تسلية المُجالس وزينة المَجالس الجزء الثاني ::: 541 ـ 548
(541)
شيء ، وعددت له عدّاً ، لم تؤته ما أتيته ليكفر نعماك ، ولم تعطه ما أعطيته ليغبط آلاءك ، بل ليقيم شعائر شريعة دينك القويم ، ويحيي معالم سنّة رسولك الكريم ، وأن يحفظ نبيّك في ذرّيّته ، ويخفض جناحه لاُمّته.
    فغرّته الحياة الدنيا بزينتها ، وفتنته الدار الفانية بزهرتها ، فنسي ميثاقك المأخوذ عليه ، ونبذ كتابك المنزل إليه ، وتقوّى برزقك على ظلم عبادك ، واستعان ببرّك على الافساد في بلادك ، واتّخذ أموالك دولاً ، وعبادك خولاً ، واباح الأموال المحرّمة ، وأراق الدماء المحترمة ، ولم يترك لنبيّك رحماً إلا قطعها ، ولا وصيّة إلّا ضيّعها ، ولا مؤمناً إلّا آذاه ، ولا مجرماً إلّا آواه.
    يتنمس بالاسلام والالحاد دينه ، ويندلس بالايمان والنفاق قرينه ، ... (1) الأسفار بين يديه رياء وسمعة ، قد أعمى الله بصره ... (2) ، يزعم أنّه علّامة زمانه بالكتاب والسنّة ، وهو عند التحقيق أضلّ من الحقّة والمسنّة ، إذ لو عضَّ على العلم بضرس قاطع ، واستضاء من الحقّ بشهاب ساطع ، لم يتّخذ ظلم المؤمنين شعاراً ، ولا أذى المتّقين دثاراً ، ولا الكبر جلباباً ، ولا العجب نقاباً ، ولا الفجرة أصحاباً ، ولا الغدرة أبواباً ، بل كانت الدنيا في عينه أهون من قمامة ، وأحقر من قلامة.
قام الخليفة من بني العبّاس ضاهى بهتك حريم آل محمد والله ما فعلت اُميّة فيهم ما قتلهم عندي بأعظم مأثماً بخلاف أمر إلهه في الناس سفهاً فعال اُميّة الأرجاس معشار ما فعلوه بنو العبّاس من حرقهم من بعد في الأرماس
    وهذه الأفراد لهبة الله الشاعر.
1 ـ في الأصل بياض ، وتقديره : يجعل.
2 ـ في الأصل بياض ، وتقديره : وأصمّ سمعه.


(542)
    لكن نفخ الشيطان في أنفه فصعرّ خدّه ، ونفث على لسانه من قبل أن يبلغ أشدّه ، وتلاعبت به دنياه كتلاعب الوليد بكرته ، والسنور بفويسقته ، لفرط جهله لا يخشى إله السماء ، ( إنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ ) (1).
    فهو علويّ لكن جدّه غير هاشميّ ، وفاطميّ لكن اُمّه ليست سيّده الفواطم ، سيفه حلمه ، قليل علمه ، شديد مكره ، عتيد غدره ، كثير طيشه ، خبيث عيشه ، قلبه بين فكيّه ، وعجبه رداء عطفيه ، يزهر ببزّته ، ويتهادى في مشيته ، ويصول على آل الرسول بظلمه ، ويجور عليهم بحكمه ، فهم منه بين خائف يترّقب ، وعازم بعد الهجرة أن يتعرّب ، خوفاً من فتنته ، وفرقاً من بادرته ، إذ هو إلى الشرّ أسرع من النجم الثاقب ، أو السهم الصائب ، ينسلخ من آيات الله كانسلاخ الحيّة من قشرها ، ويخرج عن دين الله كخروج الفويسقة من حجرها ، فهو بلعم زمانه ، وطاغوت أوانه ، قد أتبعه الشيطان فكان من الغاوين ، ( فَمَثَلُهُ كَمَثَلٍ الْكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثُ أو تَتْرُكْهُ يلهث ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعلَّهُمْ يَتَفَكّرُونَ ) (2).
    اللّهمّ إنّه قد جعلنا هدفاً لانتقامه ، ونصبنا غرضاً لسهامه ، وساتحلّ ما حرمت من أموالنا ، واستباح ما حظرت من أعراضنا ، فنحن على وجل من بطشه ، وخوفٍ من طيشه ، إذا هون سعيه في البغي الوجيف ، وأطيب لفظه أنتن من الكنيف.
    اللّهمّ فكمّا آتيته زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ليضلّ عن سبيلك ، ومهّدت
1 ـ سورة فاطر : 28.
2 ـ سورة الأعراف : 176.


(243)
له تمهيداً فصدف عن طريق رسولك ، وفتحت عليه أبواب كلّ شيء بما اُوتي ، وتقوّى على ضعفنا ثقة بما اُعطي ، فجعله الشيطان عبداً له من دونك ، وزيّن له سوء عمله فعدل عن دينك ، وأرخى له عنان فجوره فجرى في ميدان كفره ، وحمله على مطايا غروره فتاه في بيداء كبره ، فهو عجز البغي وصدره ، ويد الغيّ ونحره ، فصلّ على محمد وآل محمد ، واقطع دابره ، واقمع سائره ، واخسف بدره ، واخفض قدره ، واهدم بنيانه ، وهدّ أركانه ، واجعله عبرة لمن اعتبر ، وتذكرة لمن يتذكّر.
    اللّهمّ إنّا قد ألجأتنا ظلمة ظلمه إلى الاستضاءة بعدلك ، وساقنا سوط بغيه إلى الاعتصام بحبلك ، وأجاءنا طوفان عدوانه إلى هضبة إنصافك ، وفررنا من صولة سطوته إلى عزة أكنافك ، فلا تغلق دوننا أبواب رجائك ، ولا تمد منّا الأيدي إلى سواك.
    اللّهمّ إنّا قد استظللنا من هواجر ظلمه بأروقة منعك ، واعتصمنا من عواصف هضمه بمعاقد دفعك ، فصلّ على محمد وآل محمد ، وأركل رياحه ، وأطفِ مصباحه ، واشغله بنفسه ، وغيّبه في رمسه ، واجعل دائرة السوء عليه دائرة ، وكواكب النحوس في اُفق مطالعه سائرة ، وشمس دولته بأيدي الطوارق مكوّرة ، وقضيّة وجوده بأداة المهالك مسورة ، والعكوس إلى قضايا حكمه موجّهة ، والنحوس بذكر معايبه مفوّهة ، وخبث عقيدته لقبح سريرته بين الناس مشهورة ، وصحائف ذنوبه برذائل عيوبه على مرّ الزمان منشورة ، حتّى تكون لعنة اللاعنين كالقلادة في جيده ، وذمّ الذامّين كالعلاوة من فوق حبل وريده.
    اللّهمّ أيّم عياله ، وأيتم أطفاله ، وكدّر زلاله ، وخيّب آماله ، واقمع هامته ،


(544)
واستأصل شأفته (1).
    اللّهمّ إنّك حمدت نفسك على هلاك الظّالمين ، ووعدت نصرك من انتصر بك من المظلومين ، ولم تكن سبحانك لتحمد نفسك على ذلك إلّا لأنّه نعمة لا يحصى شكرها ، ولا يستقصى ذكرها ، فصلّ على محمد وآل محمد ، واقض نعمتك على عبادك بإنزال عقابك بساحته ، واكشف غمّة أنامك وبلادك بصبّ سوط عذابك على هامته.
    اللّهمّ اشف صدورنا بمماته ، وأذهب غيظ قلوبنا بوفاته ، ولا تخرجنا من دار الفناء إلّا بأفئده مسرورة بهلكه ، وأنفس مطمئنّة من فتكه.
    اللّهمّ إنّه قد اقتدى في غصبنا وتكذيب صدقنا بعدّوك الزنيم الأكبر ، نجل صهّاك الدلام الأفجر ، إذ اغتصب ابنة نبيّك تراثها ، وحاز دونها ميراثها ، ورفع عليها صوته ، وقنعها سوطه.
    اللّهمّ فكما استجبت دعاءها عليه وخيبّت ظنّه ، وأتحت له من بقر بمديته بطنه ، ونقلته إلى دار نكالك ، وقرى وبالك ، وأصليته نارك الحامية ، وعجّلت بروحه إلى جحيمك الهاوية ، وصببت على هامته مقامع الزبانية ، ولعنته وشيعته الناصبة الغاوية ، فصلّ على محمدٍ وآل محمد ، وأذقه ما أذقته
1 ـ وردت في « ح » هذه الأبيات :
عين تروم فراق شخصك ساعة نفس للحظك لم تكن مشتاقة كحلت بأميال العمر آماقها ضربت بأسياف العدى أعناقها
* * *
عليك ابن خير المرسلين تأسّفي جللت فجلّ الرزء فيك على الورى وحزني وإن طال الزمان طويل كذا كلّ رزء في الجليل جليل

(545)
من عذاب الدنيا والآخرة بحقّ محمدٍ وآل محمدٍ العترة الطاهرة.
عبد لعزّ جلال مجدك يخضع لولا زفير سعير لوعة وجده ضاقت به الدنيا فلا تهمله يا إن تطرد العافي فمن ذا يرتجى ؟ أشكو إليك ظلامة من ظالم أضمى الحشا منّي بأسهم ظلمه فمن الّذي أرجوه بعدك ناصراً ؟ ومن الّذي أدعوه في غسق الدجى وبمن ألوذ من الردى وبمن أعوذ وبمن أرجى ناصراً ولكسر قلبي بيد التذلّل باب جودك يقرع ممّا عراه لأغرقته المدمع من جوده من كلّ شيء أوسع أو تمنح الراجي فمن ذا يمنع ؟ للبغي منه لدى الخلائق منبع وأحلّ بي ما لم أكن أتوقّع ومن الّذي منه إليه أفزع ؟ فيرى مقامي في الظلام ويسمع ؟ من العدى وبمجد من أتشفّع ؟ جابراً وبحقّ من أتضرّع ؟


(546)
يا من على العرش استوى يا من يا غافراً ساتراً يا جابراً يا يا عالماً يا دائماً يا قائماً يا من عليه توكلّي وبه عليه خذ لي بحقّي من ظلوم لم يزل كم ليلة من بغية أمسيت ذا والفكر منّي حائر والطرف ساهٍ من يحر وافر ظلمه ومديده فظّ غليظ أحمق متجبّر لانت أسافله فقلّ حياؤه على الملك احتوى يا من يذّل ويرفع كاسراً يا فاطراً يا مبدع يا حاكماً يا قاهراً لا يدفع توسّلي وبلطفه لي مطمع قلبي بسهم عِنادِهِ يتقطّع كبد على حمر الغضا يتلوّع ؟ ساهرٌ وحشاي وجداً ينجع ليلي طويل فجره لا يطلع متكبّر نذل دعيّ ألكع وغدت وقاحته عليه تشنع


(547)
يا أيّها المهدار والمنقار بُؤ خاسئاً من كلّ فضل وعلى جبينك إن قبلت نصيحتي وعليك ألفا ألفي لعنة ما فاه مظلوم بلعنة ظالم والختّار والرجس اللئيم المبدع عارياً وعليك من نسج الملامة أدرع بدل العمامة للاءمة برقع من ذي المعارج وصلها لا يقطع متهجّد في ليلة متضرع (1)

المناجاة
    اللّهمّ لك الحمد إذ جعلت قلوبنا مجالس عرفانك ، ومنحت نفوسنا نفائس رضوانك ، وألهمتنا شكر فضلك وامتنانك ، ووفّقتنا له من عرفان عظيم شأنك ، وأطلقت السنتنا بحسن الثناء على مجدك ، وجبلت أفئدتنا بزلال صدق الوفاء لعهدك ، وأفضت من شآبيب الايمان على قلوبنا ما ينقع غليلها ، وأرسلت من سحائب الايقان على نفوسنا ما شفا غليلها ، وفضّلتنا على كثير ممّن خلقَت بالبيان الموضح ، وشرّفتنا على الجمّ الغفير باللسان المفصح ،
1 ـ وردت في « ح » هذه الأبيات :
تأدّب إن قدمت على اُناس فإن رفعوك كان الفضل منهم واجلس جلسة الرجل الأقلّ وإن وضعوك قل هذا محلّي

(548)
مروق المجالس فيصحّ لفظنا ، ويشوّق المجالس صحيح وعظنا ، ويشنّف الأسماع بلآلىء ، نثرنا ، ويضرب الأمثال (1) ...
    وقد تمّ الفراغ من تحقيق هذا السفر الثمين في الحادي عشر من شهر ذي القعدة 1417 ه‍. ق ، سائليه تعالى أن يوفّقنا لمرضاته ، ويتقبّل عملنا هذا بأحسن قبوله ، إنّه نعم المولى ونعم النصير.
فارس حسّون كريم
قم المقدّسة




1 ـ إلى هنا تنتهي النسخة الخطّيّة المعتمدة ، ويبدو أنّ صفحة واحدة قد سقطت.
تسلية المُجالس وزينة المَجالس الجزء الثاني ::: فهرس