حكم ومواعظ من حياة الانبياء ( عليهم السلام ) الجزء الثاني ::: 16 ـ 30
(16)
شيطان ، ومن اعتصم بالله عز مطلبه.
    ومن دعاء للامام علي بن ابي طالب عليه السلام قال : « الهي خلقت لي جسما ، وجعلت لي فيه آلات اطيعك بها واعصيك ، واغضبك بها وارضيك ، وجعلت لي من نفسي داعية الى الشهوات ، واسكنتني دارا قد ملئت من الآفات ، ثم قلت لي : انزجر ، فبك انزجر ، وبك اعتصم ، وبك استجير ، وبك احترز واستوفقك لما يرضيك. (1)
    2 ـ عن حسين الاشقر ، قال : قلت لهشام بن الحكم : ما معنى قولكم : « ان الامام لا يكون الا معصوما » ؟ فقال : سألت ابا عبد الله عليه السلام عن ذلك فقال : المعصوم هو الممتنع بالله من جميع المحارم ، وقد قال الله تبارك وتعالى « ومن يعتصم بالله فقد هدي الى صراط مستقيم » (2).
    وعن الامام علي بن الحسين عليهما السلام قال : الامام منا لا يكون الا معصوما ، وليست العصمة في ظاهر الخلقة فيعرف بها ، فلذلك لا يكون لا منصوصا.
    ومن اقوال الامام الصادق عليه السلام : ... والامام معصوما من الزلات ، مصونا عن الفواحش كلها ، فهو معصوم مؤيد موفق مسدد ، قد أمن من الخطايا والزلل والعثار ، يخصه الله بذلك ليكون حجته على عباده ، وشاهده على خلقه. (3)
1 ـ ميزان الحكمة : ج 6 ص 341.
2 ـ نفس المصدر ، آل عمران : 101.
3 ـ نفس المصدر.


(17)
( 6 )
حكم و مواعظ من حياة
النبي آدم ( عليه السلام )


(18)

(19)
قصص آدم وحواء عليهما السلام في القرآن
    قال الله عزوجل :
    « واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة.
    قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك.
    قال : اني اعلم مالا تعلمون.
    وعلم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة.
    فقال : انبئوني باسماء هؤلاء ان كنتم صادقين.
    قالوا : سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم.
    قال : يا آدم انبئهم باسمائهم ، فلما انباهم باسمائهم.
    قال : الم اقل لكم اني اعلم غيب السموات والارض ، واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون.
    واذ قلنا للملائكة : اسجدوا لآدم فسجدوا الا ابليس ابى واستكبر وكان من الكافرين.
    وقلنا : يا آدم اسكن انت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين.
    فازلهما الشيطان عنها فاخرجهما مما كانا فيه.


(20)
    وقلنا : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع الى حين.
    فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه انه هو التواب الرحيم.
    قلنا اهبطوا منها جميعا فأما ياتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
    والذين كفروا وكذبوا بآياتنا اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون
» (1).
    في هذه الآيات المباركة عرض متكامل لخلقة آدم ابو البشر عليه السلام وخلافة الانسان وقيادته ، كما توضح لنا ثلاث مسائل اساسية ومطالب مهمة هي :
    1 ـ اخبار الملائكة بشان خلافة الانسان في الارض ، وما دار في المشهد من حوار.
    2 ـ الطلب من الملائكة ان يكرموا ويعظموا الانسان الاول ، وهذا ما نجده في مواضع عديدة من القرآن. وبمناسبات مختلفة.
    3 ـ شرح وضع آدم عليه السلام وحياته في الجنة والحوادث التي ادت الى خروجه من الفردوس ، ثم توبة آدم ، وحياته هو وذريته في الارض.
    عندما خلق الله عزوجل الدنيا ومافيها من كائنات ، اراد ان يجعل لها من يديرها ويدبر شؤنها ويكون خليفته عليها.
    وهذا الخليفة يجب ان تسمو مكانته على مكانة الملائكة وان يكون له قسط وافر من العقل والشعور والادارة والكفائة الخاصة حتى يستطيع ان يقود هذه الموجودات الارضية بما فيها من نِعَمها وكنوزها ومعادنها وبحورها
1 ـ البقرة : 30 ـ 39.

(21)
وانهارها ....
    والخليفة ، هو النائب عن الغير ، وعليه ان يحمل صفات او بعض صفات المنوب عنه ، وان يلتزم باوامره وارشاداته حتى يتمكن ان يدير الامور على احسن وجه.
    والانسان هو خليفة الله في الارض ونائبه ، واول خليفة على ظهر الارض هو : آدم ابو البشر عليه السلام.

    قول الملائكة :
    عندما خلق الله آدم عليه السلام قالت الملائكة : « اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ... » لم يكن قول الملائكة هذا اعتراض كما يتصور البعض ، بل كان سؤال واستفسار ، لانه كان في علم الملائكة ان هذا الانسان يُخلق من تراب ويصبح مركزا للتنافس والنزاع.
    او كان للملائكة تجربة سابقة مع مخلوقات سبقت آدم ، وهذه المخلوقات تنازعت وسفكت الدماء فاصبح عند الملائكة انطباعا مرّا عن موجودات الارض.
    وقيل ان الله سبحانه اوضح للملائكة من قبل ان يخلق آدم على وجه الاجمال مستقبل الانسان وما يجري في الارض ....

    تعليم الاسماء :
    وبعد هذه المحاورة بين الملائكة وبين الله تعالى ، تأتي المرحلة الثانية وهي : « وعلم آدم الاسماء كلها ».
    ما هي الاسماء التي علمها الله تعالى لآدم وطلب من الملائكة ان يذكروها


(22)
له ولم يتمكنوا واعتذروا ؟
    اختلف المفسرون في ـ تعليم الاسماء ـ وما هي ، ومن المؤكد لم يكن تعليم مفردات الاسماء ودون المعاني لان هذا ليس مهم ، بل المقصود هو الاسماء ومعانيها والمفاهيم والمسميات ..
    عن ابي العباس قال : سألت الامام الصادق عليه السلام عن قول الله : « وعلم آدم الاسماء كلها » ماذا علمه ؟ قال : « الارضين والجبال والشعاب والاودية ثم نظر الى بساط تحته فقال : وهذا البساط مما علمه » (1).
    علمه الاسماء واسرارها وكيفياتها وخواصها ، والله سبحانه منح آدم هذا العلم ليستطيع ان يستثمر المواهب المادية والمعنوية في الكون.
    وهناك من يقول ان الاسماء التي تعلمها آدم عليه السلام هي اسماء افضل مخلوقات الله وهم : محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ، وآدم توسل بهذه الاسماء وطلب العفوا من الله تعالى وعفى عنه.
    وكذلك قيل الكلمات التي تلقاها آدم عليه السلام فتاب الله عليه هي ايضا نفس الكلمات والاسماء التي تعلمها ورآها على العرش مكتوبة.
    ولا تعارض ولا اختلاف في الامر. وتصح كل الاقوال والتفاسير في الكلمات والاسماء التي تلقاها وتعلمها آدم عليه السلام من الله تعالى ....
    هنا يطرح سؤال : كيف تعلم آدم عليه السلام الاسماء كلها في فترة قصيرة ؟
    الجواب : كان التعلم من قِبل الله عزوجل لآدم تكوينا ، اي « تعلم تكويني » اي : ان الله تعالى اودع هذا العلم في وجود آدم عليه السلام بالقوة ، ودفعه خلال فترة قصيرة الى المرحلة الفعلية ...
1 ـ الميزان : ج 1 ص 119 ، عنه الامثل : ج 1 ص 139.

(23)
مواعظ وحكم في خلق ادم وحواء عليهما السلام
    المرحلة الاولى :
    اسم آدم وحواء وكيفية خلقهم عليهم السلام :

    روي عن محمد الحلبي ، عن ابي عبد الله عليه السلام قال : انما سمي آدم لانه خلق من أديم الارض.
    وقيل : اسم الارض الرابعة اديم ، وخلق آدم منها فلذلك قيل : خُلق من اديم الارض.
    وعن ابي بصير ، عن ابي عبد الله عليه السلام قال : سميت حواء حواء لانها خلقت من حي (1) ، قال الله تعالى : « خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء » (2).
    في خبر ابن سلام ، انه سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن آدم لم سمي آدم ؟
    قال : لانه خلق من طين الارض واديمها.
    قال : فآدم خلق من الطين كله او من طين واحد ؟
    قال : بل من الطين كله ، ولو خلق من طين واحد لما عَرف الناس بعضهم بعضا ، وكانوا على صورة واحدة.
1 ـ البحار : ج 11 ص 100.
2 ـ النساء : 1.


(24)
    قال : فلهم في الدنيا مثل ؟.
    قال : التراب فيه ابيض ، وفيه اخضر ، وفيه اشقر ، وفيه اغبر وفيه احمر ، وفيه ازرق ، وفيه عذب ، وفيه ملح ، وفيه خشن ، وفيه لين ، وفيه اصهب ، فلذلك صار الناس الوانهم الوان التراب ....
    قال : فاخبرني عن آدم خلق من حواء ، او خلقت حواء من آدم ؟
    قال : بل حواء خلقت من آدم ، ولو كان آدم خلق من حواء لكان الطلاق بيد النساء ، ولم يكن بيد الرجال.
    قال : فمن كله خلقت ام من بعضه ؟
    قال : بل من بعضه ، ولو خلقت من كله لجاز القصاص في النساء كما يجوز في الرجال.
    قال : فمن ظاهره او باطنه ؟
    قال : بل من باطنه ، ولو خلقت من ظاهره لانكشفن النساء كما ينكشف الرجال ، فلذلك صار النساء مستترات.
    قال : فمن يمينه او من شماله ؟
    قال : بل من شماله ، ولو خلقت من يمينه لكان للانثى كحظ الذكر من الميزان ، فلذلك صار للانثى سهم وللذكر سهمان ، وشهادة امراتين مثل شهادة رجل واحد.
    قال : فمن اين خلقت ؟
    قال : من الطينة التي فضلت من ضلعه الايسر. (1)
    وروي عن الكليني ، قال اتى يهودي الى امير المؤمنين عليه السلام فقال له : لمَ
1 ـ علل الشرائع : ص 161 عنه البحار : ج 11 ص 101

(25)
سمي آدم آدم ، وحواء حواء ؟
    قال : انما سمي آدم آدم لانه خلق من اديم الارض ، وذلك ان الله تبارك وتعالى بعث جبرئيل عليه السلام وامره ان يأتيه من اديم الارض باربع طينات : طينة بيضاء ، وطينة حمراء ، وطينة غبراء ، وطينة سوداء ، وذلك من سهلها وحزنها ، ثم امره ان يأتيه باربعة مياه : ماء عذب ، وماء ملح ، وماء مر ، وماء منتن.
    ثم امره ان يفرغ الماء في الطين وادمه الله بقدرته فلم يفضل شيء من الطين يحتاج الى الماء ، ولا من الماء شيء بحتاج الى الطين.
    فجعل الماء العذب في حلقه ، وجعل الماء المالح في عينه ، وجعل الماء المر في اذنه ، وجعل الماء المنتن في انفه.
    وانما سميت حواء حواء لانها خلقت من الحيوان. (1)
    وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال : « ان الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الارض فجاء بنو آدم على قدر الارض ، جاء منها الاحمر والابيض والاسود وبين ذلك ، والسهل والحزن والخبيث والطيب وبين ذلك ». (2)

    كيف خلقت حواء ؟ :
    واما كيفية خلق حواء ، هناك روايات واحاديث واقوال متعددة.
    من يقول انها خلقت من ضلع آدم ، ومنهم من يقول خلقت من فاضل طين آدم عليه السلام ، الى غير ذلك ، ولكن المؤكد انها خلقت بعد آدم ، والله قادر على كل شيء.
    وقد روي : ان الله تعالى خلق آدم من الطين ، وخلق حواء من آدم ، فهمة
1 ـ نفس المصدر.
2 ـ كنز العمال : ح15126.


(26)
الرجال الارض ، وهمة النساء الرجال. (1)
    وروي ايضا : ان الله خلق آدم من الماء والطين ، فهمة آدم في الماء والطين ، وان الله خلق حواء من آدم فهمة النساء في الرجال ، فحصنوهن في البيوت.
    وروي كذلك : خلق الله حواء من جنب آدم وهو راقد.
    وقيل ان الله عزوجل خلق حواء من قصير آدم ـ والقصير هو الضلع الاصغر ـ وابدل الله مكانه لحما.
    وبالاسناد الى الصدوق باسناده الى وهب قال : ان الله تعالى خلق حواء من فضل طينة آدم على صورته ، وكان القي عليه النعاس واراه ذلك في منامه ، وهي اول رؤيا كانت في الارض فانتبه وهي جالسة عند رأسه ، فقال عزوجل : يا آدم ما هذه الجالسة ؟ قال : الرؤيا التي اريتني في منامي ، فانِسَ بها وحمد الله ....
    عن عمرو بن ابي المقدام ، عن ابيه قال : سألت ابا جعفر عليه السلام : من اي شيء خلق الله حواء ؟ فقال : اي شيء يقول هذا الخلق ؟ قلت : يقولون : ان الله خلقها من ضلع من اضلاع آدم ، فقال : كذبوا ، كان يعجزه ان يخلقها من غير ضلعه ؟ فقلت : جعلت فداك يابن رسول الله من اي شيء خلقها ؟ فقال : اخبرني ابي ، عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ان الله تبارك وتعالى قبض قبضة من طين فخلطها بيمينه ـ وكلتا يديه يمين (2) ـ فخلق منها آدم ، وفضلت فضلة من الطين فخلق منها حواء. (3)
    بعدما خلق الله عزوجل القلم والعرش والنور والظلمات والماء والسماوات والارضين وما بينهما وبعد ان انتهى من خلق جميع الكائنات اراد ان يُعرف
1 ـ البحار : ج 11 ص 113.
2 ـ اي بقدرته.
3 ـ تفسير العياشي مخطوط ، عنه البحار : ج 11 ص 116.


(27)
وتظهر قدرته وعظمته ، فخلق آدم وحواء في آخر ما خلق ، وجعل آدم خليفته على الارض ، وانتشر بنو آدم في الارض وحكموها ...
    وقد روي في حديث قدسي قوله تعالى : « كنت كنزا مخفيا فاردت ان اعرَف فخلقت الخَلقَ كي اعرف » (1).

    اول من عصى الله تعالى :
    بعد ان انتهى الله عزوجل من خلق آدم عليه السلام حدثت الكارثة العظمى والمعصية الكبرى ، معصية اوامر الله تعالى ـ وذلك لما امر الله الملائكة ان تسجد لآدم ، فسجدوا وامتثلوا امر الله عزوجل الا ابليس « ابى واستكبر وكان من الكافرين ، وقال انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ».
    كانت هذه اول معصية واول ذنب ارتكب على وجه الارض ، ومنه حدثت الكارثة والويلات على ابناء آدم حيث اخذ الشيطان يوسوس لهم ويبعدهم عن طاعة الله بعدما ابعده الله واخرجه من رحمته ، طلب منه ان يمهله الى يوم يبعثون :
    « ... قال فاخرج منها فانك رجيم ، وان عليك اللعنة الى يوم الدين ، قال رب فانظرني الى يوم يبعثون ، قال فانك من المنظرين ، الى يوم الوقت المعلوم ، قال رب بما اغويتني لازينن لهم في الارض ولاغوينهم اجمعين ، الا عبادك منهم المخلصين ... » (2).
    علما ان السجود لم يكن لشخص آدم ، بل كان لله عزوجل. وكذلك قول الملائكة لله تعالى : « اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء .. » لم يكن
1 ـ البحار : 84/198.
2 ـ الحجر : 34 ـ 40.


(28)
اعتراض على الله بل كان استفسار وسؤال عما خفي عليهم من وجه الحكمة.
    وسبب امتناع الشيطان من السجود لآدم هو الكبر والغرور والتعصب الذي استولى عليه حيث اعتقد انه افضل من آدم ، ولا ينبغي له ان يسجد لآدم ، بل ينبغي ان يؤمر آدم بالسجود له.
    وهكذا كفر ابليس وذهبت عبادته وطاعته لله تعالى ادراج الرياح نتيجة تكبره وغروره ، وهكذا تكون دائما نتيجة الكبر والغرور.

    علة خلق آدم عليه السلام وابليس « لع »
    من سؤال الزنديق الذي سأل ابا عبد الله الصادق عليه السلام عن مسائل كثيرة انه قال :
    « فلأي علة خلق الله الخلق وهو غير محتاج اليهم ، ولا مضطر الى خلقهم ، ولا يليق به التعبث بنا ؟
    قال عليه السلام : خلقهم لاظهار حكمته وانفاذ علمه وامضاء تدبيره.
    قال : افمن حكمته ان جعل لنفسه عدوا ، وقد كان ولا عدو له ، فخلق كما زعمت « ابليس » فسلطه على عبيده يدعوهم الى خلاف طاعته ، ويامرهم بمعصيته ، ويصل الى قلوبهم فيوسوس اليهم ... فلِم سلط عدوه على عبيده ، وجعل له السبيل الى اغوائهم ؟
    قال عليه السلام : ان هذا العدو الذي ذكرت لا تضره عداوته ، ولا تنفعه ولايته ، وعداوته لا تنقص من ملكه شيئا ، وولايته لا تزيد فيه شيئا ، وانما يتقي العدو اذا كان في قوة يضر وينفع ، ان هم بملك اخذه ، او بسلطان قهره.
    فاما ابليس فعبد ، خلقه ليعبده ويوحده ، وقد علم حين خلقه ما هو الى ما يصير اليه ، فلم يزل يعبده مع ملائكته حتى امتحنه بسجود آدم ، فامتنع من ذلك


(29)
حسدا ، وشقاوة غلبت عليه فلعنه عند ذلك ، واخرجه عن صفوف الملائكة ، وانزله الى الارض ملعونا مدحورا فصار عدو آدم وولده بذلك السبب ، وماله من السلطنة على ولده الا الوسوسة ، والدعاء الى غير السبيل ، وقد اقر مع معصيته لربه بربوبيته.
    قال : أفيصلح السجود لغير الله ؟
    قال عليه السلام : لا.
    قال : فكيف امر الله الملائكة بالسجود لآدم ؟
    فقال عليه السلام : ان من سجد بأمر الله فقد سجد لله ، فكان سجوده لله اذا كان عن امر الله تعالى. (1) وذلك مثل سجود يعقوب وابنائه مقابل يوسف شكرا لله تعالى حيث قال عزوجل : « ورفع ابويه على العرش وخروا له سجدا ... » (2) فكان سجودهم هذا شكرا لله عزوجل على حسن العاقبة ومعرفة الحقيقة وارجاع يوسف لابويه وحصوله على هذه المنزلة العظيمة من الله تعالى ، كذلك كان سجود الملائكة لآدم عليه السلام سجودا بأمر من الله ، وسجود عبادة خالصة لله عزوجل.

    المرحلة الثانية :
    اسكانهما في الجنة :

    بعد ان انتهت المرحلة الاولى من حياة آدم عليه السلام وسجود الملائكة له وعصيان ابليس وامتناع من السجود ، تأتي المرحلة الثانية ، وهي اسكان آدم وحواء في الجنة ، حيث قال تعالى : « وقلنا يا آدم اسكن انت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ... ».
1 ـ الاحتجاج : ج 2 ص 217.
2 ـ يوسف : 100.


(30)
    عندما اسكنهما الجنة اباح لهما كل شيء فيها سوى شجرة واحدة نهاهما من الاقتراب منها والاكل منها ، وقيل : كانت شجرة « السنبلة ».
    استغل الشيطان هذه الفرصة واخذ يوسوس لهما لانه اقسم ان يغويهما وذريتهما ، واخذ يعده ويمنيه بالمغريات مثل الخلود في الحياة ، وباتخاذه شكل الملائكة ، الى غير ذلك ، واقسم لهما انه من الناصحين لهما.
    ولما سمع آدم كلام الشيطان اخذ يفكر في هذا الأمر ، وحيث انه لم يمتلك تجربة كافية عن الحياة ، ولم يكن قد وقع في حبائل الشيطان ، ولم يعرف انه كاذب ، كما انه لم يتصور انه يكذب بعد هذه الأيمان المغلّظة.
    ولهذا وقع في حبائل الشيطان ، وانخدع بوسوسته للحصول على ماء الحياة الخالدة والملك الذي لا يبلى ، ولكنه لم يحصل على اي شيء من هذا ، بل سقط في ورطة المخالفة والعصيان للاوامر الالهية.
    وبمجرد ان ذاق آدم وزوجته من تلك الشجرة الممنوعة تساقط عنهما ما كان عليهما من لباس وانكشفت سوءاتهما وجردا من لباس الجنة الذي هو لباس الكرامة الالهية لهما.
    ولما رأى آدم وحواء نفسيهما عاريين ، استحيا وعمدا فورا الى ستر نفسيهما باوراق الجنة : « وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة » (1).
    وفي نفس الوقت جاءهما نداء من الله يقول : الم احذركما من الاقتراب والاكل من هذه الشجرة ؟
    الم اقل لكما : ان الشيطان عدو لكما ؟ فلماذا تناسيتم امري ووقعتم في مثل هذه الازمة : « قالا ربنا ظلمنا انفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن
1 ـ الاعراف : 22.
حكم ومواعظ من حياة الانبياء ( عليهم السلام ) الجزء الثاني ::: فهرس