مروان وطلحة
    ولما تسامح طلحة في اظهار التوبة ، وقصّر وكف عن تبيين الحق ، فسلّط الله عزوجل عليه واحدا من أصحابه وأصدقائه ، ، فرماه بسهم وقتله به ، وهذا أحد معاني قوله « ص » ـ وعاد من عاداه .
    الطبقات : فلما رأى مروان الكشاف الناس نظر الى طلحة بن عبيدالله واقفا ، فقال : والله ان دم عثمان إلا عند هذا ، وهو كان أشد الناس عليه وما أطلب أثرا بعد عين ففوّق له بسهم فرماه به فقتله (1) .
    سير الأعلام : عن قيس : رأيت مروان بن الحكم حين رمى طلحة يومئذ بسهم فوقع في ركبته ، فما زال ينسحّ حتى مات (2) .
    ويروى أيضا : عن عليّ أنه قال : بشّروا قاتل طلحة بالنار .
    ويروى أيضا : أن مروان رمى طلحة بسهم قتله ، ثم التفت الى أبان فقال : قد كفيناك بعض قتلة أبيك .
    مستدرك الحاكم : عن عكراش قال : كنا نقاتل عليا مع طلحة ومعنا مروان ، قال : فانهزمنا ، قال ، فقال مروان لا أُدرك بثأري بعد اليوم من طلحة ، قال فرماه بسهم فقتله (3) .
    عقد الفريد : قال طلحة يوم الجمل :

ندمت ندامة الكُسعيّ لمـا طلبت رضا بني حزم بزعمي

    اللهم خُذ مني لعثمان حتى يرضى .
    ومن حديث ابي بكر بن أبي شيبة لما رأى مروان بن الحكم يوم الجمل طلحة بن عبيدالله قال : لا أنتظر بعد اليوم بثأري في عثمان ، فانتزع له سهما
1 ـ الطبقات ج 5 ص 38 .
2 ـ سير الاعلام ج 1 ص 23 .
3 ـ مستدرك الحاكم ج 3 ص 370 .



313
فقتله (1) .
    الاستيعاب : يروي ما يقرب منها (2) .
    أقول : هذا اجمال ما وصل إلينا من جريان أمر طلحة والزبير ، في زمان خلافة اميرالمؤمنين علي « ع » .
    ومن أعجب العجب : ما تركاه من الأموال الكثيرة ومن العقار والاصول والعروض .

ما تركاه من الأموال
    سير الأعلام : قُتل طلحة وفي يد خازنه الف الف درهم ومئتا الف درهم ، وقّومت اصوله وعقاره ثلاثين ألف درهم . ( تعادل 1230000 ـ درهم ) (3) .
    واعجب ما مرّ بي قول ابن الجوزي في كلام له على حديث قال : وقد خلف طلحة ثلاث مائة حمل من الذهب .
    ويروى : عن هشام عن أبيه : ان الزبير ترك من العروض بخمسين ألف ألف درهم ومن العين خمسين ألف ألف درهم . ( 100000000 درهم ) (4) .
    ويروى أيضا : اقتسم مال الزبير على اربعين الف الف (5) .
    أقول : وسيجيء في فتنة عائشة ، وفي فتنة الجمل ، ما يتعلق بهما وما يرتبط بأمرهما .
    عقد الفريد : قال عبدالله بن الزبير : فقتل الزبير ونظرت في دينه فاذا هو الف الف ومائة الف ( 1100000 ) قال : فبعت ضيعة له بالغابة بالف الف وستمائة الف ( 1600000 ) ، ثم ناديت من كان له قِبل الزبير شيء فليأتنا
1 ـ عقد الفريد ج 4 ص321 .
2 ـ الاستيعاب ج 2 ص 768 .
3 ـ سير الاعلام ج 1 ص 25 .
4 ـ نفس المصدر ص 42 .
5 ـ نفس المصدر ص 43 .



314
نقضه ! فلما قضيت دينه ... أخذت الثلث لولدي ، ثم قسّمت الباقي ، فصار لكل امرأة من نسائه ـ وكان له اربع نسوة ـ في ربع الثمن الف الف ومائة الف ( 1100000 ) فجميع ما ترك مائة الف الف وسبعمائة الف ( 100700000 ) (1) .
1 ـ عقد الفريد ج 4 ص 324 .


315
« فتنة خروج عائشة »
    الفائق : أم سلمة رضي الله تعالى عنها اتت عائشة لما أرادت الخروج الى البصرة ، فقالت لها : انك سدّة بين رسول الله « ص » وأمته ، وحجابك مضروب على حرمته ، وقد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه وسكّن عُقيراك فلا تصحريها ، الله من وراء هذه الأمة ، لو اراد رسول الله « ص » ان يعهد اليك عهد ، عُلتِ عُلتِ ، بل قد نهاك رسول الله « ص » عن الفُرطة في البلاد ، أن عمود الاسلام لا يثاب بالنساء ان مال ، ولا يُرأب بهن ان صُدع ، حُماديات النساء غضّ الإطراق وخَفَر الاعراض وقِصَر الوَهازة ، ما كنتِ قائلة لو أن رسول الله « ص » عارضك ببعض الفوات ناصة قلوصا من منهل الى آخر ، ان بعين الله مهواك ، وعلى رسوله تردين ، قد وجّهت سِدافته ، وتركت عُهيّداه ، لو سرتُ مسيرك هذا ثم قيل ادخلي الفردوس لاستحييت أن ألقى محمدا هاتكة حجابا قد ضربه عليّ . اجعلي حصنك بيتك ووقاعة الستر قبرك ، حتى تلقينه وأنت علىتلك أطوع ما تكونين لله ما لزمته (1) .
    قال الزمخشري ـ السُدة : الباب ، ندح الشيء : فتحه ووسعه . عقر : اذا بقي في مكانه وكأنها تصغير العقرى ، أصحر : خرج الى الصحراء . والعول : الميل . والفُرطة : التقدم . وأثابه : اذا قوّمه . وحُماداك : قُصاراك وغاية امرك . والخَفر : الأمن والاستيجار . الوهازة : الخطو . ونص الناقة : دفعها في السير . وتوجيه السدافة : هتك الستارة . والعُهيّدي من العهد . وقاعة السِتر : ساحته وموضعه . والضمير في لزمته للستر . انتهى ملخطا .
1 ـ الفائق ج 1 ص 584 .


316
    وقريب منها في عقد الفريد (1) .
    تاريخ الطبري : خرجت عائشة نحو المدينة من مكة بعد مقتل عثمان واجتمع الناس على عليّ والأمر أمر الغوغاء . فقالت : ما أظن ذلك تاما رُدوني . فانصرف راجعة الى مكة حتى اذا دخلتها أتاها عبدالله بن عامر الحضرميّ وكان امير عثمان عليها ، فقال : ماردك يا أم المؤمنين ؟ قالت : ردّني ان عثمان قتل مظلوما وأن الأمر لا يستقيم ولهذه الغوغاء أمر ، فاطلبوا بدم عثمان تُغزّوا الاسلام !! فكان أول من أجابها عبدالله بن عامر الحضرمي ، وذلك أول ما تكلمت بنو أمية بالحجاز ورفعوا رؤوسهم ، وقام معهم سعيد بن العاص والوليد بن عقبة وسائر بني أمية ، وقد قدم عليهم عبدالله بن عامر من البصرة ويعلي بن أمية من اليمن وطلحة والزبير من المدينة ، واجتمع ملأهم بعد نظر طويل في أمرهم على البصرة ، وقالت : أيها الناس ان هذا حدث عظيم وأمر منكر ، فانهضوا فيه الى اخوانكم من أهل البصرة فانكروه ، فقد كفاكم اهل الشام ما عندهم لعل الله عزوجل يدرك لعثمان وللمسلمين بثأرهم (2) .
    أقول : قد مرّ أن عائشة كانت ممن يطعن في عثمان ويأمر الناس بطرده وانكاره وخلافه ونقض بيعته .
    ويروى أيضا : وقد كان أزواج النبي « ص » معها على قصد المدينة فلما تحول رأيها الى البصرة تركن ذلك وانطلق القوم بعدها الى حفصة ، فقالت : رأيي تبع لرأي عائشة حتى اذا لم يبق إلا الخروج . قالوا : كيف نستقل وليس معنا مال نجهّز به الناس ، فقال يعلى بن أمية معي ستمائة الف وستمائة بعير فاركبوها ، وقال ابن عامر ، معي كذا وكذا ، فتجهزوا به فنادى المنادي ان ام المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون الى البصرة فمن كان يريد إعزاز الإسلام وقتال المحلين والطلب بثأر عثمان ! ولم يكن عنده مركب ولم يكن له جهاز فهذا جهاز وهذه نفقة ، فحملوا ستمائة رجل على ستّمائة ناقة سوى من كان له مركب ، وكانوا
1 ـ عقد الفريد ج 4 ص 316 .
2 ـ تاريخ الطبري ج 5 ص 166 .



317
جميعا الفا وتجهّزوا بالمال ونادوا بالرحيل واستقلوا ذاهبين ، وأرادت حفصة الخروج فأتاها عبدالله بن عمر فطلب اليها أن تقعد فقعدت (1) .
    أقول : من أعجب العجب نداء المنادي بتلك الكلمات :
    1 ـ قوله من كان يريد إعزاز الإسلام : لا أدري بخروجهم على الخليفة الحق يُعز الاسلام أو بإثارة الفتنة .
    2 ـ قوله قتال المُحلين : ان كان نظرهم الى قتال المحلين ، فهؤلاء الثلاثة ( طلحة ، الزبير ، عائشة ) في رأس المحلين والمخالفين .
    3 ـ قوله والطلب بثأر عثمان : هذا الكلام في غاية الضعف ، فإن طالب الثأر يلزم ان يكون وليّ الدم وإماما أو قاضيا منصوبا .
    الطبقات : فلما خرج طلحة والزبير وعائشة من مكة يريدون البصرة خرج معهم سعيد بن العاص ومروان بن الحكم وعبدالرحمن بن عتّاب والمغيرة بن شعبة فلما نزلوا مر الظهران ويقال ذات عرق ، قام سعيد بن العاص فحمد الله ... وقد زعمتم أيها الناس أنكم إنما تخرجون تطلبون بدم عثمان ، فإن كنتم ذلك تريدون فإن قتلة عثمان على صدور هذه المطيّ وأعجازها فميلوا عليها بأسيافكم وإلا فانصرفوا الى منازلكم ولا تقتلوا في رضي المخلوقين أنفسكم ، فقال مروان : لابل نضرب بعضهم ببعض فمن قتل كان الظفر فيه ويبقى الباقي فنطلبه وهو واهن ، وقام المغيرة وقال : ان الرأي ما رأى سعيد ، من كان من هوازن فأحب أن يتّبعني فليفعل ! فتبعه منهم أناس وخرج حتى نزل الطائف ، ورجع سعيد بن العاص بمن اتبعه حتى نزل مكة فلم يزل بها حتى مضى الجمل وصفّين (2) .
    تاريخ الطبري : لقى سعيد بن العاص مروان بن الحكم وأصحابه بذات عِرق فقال : أين تذهبون وثأركم على أعجاز الابل اقتلوهم ثم ارجعوا الى منازلكم لاتقتلوا أنفسكم ، قالوا : بل نسير فلعلنا نقتل قتلة عثمان جميعا ، فخلا سعيد بطلحة والزبير فقال : ان ظفرتما لمن تجعلان الأمر اصدقاني ؟ قالا لأحدنا أيّنا
1 ـ تاريخ الطبري ج 5 ص 167 .
2 ـ الطبقات ج 5 ص 34 .



318
اختاره الناس . قال : بل اجعلوا لولد عثمان فإنكم خرجتم تطلبون بدمه . قالا : ندع شيوخ المهارين ونجعلها لأبنائهم ! (1) .
    أقول : في هذه الكلمات موارد للاعتبار :
    1 ـ قد مر في فصل قتل عثمان : ان اول من نصح عثمان وأعانه وذبّ عنه اميرالمؤمنين « ع » ، وممن خالفه وعانده وأثار الناس عليه الذين يطلبون بدمه ، كما قال سعيد : وثأركم على أعجاز الابل .
    2 ـ يستكشف أن مخالفة هؤلاء وخروجهم على اميرالمؤمنين « ع » انما كان لطلب الرئاسة وتحصيل الدنيا ولأغراض شخصية .
    3 ـ جعلُ الإمارة والسلطنة الدينية باختيار الناس في الزبير أو في طلحة ؛ مخالف لأي قول ، فإنهم مجمعون بأن الخلافة إما بالنص والوصية من السابق ، أو بإجماع الصحابة والمسلمين على اختيار من هو أصلح وأفضل ، وأما اختيار جمع من الناس فغير مستقيم وإلا فيختار الناس في كل بلد إماما .
    ويروى أيضا : وأقبل غلام من جهينة على محمد بن طلحة ، وكان محمد رجلا عابدا ، فقال : أخبرني عن قتلة عثمان ؟ فقال : نعم ؛ دم عثمان ثلاثة أثلاث ، ثُلث على صاحبة الهودج ـ يعني عائشة ـ ، وثُلث على صاحب الجمل الأحمر ـ يعني طلحة ـ ، وثُلث على ـ علي بن أبي طالب ـ ، وضعك الغلام وقال : ألا أراني على ضلال ، ولحق بعلي وقال في ذلك شعرا :

سألت ابن طلحــة عن هالك فقــال ثلاثـة رهـط هـم فثُلث على تلك في خِدرهــا وثلث علــي ابن أبي طالب فقلت صدقت علـى الأوليـن بجـوف المدينــة لــم يُقبر أماتــوا ابن عفـان واستعبر وثُلث على راكــب الأحمـر ونحــن بدويّــة قـرقــر وأخطأت في الثالث الأزهر (2)

    أقول : فاذا اعترف ابن طلحة بأن الثلثين من دم عثمان على طلحة وعائشة ،
1 ـ تاريخ الطبري ج 5 ص 168 .
2 ـ تاريخ الطبري ج 5 ص176 .



319
فاعترافه عليهما نافذ ومعتبر ، فإنه اعتراف على نفسه . وأما نسبة ثُلث الدم الى اميرالمؤمنين « ع » فهي محتاجة الى الاثبات ولا دليل لها ، بل الظاهر من كتب التاريخ والحديث خلافها ، وقد مرّ ما يدل على أنه كان ممن أعان عثمان ودفع عنه ونصح له .

نباح الكلاب عليها
    ومن الحوادث التي أخبر عنها رسول الله « ص » مرور عائشة في مسيرها بالحوأب ونباح كلابها عليها .
    مسند أحمد : عن قيس ، ان عائشة قالت لما أتت على الحوأب سمعت نباح الكلاب ، فقال : ما أظنني إلا راجعة ، ان رسول الله « ص » قال : أيّتكنّ تنبح عليها كلاب الحوأب . فقال لها الزبير : ترجعين عسى الله أن يُصلح بكِ بين الناس (1) .
    الامامة والسياسة : فلما انتهوا الى ماء الحوأب في بعض الطريق ومعهم عائشة نبحها كلاب الحوأب ، فقالت لمحمد بن طلحة : أي ماء هذا ؟ قال : هذا ماء الحوأب . فقالت : ما أراني إلا راجعة . قال : ولِمَ ؟ قالت : سمعت رسول الله « ص » يقول لنسائه كأني بإحداكنّ قد نبحها كلاب الحوأب وإياك أن تكوني أنت يا حميراء . فقال لها محمد بن طلحة : تقدمي رحمك الله ودعي هذا القول (2) .
    مستدرك الحاكم والمحاسن للبيهقي : عن سالم ذكر النبي « ص » بعض امهات المؤمنين ، فضحكت عائشة ، فقال : انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت هي ، ثم التفت الى عليّ رضوان الله عليه ، فقال : انظر يا اباالحسن إن وليت من أمرها شيئا فارفق بها (3) .
1 ـ مسند أحمد ج 6 ص 97 .
2 ـ الامامة والسياسة ج 1 ص 55 .
3 ـ مستدرك الحاكم ج 3 ص 119 والمحاسن للبيهقي ص 49 .



320
    وفي المحاسن : قال الزهري : لما سارت عائشة ومعها طلحة والزبير في سبعمائة من قريش كانت تنزل كل منزل فتسأل عنه ، حتى نبحتها كلاب الحوأب ، فقالت : رُدوني لا حاجة لي في مسيري هذا ، فقد كان رسول الله « ص » نهاني فقال : كيف أنت يا حميراء لو قد نبحت عليك كلاب الحوأب أو أهل الحوأب في مسيرك تطلبين أمرا أنت عنه بمعزل ؟.
    فقال عبدالله بن الزبير : ليس هذا بذلك المكان الذي ذكره رسول الله « ص » ، ودار على تلك المياه حتى جمع خمسين شيخا قسامة فشهدوا أنه ليس بالماء الذي تزعمه أنه نُهيت عنه .
    فلما شهدوا قبلت وسارت حتى وافت البصرة ، فلما كان حرب الجمل أقبلت في هودج من حديد ، وهي تنظر من منظر قد صُيّر لها في هودجها ، فقالت لرجل من ضبّة وهو آخذ بخطام جملها أو بعيرها : أين ترى علي بن أبي طالب رضي الله عنه ؟ قال : هو ذا واقف رافع يده الى السماء ، فنظرت فقالت : ما أشبهه بأخيه !.
    قال الضبيّ : ومن أخوه ؟ قالت : رسول الله « ص » ، قال : فلا أراني أقاتل رجلا هو أخو رسول الله « ص » ، فنبذ خطام راحلتها من يده ومال عنه .
    وفي المستدرك : عن قيس قال : لما بلغت عائشة بعض ديار بني عامر نبحت عليها الكلاب ، فقالت : أي ماء هذا ؟ قالوا : الحوأب ، قالت : ما أضنني إلا راجعة ، فقال الزبير : لابعدُ تقدمي ويراك الناس ويُصلح الله ذات بينهم ، قالت : ما أظنني إلا راجعة ، سمعت رسول الله « ص » يقول : كيف باحداكن اذا نبحتها كلاب الحوأب (1) .
    تاريخ الطبري : حدثني العُرني صاحب الجمل قال : بينما أنا أسير على جمل اذ عرض لي راكب فقال : يا صاحب الجمل تبيع الجمل ؟ قلت : نعم . قال : بكم ؟ قالت : بألف درهم . قال : مجنون أنت ، جمل يُباع بالف درهم ! قال ، قلت : نعم
1 ـ مستدرك الحكم ج 3 ص 120 .


321
جملي هذا . قال : ومم ذلك ؟ قلت : ما طلب عليه أحد قط إلا أدركته ولا طلبني وأنا عليه أحد قط إلا فُتّه . قال : لو تعلم لمن نُريده لأحسنت بيعنا ... فرجعت فأعطوني ناقة لها مهرية وزادوني اربعمائة أو ستمائة درهم ، فقال لي : يا أخا عُرينه هل لك دلالة بالطريق ؟ قال قلت : نعم ؛ أنا من أدرك الناس ، قال : فسِر معنا ، فسِرت معهم فلا أمرّ على واد ولا ماء إلا سألوني عنه ، حتى طرقنا ماء الحوأب فنبحتنا كلابها ، قالوا : أيّ ماء هذا ؟ قلت ماء الحوأب ، قال : فصرخت عائشة بأعلى صوتها ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته ثم قالت : أنا والله صاحبة كلاب الحوأب طُروقا رُدوني ! تقول ذك ثلاثا ، فأناخت وأناخوا حولها ، وهم على ذلك وهي تأبى ، حتى كانت الساعة التي أناخوا فيها من الغد ، قال : فجاءها ابن الزبير فقال : ألنجاء ألنجاء فقد أدرككم والله علي بن أبي طالب ، قال : فارتحلوا وشتموني فانصرفت فما سِرت إلا قليلا واذا أنا بعليّ وركب معه نحو من ثلثمائة ، فقال لي عليّ : يا أيها الراكب فأتيته ، فقال : أين أتيت الظعينة ؟ قلت : في مكان كذا وكذا ، وهذه ناقتها وبِعتُهم جملي (1) .
    أقول : في هذه الكلمات موارد للنظر :
    1 ـ قوله ـ أن لا تكوني أنت هي ، فقد كان رسول الله « ص » نهاني ، كيف باحداكنّ اذا نبحتها كلاب الحوأب ، أنا والله صاحبة كلاب الحوأب طروقا ، ردوني : تدل هذه الجملات على نهيه الشديد عن هذا المسير وهذه الفتنة .
    2 ـ قوله ـ تطلبين أمرا أنت عنه بمعزل : تدل على مباشرتها أمرا يخرج عن وظيفتها ولا يصلح لها .
    3 ـ حتى جمع خمسين شيخا قسامة فشهدوا أنه ليس بالماء الذي نُهيت عنه : اذا كان من شأن القوم أن لا يُبالوا من خلاف الرسول ومن الاستشهاد فِرية في انفاذ ما استهووا فكيف يتوقع منهم التولي والاتباع لأميرالمؤمنين « ع » . ويقول في الامامة والسياسة : وأتاها ببينة زور من الأعراب فشهدوا بذلك فزعموا أنها أول
1 ـ تاريخ الطبري ج 5 ص 170 .


322
شهادة زور في الاسلام (1) .
    4 ـ ما أشبهه بأخيه ، قالت رسول الله « ص » : اعترفت بأنه أخو رسول الله « ص » .

مسيرها وخروجها
    قال الله تعالى ( يا نساء النبي لستن كأحد من النساء أن اتقيتنّ فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا وقرن في بيوتكن ... الآية ) (2) .
    الطبقات : وكان عبدالرحمن بن الحارث قد شهد الجمل مع عائشة وكانت عائشة تقول : لأن أكون قعدت في منزلي عن مسيري الى البصرة أحب اليّ من أن يكون لي من رسول الله عشرة من الولد كلهم مثل عبدالرحمن بن الحارث (3) .
    ويروى ايضا : حدثني من سمع عائشة ، اذا قرأت هذه الآية ( وقرن بيوتكنّ ) بكت حتى تبل خمارها (4) .
    انساب الأشراف : عن أبي يزيد المدني : ان عمارا قال لعائشة يوم الجمل بعد ما فرغ الناس من القتال : سبحان الله يا ام المؤمنين ما أبعد هذا الأمر من الأمر الذي عهد رسول الله « ص » اليك ، فيه أمرك أن تقرّي في بيتك ! فقالت : من هذا ابواليقظان ؟ قال : نعم . قالت : والله أنك ما علمت تقول الحق فقال : الحمد لله الذي قضى لي على لسانك (5) .
    وفي تاريخ الطبري : ما يقرب منها (6) .
    المحاسن للبيهقي : ع الحسن البصري ، ان الأحنف بن قيس قال لعائشة يوم الجمل : يا أم المؤمنين هل عهد عليك رسول الله « ص » هذا المسير ؟ قالت : اللهم
1 ـ الامامة والسياسة ص 56 .
2 ـ سورة الاحزاب آية 32 .
3 ـ الطبقات ج 5 ص 6 .
4 ـ الطبقات ج 8 ص 81 .
5 ـ أنساب الأشراف ج 1 ص 81 .
6 ـ تاريخ الطبري ج 5 ص 225 .



323
لا . قال : فهل وجدته في شيء من كتاب الله جل ذكره ؟ قالت : ما نقرأ إلا ما تقرؤون ، قال : فهل رأيت رسول الله « ص » إستعان بشيء من نسائه اذا كان في قلة والمشركون في كثرة ؟ قالت : اللهم لا . قال الأحنف : فاذا ما هو ذنبنا (1) .
    ويروى أيضا : عن عائشة انها دخلت على أم سلمة بعد رجوعها من وقعة الجمل وقد كانت ام سلمة حلفت أن لا تُكلمها أبدا من أجل مسيرها الى محاربة عليّ بن أبي طالب ، فقالت عائشة : السلا عليك يا أم المؤمنين ! فقالت : يا حائط ألم أنهكِ ألم أقل لكِ ؟ قالت عائشة : فإني استغفر الله وأتوب اليه ، كلّميني يا أم المؤمنين ! قالت : يا حائط ألم أقل لك ألم أنهك ؟ فلم تكلمها حتى ماتت . وقامت عائشة وهي تبكي وتقول وا أسفاه على ما فرط منّي (2) .
    ويروى أيضا عن جميع : قلت لعائشة حدثنين عن عليّ رضي الله عنه ، قالت : تسألني عن رجل سالت نفسُ رسول الله « ص » في يده ووليّ غسله وتغميضه وادخاله قره . قلت : فما حملكِ على ما كان منك ؟ فأرسلت خمارها على وجهها وبكت وقالت : أمر كان قُضي عليَّ (3) .
    تاريخ الطبري : وأقبل جارية بن قدامة السعدي فقال : يا أم المؤمنين والله لقتل عثمان بن عفّان أهونُ من خروجكِ من بيتك على هذا الجمل الملعون عُرضة للسلاح ، أنه قد كان لك من الله ستر وحرمة فهتكتِ سترك وأبحتِ حرمتك ، أنه من رأى قتالك فإنه يرى قتلك ، ان كنت أتيتنا طائعة فارجعي الى منزلك وان كنتِ أتيتنا مستكرهة فاستعيني بالناس . قال : فخرج غلام شاب من بني سعد الى طلحة والزبير فقال : أما أنت يا زبير فحواري رسول الله « ص » واما أنت يا طلحة فوقيت رسول الله « ص » بيدك ، وأرى أمكما معكما ، فهل جئتما بنسائكما ؟ قالا : لا ، قال : فما أنا منكما في شيء واعتزل . وقال السعدي في ذلك :
1 ـ المحاسن للبيهقي ص 49 .
2 ـ نفس المصدر ص 297 .
3 ـ نفس المصدر ص 298 .



324
صُنتم حلائلكم وقُدتــم امكـم أمرت بجر ديولها في بيتهــا هذا لمعمــرك قلةُ الانصاف فهوت تشقّ البيد بالايجاف (1)

    ويروى أيضا : قال زيد بن صوحان : رحم الله ام المؤمنين أمرت أن تلزم بيتها وأمرنا أن نقاتل ، فتركت ما أمرت به وأمرتنا به ، وصنعت ما أمرنا به ونهتنا عنه (2) .
    أقول : في هذه الروايات موارد للنظر والتحقيق :
    1 ـ اعترفت عائشة بأن رسول الله « ص » ما استعان بشيء من نسائه ، ولا عهد عليها رسول الله هذا المسير ، ولا وجدته في شيء من كتاب الله تعالى .
    2 ـ يدل قولها ( لأن أكون قعدت في منزلي ، بكت حتى تبلّ خمارها ، وا أسفاه على ما فرط مني ) على شدة ندامتها ونهاية تأثرها .
    3 ـ يستكشف أن رسول الله « ص » عهد عليها أن تقرّ في بيتها ، وقد صرّحت الآية الكريمة ـ وقرن في بيوتكنّ ـ بلزوم قرارها في البيت وعدم جواز الخروج منها .
    4 ـ أنها هتكت حرمة رسول الله « ص » بخروجها .
    5 ـ أنها استغفرت وتابت ومع هذا فلم تكلمها أم سلمة .
    ثم أنها تولّت وكانت خطيبة القوم وهم لها تبع ، مع أن رسول الله « ص » قد نهى عن تولي النساء واستخلافهن :
    الاستيعاب : عن ابن عباس ، قال رسول الله « ص » : أيتكنّ صاحبة الجمل الأدبب ، يقتل حولها قتلى كثير وتنجو بعد ما كادت . وهذا الحديث من أعلام نبوته (3) .
    مستدرك الحاكم : قال علقمة : لما خرج طلحة والزبير وعائشة تطلب دم عثمان ، كانت عائشة خطيبة القوم بها وهم لها تبع (4) .
1 ـ تاريخ الطبري ج 5 ص 176 .
2 ـ تاريخ الطبري ج 5 ص 184 .
3 ـ الاستيعاب ج 4 ص 1885 .
4 ـ مستدرك الحاكم ج 3 ص 118 .



325
    ويروى عن أبي بكرة قال : عصمني الله بشيء من سمعته من رسول الله « ص » لما هلك كسرى ، قال : من استخلفوا ؟ قالوا : ابنته ، قال ، فقال : لن يُفلح قوم ولوا امرأة ، قال ، فلما قدمت عائشة ذكرت قول رسول الله « ص » ، فعصمني الله به .
    ويروى عن عائشة قالت : وددت اني كنت ثكلت عشرة مثل الحارث بن هشام ، وإني لم أسرِ مسيري مع ابن الزبير (1) .
    سنن الترمذي : عن أبي بكرة ـ كما في المستدرك (2) .
    أقول : في هذه الرواية نهي شديد ومنع أكيد عن تولية النساء ، وقد صرّح رسول الله « ص » : بأن قوما ولوا امرأة لن يُفلحوا ، ففيها دلالة على خلاف طلحة والزبير وعدم انتهائهم بهذا النهي الصادر من رسول الله « ص » ، حيث جعلوا خطيبة القوم وداعية الى الخلاف ، والقوم لها تبع .
    الاستيعاب : قالت عائشة : اذا مر ابن عمر فارونيه ! فلما مر ابن عمر قالوا : هذا ابن عمر ! قالت : يا ابا عبدالرحمن ما منعك أن تنهاني عن مسيري ؟ قال : رأيت رجلا قد غلب عليك وظننت أنك لا تخالفينه ـ يعني ابن الزبير ـ قالت : أما أنك لو نهيتني ما خرجت (3) .
    أقول : ابن الزبير هو عبدالله بن الزبير ، وامه اسماء بنت أبي بكر ، فعائشة تكون خالة ابن الزبير ، قال علي « ع » : ما زال الزبير يُعدّ منا أهل البيت حتى نشأ عبدالله (4) .
    عقد الفريد : دخل المغيرة بن شعبة على عائشة فقالت : يا ابا عبدالله لو رأيتني يوم الجمل وقد نفذت النصال هودجي حتى وصل بعضها الى جلدي . قال المغيرة : وددت والله أن بعضها كان قتلك . قالت : يرحمك الله ولم تقول هذا ؟
1 ـ نفس المصدر ص 119 .
2 ـ سنن الترمذي ص 330 .
3 ـ الاستيعاب ج 3 ص 910 .
4 ـ نفس المصدر ص 906 .



326
قال : لعلها تكون كفارة في سعيك على عثمان . قالت : أما والله لئن قلت ذلك لما علم الله أني أردت قتله ، ولكن علم الله أني أردت أن يُقاتل فقوتلت ، واردت أن يُرمى فرُميت ، وأردت أن يُعصى فعُصيت ، ولو علم أني أردت قتلة لقُتلت (1) .
    الامامة والسياسة : وأتى محمد بن أبي بكر فدخل على أخته عائشة قال لها : أما سمعت رسول الله « ص » يقول : عليّ مع الحق والحق مع علي ؟ ثم خرجتِ تُقاتلينه بدم عثمان ، ثم دخل عليهما عليّ فسلم ، وقال : يا صاحبة الهودج قد أمركِ الله أن تقعدي في بيتك ثم خرجتِ تُقاتلين ، أترتحلي ؟ قالت : أرتحل . فبعث معها علي « رض » أربعين امرأة (2) .
    عقد الفريد : لما كان يوم الجمل ما كان ، وظفر عليّ بن أبي طالب دنا من هودج عائشة ، فكلمها بكلام . فأجابته : ملكت فأسجع . فجهّزها عليّ بأحسن الجهاز وبعث معها أربعين امرأة ـ وقال بعضهم سبعين امرأة ـ حتى قدمت المدينة (3) .
    أقول : يستفاد من هذه الأحاديث امور :
    1 ـ أنها أرادت أن يُقاتَل عثمان وأن يُعصى وأن يُرمى .
    2 ـ أنها سمعت من رسول الله « ص » : عليّ مع الحق والحقّ مع عليّ .
    3 ـ قد أمرها الله أن تقعد في بيتها ـ وقرن في بيوتكنّ .
    4 ـ أنها خرجت تقاتل عليا ، وقال رسول الله « ص » : اللهم عادِ من عاداه .

*   *   *

1 ـ عقد الفريد ج 4 ص 296 .
2 ـ الامامة والسياسة ج 1 ص 68 .
3 ـ عقد الفريد ج 4 ص 328 .