(91)
بنسبة القتل الى الله ، بينما هو من فعل الناس ، والتذكير بالفرق بين الوفاة للأنفس واسترجاعها الذي نسب في القرآن الى الله حين حلول الأجل والموت حتف الأنف ، وبين القتل الذي هو إزهاق الروح من قِبَل القاتل قبل حلول الموت المذكور.
     إن تحدّي الحكام وفي مجالسهم ، وبهذه الصراحة ينبىء عن شجاعة وبطولة ، وهو تحدّ للسلطة أكثر من أن يكون ردا على انحراف في العقيدة فقط.
     وفي حديث رواه الزهري ـ من كبار علماء البلاط الأموي ـ أجاب الإمام زين العابدين عليه السلام عن هذا السؤال : أبِقَدَرٍ يصيب الناس ما اصابهم ، أم بعمل ؟
     أجاب عليه السلام بقوله : إنّ القدَرَ والعمل بمنزلة الروح والجسد... ولله فيه العون لعباده الصالحين.
     ثم قال عليه السلام : ألا ، من أجور الناس مَنْ رأى جوره عدلا ، وعدل المهتدي جورا (1).
     وعقيدة التشبيه والتجسيم :
     وقد تجرأ أعداء الأسلام ـ بعد سيطرتهم على الحكم ـ على المساس بأساس العقيدة الإسلامية ، وهو التوحيد الإلهي ، وذلك بإدخال شبه التجسيم والتشبيه في أذهان العامة ، لإبعادهم عن الحق ، وجرّهم الى صنمية الجاهلية.
     ولقد استغلّ الإعداء جهل الناس ، وبعدهم عن المعارف ، حتى اللغة العربية ! فموّهوا عليهم النصوص المحتوية على ألفاظ الأعضاء ، كاليد والعين ، مضافة في ظاهرها الى الله تعالى ، وتفسيرها بمعانيها المعروفة عند البشر ، بينما هي مجازات مألوفة عند فصحاء العرب في شعرهم ونثرهم ، يعبّرون باليد عن القوة والقدرة ، وبالعين عن البصيرة والتدبير ، وهكذا...
     وقد قاوم الإسلام منذ البداية هذه الأفكار المنافية للتوحيد والتنزيه ، وقام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار بمقاومتها وإبطال شبهها ، وفضح أغراض ناشريها ودعاتها.
     وفي عهد الإمام السجاد عليه السلام ، وبعد أن استشرى الوباء الاموي بالسيطرة التامة ،
(1) التوحيد للصدوق (ص 366).
(92)
كان أمر هؤلاء الملحدين قد استفحل ، وتجاسروا على الإعلان عن هذه الأفكار بكلّ وقاحة ، في المجالس العامة ، حتى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فكانت مهمة الإمام السجاد عليه السلام حسّاسة جدا ، لكونه ممثّلا لأهل البيت عليهم السلام ، بل الرجل الوحيد ذا الارتباط الوثيق بمصادر المعرفة الإسلامية بأقرب الطرق وأوثقها ، وبأصحّ الأسانيد ، مصحوبا بالإخلاص لهذا الدين وأهله ، وعمق التفكير وقوته ، وبالشكل الذي ليس لأحد إنكار ذلك أو معارضته.

     ومع ما كان عليه الإمام السجاد عليه السلام من قلة الناصر ، فقد وقف أمام هذا التيار الإلحادي الهدّام ، وأقام بأدلته وبياناته سدا منيعا في وجه إحياء الوثنية من جديد !
     فقام الإمام بعرض النصوص الواضحة التعبير عن الحق ، والناصعة الدلالة على التوحيد والتنزيه ، مدعومة بقوة الاستدلال العقلي ، وكشف عن التصوّر الإسلامي الصحيح ، وشهر سيف الحق والعلم والعقل على تلك الشبه الباطلة :
     ولنقرأ أمثلة من تلك النصوص :
     جاء في الحديث أن الإمام زين العابدين عليه السلام كان في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم ، إذ سمع قوما يشبّهون الله بخلقه ، ففزع لذلك ، وارتاع له ، ونهض حتى أتى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فوقف عنده ، ورفع صوته يدعو ربّه ، فقال في دعائه :
     « إلهي بدت قدرتك ، ولم تبد هيبة جلالك ، فجهولك ، وقدّروك بالتقدير على غير ما أنت به مشبّهوك.
     وأنا بريء ـ يا الهي ـ من الذين بالتشبيه طلبوك ، ليس كمثلك شيء ـ يا إلهي ـ ولن يدركوك.
     فظاهر ما بهم من نعمة دليلهم عليك ، لو عرفوك. وفي خلقك ـ يا إلهي ـ مندوحة عن أن يتأوّلوك. بل ساووك بخلقك ، فمن ثمّ لم يعرفوك.
     >واتخذوا بعض آياتك ربّا ، فبذلك وصفوك. فتعاليت ـ يا إلهي ـ عمّا به المشبّهون نعتوك » (1).
(1) كشف الغمة ( 2 : 89 ) وانظر بلاغة الإمام علي بن الحسين عليه السلام (ص 17) وقد رواه الصدوق في أماليه ( ص 487 ) المجلس (89) موقوفا على الرضا عليه السلام ، فلاحظ.
(93)
     فوجود الإمام عليه السلام في المسجد النبوي ، وإظهاره الفزع من ذلك التشبيه ، وارتياعه لذلك الكفر المعلن ، ونهوضه ، والتجاؤه الى القبر الشريف ، ورفعه صوته بالدعاء...
     كل ذلك ، الذي جلب انتباه الراوي ، ولابدّ أنه كان واضحا للجميع ، إعلان منه عليه السلام للاستنكار على ذلك القول ، وأولئك القوم الذين تعمّدوا الحضور في المسجد والتجرؤ على إعلان ذلك الإلحاد والكفر.
     وهو تحدّ صارخ من الإمام عليه السلام للسياسة التي انتهجتها الدولة وكانت وراءها بلا ريب ، وإلاّ ، فمن يجرؤ على إعلان هذه الفكرة المنافية للتوحيد لولا دعم الحكومة ، ولو بالسكوت !
     إن قيام الإمام السجاد عليه السلام بهذه المعارضة الصريحة وبهذا الوضوح يعطي للمواجهة بعدا آخر ، أكثر من مجرد البحث العلمي ، والنقاش العقيدي والفكري.
     إنّه بعد التحدّي للدولة التي كانت تروّج لفكرة التجسيم والتشبيه ، وتفسح المجال للإعلان بها في مكان مقدّس مثل الحرم النبوي الشريف ، في قاعدة الإسلام وعاصمته العلمية ، المدينة المنورة !!
     ومهزلة الإرجاء :
     الإرجاء ، بمعنى عدم الحكم باسم « الكفر » على من آمن بالله ، في ما لو أذنب ما يوجب ذلك ، وأن حكما مثل هذا موكول الى الله تعالى ، ومرجأ الى يوم القيامة ، وأن الذنوب ـ مهما كانت ـ والمباديء السياسية مهما كانت ، لا تخرج المسلم عن اسم الإيمان ، ولا تمنع من دخوله الجنة.
     وكان الملتزمون بالإرجاء ، يتغاضون عمّا يقوم به الحكّام والسلاطين مهما كانت أفعالهم مخالفة لأحكام الإسلام في آيات قرآنه ونصوص كتابه وسنّة رسوله.
     بل كان منهم من يقول : إن الإيمان هو مجرد القول باللسان ، وإن عُلِمَ من القائل الاعتقاد بقلبه بالكفر ، فلا يسمّى كافرا.
     ومنهم من يقول : إن الإيمان هو عقد القلب ، وإن أعلن الكفر بلسانه فلا يسمّى كافرا (1).
(1) لاحظ الفصل لابن حزم ( 4 : 204 ).

التالي


(94)
     وهذه المباديء ـ مهما كان منشؤها ـ كانت ولا زالت تخدم الحكّام الجائرين المبتعدين عن الإسلام في كل أعمالهم وتصرّفاتهم ، لأن أصحاب هذه المباديء كانوا ـ ولا يزالون ـ يرون أن مهادنه هؤلاء الحكّام صحيحة وغير منافية للشرع والتديّن بالإسلام.
     فكانت ـ كما يقول أحمد أمين ـ هذه المباديء تخدم بني امية ـ ولو بطريق غير مباشر ـ وأصحابها كانوا يرون أن مهادنة بني امية صحيحة ، وأن خلفاءهم مؤمنون ، لا يصحّ الخروج عليهم.

     فكان أن الأمويين لم يتعرّضوا لهم بسوء ، كما تعرّضوا للمعتزلة والخوراج والشيعة (1).
     بل أصبح الإرجاء ـ كما نقل الجاحظ عن المأمون : ـ دين الملوك (2).
     وهذه المزعومة ـ الإرجاء ـ باطلة أساسا ، لدلالة النصوص الواضحة على أنّ العمل ـ فعلا وتركا ـ له أثر مباشر في صدق أسماء « الإيمان والكفر » ولذلك أعلن أئمة المسلمين بصراحة : أن الإيمان قول باللسان ، واعتقاد بالجنان ، وعمل بالأركان.
     فمن خالف ما ثبت أنه من الدين ضرورة فهو محكوم باسم الكفر ، وتجري عليه أحكام هذا الاسم ، سواء أنكره بلسانه ، أو بقلبه ، أو بعمله ، كقاتل النفس المحترمة وتارك الصلاة ، مثلا.
     وفي قبال مخالافات الحكّام الظالمين ، المعلنة والمخفية ، قاوم المسلمون بكل شدّة ، وحاسبوهم بكل صرامة ، حتى قتل عثمان ـ وهو خليفة ـ من أجل بعض مخالفاته الواضحة.
     لكن ، لمّا تربّع بنو أمية على الحكم ، بدأوا يحرّفون عقيدة الناس بترويج كفرهم ، وقتل المؤمنين العارفين بالحقائق ، وإجراء سياسة التطميع والتجويع ، وغسل الأدمغة والتحميق ، مستمدّين بوعّاظ السلاطين من أمثال الزهري :
     فقد ورد في الأثر أن هشام بن عبدالملك سأل الزهري قال : حدثنا بحديث
(1) ضحى الإسلام ( 3 : 324 ).
(2) الاعتبار وسلوة العارفين (ص 141).

(95)
النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنّة ، وإن زنا وإن سرق (1).
     فهشام حافظ للحديث ، لكنه يريد من الزهري تقريرا عليه وتصديقا به ، وكأنّه يقول له : إنّ مثل هذا الحديث يعجبنا ويفيدنا فاروه لنا.
     ولم يكذّب الزهري هذا الحديث المجعول من قبل المرجئة ، وإنما قال لهشام : أين يذهب بك ، يا أمير المؤمنين ! كان هذا قبل الأمر والنهي.
     لكن إذا كان قبل الأمر والنهي فلماذا يذكر الزنا والسرقة ، أو هما كانتا محرّمتين !؟
     فعاد أمر الأمة الى أن لم ير المضحّون والمخلصون ، وفي طليعتهم أهل البيت عليهم السلام إلا أن ينهضوا في طلب الإصلاح.
     وقام الإمام الحسين عليه السلام بالتضحية الكبرى في كربلاء ، لإنقاذ الإسلام مما ابتلي به من تدابير خطرة ، ومؤمرات لئيمة دبّرها بنو امية.
     وقد أدّت تلك التضحية العظيمة ، الى فضح حكّام بني امية ، حيث إن عملهم الظالم ذلك ، الذي لم يجدوا في الامة منكرا له ولا نكيرا عليه ، هوّن عليهم الإقدام على أعمال فظيعة اخرى بعلانية ووقاحة ، بشكل لم يبق مبرّر لإطلاق اسم الإسلام والإيمان عليهم ، ولذلك نجد أن الذين أعلنوا عن ثورة المدينة قبيل وقعة الحرّة ، كانت دعواهم : « أن يزيد لرجل ليس له دين » (2)
     والأمويون تأكيدا على كفرهم وخروجهم على كل المقدّسات ، استباحوا مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحرمه ، وقتلوا آلاف الناس ، وفيهم جمع من أبناء صحابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وهتكوا الأعراض وانتهبوا الأموال (3).
     وعقّبوا ذلك بالهجوم على الكعبة والمسجد الحرام وحرم الله الآمن ، فأحرقوها وهتكوا حرمتها ، وسفكوا الدماء فيها ، ولم يرقبوا في شيء عملوه أيام حكمهم الدموي كرامة لأحد ، ولا حرمة لشيء مقدّس.

(1) الاعتبار وسلوة العارفين ( ص 141 ).
(2) أيام العرب في الإسلام ( ص 420 ).
(3) انظر كتب التاريخ في حوادث سنة ( 63 هـ ) وتاريخ المدينة المنورة وترجمة مسلم بن عقبة وعبدالله بن الغسيل.

(96)
     والمرجئة ـ مع ذلك ـ يقولون في الأمويين إنهم الحكّام الذين تجب طاعتهم ، وإنهم مؤمنون لا يجوز الحكم عليهم بالكفر ، ولا لعنهم ، ولا التعرّض لهم ولا الخروج عليهم !
     إن هذا الانحراف الذي عرض لامة الإسلام ، كان ردّة خفيّة تمرّر باسم الإسلام وعلى يد الخليفة والمجرمين الممالئين له.
     فكانت جهود الإمام السجاد عليه السلام هي التي اعقبت إحياء الروح الإسلامية واستتبعت الصحوة للمسلمين ، فرصّ الصفوف ، فتمكّن ابنه المجاهد العظيم زيد بن علي عليه السلام من إطلاق الثورة ضدهم.
     وتلك التعاليم السجادية هي التي جعلت أمر كفر الأمويّين وبطلان حكمهم ، أوضح من الشمس ، وألجأت أبا حنيفة المتّهم بالإرجاء (1) أن يرى ولاة بني امية مخالفين لتعاليم الدين وأعلن وأظهر البغض والكراهية لدولتهم ، وساهم في حركة زيد الشهيد ، وناصر أهل البيت بالمال والعدّة ، وكان يفتي ـ سرّا ـ بوجوب نصرة زيد وحمل المال إليه والخروج معه على اللصّ المتغلّب المتسمّي بـ « الإمام والخليفة » (2).
     وفي الإمامة والولاية :
     كانت الإمامة في نظام الدولة الإسلامية ، أعلى المناصب الحكومية ، ولذا كان الحكّام يسمّون أنفسهم أئمة للناس ، واُمراء للمؤمنين ، بلا منازع.
     ولا يدّعي أحد غير الحاكم ، لنفسه منصب الإمامة إلاّ إذا لم يعترف بالحاكم ولا حكومته : ومعنى هذا الادّعاء معارضته للنظام ولمقام الخليفة نفسه.

     والإمام السجاد عليه السلام قد أعلن عن إمامة نفسه بكل وضوح وصراحة ومن دون أيّة تقيّة وخفاء.
     ولعلّ لجوءه عليه السلام الى هذا الاسلوب المكشوف كان من أجل أنّ بني أمية بلغ أمر فسادهم وخروجهم عن الإسلام ، وعدم صلاحيتهم للحكم على المسلمين وإدارة
(1) لاحظ تاريخ بغداد (ج 13) وانظر الكنى والألقاب ( 1|52 ).
(2) لاحظ ضحى الإسلام ، لأحمد أمين ( 3 ـ 274 ).

(97)
البلاد ، فضلا عن الإمامة ، حدّا من الوضوح لم يمكن ستره على أحد.
     فكان من اللازم الإعلان عن إمامة السجاد عليه السلام كي لا يبقى هذا المنصب شاغرا ، وأن لم تكن الإمامة الحقّة حاكمة ظاهرا.
     ومهما يكن ، فإنّ خطورة إعلان الإمام السجاد عليه السلام عن إمامة نفسه وأهل بيته ، لا تخفى على أحد ممن عرف جور بني أمية وطغيانهم وقسوتهم في مواجهة المعارضين.

     وقد تعدّدت الأحاديث الناقلة لهذا الإعلان ، حسب تعدّد المناسبات ، والظروف :
     1 ـ ففي الحديث الذي أورده ابن عساكر : قال أبو المنهال نصر بن أوس الطائي : رأيت علي بن الحسين ، وله شعرٌ طويل ، فقال : إلى من يذهب الناس ؟
     قال : قلت : يذهبون ههنا وههنا !
     قال : قل لهم : يجيئون إليّ (1).
     2 ـ قال له أبو خالد الكابلي : يا مولاي ! أخبرني كم يكون الأئمة بعدك ؟
     فقال : ثمانية ، لأن الأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثنا عشر إماما ، عدد الأسباط ، ثلاثة من الماضين ، وأنا الرابع ، وثمانية من ولدي ، أئمة أبرار ، من أحبّنا وعمل بأمرنا كان في السنام الأعلى ، ومن أبغضنا أو ردّ واحدا منّا فهو كافر بالله وبآياته(2).
     3 ـ وقال عليه السلام : نحن أئمة المسلمين ، وحجج الله على العالمين ، وسادة المؤمنين ، وقادة الغرّ المحجّلين ، وموالي المؤمنين ، ونحن أمان أهل الأرض ، كما أنّ النجوم أمانٌ لأهل السماء... ولو ما في الأرض منّا لساخت بأهلها ، ولم تخلُ الأرض ـ منذ خلق الله آدم ـ من حجّة لله فيها ، ظاهر مشهور أو غائب مستور ، ولا تخلو ، الى أن تقوم الساعة ، من حجّة لله فيها ، ولولا ذلك لم يعبد الله (3).
     4ـ وقال عليه السلام : نحن أفراط الأنبياء ، وأبناء الأوصياء ، ونحن خلفاء
(1) تاريخ دمشق ( الحديث 21 ) ومختصره لابن منظور ( 17|531 ).
(2) كفاية الأثر للخزّاز ( ص 236 ـ 237 ).
(3) أمالي الصدوق (ص 112) الاحتجاج (ص 317).

(98)
الأرض ، ونحن أولى الناس بالله ، ونحن أولى الناس بدين الله (1)
     5 ـ وكان يقول في دعائه يوم عرفة :
     اللهمّ !
     إنّك ايّدت دينك في كلّ أوان بإمام اقمته علما لعبادك ومنارا في بلادك بعد أن وصلت حبله بحبلك ، وجعلته الذريعة الى رضوانك ، وافترضت طاعته ، وحذّرت معصيته ، وامرت بامتثال أوامره ، والانتهاء عند نهيه ، وألا يتقدمه متقدّم ، ولا يتأخّر عنه متأخّر ، فهو عمصة اللائذين ، وكهف المؤمنين ، وعرْوة المتمسّكين ، وبهاء العالمين.
     اللهم
     فأوْزع لوليّك شكر ما أنعمت به عليه ، وأوزعنا مثله فيه ، وآته من لدنك سلطانا نصيرا ، وافتح له فتحا يسيرا ، وأعنه بركنك الأعزّ... واقم به كتابك وحدودك وشرائعك وسنن رسولك صلواتك ـ اللهمّ ـ عليه وآله.
     وأحي به ما أماته الظالمون من معالم دينك ، وأجل به صدأ الجور عن طريقتك ، وأبن به الضرّاء من سبيلك ، وأزل به الناكبين عن صراطك ، وامحق به بغاة قصدك عوجا ، وألن جانبه لأوليائك ، وابسط يده على أعدائك (2).
     ففي يوم عرفة ، وفي موقف عرفات ، حيث تتّجه القلوب الى الله بلهفة ، وحيث الأنظار شاخصة الى ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والآذان صاغية الى بقية العترة ، لتسمع دعاءه في ذلك اليوم الشريف ، وذلك الموقف المنيف ، يدعو بهذه الكلمات ليعرّف المسلمين بما يجب أن يكون عليه الإمام الحقّ من صفات ، وما عليه وله من حقوق وواجبات.
     ولا يرتاب المتأمل : أن في عرض مثل هذه الأوصاف والواجبات ـ التي يبتعد عنها الحكّام المدّعون للإمامة أشواطا ومسافات طويلة ـ يعدّ تعريضا بهم ، وتحدّيا لوجودهم.
     وأن الإمام السجاد عليه السلام لمّا كان يعرّف الإمامة بهذا الشكل ، فهو ـ بلا ريب ـ

(1) بلاغة علي بن الحسين عليه السلام (ص 60).
(2) الصحيفة السجادية ، الدعاء رقم (47).

(99)
يستبعد عنها كلّ أدعياء الإمامة من غير ما لياقة ، فضلا عن الاستحقاق.
     فأين أولئك المغمورون في الرذيلة والظلم والجهل بالدين ، بل المعارضون له عقائديا وعمليا ، أين هم من هذه الإمامة المقدّسة !؟
     6 ـ وكان يقول في دعائه ليوم الجمعة ، والأضحى:
     اللهمّ :
     إنّ هذا المقام لخلفائك ، وأصفيائك ، ومواضع أمنائك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها ، قد ابتزّوها ، وانت المقدّر لذلك لا يغالب أمرك .
     حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين ، مقهورين ، مبتزّين ، يرون حكمك مبدّلا ، وكتابك منبوذا ، وفرائضك محرّفة عن جهة إشراعك ، وسنن نبيّك متروكة .
     اللهمّ : العن أعداءهم من الأوّلين والآخرين ، ومن رضي بفعالهم واشياعهم ، وأتباعهم (1).
     ويوصي الإمام الى ولده محمّد الباقر فيقول :
     بُنيّ :
     إنّي جعلتك خليفتي من بعدي ، لا يدّعيها في ما بيني وبينك أحدٌ إلاّ قلّده الله يوم القيامة طوقا من النار (2).
     بل ، أعلن خلافة ولده الباقر وإمامته ، للزهري ، وهو من علماء البلاط الأموي ، في ما روي عنه ، قال : دخلت على علي بن الحسين عليهم السلام في مرضه الذي توفي فيه : فقلت : يابن رسول الله ، إن كان أمر الله ، ما لابدّ لنا منه ، فإلى من نختلف بعدك ؟
     فقال عليه السلام : يا أبا عبدالله ، الى ابني هذا ـ وأشار الى محمّد الباقر عليه السلام ـ فإنه وصيّي ، ووارثي ، وعيبة علمي وهو معدن العلم وباقره.
     قال الزهري : قلت : هلاّ أوصيت الى أكبر ولدك ؟
     قال عليه السلام : يا أبا عبدالله ، ليست الإمامة بالكبر والصغر ، هكذا عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهكذا وجدناه مكتوبا في اللوح والصحيفة.

(1) الصحيفة السجادية الدعاء رقم (48).
(2) كفاية الأثر للخزّاز ( ص 240 ـ 241 ).

(100)
     قال الزهريّ : قلت : يابن رسول الله ، كم عهد إليكم نبيّكم أن يكون الأوصياء بعده ؟
     قال عليه السلام : وجدناه في الصحيفة واللوح « اثنا عشر اسما » مكتوبة إمامتهم .
     ثم قال عليه السلام : يخرج من صلب محمّد ابني سبعة من الأوصياء فيهم « المهديّ » (1).
     الى غير ذلك من الآثار الواردة في هذا الباب.
     والمهمّ في الأمر أنّ الإمام السجّاد عليه السلام بصراحته هذه ، وإعلانه عن أهمّ ما يرتبط باستمرار العقيدة ودوامها ، تمكّن من تثبيت الإمامة بعد أن تعرّض التشيّع لأوحش الحملات في ذلك التأريخ ، فأدّت بالعقيدة الى تضعضع لم يسبق له مثيل ! كما أدّت الى يأس في النفوس ، وتمزّق بين صفوف الشيعة بما لا يتصوّر !
     فكانت مواقف الإمام السجاد عليه السلام هذه ، الواضحة ، والجريئة ، والمكرّرة ، سببا للملمة الكوادر من جديد ، ورصّ الصفوف ثانية ، وتكريس الجهود المكثّفة ، واستعادة القوى المهدورة ، والتركيز على ترسيخ القواعد الأصلية من أن تحرّف أو يشوبها التشويه لتكوين الأرضيّة الصالحة لبذر علوم آل محمد على أيدي الأئمة لاسيما الباقر والصادق عليهما السلام.
     إثارة خلافة الشيخين :
     إنّ بني أمية ، الذين أحدثوا مذبحة كربلاء ، ومجزرة الحرّة ، ومأساة عين الوردة ، لم يقنعوا بتصفية التشيّع جسديا ، بقتل الإعداد الكبيرة من أنصار أهل البيت عليهم السلام ، ومعهم الأعيان والرؤساء ، بمن فيهم الإمام الحسين عليه السلام ، وإنّما حاولوا ـ أيضا ـ القضاء على التشيع فكريا وحضاريا ، وأتّبعوا سبل الدعاية المغرضة ، وإثارة الناس الغوغاء على كلّ ما يمتّ الى أهل البيت عليهم السلام من فكر وتراث وشعار ، حتى حاربوا أسماءهم ، فكان من يتسمى بها مهدّدا.
     ومن أخبث أساليبهم بثّ بذور الفرقة والشقاق بين المسلمين ، ليتمكّنوا من القضاء على الإسلام كلّه ، ومن خلال ضرب المذاهب بعضها ببعض ، وممّا ركّزوا عليه في هذه
(1) كفاية الأثر للخزّاز (ص 243).