21
    أن يصمد الرجال في المعارك يقاتلون حتى النفس الأخير فتلك شجاعة فريدة تدعو الى الاعجاب.. ولكن أن يقدّم المرء نفسه للموت تتخطفه سيوف وخناجر فهذا لا يمكن أن تستوعبه أبجدية ما مهما بلغت من دقة التعبير وسمو المعنى.
    همس علي وهو يصغي الى حديث رجل رافقه أكثر من عشرين سنة.
    ـ أو تسلم يا رسول الله ان فديتك بنفسي ؟
    ـ نعم بذلك وعدني ربي.
    كان عليّ حزيناً فمكّة تتآمر على قتل انسان بعثته السماء لخلاص الأرض ، ولكن حزنه تبدّل الى فرحة كبرى فتقدم الى فراش النبيّ بخطىً هادئة والتحف ببردته ينتظر السيوف التي ستمزّقه وستتدفق دماؤه نقيّة طاهرة ترسم فوق الأرض قصة رائعة من قصص الفداء.
    كانت الأشباح المخيفة تتلصص من خلال شقّ في الباب فترى محمّداً ما يزال يغطّ في نومه هادئاً.
    ـ ما يزال نائماً.
    ـ ولن يستيقط بعد الليلة أبداً.
    ـ سأغمد خنجري في قلبه.
    ـ هذا الذي يسخر من آلهتنا.
    تطلّع أحدهم من شقّ الباب وعاد ليطمئن أصحابه :


22
    ـ ننتظر حلبة شاة ثم ندهمه.
    مثل طيف ملائكي انسلّ النبيّ من بيته مهاجراً متّجهاً صوب الجنوب لا يلوي على شيئ ، وهو يدعوالله أن يحمي فتى الاسلام علي :
    ـ ربّ اجعل لي وزيراً من أهلي.
    لم يخالج النوم عيني فاطمة تلك الليلة. هاهو والدها العظيم يودّع مكّة خائفاً يترقّب... لا تدري عن مصيره شيئاً ، وفي فراشه ينام فتى أبي طالب سوف تتخطفه سيوف القبائل... والليلة حبلى بالمفاجآت. ووجدت فاطمة نفسها تتضرّع الى الله أن ينصر أباها كما نصر موسى من قبل وأن يحمي ابن شيخ البطحاء.
    اقتحمت الضباع منزل النبيّ ، وكانت السيوف والخناجر تتجه الى رجل نائم ملتحفاً برداً حضرمياً أخضر.
    هبّ الفتى من فراشه كأسد غاضب وانتزع سيف أحد المهاجمين الذين تسمّروا في أماكنهم لهول المفاجأة. صرخ أحدهم :
    ـ أين محمّد ؟
    وجاءه الجواب ثابتاً ثبات جبل حراء :
    ـ لست عليه وكيلاً.
    تنفّس الصبح واستيقظت مكّة على أنباء مثيرة. لقد أفلت محمّد وهاهو الآن في طريقه إلى يثرب وانطلق فرسان أشدّاء يجوبون


23
الصحراء بحثاً عن رجل شريد.
    لا أحديعلم عن مكان النبيّ إلاّ فتىً في العشرين من عمره ، عاد لتوّه من غار في جبل ثور حيث ودّع النبيّ بعد أن أمن الطلب؛ عاد علي ينفض عن نفسه غبار الطري ويفكّر في وصايا النبيّ. لقد بقيت عليه مهمة واحدة أن يؤدي الأمانات إلى أهلها ويحمل الفواطم وضعفاء المسلمين إلى يثرب...
    ابتاع عليّ « إبلاً » ، وأسرّ الى والدته فاطمة بنت أسد أن تتهيأ للهجرة وتخبر فاطمة بنت محمّد وفاطمة بنت حمزة وفاطمة بنت الزبير.
    تحرّكت قافلة الفواطم يقودها عليّ ماشياً والتحقت بالركب ام أيمن وأبو واقد.
    وتسلل ضعفاء المسلمين ليلاً إلى « ذي طوى » حيث واعدهم عليّ هناك.
    كان أبو واقد يسوق الركب سوقاً حثيثاً ، وأدرك عليّ ما يموج في أعماق أبي واقد من الخوف والهلع فقريش لن تغفر له ذلك أبداً.
    هتف عليّ مهدئاً :
    ـ إرفق بالنسوة يا أبا واقد.
    وقرب (ضجنان) لاحت للقافلة ثمانية فرسان يثيرون الغبار.. كانوا ملثمين وعيونهم تبرق بالشرّ.


24
    صاح عليّ بأبي واقد وأيمن :
    ـ إنتحيا بالابل واعقلاها.
    الصحراء مد البصر تموج بالرمال وعليّ الذي أنهكه المشي هو رجل القافلة الأوّل فتى تعدّى العشرين بثلاث. كانت العيون تتجه اليه أمّه تراقبه متوجسة ، وبنت محمّد تخاف عليه سيوف أعداء أبيها ، وأبو واقد لا حول له ولا قوّة. وقف عليّ وعيناه تقدحان شرراً.
    هتف فارس لم يكتشف عليّاً بعد :
    ـ أظننت يا غدّار انك ناج بالنسوة.. ارجع لا أبا لك.
    ـ فإن لم أفعل ؟.
    ـ لترجعن راغماً.
    ودنا أحدهم من النوق لإثارتها فاعترضه عليّ وهوى بسيفه وسقط الفارس فوق الرمال.
    تسمّر الفرسان. لقد أخذتهم المفاجأة. انهم لم يروا في حياتهم ضربة كهذه. صاح أحدهم وقد رأى الفتى يستعد للهجوم :
    ـ أحبس نفسك عنّا يا ابن أبي طالب.
    وهكذا دخل عليّ دنيا الفروسية ، كما دخل دنيا الفداء قبل أيام.
    وسارت سفن الصحراء تشقّ طريقها على مهل صوب يثرب ، تسير ليلاً وتكمن نهاراً.


25
4
    السماء مرصّعة بالنجوم... تتلألأ من بعيد كلالئ منثورة.
    حطّ المهاجرون عصا الترحال في ضجنان وانحنى عليّ يعالج قدميه وقد تفطر تا من المشي مئات الأميال.
    بركت النوق فوق الرمال تلتقط أنفاسها وتشمّ رائحة وطن قريب.
    عينا فاطمة تسافران بين النجوم تستكشفان آفاق السماء.. حيث انطلق أبوها في رحلة الاسراء والمعراج على ظهر البراق.
    عينا فاطمة ما تزالان مسمرتين في النجوم ، وقد أزهر وجهها كوكب صغير هبط على الأرض ، وبدا القمر في آخر ساعات الليل أصفر الوجه كما لو أجهده السهر ، همست فاطمة في نفسها تناجي :
    ـ أنت وحدك الباقي... كلّ شيء آخذ طريفه نحو المغيب ، النجوم ، القمر... الارواح البيضاء تتجه اليك لا تبالي بأشواك الطريق في الصحراء حتّى لو كانت حافية القدمين..


26
    أنت وحدك الحقّ ياربّ... أنت نور عيني وفرحة قلبي.. دعني الج ملكوتك اسبّحك واطوف مع النجوم حول عرشك.. أنت وحدك الحقيقة وما سواك وهم.. أنت وحدك نبع الحياة وعداك سراب يحسبه الظمآن ماء.
    في « قبا » هبط جبرئيل يحمل كلمات السماء إلى رجل فرّ من امّ القرى ينبئه عن مسار قافلة فيها ابنته وامرأة ربّته وفتى ربّاه في حجره فلما اشتدّ ساعده وقف إلى جانبه يفديه بنفسه..
    فاح عبير الوحي.. ملأ فضاء « قبا » حيث بنى الرسول أوّل مسجد في الاسلام :
    ـ « والذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكّرون في خلق السماوات والأرض ربّنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار. فاستجاب لهم ربّهم اني لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر أو انثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا من ديارهم وأو ذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرنّ عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنّات تجري من تحتها الأنهار ثواباً من عند الله والله عنده حسن الثواب ».
    كان النبيّ يترقّب وصول القافلة المهاجرة فيها أخوه وابنته وامرأة ربّته. كلمات جبريل ما تزال تطوف في خياله وهو ينظر الى الأفق البعيد ولكن لا شيء سوى الرمال السمراء..


27
    ولو قدّر لأحد كان في « قبا » لرأى رجلاً قد ذرّف على الخمسين ليس بالطويل ولا القصير كان ربعة « وقد جعل الخير كله في الرّبعة »؛ أزهر الوجه ، ناصع البياض مشرباً بحمرة خفيفة لعلّها من أثر الشمس ورياح الصحراء ، رجل الشعر يبلغ شحمة اذنيه ويكاد يلامس منكبيه؛ واسع الجبين ، مقوّس الحاجبين كهلالين ، وكانت عيناه نجلاوين واسعتين؛ اقنى الأنف ، كأنّ أسنانه لؤلؤ منضود فاذا مشى مشى الهوينى متقارب الخطى كزورق ينساب على هون.
    وقف النبيّ يتأمل الصحراء المترامية تمسح عيناه الافق البعيد ، ينتظر أحبّة فارقهم في لحظة ليل وقد حاصرته ذئاب مكة.
    غمر الليل الصحراء وآب النبي الى مضارب « بني سهم » ، وقد بدا على وجهه حزن كحزن آدم يوم بحث في الأرض عن حوّاء.
    وصلت القافلة بسلام ، وخفّ الأب للقاء ابنته ذكراه الغالية من خديجة.. خديجة التي رحلت بعيداً وتركته وحيداً.
    عانقت البنت أباها. غرقت في عبير رجل سماويّ ، فاضت عيناها دموعاً ، دموع فرح ودموع رحمة.
    ـ يالعذاب محمّد.. يالعذاب الأنبياء.
    ربّما دهشت بعض النسوة وهن يتطلعن الى رجل ذرّف على الخمسين يجتاز في لحظة نصف قرن من الزمن ليتحوّل إلى طفل


28
يرتمي في أحضان امّه.
    تمتم رسول السماء يضع حدّاً لأسئلة تناثرت فوق الرمال :
    ـ فاطمة أمّ أبيها.
    فاطمة بربيعها الثالث عشر تتحول إلى أمّ لأعظم الانبياء.
    ـ وفاطمة بضعة منّي.
    نظر محمّد إلى عيني ابنته كان يبحث فيهما عن فتى شرى نفسه لله.
    ـ انّه هناك يا أبه.. تشققت قدماه.. سال منهما الدمّ.. الشوك والرمضاء ومشاقّ الصحراء.. ولا ناقة عنده ولا جمل.
    تألقت عينا النبيّ :
    ـ انّه أخي.
    مضى محمّد للقاء أخيه المهاجر...
    وهبّ الفتى للقاء رسول السماء.. نسي آلامه.
    رشّ الرسول كفيه برحيق النبوّة ثم مسح على قدمي الفتى المهاجر ، كأمّ رؤوم تمسح رأس وليدها ليغفو وينام..
    سافرت الآلام ووجد علي نفسه في مهد امّه في أحضان رجل ربّاه صغيراً.... فغفا ونام ، ونهض الرجل المكي تاركاً وليد الكعبة يلتقط أنفاسه بعد رحلة مريرة في رمال الصحراء.


29
5
    دخلت القافلة يثرب وانطلقت أناشيد الفرح تملأ الفضاء..
    طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
    وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
    أيّها المبعوث فينا جئت بالامر المطاع
    جئت نوّرت المدينة مرحباً يا خير داع
    وامتزجت كلمات الفرح مع زغاريد النسوة وارتدت يثرب حلّة جديدة.
    ومرّت « القصواء » تشقّ طريقها بين الجماهير وتناثرت كلمات رجاء هنا وهناك :
    ـ انزل يا رسول الله على الرحب والسعة.
    ـ دعوا « الراحلة » فإنّها مأمورة.
    وسارت « القصواء » حتى اذا وصلت بيت « أبي أيوب » شمّت


30
رائحة وطن فأناخت رحلها وبركت ، وفي تلك البقعة أرض الله ارتفعت قواعد مسجد قدّر له أن يصنع التاريخ والحضارة.
    وتساءل بعض المسلمين ترى كيف ندعو إلى الصلاة. قال أحدهم :
    ـ ننفخ بالبوق كما يفعل بنو قريظة.. ألسنا نتجه في الصلاة إلى قبلتهم ؟.
    ـ الناقوس أفضل... ناقوس النصارى له صوت ساحر..
    وكان للسماء رأي آخر.. هبط جبريل يحمل النداء ، ان الله يأمركم أن ترفعوا الأذان....
    وترقرقت في جنبات المدينة كلمات السماء وكان بلال يدعو المسلمين : الله أكبر حي على الفلاح حي على الصلاة.
    وتمرّ الأيام ، ويشتدّ عود الاسلام؛ ونمت فاطمة.. تفتحت للحياة الجديدة.. حياة تنبض بدفء الايمان والأمل.. وأبوها محمد يرسم الطريق الذي يمرّ عبر يثرب قلب العالم.
    توالت الأحداث وتستيقظ جزيرة العرب على انباء ستغيّر مسار التاريخ. اتجه المسلمون الى الكعبة في الصلاة بعدما كانوا يتّجهون الى بيت المقدس.. واغتاظ اليهود... ثم ولد رمضان... رمضان الكريم ، وأصبح للمجتمع الوليد أعياد فرح.. عيد « الفطر » وعيد