|
|||
|
(106)
يكون ثقة متحرّزاً عن الكذب في الرواية وإنْ كان فاسقاً بجوارحه ... إلى آخره ، فتأمّل.
ومرّ في أواخر الفائدة الاُولى ما ينبغي أنْ يلاحظ. ومنها : قولهم : صحيح الحديث. ( اعلم أنّ الحديث الصحيح ) (1) عند القدماء هو ما وثقوا بكونه من المعصوم ( عليه السلام ) ـ أعم من أنْ يكون منشأ وثوقهم كون الراوي من الثقات أو أمارات اُخر ـ ويكونوا (2) يقطعون بصدوره عنه ( عليه السلام ) أو يظنّون (3). ولعلّ اشتراطهم العدالة ـ على حسب ما أشرنا إليه ـ لأجل أخذ الرواية عن الراوي من دون حاجة إلى التثبّت وتحصيل أمارات تورثهم وثوقاً اعتدّوا به ، كما أنّ عند المتأخرين أيضاً كذلك كما مرّ (4) ، فتأمّل. وما قيل من أنّ الصحيح عندهم قطعيّ الصدور ، قد بيّنا فساده في بالمحقّق الحلّي والمحقّق الأوّل والمتوفّى سنة 676 هـ. نقل المطلب المذكور في كتابه معارج الاُصول : 149 نقلاً عن عُدّة الشيخ 1 : 152. 1 ـ ما بين القوسين أثبتناه عن « م ». 2 ـ في « م » : أو يكونوا. 3 ـ قال الشيخ البهائي في مشرق الشمسين : 269 ـ في أقسام الخبر وما يكون به صحيحاً ـ : ... وهذا الاصطلاح لم يكن معروفاً بين قدمائنا ـ قدّس الله أرواحهم ـ كما هو ظاهر لمن مارس كلامهم ، بل كان المتعارف بينهم إطلاق الصحيح على كلّ حديث اعتضد بما يقتضي اعتمادهم عليه أو اقترن بما يوجب الوثوق به والركون إليه. وقال المجلسي الأوّل في روضة المتقين 14 : 10 : والظاهر من طريقة القدماء سيما أصحابنا أنّ مرادهم بالصحيح ما علم وروده من المعصوم. 4 ـ اُنظر فيما يتعلّق بالمقام الرعاية للشهيد الثاني : 203 ، والرواشح السماوية : 60 الراشحة الثانية عشر ، وعدّة الرجال للكاظمي : 18 الفائدة الخامسة. (107)
الرسالة (1).
ثمّ إنّ بين صحيحهم والمعمول به عندهم لعلّه عموم من وجه ، لأنّ ما وثقوا بكونه عن المعصوم ( عليه السلام ) الموافق للتقيّة صحيح غير معمول به عندهم ـ وببالي التصريح بذلك في آواخر فروع الكافي ـ وما رواه العامّة عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ـ مثلاً ـ لعلّه غير صحيح عندهم ويكون معمولاً به كذلك ، لما نقل عن الشيخ أنّه قال في عُدّته ما مضمونه : هذا (2) رواية المخالفين في المذهب عن الائمّة ( عليهم السلام ) إنْ عارضها رواية الموثوق به وجب طرحها ، وإن وافقتها وجب العمل بها ، وإن لم يكن ما يوافقها ولا ما يخالفها ولا يعرف لها قول فيها وجب أيضاً العمل بها لما روي عن الصادق ( عليه السلام ) : « إذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما رووا عنّا فانظروا ما رووه عن عليّ ( عليه السلام ) فاعملوا به » (3) ولأجل ما قلناه عملت الطائفة بما رواه حفص بن غياث (4) وغياث بن كلوب (5) ونوح بن درّاج (6) 1 ـ رسالة الأخبار والاجتهاد : 47 إلى آخر الرسالة ، حيث فصّل القول فيها ردّاً على من قال بأنّ أحاديثنا كلّها قطعيّة الصدور عنهم ( عليهم السلام ). 2 ـ في « ق » بدل هذا : إن. 3 ـ بحار الأنوار 2 : 253 ووسائل الشيعة 27 : 91/47 ، كلاهما عن العُدّة. 4 ـ هو حفص بن غياث أبو عمرو القاضي الكوفي ، روى عن الإمام الصادق والكاظم ( عليهما السلام ) ، توفّي في الكوفة سنة أربع وتسعين ومائة. له ترجمة في الفهرست : 116/1 ، ورجال النجاشي : 134/346 ، والخلاصة : 340/1. 5 ـ هو غياث بن كلّوب بن فيهس البجلي ، له روايات عن أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ). له ترجمة في الفهرست : 197/2 ، والنجاشي : 305/834. 6 ـ نوح بن درّاج النخعي أبو محمّد الكوفي القاضي ، روى عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، توفّي سنة اثنتين وثمانين ومائة. ذكره الكشّي في رجاله : 251/468 ، والشيخ في أصحاب الصادق ( عليه السلام ) : 314/3 ، والعلاّمة في الخلاصة : 284/3 ، والخطيب في تاريخه 13 : 315. (108)
والسكوني (1) من العامّة عن أئمّتنا ولم ينكروه ولم يكن عندهم خلافه (2) ، انتهى.
فتأمّل. وما ذكر غير ظاهر عن كلّ القدماء. وأمّا المتأخّرون فإنّهم أيضاً بين صحيحهم والمعمول به عندهم العموم من وجه ـ وهو ظاهر ـ وبين صحيحهم وصحيح (3) القدماء العموم المطلق ، وقد أثبتناه في الرسالة. ولعلّ منشأ قصر اصطلاحهم في الصحّة فيما رواه الثقاة صيرورة الأحاديث ظنّية ، وانعدام الأمارات التي تقتضي العمل بها بعنوان الضابطة ، ومثل الحُسْن والموثّقية (4) وإجماع العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه وغير ذلك وإن صار ضابطة عند البعض مطلقاً أو في بعض رأيه ، إلاّ أنّ ذلك البعض لم يصطلح إطلاق الصحيح عليه وإن كان يطلق عليه في بعض الأوقات ، بل لعلّ الجميع أيضاً يطلقون كذلك ـ كما سنشير إليه في أبان بن عثمان ـ حذراً من الاختلاط ولشدّة اهتمامهم (5) في مضبوطية قواعدهم ولئلاّ يقع تلبيس وتدليس ، فتأمّل. وبالجملة : لا وجه للاعتراض عليهم بتغيير الاصطلاح وتخصيصه ذكره الكشّي في رجاله : 251/468 ، والشيخ في أصحاب الصادق ( عليه السلام ) : 314/3 ، والعلاّمة في الخلاصة : 284/3 ، والخطيب في تاريخه 13 : 315. 1 ـ إسماعيل بن مسلم وابن أبي زياد السكوني الشعيري الكوفي ، روى عن الإمام الصادق عن أبيه الباقر ( عليهما السلام ). ذُكر في رجال الشيخ : 160 / 92 ، ورجال النجاشي : 26 / 47. 2 ـ عُدّة الاُصول 1 : 149. 3 ـ في « ق » : وصحاح. 4 ـ كذا في النسخ ، والظاهر كون الواو زائده. 5 ـ في « ك » : والموثّق. 6 ـ في « ك » : اعتمادهم. (109)
بعد ملاحظة ما ذكرنا.
وأيضاً عدّهم الحديث حسناً وموثّقاً منشؤه القدماء ، ولا خفاء فيه ، مع أنّ حديث الممدوح عند القدماء ليس عندهم مثل حديث الثقة والمهمل والضعيف البتّة ، وكذا الموثّق ، نعم لم يعهد منهم أنّه حسن أو موثّق أو غير ذلك ، والمعهود من المتأخّرين لو لم يكن حسناً لم يكن فيه مشاحّة البتّة ، مع أنّ حُسْنه غير خفيّ. ثمّ إنّه ممّا ذكرنا ظهر فساد ما توهّم بعض من أنّ قول مشايخ الرجال : ( صحيح الحديث ) تعديل ـ وسيجيء في الحسن بن عليّ بن النعمان أيضاً ـ نعم هو مدح ، فتدبّر. ومنها : قولهم : أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه. واختلف في بيان المراد ، فالمشهور أنّ المراد صحّة كلّ ما رواه حيث تصحّ الرواية إليه (1) ، فلا يلاحظ ما بعده إلى المعصوم ( عليه السلام ) وإن كان فيه ضعف ، وهذا هو الظاهر من العبارة. وقيل : لا يفهم منه إلاّ كونه ثقة (2). واعترض (3) عليه أنّ كونه ثقة أمر مشترك ، فلا وجه لاختصاص الإجماع بالمذكورين به (4). وهذا الإعتراض بظاهره في غاية السخافة ، إذ كون الرجل ثقة لا يستلزم وقوع الإجماع على وثاقته ، إلاّ أن يكون المراد ما أورده بعض 1 ـ في « ب » بدل تصحّ الرواية إليه : يصحّ الرواية عنه. 2 ـ يظهر القول المذكور من المجلسي الأوّل في روضة المتقين 14 : 19. 3 ـ كذا في « م » ، وفي سائر النسخ : فاعترض. 4 ـ اُنظر استقصاء الاعتبار 1 : 60. (110)
المحقّقين من أنّه ليس في التعبير بها لتلك الجماعة دون غيرهم ممّن لا خلاف في عدالته فائدة (1).
وفيه : إنّه إنْ أردت عدم خلاف من (2) المعدّلين المعروفين في الرجال ، ففيه : أولاً : إنّا لم نجد من وثّقه جميعهم. وإن أردت عدم وجدان خلاف منهم ، ففيه : إنّ هذا غير ظهور الوفاق ، مع أنّ سكوتهم ربما يكون فيه شيء ، فتأمّل. وثانياً : إنّ اتّفاق خصوص هؤلاء غير إجماع العصابة ، وخصوصاً أنّ مدّعي هذا الإجماع الكشّي ناقلاً عن مشايخه (3) ، فتدبّر (4). هذا ، مع أنّه لعلّ عند هذا القائل يكون تصحيح الحديث أمراً زائداً على التوثيق ، فتأمّل. وإن أردت اتّفاق جميع العصابة ، فلم يوجد إلاّ في مثل سلمان (5) 1 ـ أورده الشيخ محمّد في شرح الاستبصار على ما نقله عنه حفيده السيّد حسن الصدر في نهاية الدراية : 405. 2 ـ في « ق » : بين. 3 ـ رجال الكشّي : 238/431 ، 375/705 ، 556/1050. 4 ـ في « ب » : فتأمّل. 5 ـ سلمان الفارسي ، ويُقال : سلمان بن عبدالله الفارسي ، مولى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ومن حواريه ، الذي قال فيه : « سلمان منّا أهل البيت » ، يكنّى أبا عبدالله ، أوّل الأركان الأربعة ، ويعرف بسلمان الخير وسلمان المحمّدي ، كان أصله من فارس من رامهرمز من قرية يقال لها : « جي » ، ويقال : بل أصله من أصبهان ، حاله عظيم جداً ، هاجر في طلب العلم والدين وهو صبي ، وآمن بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) قبل أن يُبعث وعرفه بالصفة والنعت لمّا هاجر إلى المدينة ، وشهد معه الخندق إلى ما بعده من المشاهد ، ولما قُبض ( صلى الله عليه وآله ) لزم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ولم يبايع حتى اُكره على البيعة ووجئت عنقه ، (111)
ممّن هو عدالته ضرورية لا تحتاج إلى الإظهار ، وأمّا غيرهم فلا يكاد يوجد ثقة جليل سالماً عن قدح فضلاً عن ( أن يتحقّق اتّفاقهم على سلامته منه فضلاً عن ) (1) أن يثبت عندك ، فتأمّل.
واعترض أيضاً هذا المحقّق بمنع الإجماع ، لأنّ بعض هؤلاء لم يدّع أحد توثيقه ـ بل قدح بعض في بعضهم (2) ـ وبعض منهم وإن ادّعي توثيقه إلاّ أنّه ورد منهم قدح فيه (3). وهذا الاعتراض أيضاً فيه تأمّل. وسيظهر لك ( بعض من ) (4) وجهه. نعم يرد عليهم (5) أنّ تصحيح القدماء حديث شخص لا يستلزم توثيقه منهم لما مرّ الإشارة إليه. نعم يمكن أن يقال : يبعد أن لا يكون رجل ثقة ومع ذلك اتّفق جميع العصابة على تصحيح جميع ما رواه ، سيما بعد ملاحظة دعوى الشيخ ( رحمه الله ) الاتّفاق على اعتبار العدالة لقبول خبرهم (6) ، وأنّ ذلك ربما يظهر من الرجال أيضاً كما مرّ ، وخصوصاً مع مشاهدة أنّ كثيراً من الأعاظم الثقات لم يتحقّق تولّى حكومة المدائن في زمان عمر بأمر عليّ ( عليه السلام ) وبها توفّي وذلك سنة 35 هـ أو 36 أو 37 أو 33 هـ ، ودفن بها ، وقبره معروف يزار إلى اليوم. له ترجمة في كثير من كتب الرجال. اُنظر أعيان الشيعة 7 : 279. 1 ـ ما بين القوسين لم يرد في « ك ». 2 ـ اُنظر رجال الكشّي : 352/660. 3 ـ كما في عبدالله بن بكير ، حيث حكم عليه الشيخ في الفهرست : 173/31 بكونه فطحي المذهب مع توثيقه له. 4 ـ ما بين القوسين لم يرد في « ق ». 5 ـ في « ق » : عليه. 6 ـ عدّة الاُصول 1 : 147. (112)
منهم الاتّفاق على تصحيح حديثه ، وسيجيء في عبدالله بن سنان ما يؤكّد ما ذكرنا.
نعم لا يحصل منه الظنّ بكونه ثقة إمامياً بل بأعم منه كما لا يخفى ، ويشير إليه نقل هذا الاجماع في الحسن بن عليّ وعثمان بن عيسى (1) ، وما يظهر من عُدّة الشيخ وغيره أنّ المعتبر العدالة بالمعنى الأعم كما ذكرنا (2) ، فلا يقدح نسبة بعضهم إلى الوقف وأمثاله. نعم النسبة إلى التخليط كما وقعت في أبي بصير يحيى الأسدي (3) ربما تكون قادحة ، فتأمّل. فإن قلت : المحقّق في المعتبر ضعّف ابن بكير (4). قلت : لعلّه لم يعتمد على ما نقل من الإجماع ، أو لم يتفطّن لما ذكرنا ، أو لم يعتبر هذا الظنّ ، أو غرضه من الضعف ما يشمل الموثّقيّة. واعترض على المشهور بأنّ الشيخ رحمه الله ربما يقدح فيما صحّ عن هؤلاء بالإرسال الواقع بعدهم (5) ، وأيضاً المناقشة في قبول (6) مراسيل ابن أبي عمير معروفة (7). 1 ـ رجال الكشّي : 556/1050. وفي « أ » بدل عثمان بن عيسى : عثمان بن علي. 2 ـ اُنظر العُدّة 1 : 148. 3 ـ عن رجال الكشّي : 476/903 ترجمة يحيى بن أبي القاسم أبي بصير ، وفيه : قال محمّد بن مسعود : سألت عليّ بن الحسن بن فضّال عن أبي بصير هذا هل كان متّهماً بالغلو; فقال : أمّا الغلوّ فلا ، ولكن كان مخلّطاً. 4 ـ المعتبر 1 : 210. 5 ـ التهذيب 1 : 43/119 ، 7 : 31/129 ، 9 : 313/1125 والاستبصار 4 : 27/87 حيث قدح في الموارد المذكورة بمراسيل ابن أبي عمير. 6 ـ في « ب » : قبوله. 7 ـ اُنظر المعتبر 1 : 165 ، معالم الدين ـ المقدمة : 214 ، استقصاء الاعتبار 1 : 62 و102. (113)
وفيه أنّ القادح والمناقش ربما لم يثبت عندهما الاجماع ، أو لم يثبت وجوب اتّباعه لعدم كونه بالمعنى المعهود (1) بل كونه مجرّد الاتّفاق ، أو لم يفهما على وفق المشهور ولا يضرّ ذلك (2) ، أو لم يقنعا بمجرّد ذلك.
والظاهر هو الأوّل بالنسبة إلى الشيخ; لعدم ذكره إياه في كتابه كما ذكره الكشّي ، وكذلك بالنسبة إلى النجاشي وأمثاله ، فتدبّر. بقي شيء وهو أنّه ربما يتوهّم بعض من عبارة ( إجماع العصابة ) وثاقة من روى عنه هؤلاء (3) ، وفساده ظاهر ، وقد عرفت الوجه. نعم يمكن أن يفهم منها اعتداد ما بالنسبة إليه ، فتأمّل. وعندي أنّ رواية هؤلاء إذا صحّت إليهم لا تقصر عن أكثر الصحاح ، ووجهه يظهر بالتأمّل فيما ذكرنا. ومنها : قولهم : أسند عنه (4). قيل : معناه سمع عنه الحديث. ولعلّ المراد على سبيل الاستناد والاعتماد (5) ، وإلاّ فكثير ممّن سمع عنه. ليس ممن أسْنَدَ عنه. 1 ـ في « ك » : المشهور. 2 ـ ولا يضر ذلك ، لم ترد في « ق ». 3 ـ ممن يظهر منه ذلك الشهيد الثاني في حاشيته على الارشاد 2 : 41 ، حيث استظهر وثاقة أبي الربيع الشامي لرواية الحسن بن محبوب عنه ، وهو أحد أصحاب الاجماع. 4 ـ قال أبو علي الحائري في منتهى المقال 1 : 72 : لم أعثر على هذه الكلمة ( اسند عنه ) إلاّ في كلام الشيخ ( رحمه الله ) ، وما ربما يوجد في الخلاصة فإنّما أخذه من رجال الشيخ ، والشيخ ( رحمه الله ) إنّما ذكرها في رجاله دون فهرسته ، وفي أصحاب الصادق ( عليه السلام ) دون غيره إلاّ في أصحاب الباقر ( عليه السلام ) ندرة غاية الندرة ، انتهى. ثم ذكر ( قدس سره ) الوجوه المحتملة في كيفية قراءة « أسند عنه ». 5 ـ نقل العلياري في بهجة الآمال 1 : 161 عن القوانين أنّه قال : ومن أسباب الوثاقة (114)
وقال جدّي ( رحمه الله ) : المراد روى عنه الشيوخ واعتمدوا عليه ، وهو كالتوثيق ، ولا شك أنّ هذا المدح أحسن من ( لا بأس به ) (1) ، انتهى.
قوله ( رحمه الله ) : ( وهو كالتوثيق ) لا يخلو من تأمّل ، نعم إنْ أراد منه التوثيق بما هو أعم من العدل الإمامي فلعلّه لا بأس به ، فتأمّل. لكن لعلّه توثيق من غير معلوم الوثاقة. أمّا أنّه روى عنه الشيوخ كذلك حتى يظهر وثاقته ـ لبُعد اتفاقهم على الاعتماد على من ليس بثقة ، أو بُعد اتّفاق كونهم بأجمعهم غير ثقات ـ فليس بظاهر. نعم ربما يستفاد منه مدح وقوّة لكن ليس بمثابة قولهم : ( لا بأس به ) بل أضعف منه لو لم نقل بإفادته التوثيق. وربما يقال بايمائه إلى عدم الوثوق ، ولعلّه ليس كذلك ، فتأمّل. ومنها : قولهم : لا بأس به (2). أي : بمذهبه أو رواياته ، والأوّل أظهر إن ذكر مطلقاً ، وسيجيء في إبراهيم بن محمّد بن فارس : ( لا بأس به في نفسه ولكن ببعض من روى قولهم : أسند عنه ، يعني سمع منه الحديث على وجه الإسناد. اُنظر قوانين الاُصول : 1486 ( حجري ). 1 ـ روضة المتقين 14 : 64. 2 ـ قال الشهيد الثاني في الرعاية : 207 : وأمّا نفي الباس عنه فقريب من الخيّر لكن لا يدلّ على الثقة ، بل من المشهور أنّ نفي البأس يُوهم البأس. وعدّه في وصول الأخيار : 192 من الألفاظ الداخلة في قسم الحسن : 192 ، والسيّد الداماد في الرواشح : 60 من ألفاظ التوثيق والمدح. وقال في مقباس الهداية 2 : 224 : وقد اختلف في ذلك ( لا بأس به ) على أقوال. ثمّ ذكر أربعة أقوال. (115)
هو عنه ) (1) وربما يوهم هذا إلى كون المطلق قابلاً للمعنيين (2) ، لكن فيه تأمّل.
والأوفق بالعبارة والأظهر أنّه لا بأس به بوجه من الوجوه ، ولعلّه لهذا قيل بافادته التوثيق (3) ، واستقربه (4) المصنّف في متوسّطه (5) ، ويومئ إليه ما في تلك الترجمة وترجمة بشّار بن يسار (6) ، ويؤيّده قولهم : ثقة لا بأس به ، منه ما سيجيء في حفص بن سالم (7). والمشهور أنّه يفيد المدح (8) ، وقيل بمنع إفادته المدح أيضاً (9) ، وصه عدّه من القسم الأول (10) ، فعنده أنة يفيد مدحاً معتدّاً به ، فتأمّل. ومنها : قولهم : من أولياء أمير المؤمنين ( عليه السلام ). وربما جعل ذلك دليلاً على العدالة ، وسيجيء في سُليم بن 1 ـ عن رجال الكشّي : 530/1014 ، وفيه وفي « م » : ... من يروي هو عنه. 2 ـ في « ق » زيادة : المذكورين. 3 ـ عدّ السيّد الداماد في الرواشح السماوية : 60 الراشحة الثانية عشر « لا بأس به » من ألفاظ التوثيق والمدح. وقال الكاظمي في العدّة : 20 : قولهم : « لا بأس به » فإنه في العرف ممّا يفيد المدح ، بل ربما عُدّ في التوثيق. 4 ـ في « ح » و « ك » و « ن » : واستقربها. 5 ـ في نسختنا من الوسيط : 8 ترجمة إبراهيم بن محمّد بن فارس قال : وعن أحمد بن طاووس عن الكشّي عن محمّد بن مسعود : ثقة في نفسه ولكن بعض من يروي عنه. ثمّ قال : وكأنّه بناء على أنّ نفي البأس يقتضي التوثيق ، وهو غريب ، انتهى. واحتمال التصحيف بين كلمة « قريب » و « غريب » غير بعيد. 6 ـ عن رجال الكشّي : 411/773 ، قال : سألت عليّ بن الحسن عن بشّار بن بشّار الذي يروي عنه أبان بن عثمان ، قال : هو خير من أبان وليس به بأس. 7 ـ عن رجال النجاشي : 135/347. 8 ـ كما عن الرواشح : 60 الراشحة الثانية عشر ، وعُدّة الرجال للكاظمي 1 : 122 ، والفصول الغروية : 303 ( حجري ). 9 ـ اُنظر نهاية الدراية : 400. 10 ـ الخلاصة : 53/25. (116)
قيس (1).
ولعلّ (2) غيره من الأئمّة ( عليهم السلام ) أيضاً كذلك ، فتأمّل ، فإنّه (3) لا يخلو أصل هذا من تأمّل.
نعم قولهم : « من الأولياء » ظاهر فيها ، فتأمّل.
ومنها : قولهم : عين ووجه. قيل : هما يفيدان التعديل (4). ويظهر من المصنف في ترجمة الحسن ابن عليّ (5) بن زياد ، وسنذكر عن جدّي في تلك الترجمة معناهما واستدلاله على كونهما توثيقاً (6) ، وربما يظهر ذلك من المحقّق الداماد أيضاً في الحسين بن أبي العلاء (7). وعندي أنّهما يفيدان مدحاً معتدّاً به. وأقوى من هذين قولهم : « وجه من وجوه أصحابنا » مثلاً ، فتأمّل (8). ومنها : قولهم : له أصل ، وله كتاب ، وله نوادر ، وله مصنّف. اعلم أنّ « الكتاب » مستعمل في كلامهم في معناه المتعارف ، وهو أعم مطلقاً من الأصل والنوادر ، فإنّه يطلق على الأصل كثيراً ، منها ما سيجيء في 1 ـ الهلالي ، حيث عدّه البرقي في رجاله : 4 من أولياء أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وتبعه العلاّمة في خلاصته : 307/1170. 2 ـ كذا في « ن » ، وفي سائر النسخ : ولعلّه. 3 ـ في « م » بدل فإنه : لكن. 4 ـ قال في الرواشح : 60 ألفاظ التوثيق : ثقة عين وجه ... ، وقال في الفصول الغروية : 303 : ومنها قولهم : عين أو وجه ... فقد عدّه بعض الأفاضل تعديلاً ، وهو غير بعيد. وقال البهائي في الوجيزة : 5 : وألفاظ التعديل ثقة ، حجة ، عين ، وما أدّى مؤدّاها ... 5 ـ ابن علي ، لم ترد في « أ » و « ح » و « ن ». 6 ـ روضة المتقين لمحمّد تقي المجلسي 14 : 45. 7 ـ اُنظر تعليقة الداماد على رجال الكشّي 1 : 243. 8 ـ فتأمّل ، لم ترد في « ك ». (117)
ترجمة أحمد بن الحسين بن المفلس (1) ، وأحمد [ بن محمّد ] (2) بن سلمة (3) ، وأحمد بن محمد بن عمار (4) وأحمد بن ميثم (5) ، وإسحاق بن جرير (6) ، والحسين بن أبي العلاء (7) ، وبشّار بن يسار (8) ، وبشر بن سلمة (9) ، والحسن بن رباط (10) ، وغيرهم.
وربما يطلق الكتاب في مقابل الأصل ، كما في ترجمة هشام بن الحكم (11) ، ومعاوية بن الحكيم (12) ، وغيرهما. وربما يطلق على النوادر ، وهو أيضاً كثير ، منها : قولهم : له كتاب 1 ـ رجال الشيخ : 409/26 ، وفيه : ... روى عنه حميد كتاب زكريا بن محمّد المؤمن وغير ذلك من الاُصول. وفي « أ » و « ح » و « م » بدل الحسين بن المفلس : الحسين المفلس. 2 ـ ما بين المعقوفتين أثبتناه من المصادر ، اُنظر رجال النجاشي : 79/187 ورجال الشيخ : 408/22. 3 ـ رجال الشيخ : 408/22 قال ما لفظه : روى عند حميد أصولاً كثيرة ، منها كتاب زياد بن مروان القندي. وفيه بدل سلمة : مسلمة. 4 ـ انظر الفهرست : 75/26. 5 ـ رجال الشيخ : 408/21 ، حيث قال : روى عنه حميد بن زياد كتاب الملاحم وكتاب الدلالة وغير ذلك من الاُصول. 6 ـ حيث قال عنه النجاشي : 71/170 : له كتاب ، وفي الفهرست : 54/2 : له أصل. 7 ـ الفهرست : 107/1 ، وفيه : له كتاب يُعد في الاُصول. 8 ـ رجال النجاشي : 113/290 وفيه : له كتاب ، وفي الفهرست : 88/2 : له أصل. 9 ـ رجال النجاشي : 111/285 وفيه : له كتاب ، وفي الفهرست : 88/1 : له أصل. وفيهما بدل سلمة : مسلمة. 10 ـ رجال النجاشي : 46/94 وفيه : له كتاب ، وفي الفهرست : 100/15 : له أصل. 11 ـ اُنظر الفهرست : 258/2. 12 ـ رجال النجاشي : 412/1098 ، حيث قال : له أربعة وعشرون أصلاً لم يرو غيرها ، وله كتب ... (118)
النوادر وسيجيء في أحمد بن الحسين بن عمر ما يدل (1) (2) ، وكذا في (3) أحمد بن المبارك (4) ، وغير ذلك.
وربما يطلق النوادر في مقابل الكتاب ، كما في ترجمة ابن أبي عمير (5). وأمّا المصنَّف فالظاهر أنّه أيضاً (6) أعمّ منهما ، فإنّه يطلق على الأصل والنوادر كما يظهر من ترجمة أحمد بن ميثم (7) ، ويطلق بأزاء الأصل كما في هشام بن الحكم (8) وديباجة الفهرست (9). وأمّا النسبة بين الأصل والنوادر ، فالأصل (10) أنّ النوادر غير الأصل ، وربما يعدّ من الأصول كما يظهر في أحمد بن الحسن بن سعيد (11) ، وأحمد بن سلمة (12) ، وحريز بن عبدالله (13). 1 ـ قال عنه النجاشي : 83/200 : له كتب لا يعرف منها إلاّ النوادر. 2 ـ في « ق » زيادة : عليه. 3 ـ أثبتناها من « ك ». 4 ـ رجال النجاشي : 89/220 وفيه : له نوادر ، وفي الفهرست : 84/52 : له كتاب. 5 ـ اُنظر رجال النجاشي : 326/887. 6 ـ أيضاً ، لم ترد في « ق ». 7 ـ الفهرست : 70/15 ، وفيه : وله مصنّفات منها كتاب الدلائل ... كتاب النوادر. 8 ـ الفهرست : 258/2 ، وفيه : وكان له أصل ... إلى أن قال : وله من المصنّفات كتب كثيرة ... 9 ـ حيث قال الشيخ فيها : 32 عمدت إلى كتاب يشتمل على ذكر المصنّفات والاُصول ... 10 ـ فالأصل ، لم ترد في « ك ». 11 ـ الفهرست : 70/18 ترجمة أحمد بن الحسين بن سعيد ، وفيه : له كتاب النوادر ، ومن أصحابنا من عَدّه من جملة الاُصول. 12 ـ رجال الشيخ : 408/22 ، وفيه : روى عنه حميد أصولاً كثيرة منها كتاب زياد بن مروان القندي ، وفي رجال النجاشي : 79/187 : له كتاب النوادر يروي عن زياد بن مروان. إلاّ أنّه فيهما بدل أحمد بن سلمة : أحمد بن محمّد بن مسلمة. 13 ـ الفهرست : 118/1 ، وفيه : له كتب منها ... كتاب النوادر ، تُعدّ كُلّها في الاُصول. (119)
بقي الكلام في معرفة الأصل والنوادر :
نقل ابن شهرآشوب في معالمه عن المفيد ( رحمه الله ) أنّ الإماميّة صنفوا من عهد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى زمان العسكري ( عليه السلام ) أربعمائة كتاب تسمّى الأصول (1) ، انتهى. أقول : لا يخفى أنّ مصنّفاتهم أزيد من الأصول فلابد (2) من وجه تسمية بعضها أصولاً دون البواقي (3). فقيل : إنّ الأصل ما كان مجرّد كلام المعصوم ( عليه السلام ) ، والكتاب ما فيه كلام مصنّفه أيضاً (4) ، وأيّد ذلك بما ذكره الشيخ ( رحمه الله ) في زكريّا بن يحيى الواسطي : له كتاب الفضائل وله أصل (5). وفي التأييد نظر ، إلاّ أنّ ما ذكره لا يخلو عن قرب (6) وظهور. واعترض بأنّ الكتاب أعم. وهذا الاعتراض سخيف ، إذ الغرض بيان الفرق بين الكتاب الذي [ هو ] (7) ليس بأصل ـ ومذكور في مقابله ـ وبين الكتاب الذي هو أصل ، 1 ـ معالم العلماء : 3 مقدمة الكتاب. 2 ـ في « ق » بدل فلابد : فالمراد. 3 ـ كذا وردت العبارة في جميع النسخ ، وهي في المنتهى 1 : 69 نقلاً عن الماتن : ... فلا بد من وجه لتسمية بعضها ... 4 ـ حكاه الماحوزي في معراج أهل الكمال : 17 الفائدة الخامسة عن الفاضل الأمين الاسترابادي في بعض معلّقاته. 5 ـ الفهرست : 134/3 وفيه بدل زكريا : زكار. 6 ـ في « ك » بدل قرب : قوّة. 7 ـ أثبتناه عن « ك ». (120)
وبيان سبب قصر تسميتهم الأصل في الأربعمائة.
واعترض أيضاً بأنّه كثيراً من الأصول فيه كلام مصنّفيه (1) ، وكثيراً من الكتب ليس فيه ، ككتاب سليم بن قيس. وهذا الاعتراض كما تراه ليس إلاّ (2) مجرّد دعوى ، مع أنّه لا يخفى بُعده على المطّلع بأحوال الاُصول المعروفة. نعم لو ادعى ندرة وجود كلام المصنّف فيها فليس ببعيد ، ويمكن أن لا يضر القائل أيضاً ، وكون كتاب سليم بن قيس ليس من الاُصول من أين (3) ؟! إذ بملاحظة كثير من التراجم يظهر أنّ الاُصول ما كانت بجميعها مشخّصة عند القدماء. هذا ، ويظهر من كلام الشيخ في أحمد بن محمّد بن نوح أنّ للاُصول ترتيباً خاصّاً (4). وقيل في وجه الفرق : إنّ الكتاب ما كان مبّوباً ومفصّلاً ، والأصل مجمع أخبار وآثار (5). ورُدّ بأنّ كثيراً من الاُصول مبوّبة (6). 1 ـ في « م » : مصنّفه ، وفي « ق » : كلام من مصنّفهم. 2 ـ في « أ » و « ب » و « ح » و « ك » و « م » بعد إلاّ زيادة : من. 3 ـ قال الشيخ محمّد بن إبراهيم النعماني ـ من أعلام القرن الرابع ـ في كتاب الغيبة : 101 ما نصّه : وليس بين جميع الشيعة ممّن حمل العلم ورواه عن الأئمّة ( عليهم السلام ) خلاف في أنّ كتاب سُليم بن قيس أصل من أكبر الاُصول التي رواها أهل العلم من حملة حديث أهل البيت ( عليهم السلام ) وأقدمها ... إلى أنْ قال : وهو من الاُصول التي ترجع الشيعة إليها ويُعوّل عليها. 4 ـ كما قال الشيخ في الفهرست : 84/55 في ترجمة أحمد بن محمّد بن نوح : وله كتب في الفقه على ترتيب الاُصول. 5 ـ اُنظر عدة الرجال للكاظمي : 12. 6 ـ كما أنّه يظهر أنّ بعض الكتب غير مبوّبة كما ورد في قول النجاشي في ترجمة |
|||
|