|
||||||||||||||||||||||
|
(541)
شيء ، وعددت له عدّاً ، لم تؤته ما أتيته ليكفر نعماك ، ولم تعطه ما أعطيته ليغبط آلاءك ، بل ليقيم شعائر شريعة دينك القويم ، ويحيي معالم سنّة رسولك الكريم ، وأن يحفظ نبيّك في ذرّيّته ، ويخفض جناحه لاُمّته.
فغرّته الحياة الدنيا بزينتها ، وفتنته الدار الفانية بزهرتها ، فنسي ميثاقك المأخوذ عليه ، ونبذ كتابك المنزل إليه ، وتقوّى برزقك على ظلم عبادك ، واستعان ببرّك على الافساد في بلادك ، واتّخذ أموالك دولاً ، وعبادك خولاً ، واباح الأموال المحرّمة ، وأراق الدماء المحترمة ، ولم يترك لنبيّك رحماً إلا قطعها ، ولا وصيّة إلّا ضيّعها ، ولا مؤمناً إلّا آذاه ، ولا مجرماً إلّا آواه. يتنمس بالاسلام والالحاد دينه ، ويندلس بالايمان والنفاق قرينه ، ... (1) الأسفار بين يديه رياء وسمعة ، قد أعمى الله بصره ... (2) ، يزعم أنّه علّامة زمانه بالكتاب والسنّة ، وهو عند التحقيق أضلّ من الحقّة والمسنّة ، إذ لو عضَّ على العلم بضرس قاطع ، واستضاء من الحقّ بشهاب ساطع ، لم يتّخذ ظلم المؤمنين شعاراً ، ولا أذى المتّقين دثاراً ، ولا الكبر جلباباً ، ولا العجب نقاباً ، ولا الفجرة أصحاباً ، ولا الغدرة أبواباً ، بل كانت الدنيا في عينه أهون من قمامة ، وأحقر من قلامة.
1 ـ في الأصل بياض ، وتقديره : يجعل. 2 ـ في الأصل بياض ، وتقديره : وأصمّ سمعه. (542)
لكن نفخ الشيطان في أنفه فصعرّ خدّه ، ونفث على لسانه من قبل أن يبلغ أشدّه ، وتلاعبت به دنياه كتلاعب الوليد بكرته ، والسنور بفويسقته ، لفرط جهله لا يخشى إله السماء ، ( إنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ ) (1).
فهو علويّ لكن جدّه غير هاشميّ ، وفاطميّ لكن اُمّه ليست سيّده الفواطم ، سيفه حلمه ، قليل علمه ، شديد مكره ، عتيد غدره ، كثير طيشه ، خبيث عيشه ، قلبه بين فكيّه ، وعجبه رداء عطفيه ، يزهر ببزّته ، ويتهادى في مشيته ، ويصول على آل الرسول بظلمه ، ويجور عليهم بحكمه ، فهم منه بين خائف يترّقب ، وعازم بعد الهجرة أن يتعرّب ، خوفاً من فتنته ، وفرقاً من بادرته ، إذ هو إلى الشرّ أسرع من النجم الثاقب ، أو السهم الصائب ، ينسلخ من آيات الله كانسلاخ الحيّة من قشرها ، ويخرج عن دين الله كخروج الفويسقة من حجرها ، فهو بلعم زمانه ، وطاغوت أوانه ، قد أتبعه الشيطان فكان من الغاوين ، ( فَمَثَلُهُ كَمَثَلٍ الْكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثُ أو تَتْرُكْهُ يلهث ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعلَّهُمْ يَتَفَكّرُونَ ) (2). اللّهمّ إنّه قد جعلنا هدفاً لانتقامه ، ونصبنا غرضاً لسهامه ، وساتحلّ ما حرمت من أموالنا ، واستباح ما حظرت من أعراضنا ، فنحن على وجل من بطشه ، وخوفٍ من طيشه ، إذا هون سعيه في البغي الوجيف ، وأطيب لفظه أنتن من الكنيف. اللّهمّ فكمّا آتيته زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ليضلّ عن سبيلك ، ومهّدت 1 ـ سورة فاطر : 28. 2 ـ سورة الأعراف : 176. (243)
له تمهيداً فصدف عن طريق رسولك ، وفتحت عليه أبواب كلّ شيء بما اُوتي ، وتقوّى على ضعفنا ثقة بما اُعطي ، فجعله الشيطان عبداً له من دونك ، وزيّن له سوء عمله فعدل عن دينك ، وأرخى له عنان فجوره فجرى في ميدان كفره ، وحمله على مطايا غروره فتاه في بيداء كبره ، فهو عجز البغي وصدره ، ويد الغيّ ونحره ، فصلّ على محمد وآل محمد ، واقطع دابره ، واقمع سائره ، واخسف بدره ، واخفض قدره ، واهدم بنيانه ، وهدّ أركانه ، واجعله عبرة لمن اعتبر ، وتذكرة لمن يتذكّر.
اللّهمّ إنّا قد ألجأتنا ظلمة ظلمه إلى الاستضاءة بعدلك ، وساقنا سوط بغيه إلى الاعتصام بحبلك ، وأجاءنا طوفان عدوانه إلى هضبة إنصافك ، وفررنا من صولة سطوته إلى عزة أكنافك ، فلا تغلق دوننا أبواب رجائك ، ولا تمد منّا الأيدي إلى سواك. اللّهمّ إنّا قد استظللنا من هواجر ظلمه بأروقة منعك ، واعتصمنا من عواصف هضمه بمعاقد دفعك ، فصلّ على محمد وآل محمد ، وأركل رياحه ، وأطفِ مصباحه ، واشغله بنفسه ، وغيّبه في رمسه ، واجعل دائرة السوء عليه دائرة ، وكواكب النحوس في اُفق مطالعه سائرة ، وشمس دولته بأيدي الطوارق مكوّرة ، وقضيّة وجوده بأداة المهالك مسورة ، والعكوس إلى قضايا حكمه موجّهة ، والنحوس بذكر معايبه مفوّهة ، وخبث عقيدته لقبح سريرته بين الناس مشهورة ، وصحائف ذنوبه برذائل عيوبه على مرّ الزمان منشورة ، حتّى تكون لعنة اللاعنين كالقلادة في جيده ، وذمّ الذامّين كالعلاوة من فوق حبل وريده. اللّهمّ أيّم عياله ، وأيتم أطفاله ، وكدّر زلاله ، وخيّب آماله ، واقمع هامته ، (544)
واستأصل شأفته (1).
اللّهمّ إنّك حمدت نفسك على هلاك الظّالمين ، ووعدت نصرك من انتصر بك من المظلومين ، ولم تكن سبحانك لتحمد نفسك على ذلك إلّا لأنّه نعمة لا يحصى شكرها ، ولا يستقصى ذكرها ، فصلّ على محمد وآل محمد ، واقض نعمتك على عبادك بإنزال عقابك بساحته ، واكشف غمّة أنامك وبلادك بصبّ سوط عذابك على هامته. اللّهمّ اشف صدورنا بمماته ، وأذهب غيظ قلوبنا بوفاته ، ولا تخرجنا من دار الفناء إلّا بأفئده مسرورة بهلكه ، وأنفس مطمئنّة من فتكه. اللّهمّ إنّه قد اقتدى في غصبنا وتكذيب صدقنا بعدّوك الزنيم الأكبر ، نجل صهّاك الدلام الأفجر ، إذ اغتصب ابنة نبيّك تراثها ، وحاز دونها ميراثها ، ورفع عليها صوته ، وقنعها سوطه. اللّهمّ فكما استجبت دعاءها عليه وخيبّت ظنّه ، وأتحت له من بقر بمديته بطنه ، ونقلته إلى دار نكالك ، وقرى وبالك ، وأصليته نارك الحامية ، وعجّلت بروحه إلى جحيمك الهاوية ، وصببت على هامته مقامع الزبانية ، ولعنته وشيعته الناصبة الغاوية ، فصلّ على محمدٍ وآل محمد ، وأذقه ما أذقته 1 ـ وردت في « ح » هذه الأبيات :
* * *
(545)
من عذاب الدنيا والآخرة بحقّ محمدٍ وآل محمدٍ العترة الطاهرة.
(546)
(547)
المناجاة
اللّهمّ لك الحمد إذ جعلت قلوبنا مجالس عرفانك ، ومنحت نفوسنا نفائس رضوانك ، وألهمتنا شكر فضلك وامتنانك ، ووفّقتنا له من عرفان عظيم شأنك ، وأطلقت السنتنا بحسن الثناء على مجدك ، وجبلت أفئدتنا بزلال صدق الوفاء لعهدك ، وأفضت من شآبيب الايمان على قلوبنا ما ينقع غليلها ، وأرسلت من سحائب الايقان على نفوسنا ما شفا غليلها ، وفضّلتنا على كثير ممّن خلقَت بالبيان الموضح ، وشرّفتنا على الجمّ الغفير باللسان المفصح ،
1 ـ وردت في « ح » هذه الأبيات :
(548)
مروق المجالس فيصحّ لفظنا ، ويشوّق المجالس صحيح وعظنا ، ويشنّف الأسماع بلآلىء ، نثرنا ، ويضرب الأمثال (1) ...
وقد تمّ الفراغ من تحقيق هذا السفر الثمين في الحادي عشر من شهر ذي القعدة 1417 ه. ق ، سائليه تعالى أن يوفّقنا لمرضاته ، ويتقبّل عملنا هذا بأحسن قبوله ، إنّه نعم المولى ونعم النصير.
1 ـ إلى هنا تنتهي النسخة الخطّيّة المعتمدة ، ويبدو أنّ صفحة واحدة قد سقطت. |
||||||||||||||||||||||
|