(21)
قال عليه السلام : من شهر سيفه ، ودعا الى سبيل ربه. (1)
فاعتقاد الإمام السجّاد عليه السلام أنّ الفضل والسبق يتحقّق بإشهار السيف ، يقتضي بطلان نسبة معارضة الحركة المسلحة إليه عليه السلام.
وثالثا : إنّ هذا الشرط « الخروج بالسيف » ليس شرطا على إطلاقه ، وليس قابلا لأن يكون شرطا للإمامة كذلك.
ومن ثمّ ، فإن التهمة المذكورة مردودة وباطلة.
وقد يكون من قلّل من شدّتها وحدّتها ، فعمد الى تخفيفها ، وعبّر عنها بدعوى « عدم صحة الإمامة لو أرخى الإمام ستره ، وأغلق بابه » (2) كان ينظر الى هذه الملاحظة.
فإن هذه الصيغة يمكن التأمّل فيها ، والبحث عنها ، من حيث أنّها لا تتجاوز شرط « الخروج » بالمعنى الذي عرفناه ، لانها يمكن أن تكون فرضا للحدّ الأقل من الفروض الممكنة للخروج ، وأن « إشهار السيف » هو الحدّ الأكثر له.
ومع أنّ « إغلاق الباب ، وإرخاء الستر » ليس ذكرا إلاّ لأبعد الاحتمالات الممكنة ، فإنا لم نجد في سيرة الإمام السجّاد عليه السلام ـ وكذلك الأئمة من ولده ـ مثل هذا الإرخاء وهذا الستر !
فهم عليهم السلام ـ وإن لم يشهروا السلاح الحديدي ـ لكنهم لم يغلقوا أبوابهم ، بل نجد سيرتهم مليئة بالنشاط القيادي ، حتى في أصعب الحالات ، وأقسى المواقف والظروف ، وأكثرها حساسية ، كما في حالة الأسر التي مرّ بها الإمام السجاد عليه السلام ، وحالة السجن التي مرّ بها الإمام الكاظم عليه السلام ، فإنهم لم ينقطعوا فيها عن أداء دورهم المتاح لهم.
(1) تفسير الحِبريّ ( ص 354 ) الحديث (88) وانظر الحديث (89) وتخريجاته ، وكذلك الحديث (90) وشواهد التنزيل للحسكاني ( 2 : 104 ) رقم (782) وفي الحديث (783) نحوه عن زيد الشهيد عليه السلام.
(2) كفاية الأثر ، للخزّاز ( ص 300 ـ 302 ) ولاحظ معتزلة اليمن ( ص 17 ـ 18 ).
(22)
هذا بغضّ النظر عن عملهم الدؤوب في إرشاد الناس وهدايتهم الى الحق في أصول العقائد ، ومن ذلك إعلان إمامة أنفسهم ، وتعريفهم بالحق الصحيح من فروع الأحكام وعلم الشريعة ، وتربيتهم على الأخلاق الفاضلة ، وتعليمهم سنن الحياة الحرّة الكريمة ، هذا العمل الذي هو الهدف لكل الأنبياء في رسالاتهم ، ولكل المصلحين في نضالهم وهو من أميز وظائف الأئمة ، وأبرز واجبات الإمامة.
والظالمون من الحكّام غير الإلهيين يقفون أمام مثل هذا العمل ، ويعدّونه تحدّيا لسلطانهم ، ومنافيا لمصالحهم ، وبناء على ذلك : فالقائم به يكون معارضا سياسيا خارجا عليهم ولو بغير سيف !
وإصرار الأئمة من أهل البيت عليهم السلام على هذا العمل ، الى جانب من كان يقوم منهم بنشاط مسلّح ، يدل على أن الجهاد في هذا المجال له من الأهمية والأثر في الوصول الى الأهداف المنشودة من الإمامة ، ما يوازي الحاصل من الجهاد المسلّح ، على أقلّ الاحتمالات.
ويمكن التأكّد من ذلك ، من خلال الممارسات العنيفة للحكّام الظالمين تجاه اولئك الأئمة الذين لم يحملوا السلاح ، بنفس الشكل الذي واجهوا به المجاهدين المسلّحين.
فعمليات المراقبة ، والمطاردة ، والجلب الى مراكز القوّة والجند وعواصم الحكم ، بل السجن ، والتهديد ، والضغط على بعض الأئمة الأثني عشر ، من الأُمور التي كانت قائمة ومستمرة ، على الرغم من عدم مدّ أيديهم الى الاسلحة الحديدية.
إنّ ذلك يدلّ بوضوح على أنّ الحكّام عرفوا أن هؤلاء الأئمة يحاربونهم بأسلحة أفتك من السيف.
كما يعرف كلّ المناضلين : أن الحرب الفكرية والاختراق الثقافي من أساليب ما يسمّى بالحرب الباردة ، هي أشدّ ضراوة ، وأعمق أثرا في الخصم ، وأنفذ في كيانه ، من الحرب بالأسلحة.
وهل يجرؤ عارف بالتاريخ الإسلامي على إنكار الأثر البارز للأئمة الإثني عشر عليهم السلام في هذا المجال ؟ فضلا عن نسبة « إغلاق الباب وإرخاء الستر » إليهم ! ؟
(23)
لولا الخطأ في الحكم ؟! أو التعمّد في تخطّي الحقائق ؟!
وعلى كلّ ، فإنّ حالة « إرخاء الستر ، وإغلاق الباب » لا تمثّل إلاّ أبعد الفروض المحتملة ، والممكنة الوقوع في حياة الأئمة عليهم السلام.
كما أن حالة « إشهار السيف » تمثّل أقوى الفروض ، وأشد الحالات ، وأحوجها الى مثل ذلك.
فكلا الفرضين محتمل في الإمامة.
فكما أن من الممكن فرض حالة « إشهار السيف » في ما إذا تحققت الظروف المناسبة للحركة المسلّحة ، وتوافرت الشروط والامكانات اللازمة للخروج بالسيف ، إذ لم نجد نصّا يمنع الحركة ، فضلا عن أن يجوّز للإمام تفويت تلك الفرص ، وتبديد تلك الإماكانات.
فكذلك إذا اجتمعت شروط الإمامة ـ غير السيف ـ فإنّ تحدّي الظالمين عبر وسائل أُخرى ، تعبّر عن الخروج والتصدّي لحكمهم ، هو المتعيّن للكشف عن عدم الرضا باستمرار الأنظمة الجائرة ، ولا يمكن أن يعتبر ذلك نقطة ضعف ، أو يجعل دليلا على التخلّي عن الحركة المسلّحة.
ومن هنا نعلم أن « السيف » ليست له موضوعية ، وهو ليس شرطا بإطلاق الكلمة ، من دون تقييد بوقت ، ولا محدوديّة بإمكانيات.
بل ، لا ريب في أن الخروج بالسيف ، مشروط بما يحقق الأهداف المطلوبة منه ، وهي لا تتحقّق بالخروج العشوائي ، بل ، لا بدّ أن يتأهب الخارج لها ، ويعدّ للامر ما يلزم له من قوّة وعدّة.
وإلاّ ، فإن الانفراد في الساحة ، والاستبداد بالرأي من دون أنصار ، أو بأنصار غير كفوئين ، أو من غير خطة مدّبرة مدروسة ، أو في ظروف غير مؤاتية.
إن الخروج ـ ولو بأقوى سيف ـ في مثل ذلك لا يمكن أن يكون شرطا لشيء متوقّع ، فضلا عن أن يكون شرطا لشيء هامّ مثل « الإمامة ».
هذا إذا صدق على مثل ذلك اسم غير « الانتحار » !
وقد أرشد الإمام السجّاد عليه السلام الى هذه الحقيقة في احتجاجه على من
(24)
اعترض عليه بترك الجهاد ، والالتزام بالحجّ ، بقوله : تركت الجهاد وصعوبته ، وأقبلت على الحجّ ولينه ، والله عزّ وجلّ يقول : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتُلون ويُقتَلون ـ الى قوله تعالى ـ وبشّر المؤمنين ) [ التوبة : 9 الآية 111 ].
فقال الإمام عليه السلام : ّ إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد معهم أفضل من الحج. (1)
وهو المستفاد من كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في الخطبة الشقشقية : « أما والله لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم ، لألقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت أوّلها بكاس آخرها » (2)
ولو كان الخروج واجبا على كل حال ، وغير مشروط ، لما قال الإمام هذا الكلام.
وفي الجامع الكافي للشريف العلوي : قال الحسن عليه السلام : ويحق على من أراد الله والانتصار للدين : أن لا يُظهر نفسه ، ولا يعود بسفك دمه ودماء المسلمين ، وإباحة الحريم ، إلاّ ومعه فئة المتديّنين يوثق بطاعتهم ووفائهم. (3)
إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصى الى علي عليه السلام ، قال : يا أخي ، عليك بالصبر ، إلاّ أن تجد أعوانا وأنصارا ، فاشهر سيفك حينئذ ، فإن لم تجد أعوانا وانصارا ، فاحقن دمك ، فإنّ القوم لم ينسوا قتل ساداتهم في مواقفك التي شرّفك الله تعالى بها في دينه. (4)
نعم ، قد يضطرّ الواقع إنسانا أبيّا ، إلى الإقدام على الخروج المسلّح ، وإن لم توجد شروطه ، لحاجة الوضع الى إثارة ، فيضحّي بنفسه فداءا من أجل قضيّته.
وهذا وإن كان لا يُسمى في قاموس اللغة « خروجا » ولا في مصطلح الفقه « جهادا » ولا يمكن أن يعتبر في حسابات العقل « واجبا » ولا في موازين
(1) الاحتجاج ، للطبرسي (ص 315) وانظر الكافي (4 : 257) ح 24 ، وثواب الأعمال (71 : 7) ووسائل الشيعة (11 : 95) تسلسل (14330).
(2) الإفصاح للمفيد (ص46) نهج البلاغة (315).
(3) الاعتصام (5 : 408).
(4) المقنع في الإمامة ، للسُدّ آبادي (ص99) وانظر (ص109).
(25)
المنطق « شرطا » لشيء ، فضلا عن الإمامة !
إلاّ أنّه يحتوي على فضيلة هذه العناوين كلّها بأعظم شكل ، إذ أنه يُعدّ في قاموس النهضات « بطولة » وفي وجدان الشعوب « تضحية » وفي روح الدين « فداءا » وعلى صفحات التاريخ « خلودا » ويكون قاعدة لإصلاحات كبيرة ، وبارودا لانفجارات مهيبة ، بعيدة أو قريبة ، كما كانت نهضة الإمام الحسين الشهيد عليه السلام. (1)
وأخيرا : فإنّ من الممكن نفي اشتراط الإمامة بـ « الخروج بالسيف » خاصّة ، على أساس المفهوم من حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ دالا على إمامة الحسن والحسين عليهما السلام ـ بقوله : « ابناي هذان إمامان ، قاما أو قعدا ». (2)
فإن القيام لو كان شرطا للإمامة ، والقعود لو كان منافيا لها ، لما كان ـ حتى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يثبتها للحسنين عليهما السلام مع فرض القعود !.
ثم إنّ الحسنين عليهما السلام ، قد استجمعا هذا الشرط ، فقاما وناضلا ، فما هو المبرّر لفرض القعود في حقّهما ؟ وإبراز إمامتهما مع القعود ؟ فليس من الحكمة إضهار هذا المعنى ، لو كان حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم موجّها إليهما بالخصوص.
إلاّ أنّ من الواضح أنّ المراد تعميم الحكم المذكور على الإمامة نفسها ، باعتبارها واقعا واحدا ، وعلى الأئمة جميعهم ، باعتبارهم قائمين بأمر بعينه.
والمفهوم من الحديث : أنّ الإمامة إذا ثبتتْ حسب الموازين المتّفق عليها ، التي أهمّها النصّ ، فإنّ القيام بالأمر والقعود ، متساويان.
(1) تحدّثنا عن ذلك في رسالة « ذكرى عاشوراء والاستلهام من معطياتها فقهيا وأدبيا ». ولا تزال مخطوطة.
(2) حديث متفق عليه بين المسلمين : صرّح بذلك الشيخ المفيد في النكت (ص 48) الفقرة (82) ورواه الصدوق في علل الشرائع (1 : 211) عن الحسن عليه السلام ، والخزّاز في كفاية الأثر (ص117) من حديث أبي أيّوب الأنصاري ، والمفيد في الإرشاد (ص 220) وابن شهر آشوب في المناقب (3 : 394) وقال : أجمع عليه أهل القبلة ، ورواه مجدالدين في التحف (ص 22) وأرسله في حاشية شرح الأزهار (4 : 522) نقلا عن كتاب الرياض ، ورواه الناصر في ينابيع النصيحة (ص237) وقال : لا شبهة في كون هذا الخبر مما تلقته الامة بالقبول وبلغ حدّ التواتر فصحّ الاحتجاج به.
(26)
إذن :
فالذي يمكن أن يكون شرطا لابدّ أن يعمّ الحركة المسلّحة المباشرة ، وأن تكون هي وحدة تمثّل تحقّق ذلك الشرط الذي تبتني عليه الإمامة ، بل هي متعيّنة ، عندما تتهيّأ ظروفها وتتكامل إمكاناتها ، أو كما يشخص الإمام نفسه ضرورة القيام بها.
ويتحقّق ذلك الشرط ضمن وحدات اُخرى تمثّله ، وتوصل الى الأهداف المطلوبة لأجلها الإمامة.
وذلك الشرط هو « الإصلاح » في الأمة.
وقد عبّر عنه في مصادر قدماء الزيدية بـ « الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ».
في ما رواه الإمام الهادي الى الحق يحيى بن الحسين ، قال : بُلّغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : « من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر من ذرّيتي فهو خليفة الله في أرضه ، وخليفة كتابه ، وخليفة رسوله ». (1)
ولم يختلف أحد من الأمة ـ خاصة الشيعة : إمامية وزيدية ـ في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لا على الامام فحسب ، بل على الأمة جمعاء. (2)
لكن هذا الواجب :
أولا : ليس من أصول الدين ، بل من فروع العمل ، ولذا كان وجوبه عامّا على كلّ الأمة ، فلا يمكن أن يؤخذ شرطا خاصا ، لأصل دينّي ، كالإمامة ، ولا على شخص معيّن : كالإمام.
ثانيا : إنّ وجوبه ليس مطلقا ، بل هو مشروط ومقيّد بحالات (3) ، فلا يعلّق عليه أمر ضروري مطلق ، كالإمامة التي يعدّها الشيعة من أثافي الاسلام وأعمدته (4).
(1) درر الأحاديث النبوية بالأسانيد اليحيوية (ص48).
(2) شرح الأزهار ( 4 : 582 ).
(3) شرح الأزهار ( 4 : 582 ).
(4) لاحظ وسائل الشيعة ( ج1 ص 13 ـ 29 ) الباب الأول.
(27)
فمن القيود ، عدم التقية :
قال الإمام السجّاد عليه السلام : التارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كنابذ كتاب الله وراء ظهره ، إلاّ أن يتقي تقاة.
قيل : وما تقاته ؟
قال عليه السلام : يخاف جبّارا عنيدا ، أن يفرط عليه أو أن يطغى (1).
ومنها ، ظنّ التاثير :
فإن لم يكن يظنّ لم يجب.
بل جعل منها في الفقه الزيدي شرط : أن لا يؤدي الى مثله أو أنكر ، أو تلفه ، أو عضو منه ، فيقبح غالبا.
واحترز بقيد « الغالب » عمّا لو حصل بتلف القائم إعزاز الدين ، كما كان من الحسين عليه السلام وزيد عليه السلام (2).
فهو قد جعل حركة الحسين وزيد عليهما السلام مثلا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا ريب في أنهما كذلك ، وفي المنظار العام ، بل هما من أروع الأمثلة وأعلاها !
وذكره للإمام الحسين عليه السلام مع أنّ إمامته ثابتة بالنصّ ـ عند الشيعة إمامية وزيديّة ـ دليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، واجبّ آخر ، من دون دخالة له في أمر الإمامة.
والذي نستخلصه من هذا البحث :
أنّ الإمامة إنّما هي منصب إلهي يعتمد على النصّ ـ خاصا كما يقوله الإمامية ، أو عاما كما يقوله الزّيدية ـ وإذا ثبت النصّ على إمام بعينه كان الحجة على الامة ، مهما فعل من قيام أو قعود.
نعم ، إن من المستلزمات الواضحة للإعلان عن الإمامة هو التحرّك في سبيل مصلحة الدين والمسلمين ، والتحرّق من أجل مشاكلهم ومآسيهم ، والسعي في حلّ
(1) حلية الأولياء ، لأبي نعيم (3 : 140).
(2) شرح الإزهار (4 ـ 5854) وانظر الاعتصام (5 ـ 425 و 543).
(28)
أزماتهم بكلّ الطرق والسبل ، ولو بتجريد السيف !
ولعلّ اشتراط الخروج والدعوت الذي يظهر من كلمات الزيدية ، يراد كونه شرطا لتعريف الأمّة بالإمام ، والإعلان عن بدء حركته الجهاديّة ، لا شرطا في الإمامة وثبوتها للإمام ، وبهذا يقترب المذهبان.
ولنختم هذا البحث بكلام واحد من كبار علمائنا الذين عاشوا في القرن الرابع الهجريّ ، وهو الشيخ المحدّث الحافظ ، المتكلّم ، الفقيه ، أبو القاسم ، علي بن محمد بن علي الخزّاز القمي ، الذي قال في كتابه القيّم « كفاية الأثر في النصّ على الأئمة الاثني عشر » بعدما أورد النصوص المتضافرة على إمامتهم عليهم السلام ما نصّه :
فإن قال قائل : فزيد بن علي ، إذا سمع هذه الأخبار ، وهذه الأحاديث من ثقات المعصومين ، وآمن بها ، واعتقدها ، فلماذا خرج بالسيف ؟ وادّعى الإمامة لنفسه ؟ وأظهر الخلاف على جعفر بن محمد ؟ وهو بالمحلّ الشريف الجليل ، معروف بالستر والصلاح ، مشهور ـ عند الخاص والعام ـ بالعلم والزهد ؟ وهذا ما لا يفعله إلاّ معاند أو جاحد ، وحاشا زيدا أن يكون بهذا المحلّ.
فأقول في ذلك ، وبالله التوفيق :
إن زيد بن علي عليه السلام خرج على سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لا على سبيل المخالفة لابن أخيه جعفر بن محمد عليهما السلام.
وإنما وقع الخلاف من جهة الناس ، وذلك أنّ زيد بن علي عليه السلام لمّا خرج ، ولم يخرج جعفر بن محمد عليهما السلام توهّم قوم من الشيعة أنّ امتناع جعفر كان للمخالفة !
وإنما كان لضرب من التدبير.
فلمّا رأى الذين صاروا للزيدية سلفا قالوا : ليس الإمام « من جلس في بيته وأغلق بابه وأرخى ستره » وإنّما الإمام « من خرج بسيفه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ».
فهذا كان سبب وقوع الخلاف بين الشيعة ، وأما جعفر وزيد عليهما السلام ، فما كان بينهما خلاف
(1) كفاية الأثر للخزّاز ( ص 300 ـ 302 ) وانظر ثورة زيد بن علي ( ص 140 ـ 147 ).
التالي
(29)
التمـهــيد :
البحث الثاني : إمامة السجّاد زين العابدين عليه السلام
اتّفق الشيعة الإمامية على إمامة زين العابدين عليه السلام:
قال الشيخ المفيد : واتفقت الإمامية على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نصّ على علي بن الحسين ، وأن أباه وجّده نصّا عليه كما نصّ عليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنه كان بذلك إماما للمؤمنين (1).
وقد أقاموا الحجج وجمعوا النصوص الدالة على إمامته عليه السلام في كتبهم (2).
ثمّ إن خصال الفضل ـ الموجب للتقدّم ـ ووجوهه ، في عصر التابعين ، هي : العلم بالدين ، والإنفاق في سبيل الله ، والزهد في الدنيا (3).
وقد اجتمعت كلّها في شخص الإمام زين العابدين عليه السلام.
ولا أظنّ أنّ القول بإمامة السجاد عليه السلام في عقيدة الشيعة الإمامية بحاجة الى الاستدلال ، بعد وضوح ذلك ، والاتفاق الذي نقله الشيخ المفيد ، وإثبات النصوص في صحاحهم المعتمدة.
(1) أوائل المقالات في المذاهب المختارات (ص47).
(2) الكافي للكليني ( 1 : 1 ـ 242 ) والإمامة والتبصرة (ص193) الباب (10) وكفاية الأثر للخزّاز ( ص 230 ـ 235 ) والغيبة للطوسي (ص 5 ـ 196) وإثبات الهداة للحر العاملي ( 3 : 1 ـ 32 ).
(3) راجع الإفصاح للمفيد (ص 231).
(30)
وأمّا الزيديّة :
فالذي يظهر من كلام الهادي الى الحق يحيى بن الحسين ( المتوفى 298 ) أنه يلتزم بإمامة السجاد عليه السلام بالنصّ على الوصية إليه حيث ذكره باسمه الصريح ، فقد قال : إن الله عز وجل أوصى بخلقه على لسان النبي الى علي بن أبي طالب ، والحسن ، والحسين ، والى الأخيار من ذريّة الحسن والحسين ، أولهم علي بن الحسين ، وآخرهم المهدي ، ثم الأئمة في ما بينهما (1).
فهذا الكلام صريح الدلالة على أن الوصية كانت الى الإمام السجاد عليه السلام كما كانت لابيه وعمّه وجدّه ، بالتعيين من الله تعالى فهو عليه السلام من الأوصياء الذين اختارهم الله للإمامة وثبتت لهم بالأختيار الإلهي.
لكنّ بعض العلماء المعاصرين ، من فضلاء الزيدية حاول صرف هذا الكلام عن صريح لفظه ، الى أن سيد الساجدين علي بن الحسين صلوات الله عليه من دعاة الأئمة (2) ولم يذكره في عداد الأئمة.
فبالرغم من عدم قرينة على هذا الحمل ، فإنه يقتضي أن يكون « المهدي » أيضا من دعاة الأئمة ، وهو ما لا يلتزم به أحد من الأُمة !
ونقل السيّد بدرالدين الحوثي عن القاسم عليه السلام ما نصّه :
وجرى الأمر في ولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصفوة بعد الصفوة ، لا يكون إلاّ في خير أهل زمانه وأكثرهم اجتهادا وأكثرهم تعبّدا وأطوعهم لله وأعرفهم بحلال الله وحرامه وأقومهم بحقّ الله وأزهدهم في الدنيا وأرغبهم في الآخرة وأشوقهم للقاء الله ، فهذه صفة الإمام ، فمن استبان منه هذه الخصال فقد وجبت طاعته على الخلائق ، فتفهّموا وانظروا :
هل بيننا وبينكم اختلاف في علي بن أبي طالب ثم بعده الحسن بن علي ؟
(1) كتاب فيه معرفة الله والعدل والتوحيد ، للهادي ، مطبوع في رسائل العدل والتوحيد (2 : 82). وأورده بنصه في المجموعة الفاخرة (ص221). ونقله السيد بدرالدين الحوثي في رسالة ( الزيدية في اليمن ) (ص 17).
(2) التحف شرح الزلف (ص 25).