حياة الشيخ الطوسي ::: 291 ـ 300
(291)
مايذهب اليه من عصمة الائمة ، فيقول عند تفسيره لقوله تعالى :
     ( انما يريد اللّه لـيذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهـيرا ) (1) :
    روى ابـو سـعـيـد الخدري وانس بن مالك وعائشة وام سلمة وواثلة بن الاسقع : ان الاية نزلت في النبى (ص) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (ع) فروى عن ام سلمة انهاقالت : ان النبى (ص) كان في بيتي فاستدعى عليا وفاطمة والحسن والحسين ، وجللهم بعباءة خيبرية ثم قال : اللهم هؤلاء اهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرافقالت ام سلمة : قلت يارسول اللّه هل انا من اهل بيتك ؟ فقال : لا ولكنك الى خير (2). ثم قال الشيخ الطوسي بهذا الصدد :
    واسـتـدل اصـحـابنا ـ يعني الامامية ـ بهذه الاية على ان في جملة اهل البيت معصومالايجوز عليه الغلط ، وان اجماعهم لايكون الا صوابا بان قالوا ليس يخلو ارادة اللّه لاذهاب الرجس عن اهل البيت مـن ان يكون هو مااراد منهم من فعل الطاعات واجتناب المعاصي ، او يكون عبارة عن انه اذهب عنهم الرجس بان فعل لهم لطفا ، واختاروا عنده الامتناع من القبائح (3). والـشـيخ الطوسي حين يمر على قوله تعالى : ( ويطعمون الطعام على حبه مسكـينا ويتيماواسـيرا انـمـا نـطـعـمـكـم لـوجـه اللّه لا نـريـد مـنـكـم جـزاءا ولا شـكـورا انا نخاف من ربنا يوما عبوساقمطريرا ) (4) يقول :
    انـهـا نـزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين عندما اثروا المسكين واليتيم والاسيرثلاث ليال على افطارهم ، وذلك برواية الخاصة والعامة (5).
     وهـنـا يـؤكد اجماع المسلمين على ان هذه الاية نزلت في علي وزوجته وولديه (ع) ، وهكذايبقى الـشيخ الطوسي وفيا لمعتقده ، يدافع عنه بحرارة ، ولن يمر على اية من كتاب اللّه ،
1 ـ الاحزاب ( 33 ) الاية 33.
2 ـ الطوسي ، التبيان ، ج8 ، ص 339
3 ـ الطوسي ، التبيان ، ج8 ، ص 340.
4 ـ الانسان ( 76 ) الايات 8 ـ 10.
5 ـ الطوسي ، التبيان ، ج10 ، ص 211.


(292)
يتلمس فيها دليلا على صحة رايه الا واستشهد بها ، واشبعها بحثا وتحليلا واستقصاءا.

التقية
    وهـي سمة عرفت بها الامامية دون غيرها من الطوائف والامم ، وقدكانت شعارا لال البيت (ع) دفعا للضرر عنهم وعن اتباعهم وحقنا لدمائهم واستصلاحا لحال المسلمين وجمعا لكلمتهم ولما لشعثهم ، وهذا امر تقتضيه الفطرة ، ومعلوم ان الامامية وائمتهم لاقوا من ضروب المحن وصنوف الضيق على حـريـاتـهـم في جميع العهود ما لم تلاقه اية طائفة او امة اخرى ، فاضطروا في اكثر عهودهم الى اسـتـعمال التقية بمكاتمة المخالفين لهم وترك مظاهرتهم وستراعتقاداتهم واعمالهم المختصة بهم عـنهم لماكان يتعقب ذلك من الضرر في الدين والدنيا ، ولهذا السبب امتازوا بالتقية ، وعرفوا بها دون سواهم (1). والشيخ الطوسي يرى ان التقية واجبة عند الخوف على النفس ، ولذلك نجده في تفسيره لقوله تعالى :
     ( لا يـتـخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنـين ومن يفعل ذلك فليس من اللّه في شي ءالا ان تـتـقوا منهم تقاة ويحذركم اللّه نفسه والى اللّه المصـير ) (2) يقول :
    والـتـقـية عندنا واجبة عند الخوف على النفس وقد روي رخصة في جواز الافصاح بالحق عندها. روي الـحسن ان مسيلمة الكذاب اخذ رجلين من اصحاب الرسول اللّه (ص) فقال لاحدهما اتشهد ان محمدا رسول اللّه ؟ قال : نعم ، فقال له : اتشهد اني رسول اللّه ؟ قال : نعم ، ثم دعا بالاخر ففقال ، اتشهد ان مـحـمدا رسول اللّه ؟ قال : نعم ، فقال له : اتشهد اني رسول اللّه ؟ قال : اني اصم ـ قالها ثلاثا كل ذلك تقية ـ فتقول ذلك ، فضرب عنقه فبلغ ذلك رسول اللّه (ص) ـ فقال :
1 ـ المظفر ، عقائد الامامية ، ص 84 ، 85.
2 ـ ال عمران ( 3 ) الاية 28.


(293)
    امـا هـذا الـمـقتول فمضى على صدقه وتقيته واخذ بفضله فهنيئا له ، واما الاخر فقبل رخصة اللّه فلاتبعة عليه ، فعلى هذا التقية رخصة والافصاح بالحق فضيلة ، وظاهراخبارنا يدل على انها واجبة وخلافها خطاء (1). وهذا مااستند عليه الشيخ الطوسي في الحديث المروي عن الامام جعفر الصادق (ع) حيث يقول :
    التقية ديني ودين ابائي ومن لاتقية له لادين له (2). وهو ما اجمعت عليه الامامية ، حيث يقول الشيخ المفيد :
    الـتـقـيـة جـائزة في الدين عند الخوف على النفس ، وقدتجوز في حال دون حال للخوف على المال ولضروب من الاستصلاح ، واقول : انها قدتجب احيانا وتكون فرضا (3). وقال ايضا :
    التقية كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضررا في الدين او الـدنـيـا ، وفـرض ذلك اذا علم بالضرورة ، او قوي في الظن ، فمتى لم يعلم ضررا باظهار الحق ، ولاقوي في الظن ذلك لم يجب فرض التقية (4). وقدناقش الشيخ الطوسي راي الجبائي المعتزلي القائل بمنع التقية على النبي والامام فقال عندما فسر قوله ( تعالى ) :
     ( واذا رايـت الـذين يخوضون في اياتنا فاعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره واماينسـينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمـين ) (5) فقال :
    واستدل الجبائي بهذه الاية على انه لايجوز على الائمة المعصومين على مذهبنا التقية
1 ـ الطوسي ، التبيان ، ج2 ، ص 435.
2 ـ المظفر ، عقائد الامامية ، ص 84.
3 ـ المفيد ، اوائل المقالات ، ص 96.
4 ـ المفيد ، تصحيح الاعتقاد ، ص 66.
5 ـ الانعام ( 6 ) الاية 68.


(294)
قال : لانهم اذا كانوا الحجة كانوا مثل النبي وكما لايجوز عليه التقية فكذا الامام ـ على مذهبكم. وهذا ليس بصحيح لانا لانجوز على الامام التقية فيما لايعرف الا من جهته كالنبي وانمانجوز التقية عـلـيـه فـيما يكون عليه دلالة قاطعة موصلة الى العلم لان المكلف علته مزاحة في تكليفه ، وكذلك يـجوز في النبى (ص) ان لايبين في الحال لامته مايقوم منه بيان منه او من اللّه او عليه دلالة عقلية ، ولـذلك قال النبى (ص) لعمر حين ساله عن الكلالة ، فقال : يكفيك اية السيف واحال اخر في تعرف الـوضـوء عـلـى الايـة. فامامالايعرف الا من جهته والامام فيه سواء لايجوز فيهما التقية في شي ء من الاحكام (1). وبهذا يكون الشيخ الطوسي قداتفق مع اجماع الامامية في مسالة التقية ، ودافع عنها باصراروحماس بعد ان رد كل اشكال حولها ، ودعم رايه بالدليل والحجة.

المتعة
    دافـع الـشيخ الطوسي عن الزواج الموقت والمعروف بالمتعة دفاعا رائعا ، واكد شرعيتهاوحليتها مستندا في دفاعه على النصوص القرانية التي لم يثبت نسخها معتمدا في اثباتهاعلى السنة الصحيحة وتواتر الاخبار التي تؤكد استمرار العمل بها الى مابعد وفاة رسول اللّه (ص). كما انه استطاع ان يرد على كل الاشكالات التي توسل بها المانعون ، واعتمد شهادة العديد من القراء والـمـفـسـرين الذين اجمعوا على جواز العمل بها انسجاما مع كتاب اللّه تعالى وسنة رسوله (ص) واخبار الائمة (ع) والصحابة رضي اللّه عنهم وقدكرس الشيخ الطوسي بعضا من صفحات تفسيره ـ التبيان ـ للحديث حول المتعة والدفاع عنها.
فقال :
    وقـولـه : ( فـمـا اسـتـمتعتم به منهن ) قال الحسن ، ومجاهد ، وابن زيد : هو النكاح ، وقال ابن عباس والـسـدي : هـو الـمتعة الى اجل مسمى ، وهو مذهبنا ، لان لفظ الاستمتاع اذا اطلق
1 ـ الطوسي ، التبيان ، ج4 ، ص 165.

(295)
لايستفاد به في الشرع الا العقد المؤجل الاترى انهم يقولون : فلان يقول بالمتعة ، وفلان لايقول بها ، ولايريدون الا الـعـقـد المخصوص ولاينافى ذلك قوله : ( والذين هم لفروجـهم حافظون الا على ازواجـهم او ما ملكت ايمانـهم ) (1). لانا نقول : ان هذه زوجه ، ولايلزم ان يلحقها جميع احكام الزوجات من الميراث والطلاق ، والايلاء ، والاظهار ، واللعان ، لان احكام الزوجات تختلف ، الاترى ان المرتدة تبين بغير طلاق ، وكذلك المرتد عـنـدنـا ، والكتابية لاترث ، واما العدة فتلحقها عندنا ، ويلحق بها ايضا الولد فلاشناعة في ذلك ، ولو لـم تكن زوجه لجاز ان يضم ماذكر في هذه السورة الى ما في تلك الاية ، لانه لاتنافي بينهما ، ويكون التقدير :
    الا على ازواجهم ، او ماملكت ايمانهم ، او مااستمتعتم به منهن ، وقداستقام الكلام. وروي عن ابن مسعود وابن عباس وابي بن كعب وسعيدبن جبير : انهم قراوا ( فما استمتعتم به منهن الـى اجل مسمى ) وذلك صريح بما قلناه ، على انه لوكان المراد به عقد النكاح الدائم لوجب لهاجميع الـمـهـر بـنفس العقد ، لانه قال ( فاتوهن اجورهن ) يعني مهورهن ، عند اكثر المفسرين ، ذلك غير واجـب بلاخلاف ، وانما يجب الاجر بكماله في عقد المتعة. وفي اصحابنا من قال : قوله : ( اجورهن ) يـدل عـلى انه اراد المتعة ، لان المهر لايسمى اجرا ، بل سماه اللّه صدقة ونحلة ، وهذا ضعيف ، بان اللّه سمى المهر اجرا في قوله ( فانكحوهن باذن اهلهن واتوهن اجورهن ). (2) وقال : ( والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم اذا اتيتموهن اجورهن ) (3) ومـن حـمل ذلك كله على المتعة كان مرتكبا لمايعلم خلافه ، ومن حمل لفظ الاستمتاع على الانتفاع فـقـدابعد ، لانه لوكان كذلك لوجب ان لايلزم من ينتفع بها شي ء من المهر ، وقدعلمنا انه لوطلقها قبل الدخول لزمه نصف المهر ، وان خلا بها خلوة تامة لزمه جميع المهر عند كثير من الفقهاء ، وان لم يلتذ ولم ينتفع ، واما الخبر الذي يروونه ان النبي (ص) نهى عن المتعة ، فهو خبر واحد لايترك له ظاهر الـقـران ، ومـع ذلـك يـختلف لفظه وروايته فتارة
1 ـ المؤمنون ( 23 ) الايات 5 و6 ، المعارج ( 70 ) الايات 29 و30.
2 ـ المؤمنون ( 23 ) الايات 5 و 6 ، الايات 29 و 30.
3 ـ سورة المائدة ( 5 ) الاية 6.


(296)
يروونه انه نهى في عام الفتح ، وقدطعن ايضا في طريقه بما هو معروف ، وادل دليل على ضعفه قول عمر : متعتان كانتا على عهد رسول اللّه (ص) وانا انـهـى عـنهما واعاقب عليهما ، فاخبر ان هذه المتعة كانت على عهد رسول اللّه (ع) وانه الذي نهى عـنـهـمـا لـضرب من الراي ، فان قالوا انما نهى ، لان النبي (ص) كان نهى عنهما ، قلنا : لوكان كذلك لكان يقول : متعتان كانتا على عهد رسول اللّه (ص) فنهى عنهما ، وانا انهى عنهما ايضا ، فكان يكون اكد فـي بـاب المنع ، فلما لم يقل ذلك دل على ان التحريم لم يكن صدر عن النبي (ص) ، وصح ماقلناه ، وقال الـحـكـم بن عتيبة ، قال علي (ص) : لولا ان عمر نهى عن المتعة مازنى الا شقي وذكر البلخي عن وكيع عن اسماعيل بن ابي خالد ، عن قيس بن ابي حازم عن عبداللّه بن مسعود ، قال : كنا مع النبي (ص) ، ونـحـن شـبـاب ، فقلنا يارسول اللّه الانستخصي ، قال : لا ، ثم رخص لنا ان ننكح المراة بالثوب ، الى اجل (1).

المعاد
    وهـو الاصل الخامس من اصول الدين عند الشيعة الامامية ، والذين يعتقدون بان اللّه تعالى يبعث الناس بعد الموت في خلق جديد في اليوم الموعود به عباده ، فيثيب المطيعين ، ويعذب العاصين ، كما وان من يعتقد باللّه اعتقادا قاطعا ويعتقد كذلك بمحمد رسولا منه ارسله بالهدى ودين الحق لابد ان يؤمن بما اخـبـر بـه الـقران الكريم من البعث والثواب والعقاب والجنة والنعيم والنار والجحيم ، كما ويعتقد الامـامـيـة بـان المعاد الجسماني ضرورة من ضروريات الدين الاسلامي ، وان هذا المعاد هو اعادة الانـسـان فـي يـوم الـبـعـث والنشورببدنه بعد الخراب وارجاعه الى هيئته الاولى بعد ان اصبح رميما (2). وقـدتـعـرض الـشيخ الطوسي الى هذا المعنى في اكثر من موضع وحسبما تقتضيه الايات القرانية الكريمة ففي تفسيره لقوله تعالى :
     ( او لم ير الانسان انا خلقناه من نطفة فاذا هو خصـيم مبين وضرب لنا مثلا ونسى خلقه قال من يحي الـعظام وهى رمـيم قل يحييها الذي انشاها اول مرة وهو بكل خلق علـيم الذي جعل لكم من
1 ـ الطوسي ، التبيان ، ج3 ، ص 165 ـ 167.
2 ـ المظفر ، عقائد الامامية ، ص 126 ، 127.


(297)
الشجر الاخضر نارا فاذا انتم منه توقدون
) (1) قال الطوسي :
    ثـم قـال مـنـبها لخلقه على الاستدلال على صحة الاعادة والنشاة الثانية فقال : ( او لم يرالانسان ) ، ومـعـناه او لم يعلم ( انا خلقناه من نطفة فاذا هو خصـيم مبين ) ، ومعناه انا خلقناه من النطفة الى العلقة ومـن الـعلقة الى المضغة ومن المضغة الى العظم ومن العظم الى ان جعلناه سويا ، وجعلنا فيه الروح ، واخـرجـنـاه من بطن امه ، وربيناه ، ونقلناه من حال الى حال الى ان كمل عقله ، وصار متكلما خصيما عليما ، فمن قدر على جميع ذلك كيف لايقدر على الاعادة ، وهي اسهل من جميع ذلك ؟ ثم قال :
    وفـي الاية دلالة على صحة استعمال النظر ، لان اللّه تعالى اقام الحجة على المشركين بقياس النشاة الثانية على النشاة الاولى ، وانه يلزم من اقر بالاولى ان يقربالثانية (2). ثـم حـكـى تعالى عن بعض الكفار انه ( ضرب لنا ) اي ضرب للّه ( مثلا ونسى خلقه ) كيف يكون في الابتداء فقال : ( من يحي العظام وهى رمـيم ). قـال الـحـسـن : جاء امية الى النبي (ص) بعظم بال قدبلي ، فقال : يامحمد اتزعم ان اللّه يبعث هذا بعد مابلي : فقال : نعم ، فنزلت الاية. ثم اردف الشيخ الطوسي قائلا :
    فـقـال اللّه تعالى في الرد عليه قل يامحمد لهذا المتعجب من الاعادة ( يحييها الذي انشاها اول مرة ) ، لان مـن قـدر عـلـى الاخـتـراع لـمـايـبقى من غير تغيير عن صفة القادر ، فهوعلى اعادته قادر لامحالة. (3) وقال عند تفسيره لقوله تعالى :
     ( افعيينا بالخلق الاول بل هم في لبس من خلق جديد ) (4).
1 ـ يس ( 36 ) الايات 77 ـ 80.
2 ـ الطوسي ، التبيان ، ج8 ، ص 438.
3 ـ الطوسي ، التبيان ، ج8 ، ص 438.
4 ـ ق ( 50 ) الاية 15.


(298)
والمعنى : انا كما لانعيي بالخلق الاول لانعيا بخلقهم على وجه الاعادة (1). ومثل هذا قاله عند تفسيره لقوله تعالى :
     ( يا ايها الناس ان كـنتـم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب ) (2). خاطب اللّه تعالى بهذه الاية جميع المكلفين من البشر ، فقال لهم : ان كنتم في ريب من البعث والنشور ـ والريب اقبح الشك ـ فانا خلقناكم من تراب (3). وقداكد الشيخ الطوسي في تبيانه ان الشك في البعث والنشور كفر ، وذلك عند تفسيره لقوله تعالى :
     ( قـال لـه صـاحــبـه وهـو يـحـاوره اكـفـرت بـالـذي خـلـقـك مـن تـراب ثـم مـن نطفة ثم سواك رجلا ) (4) فقال المفسر :
    وفي الاية دلالة على ان الشك في البعث والنشور كفر ، والوجه في خلق البشر وغيره من الحيوان ، وتـنقله من تراب الى نطفة ثم الى علقة ثم الى صورة ثم الى طفولية ثم الى حال الرجولية ما في ذلك الاعتبار الذي هو دال على تدبير مدبر مختار يصرف الاشياء من حال الى حال (5). وقـدحـاول الـشيخ الطوسي ان يعرض لمسالة البعث والنشور بايجاز واقتضاب بعيدا عن التفاصيل والشروح ، ولعل ذلك راجع الى ايمانه بعدم وجوب الاعتقاد في تفصيلات المعادالجسماني اكثر مما نادى بها القران الكريم (6) وهذا ما عليه اكثر علماء الامامية حيث يؤكدون بانه :
    لاتـجـب الـمـعرفة على التحقيق التي لايصلها الا صاحب النظر الدقيق كالعلم بان الابدان هل تعود بذواتها ، او انما يعود مايماثلها بهيئات ؟ وان الارواح هل تعدم كالاجساد ، او
1 ـ الطوسي ، التبيان ، ج9 ، ص 36.
2 ـ الحج ( 22 ) الاية 5.
3 ـ الطوسي ، التبيان ، ج7 ، ص 258.
4 ـ الكهف ( 18 ) الاية 37.
5 ـ الطوسي ، التبيان ، ج7 ، ص 39.
6 ـ المظفر ، عقائد الامامية ، ص 127.


(299)
تبقى مستمرة حتى تتصل بـالابـدان عند المعاد؟ وان المعاد هل يختص بالانسان ، اويجري على كافة ضروب الحيوان ؟ وان عودها بحكم اللّه دفعي او تدريجي ؟ (1)

الشفاعة
    مـمـا اجـمـع الامامية عليه هو الشفاعة وتحدث الشيخ الطوسي في مسالة الشفاعة ، واكدعليها في تفسيره وقد عرفها بانها المسالة في اسقاط الضرر (2). وقـدرفـض ماذهب اليه المفسرون من انها تكون في زيادة المنافع ـ وهو ماقال به الحسن ومجاهد ـ وردهم بقوله :
    انـها لواستعملت في ذلك لكان احدنا شافعا للنبي (ص) اذا سال اللّه ان يزيد في كراماته وذلك خلاف الاجماع (3). ويـرى الـشـيخ الطوسي ثبوت الشفاعة للنبي (ص) وكثير من اصحابه ولجميع الائمة المعصومين وكثير من المؤمنين الصالحين (4). وهو عندما يفسر قوله تعالى : ( يدبـر الامر ما من شفـيع الا من بعد اذنه ) (5) يقول :
    الشفيع هو السائل غيره لاسقاط الضرر عنه ... والمعنى ان تدبيره للاشياء وصنعته لهاليس يكون منه بـشفاعة شفيع ولابتدبير مدبر لها سواه ، وانه لايجسر احد ان يشفع اليه الابعد ان ياذن له فيه ، من حيث كان تعالى اعلم بموضع الحكمة والصواب من خلقه بمصالحهم (6). وقال في تفسيره لقوله تعالى :
1 ـ كاشف الغطاء ، كشف الغطاء ، ص 5.
2 ـ الطوسي ، التبيان ، ج3 ، ص 277.
3 ـ نفس المصدر ، ج1 ، ص 214.
4 ـ نفس المصدر.
5 ـ يونس ( 10 ) الاية 3.
6 ـ الطوسي ، التبيان ، ج5 ، ص 335.


(300)
     ( واتـقـوا يـومـا لا تـجـزي نـفـس عن نفس شيئـا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون ) (1) قال :
    وقوله : ( ولا يقبل منها شفاعة ) مخصوص عندنا بالكفار. والـمؤمنون عندنا يشفع لهم النبى (ص) فيشفعه اللّه تعالى ويسقط بها العقاب عن المستحقين من اهل الصلاة لماروي من قوله (ص) :
    ادخرت شفاعتي لاهل الكبائر من امتي (2). ثم ذكر الشيخ الطوسي :
    ان نـفـي الشفاعة من هذه الاية يختص باليهود من بني اسرائيل ، لانهم ادعوا انهم ابناء اللّه واحباؤه واولاد ابنائه ، وان اباءهم يشفعون اليه فايسهم اللّه من ذلك (3). وقال عند تفسيره لقوله تعالى :
     ( ان اللّه يغفر الذنوب جمـيعا انه هو الغفور الرحـيم ) (4) وفـي ذلك دلالة واضحة على انه يجوز ان يغفر اللّه بلاتوبة تفضلا منه وبشفاعة النبي (ص) ، لانه لم يشترط التوبة ، بل اطلقها (5). ونحن هنا نجد الشيخ الطوسي يتفق مع راي استاذه الشيخ المفيد حينما يقول بشفاعة النبي (ع) لامته :
    ان رسول اللّه (ص) يشفع يوم القيامة في مذنبي امته من الشيعة خاصة ، فيشفعه اللّه عزوجل ، ويشفع امـير المؤمنين (ع) في عصاة شيعته ، فيشفعه اللّه عز وجل ، وتشفع الائمة (ع) في مثل ماذكره من شـيـعتهم ، فيشفعهم اللّه ، ويشفع المؤمن البر لصديقه المؤمن المذنب ، فتنفعه شفاعته ، ويشفعه اللّه. وعلى هذا القول اجماع الامامية الا من شذمنهم (6).
1 ـ البقرة ( 2 ) الاية 48.
2 ـ الطوسي ، التبيان ، ج1 ، ص 213.
3 ـ الطوسي ، التبيان ، ج1 ، ص 214.
4 ـ الزمر ( 39 ) الاية 53.
5 ـ الطوسي ، التبيان ، ج9 ـ ص 37.
6 ـ المفيد ، اوائل المقالات ، ص 52 ـ 53.
حياة الشيخ الطوسي ::: فهرس