى الحسيني التفريشي ، الذي لا يسعنا فى هذه العجالة المختصرة التطرق الى
ترجمته بالتفصيل.
فرغ مؤلفه الكبير من تأليفه عام 1015 هجرية، وله مزايا كثيرة أشار اليها
في مقدمة كتابه بقوله: (...ولما نظرت في كتب الرجال رأيت بعضها لم ترتب ترتيباً
يسهل منه فهم المراد، ومع هذا لا يخلو من تكرار وسهو، وبعضها وان كان حسن
الترتيب ، إلا انه فيه أغلاطا كثيرة ، مع أن كل واحد منها لا يشتمل على جميع أسماء
الرجال، أردت أن اكتب كتابا يشتمل على جميع أسماء الرجال من الممدوحين
والمذمومين والمهملين، يخلو من تكرار وغلط ، ينطوي على حسن الترتيب، يحتوي على
جميع أقوال القوم قدس الله أرواحهم، من المدح والذم ، إلا شاذا شديد الشذوذ ، وهذا
وان كان بعيدا من مثلي ولكن الواهب غير متناهي القوة...)
واضافة لطريقة عمله والمميزات الخاصة به ، اعتمد على كتب الاصحاب :
كالكشي ، والفهرست ، ورجال الشيخ، وفهرست النجاشي ، والخلاصة، وايضاح
الاشتباه للعلامة، ورجال ابن داود، ومعالم العلماء لابن شهرآشوب، وكما هو الظاهر
من اسم الكتاب فهو نقد للكتب السالفة الذكر.
واشار فيها الى اشتباهات اولئك الاعلام وهفواتهم، من تكرار الراوي او
اتحاده...
ومع أن الكتاب قد طبع فى عام 1318 طبعة حجرية، لكن لم يعلم به إلا
الاوحدي من الفضلاء.
وقد سعت مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث، في ضمن خطتها
المبرمجة، لتصحيح وتحقيق هذا الاثر المهم ، وابرازه للوجود بثوب جيد جديد.
وشرعت بالمباشرة في تحقيقه، وقد تركز عملي على النقاط التالية:
1 - الاعتماد على النسخة الخطية، التي كتبها فضل الله بن حسين النائيني في
عام 1063 ، من نسخة المولى محمد تقي المجلسي المكتوبة عام 1032 ، المقابلة مع
نسخة المؤلف ، وفيها حواش من العلامة المجلسي على الكتاب.
والنسخة الثانية بخط محمد بن محمد مهدي الحسيني المطابقة مع نسخة العلامة
المجلسي عام 1239 .
والنسخة الثالثه بخط براتعلي عام 1255 من نسخة مقابلة مع نسخة العلامة
المجلسي.
ونسخة اخرى افست مطابقة على الطبعة الحجرية، وقد ذكرت الاختلافات
في هامشها.
2 - إرجاع الرموز وأسماء الائمة عليهم السلام ، وكتب الرجال ، الى أسمائها
الكاملة ، وذكر صفحات الكتب التي استخرجها بين قوسين
3 - واكتفى المؤلف الفقيد رضوان الله عليه ، بذكر الراوي أحيانا من الكتب
المذكورة ، التى أشار المصحح في الهامش الى الجرح والتعديل من الكتب المذكورة
الاخرى مع أرقام الصفحات.
وذكرت أيضا ترجمة باختصار من كتب : نضد الايضاح، والرسالة في معرفة
الصحابة، ورجال بحر العلوم ، والرواشح ، وروضات الجنات ، والكنى والالقاب،
وغيرها.
ورجعت في نقل الاقوال الى كتب أهل السنة أيضا، من الاستيعاب، اسد
الغابة ، الاصابة ، الجرح والتعديل، ميزان الاعتدال، المجروحين، لسان المزان ، تهذيب
التهذيب، تقريب التهذيب ، المعارف، شذرات الذهب ، تاريخ الخلفاء، ومعجم الادباء،
وغيرها من الكتب، والاشارة الى بعض موارد الجرح والتعديل.
4 - وقد ذكرت مصادر الاحاديث التي جاءت في المتن قدر الضرورة.
5 - الاهتمام قدر الامكان في التحقيق لضبط الانساب والالقاب وحتى
الاسماء وتوضيح الصحيح من الباطل ونقلها والاستفادة في ذلك من اللباب
والقاموس والتهذيب وغيرها.
6 - بينت قدر وسعي تاريخ ولادة الراوي .
7 - عرفت البقاع والمدن حتى الاماكن، عند ذكرها بمناسبة الراوي.
8 - وعند اللزوم ذكرت نظريات الكتب حول الراوي كمعجم رجال الحديث،
تنقيح المقال، وسماء المقال.
9 - نقلت في الهامش بعض الحواشي المفيدة التى جاءت في نسخة المتن من
العلامة المجلسي او النسخة الثانية من الاخرين.
وهناك بضعة اعمال مفيدة اخرى تستوجب تطويل الكلام ، وفي كل حال
نعترف بالقصور والعجز وعدم كمال هذه الاعمال، وانما سعينا لاحياء هذا الكتاب
الثمين فقط ، ونرجو من العلماء العظام ان ينظروا اليها باغماض.
والآن بلطف الله تعالى ، وفى ظل توجيهات وعنايات مولانا الحجة بن الحسن
العسكري عجل الله تعالى فرجه الشريف ، واستمدادا من نفس المؤلف - رضوان الله عليه - الطاهرة، فان المجلد الاول لهذا الكتاب تحت الطبع، ونرجو ان تدون باقي المجلدات بعناية الله تعالى ، وتوجيهات صاحب الامر عجل الله تعالى فرجه الشريف،
ومن الله التوفيق وعليه التكلان .أسد مولوي
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين
الطاهرين .
يسرني أن اقدم - بين يدي القارىء العزيز - بحثا موجزا عن فن التحقيق ،
هذا الفن العريق تاريخا ، العظيم أهمية ، الكثير شعبا وفنونا.
وأعتذر عن الاختصار ، فلكل مقام مقال .
ما هو فن التحقيق ؟
التحقيق لغة : التصديق ، واثبات الحق ، والرصانة ، والتزيين ، واحكام الشيء و
صحته (1)...
وهو - كما ترى - فيه ما ينطبق على الفن المعروف حاليا بهذا الاسم ،
فالتحقيق : إحكام النصوص ، والتثبت من صحتها ، وتزيينها بما يفك مغلقها ، ويوضح
غامضها ، ويضيء معالمها... وهو - بعد - فن يستلزم الرصانة ، واثبات الحق من
النصوص ونفي غيره .
لكن سلفنا لم يستعملوا هذه الكلمة للدلالة عليه ، بل استعملوا بدلها كلمة
(التحرير) ، جاء في القاموس المحيط وغيره : تحرير الكتاب : خلوصه وتقويمه (2) ، وقال
أبو بكر الصولي في (أدب الكتاب): تحرير الكتاب خلوصه ، كأنه خلص من النسخ
التي حرر عليها وصفا عن كدرها (3) .
وعلى أي حال فقد شاعت - في هذه الاواخر - لفظة التحقيق وذاعت ،
وأصبحت مصطلحا ينصرف الذهن عند ذكرها الى ما نحن بصدده ... ومعلوم أن
لا مشاحة في الاصطلاح .
هذا بعض ما يتعلق باللفظ لغة...
وقد اختلف المعنيون بالمراد من التحقيق :
فمنهم من اقتصر على أنه ضبط النص فحسب .
ومنهم من زاد عليه توضيح الغوامض ، وتخريج النصوص من مصادرها ، وصنع
الفهارس ... ومتابعة الكتاب تصحيحا وتنقيحا حتى يخرج من المطبعة ويصل الى يد
القارىء .
ومنهم من زاد - على هذا كله - متابعة المحقق لكتابه بعد الطبعة الاولى صقلا
وتجميلا وتهذيبا...
والجميع مصيبون ، وكل منهم عبر عن رؤية خاصة .
والحق أن للتحقيق درجات : أولها ضبط النص ... ثم يرتقي المحقق صعدا في
سلم هذا الفن .
أما التخريج ، وتوضيح الغوامض ، وصنع الفهارس ، ومتابعة الكتاب .... فهي
من لوازم التحقيق ومكملاته .
ولا يظن القارىء العزيز أن ضبط النص أمر هين ، فهو من أعضل المعضلات ،
ودون الوصول إليه خرط القتاد ... فهو يتطلب من المحقق موسوعية تراثية ، وسليقة
لغوية ، ودقة ملاحظة ، وفضل ذكاء ، وحافظة سليمة ، وذوقا جميلا .... وصبراً وجلدا ...
وقديما قيل : تأليف كتاب أهون من إصلاحه .
وبكلمة مختصرة : التحقيق هو فن إحياء الكتاب المخطوط .
والحياة - كما هو معلوم - درجات بعضه أعلى من بعض ، فحياة مريضة
عاجزة ، وحياة سليمة تتمتع بالصحة والعافية ، وحياة فيها ـ مع هذا - رواء وجمال .
الامة المسلمة هي الامة الوسط ، وهي امة الخير وخير الامم ... ذلك من
فضل الله علينا ... وبفضل الهداة المعصومين ، محمد وآله الميامين ، صلوات الله عليهم
أجمعين .
فالامة العربية امة امية ، تعتمد الرواية والحافظة في نقل علومها من جيل الى
جيل ... وجاءت الرحمة المهداة للعالمين متمثلة في الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله
فأخرج هذه الامة من الظلمات الى النور، من ظلمات الجهل الى نور العلم .
ولا يزال التاريخ يذكر حادثة أسرى بدر ، وأن الاسير كان يحصل حريته
بتعليمه عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة .
ولا يزال التاريخ يذكر أمر النبي صلى الله عليه وآله أحد الصحابة أن يتعلم
لسان يهود ، فتعلمه في بضعة عشر يوما ...
وكان القرآن الكريم فاتحة الخير لتدوين العلوم ، وجاء حثه على طلب العلم
وأمره به ، محفزا للمسلمين كي يقتحموا لجج المعارف ويغوصوا في أعماقها طلبا
للحقائق .
وكان صنو رسول الله ووصيه ، أمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما بابا
لمدينة العلم ... دون القرآن الكريم ، والصحيفة الجامعة ، وغيرها .
وتبعه شيعته من أول العهد ، فالكتب المعنية تذكر كتابا لابي ذر رحمه الله ،
وكتابا لعبيد الله بن أبي رافع ....
ولم يعيروا اهتماما للردة العلمية التي قادها أحد حكام المسلمين بنهيه عن
الكتابة والتدوين وعقابه عليها ، بل استمروا على الخط الصحيح ... وذهب الزبد
جفاء ، ومكث ما ينفع الناس في الارض .
فكانت للمسلمين - بفضل استقامة هذه الصفوة الطاهرة - هذه المكتبة
العظيمة ، التي لم تصل الى غناها وثرائها مكتبة اخرى لأية امة .
وجاءت أقوال أئمة الهدى عليهم السلام مؤكدة للأمر الالهي العزيز :
(وقل رب زدني علما) (1) .
( إقرأ باسم ربك ..)(2)
فقد ورد عن أهل البيت عليهم السلام :
اكتب وبث علمك في إخوانك ، فان مت فأورث كتبك بنيك ، فانه يأتي على
الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلا بكتبهم (3).
من مات وميراثه المحابر والدوي فله الجنة .
« عن عبدالله بن سنان قال : قال الصادق عليه السلام : ستصيبكم شبهة
فتبقون بلا علم يرى ولا إمام هدى ، لا ينجو منها إلا من دعا بدعاء الغريق ، قلت :
وكيف دعاء الغريق ؟ قال : تقول : ياالله يارحمن يارحيم يامقلب القلوب ثبت قلبي على
دينك .
فقلت : يامقلب القلوب والابصار ثبت قلبي على دينك
فقال : إن الله عزوجل مقلب القلوب والابصار ، ولكن قل كما أقول : يامقلب
القلوب ثبت قلبي على دينك (1) .
وهذا - كما ترى - منتهى الامانة في النقل ، وغاية الحيطة في ضبط النص
فالامام عليه السلام لم يرض باضافة كلمة واحدة يقبلها السياق، وليس فيها محذور .
والحال أن ضبط النص من مهمات الامور ، ومن مقتضيات الامانة العلمية ،
فرب لفظة حذفت أو زيدت أو حرفت ، فكانت النتيجة إباحة دماء، واستحلال
محارم ...(2).
فالنص أمانة بين يدي محققه ، وليعلم ان الكتاب عند مؤلفه كولده وفلذة
كبده .. فهل تراه يرضى بتحريفه وتصحيفه ، أو تبديله وتغييره ؟!
وكان علم الحديث الشريف أهم حافز لعلمائنا رحمهم الله على ممارسة هذا
الفن - وان لم يسموه باسمه المعروف الآن - وعلى البلوغ به مستوى عاليا دونه كل
الاعمال التي ظهرت عند الآخرين بعد فترة طويلة من الزمان .
فكان التحقيق في ضبط نصوص الاحاديث ، والحيطة فيها وعليها، بحيث
شاعت مصطلحات خاصة... سماع ، إجازة ، مقابلة بلاغ ... وشاع إثبات ما في
النسخ الاخرى أو الروايات الاخرى في هامش الحديث الشريف إن اختلفت في
لفظه ولو كانت تلك اللفظة (واو) العطف أو (أو) التخيير ، أو كانت زيادة نقطة على
الحرف أو إهمالها .
وانتقل هذا الفن الى العلوم الاخرى ، فكان لضبط النص - أدبيا كان أم
علميا - أهمية - عند علمائنا - بالغة .
واودعك أخي القارىء على أمل اللقاء في حلقة اخرى من هذا البحث تطرق
جوانب اخرى من هذا الفن الواسع الممتع ...للبحث صلة ....
كتب قيد التحقيق
1 - غنية النزوع
2 - جامع المقاصد
3 - الاربعينالسيد علي الخراساني
من المتون الكلامية والفقهية الغنية عن كل طراء ، والمشتهرة بين الفقهاء من
القديم ولحد الآن من دون حاجة الى تعريف وبما أني أخرت العمل في القسمين
الاولين الى أجل قريب جدا فأترك الكلام عنهما لحينه إن شاء الله .
يحتوي القسم الثالث - الفروع - على دورة فقهية تامة بعبارة موجزة من دون
إخلال وقد سلك المؤلف في كتابه هذا طريقة جديدة ونحا منحى آخر يختلف عن
باقي المتون الفقهية حيث حاول - موفقا - إثبات آرائه بما روي من طرق الخصوم
عن رسول الله صلى الله عليه وآله بعد أن يقدم ما يخص الموضوع من الآيات الكريمة ، وبعد كل هذا يعرج على ما ورد عن أهل بيت العصمة والنبوة عليهم السلام .
وقد يتمسك المؤلف و كثيرا ما بالاجماع وبما ورد في كتب التفسير واللغة
المتقدمه ومن المعلوم مالها من الاهمية .
وعلى كل حال فان أدل دليل على أهمية كتابنا هذا هو أنه لا زال حيا بين
الفقهاء من زمن مؤلفه ولحد الآن .
المؤلف :
الفقيه الاصولي الثقة الجليل أبو المكارم السيد عز الدين حمزة بن علي بن
زهرة الحلبي الحسيني ينتهي نسبه الشريف الى الامام الصادق عليه السلام بوسائط
قليلة ، من أجلاء الطائفة وعظمائها ، ولد المترجم سنة 511 (هجـ) في بيت علم
ومعرفة وأدب نبغ منه علماء مبرزين خلدهم التاريخ بمآثرهم العلمية الخالدة
كفاهم وصفا وتعريفا ما أنشأه العلامة الحلي في الاجازة الكبيرة المعروفة
باجازة العلامة لبني زهرة .
وبالجملة فهم بيت جليل من أجلاء بيوتات الاصحاب وحسب اشتهار أمرهم
الرشيد بين قاطبة أهل الاسلام بالفضيلة والكمال أن صاحب القاموس يقول في
مادتهم : وبنو زهرة شيعة حلب .
وتوفي المؤلف سنة 585 هـ بحلب واقبر في مقبرتهم عند جبل الجوشن . له
مؤلفات عدة منها (قبس الانوار في نصرة العترة الاخيار) ، و (النكت في النحو) ، و
(الشافية) ، و (رسالة في تحريم الفقاع) ، وغيرها كثير .
وأكثرها شهرة وإشارة اليه في كتب الاصحاب وكلماتهم هو كتابنا هذا :
ومن هنا فقد سعيت للحصول على نسخة خطية تامة تصلح كي تكون أساسا
للعمل وأصلا يعتمد عليه فحصلت ـ وله الحمد والمنة ـ على نسخة إليك أوصافها :
النسخة المعتمدة :
اعتمدت في عملي على نسخة مصححة على نسخة الاصل، وهذه نسخة نفيسة
خزائنية تامة محفوظة في مكتبة مجلس الشورى الاسلامي تحت رقم
86321|و 10564 ـ مخطوط ، وتمتاز بما يلي :
1 - النسخة الوحيدة الكاملة حيث تضم الاقسام الثلاثة للكتاب ـ اصول
الدين ، اصول الفقة ، الفقه ـ ولم أعثر لحد الآن وبحسب تتبعي على نسخة كاملة إلا
هذه .
2 - تاريخ كتابتها سنة 614 هـ ، أي بعد وفاة المصنف بحدود الثلاثين سنة .
3 - عليها إجازة تلميذ المصنف الشيخ المازني المصري برواية الكتاب عن
مؤلفه للمحقق الخواجة نصير الدين الطوسي تاريخها 629 .
4 - مقابلة الخواجة وتصحيحه النسخة وقراءته لها على شيخه المصري .
5 ـ بلاغ المقابلة في آخر القسم الثالث منه بخط الشيخ الخواجة الطوسي .
هذا وتوجد بعض النسخ الاخرى للكتاب لكنها ليست بهذه الدرجة من
الاهمية والاعتبار منها :
1 - نسختان في مكتبة آية الله العظمى سيدنا الاستاذ السيد المرعشي النجفي
دام ظله الوارف ، غير كاملة .
2 - نسخة مكتبة المدرسة الفيضية العامرة مشتملة على الاصول فقط .
3 - ذكر شيخ الذريعة قدس الله روحه في ذريعته 16 : 69|346 وجود نسخة
في مكتبة سبهسالار، واخرى عند الميرزا شيخ الاسلام الزنجاني والظاهر أنها هي
نسختنا المعتمد عليها .
وبناء على ما تقدم فقد جعلت النسخة المعتمدة أصلا للعمل لما عرفت من
مزاياها .
وأما عملي في تحقيق الكتاب فكان كما يلي :
1 - استنساخ النص ومقابلته مع النسخة المعتمدة وغيرها .
2 - تخريج الآيات الكريمة .
3 - ترجمة من ورد اسمه في الكتاب من الاعلام .
4 - تخريج الروايات الشيعية والعامية منها على مصادرها الام ما أمكن .
5 - شرح الالفاظ اللغوية والاماكن .
6 - ذكر اكبر عدد ممكن لمصادر التخريج والترجمة وشرح اللغات الواردة .
وأخيرا أسأل الله التوفيق لانجاز جميع أقسام الكتاب بأسرع وقت إنه سميع
مجيب .السيد علي العدناني
كتاب فقهي استدلالي مبسوط ، وشرح على كتاب قواعد الاحكام للعلامة
الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي « قدس سره » .
وهو سفر مهم في عالم الفقه والاجتهاد ويعد بحق من الكتب الجليلة القيمة في
الفقه الجعفري ، وكان وما زال مصدر اهتمام وعناية من قبل فقهاء الامامية ، وموردا
عذبا ينهل من نميره الفضلاء ، ومشكاة يقتبس من نورها طلاب العلم ورواد الفضيلة
في الحوزات العلمية الجعفرية على مر حقبة مديدة من الزمن .
تعرض مؤلفه - وهو المحقق الفذ والعلامة النحرير آية الله الشيخ علي الكركي « قدس سره » الذي هو من العلماء المبرزين عند الامامية - لشرح كلام العلامة « قدس
سره » في القواعد مستعرضا أقوال العلماء في المسائل المختلفة وناقشهم فيها بشكل
مفصل وبطريقة استدلالية .
ويحتوي الكتاب المذكور على كتاب الطهارة وكتاب الصلاة حتى كتاب
النكاح ولم يكمله ، وقد تمم شرح كتاب القواعد المحقق الهندي في كتابه « كشف
اللثام » .
وهذا الكتاب - وللاسف الشديد - لم ير النور إلا من خلال كوة صغيرة قد
نفذ منها متكسرا قاتما، فقد طبع بالطباعة الحجرية وهي مشحونة بالاغلاط مع سطور
معوجة ربما انزوت عن المتن وصارت الى الحاشية مما تسبب التعب الشديد للقارىء
الراغب .
وقد شاء الله تبارك وتعالى أن يمد « مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء
التراث » بالعون ويشملها بالعناية والتوفيق كي تلبس هذا السفر الجليل حلة قشيبة
لائقة ومقامه المرموق ومكانته الشامخة ، فتمهد الطريق الوعر وتسهل السبيل لسالكي
درب الفضيلة للوصول الى الغاية المنشودة .
ومن الاعمال التي قامت بها لجنة التحقيق التابعة لمؤسسة آل البيت عليهم
السلام ما يلي :
أولاً : مقابلة النسخ المخطوطة المتعددة ومطابقتها والنسخ الحجرية ، وبذلك
ثانيا : عمدت هذه اللجنة الى استخراج الاحاديث الواردة ضمن هذا الكتاب
وارجاعها إلى مصادرها والاشارة الى ذلك .
وثالثا : عملت كذلك على استخراج أقوال الفقهاء التي نقلها المؤلف « قدس
سر » ضمن مناقشاته للمسائل الفقهية المذكورة مع مطابقة النقل للمصادر والاشارة
إليها والى موارد الاختلاف إن وجدت .
هذا وقد خطت اللجنة المذكورة خطوات كبيرة بشأن تحقيقه وبعد الفراغ منه
سوف يقدم الى الطبع في المستقبل القريب إن شاء الله تعالى .الشيخ نبيل رضا علوان
من الكتب الاخلاقية التى لم تر النور بعد وهو كتاب جليل جمع فيه مؤلفه
اربعين حديثا في حقوق الاخوان ومن اهمها رسالة الامام أبى عبدالله الصادق عليه
السلام الى عبدالله النجاشي والي الاهواز المعروفة بالاهوازية وقد اخرجها الشهيد
الثاني فى كشف الريبة عن هذا الكتاب وهو سفر مهم فى التعرف على حقوق
الاخوان المؤمنين مما لهم وعليهم تجاه بعضهم البعض وقد اعتمده جمع من اصحاب
الموسوعات الحديثية كالشيخ المجلسي في البحار والحر العاملي في الوسائل والمحدث
النوري في مستدركه ، قدس الله اسرارهم .
تأليف العالم الفاضل الجليل السيد محيي الدين ابو حامد محمد بن أبي القاسم
عبدالله بن علي بن زهرة الحلبي ابن أخ صاحب الغنية ينتهي نسبه الى الامام
الصادق عليه السلام كانت ولادته سنة 564 هـ ووفاته سنة 634 هـ.
النسخ المعتمدة :
بعد البحث المضني عثرت على ثلاث نسخ مخطوطة اقدمها نسخة كتبت في
القرن الثامن الهجري وقد جعلتها اصلا اعتمدت عليه في تصحيح وتثبيت
الاختلافات وهي محفوظة في مكتبة ملك بطهران تحت رقم 5429 .
الثانية : النسخة المحفوظة فى مكتبة اية الله العظمى السيد النجفي المرعشي
العامة الرسالة الخامسة من المجموعة المرقمة 2825 يعود تاريخ نسخها لسنة 1280
بيد السيد محمد بن سيد زين العابدين الموسوي الخونساري .
واما الثالثة : فهي النسخة المحفوظة في مكتبة الامام الرضا عليه السلام في
المشهد المقدس برقم 7548 .
ومما يجدر الاشارة اليه ان النسخة الاولى والثانية سقط منها اربعة احاديث
واما نسخة الرضوية فهي تامة عدا الحديث الخامس والعشرين فقد ذكر فيها السند
دون المتن
منهج التحقيق :
1 - مقابلة النسخ المخطوطة الثلاث مع اثبات الاختلاف بينها .
2 - تخريج الايات الكريمة .
3 - تخريج الاحاديث الشريفة، منها وارجاعها الى بعض المصادر الاولية .
4 - شرح الالفاظ اللغوية .
5 - التعريف ببعض الاعلام من رجال الاسناد .
واسأل الله تعالى ان يوفقني لاخراجه بما يليق وشأنه ان شاء الله .حامد شاكر
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين،
قادة الخلق ، وأرباب الحق ، ولسان الصدق .
وبعد : أضع بين يديك قارئي العزيز قطعة من رواية تتعلق بمقتل الحسين عليه
السلام وسير السبايا ، ذكرها ابن شهر آشوب في مناقب آل أبي طالب (1) نقلا عن أبي
مخنف ، وأخرجها عنه شيخ الاسلام المجلسي في بحار الانوار (2)، وتبعه الشيخ البحراني
في عوالم العلوم ـ حياة الامام الحسين عليه السلام ـ والنص كما يلي :
(قال أبو مخنف : .. وجاؤا بالحرم اسارى إلا شهربانويه فانها أتلفت نفسها في
الفرات) .
وفي قبال هذا النص ـ الذي يتعلق بوالدة إمام معصوم ، هو الامام
زين العابدين عليه السلام - يجد القاريء اللبيب نفسه ملزما بمتابعة النص من ناحية
عقائدية باعتباره يمس ركنا أساسيا في عقيدته ، وعلى هذا الاساس نذكر بعض
الحقائق التي ترتبط بالموضوع :
1 - إن لام المعصوم درجة رفيعة في مجال التكامل النفسي والطهارة الروحية
بحيث تجعلها أهلا لحمل السر الالهي الذي لولاه لساخت الارض بأهلها ، والنور
الرباني الذي اودع في الاصلاب الشامخة والارحام المطهرة، ذاك هو المعصوم ، فهي
إذن درجة ترتفع بصاحبها عن مرديات الهوى ، ومهلكات النفس ، وتسمو به عاليا
نحو المقصود الكلي والوجود الازلي ،
من هنا كان اختيار ام المعصوم محفوفا بألطاف جلية ، ورعاية إلهية ، ومعاجز
ربانية ، كما يحدثنا تأريخنا عبر الروايات والاخبار ، فالمتتبع لقصة أسر شهربانويه ،
وذكر أبو عبدالله الصادق عليه السلام جدته ام أبيه فقال : « كانت صديقة لم
تدرك في آل الحسن عليه السلام امرأة مثلها » (2) .
ويحدثنا الصادق عليه السلام عن حميدة ام الامام الكاظم عليه السلام فيقول :
« حميدة مصفاة من الادناس ، كسبيكة الذهب ، ما زالت الاملاك تحرسها حتى اديت
إلي ، كرامة من الله لي والحجة من بعدي » (3) .
وهكذا كل امهات الائمة طاهرات مطهرات مصطفيات ، لجليل ما يحملن ،
وعظيم ما اختير لهن .
وبعد هذه الحقائق فنحن نجل شهربانويه أن تتلف نفسها في الفرات ـ وهي
المصطفاة المختارة ـ مع تعارض هذا الفعل مع صريح الشرع المقدس .
2 - إن النسخة المطبوعة من مقتل أبي مخنف خالية من هذه الرواية ،
3 - روى الشيخ الصدوق في عيون أخبار الرضا عليه السلام (4) بسنده عن
سهل بن القاسم النوشجاني قال : قال لي الرضا عليه السلام بخراسان: إن بيننا
وبينكم نسبا ، قلت : وما هو أيها الامير، قال : إن عبدالله بن عامر بن كريز لما افتتح
خراسان أصاب ابنتين ليزدجرد بن شهريار ملك الاعاجم ، فبعث بهما الى عثمان بن
عفان ، فوهب احديهما للحسن والاخرى للحسين عليهما السلام ، فماتتا عندهما
نفساوين ، وكانت صاحبة الحسين عليه السلام نفست بعلي بن الحسين عليه السلام ،
فكفل عليا بعض امهات ولد أبيه ، فنشأ وهو لا يعرف اما غيرها ، ثم علم أنها مولاته ،
وكان الناس يسمونها امه ، الخبر .
وذكر الراوندي في الخرائج والجرائح (5) قدومها الى المدينة واختيارها للامام
الحسين وكلام أمير المؤمنين عليه السلام معها ، الى أن قال : « ثم التفت الى الحسين
فقال له : احتفظ بها ، وأحسن اليها ، فستلد لك خير أهل الارض في زمانه بعدك ، وهي
ام الاوصياء الذرية الطيبة فولدت علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام ،
ويروى أنها ماتت في نفاسها به » الخبر .
وهذا كلام صريح في أنها ماتت في نفاسها ، وهو الصحيح ، ويؤكده ما قدمناه ،
علما أن المصادر المعتمدة التي أرخت واقعة كربلاء لم تثبت لشهربانويه ذكرا في
صفحاتها مع ماأرخت من صغائر الواقعة ودقائقها، وهو يدل مع القرائن المذكورة أنها
توفيت قبل واقعة الطف ، والله العالم .