|
|||
|
(181)
ويظهر ذلك أيضاً من استاذ الفن ، الشيخ عبدالله بن حسين التستري ، الذي كان من مشايخ الشيخ عناية الله القهبائي مؤلف « مجمع الرجال » ، حيث نقل عن استاذه ما هذا عبارته : « قال الاستاذ مولانا النحرير المدقق ، والحبر المحقق المجتهد في العلم والعمل عبدالله بن حسين التستري ( قدس سره ) (1) ، هكذا : وربما يخدش بأن حكمهم بتصحيح ما يصح عنهم ، انما يقتضي الحكم بوقوع ما أخبروا به ، وهذا لا يقتضي الحكم بوقوع ما أخبر هؤلاء عنه في الواقع ، والحاصل أنهم إذا أخبروا أنّ فلاناً الفاسق حكم على رسول الله مثلا بما يقتضي كفره ( نستغفر الله منه ) فان ذلك يقتضي حكمهم بصحة ما أخبروا به ، وهو وقوع المكفّر عن الفاسق المنسوب اليه ذلك لا صحة ما نسب إلى الفاسق في نفس الأمر ... إلى ان قال : ان الجماعة المذكورين في هذه التسميات الثلاث إذا أخبروا عن غير معتبر في النقل ، فانه لا يلزم الحكم بصحة ما أخبروا عنه في الواقع ، نعم يلزم ذلك إذا أخبروا عن معتبر ».
وأضاف التلميذ : « ولا يخفى ان المذكورين في التسميات المذكورات هنا لا يروون إلا عنهم ( عليهم السلام ) إلا قليلا ، ولا عن غير معتبر إلا نادراً وهذا ظاهر مع ادنى تتّبع ، فما افاد الاستاذ ( رحمه الله ) من المعنى الدقيق والمحمل الصحيح لا يؤثر فيما نفهم منها في أول الأمر » (2). ويظهر النظر في كلام التلميذ فيما سننقله من رواية هؤلاء عن غير الائمة بكثير فتربَّص. وقد نقله أبو علي في رجاله عن استاذه صاحب الرياض حيث قال : « المراد دعوى الاجماع على صدق الجماعة ، وصحة ما ترويه إذا لم يكن في السند من يتوقف فيه ، فاذا قال احد الجماعة : حدثني فلان ، يكون الاجماع منعقداً على صدق دعواه وإذا كان ضعيفاً أو غير معروف ، لا يجديه نفعاً ، 1 ـ توفي مولانا التستري عام 1021 هـ ، ويظهر من قوله « ( قدس سره ) » في حق استاذه ان المؤلف كان حياً عام وفاته وتوفي بعده. 2 ـ تعليقة مجمع الرجال : 1 / 286. (182)
وذهب اليه بعض أفاضل العصر وهو السيد مهدي الطباطبائي » (1).
وأقول : هذا هو المختار ويؤيدّه أمور : 1 ـ إنَّ الكشّي اكتفى في تسمية الطبقة الاُولى بقوله : « اجتمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من اصحاب أبي جعفر وأبي عبدالله ( عليهما السلام ) وانقادوا لهم بالفقه ، فقالوا : أفقه الأولين ستّة » ولم يذكر في حقّهم غير تلك الجمل ، فلو كان المفهوم من قوله « تصحيح ما يصحّ عن جماعة » إجماعهم على تصديق مرويّاتهم ( لا حكاياتهم ) ، كان عليه أن يذكر تلك العبارة في حق الستّة الاُولى ، لأنهم في الدرجة العالية بالنسبة إلى الطبقتين ، وهذا يعرب عن كون المقصود من التصحيح ، هو الحكم بصدقهم وتصويب نفس نقلهم ، وبالدَّلالة الالتزامية يدلّ على وثاقهم. 2 ـ فهم عدة من الاعلام ذلك المعنى من العبارة. إنّ ابن شهرآشوب قد فهم من كلام الكشّي نفس ما ذكرناه ، ولأجل ذلك حذف كلمة « تصحيح ما يصحّ » عند التعرّض للطبقة الثانية فعبَّر عنه بقوله : « اجتمعت العصابة على تصديق ستَّة من فقهاء أصحاب الإمام الصادق ( عليه السلام ) وهم : جميل بن درّاج ـ إلى آخره ». نرى أنه وضع التصديق مكان « تصحيح ما يصحّ عنه » وهذا يعرب عن وحدة المقصود ، ويظهر ذلك من بعض كلمات العلاّمة في المختلف حيث قال : « لا يقال : عبدالله بن بكير فطحي ، لأنّا نقول : عبدالله بن بكير وان كان فطحيّاً ، إلا أن المشايخ وثَّقوه » ونقل عبارة الكشّي ، وقال بنظيره في ترجمة أبان بن عثمان الاحمر : « ... ، إلا انه كان ثقة وقال الكشي : إنه ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه » والظاهر أن التمسّك بقول 1 ـ خاتمة مستدرك الوسائل : 2 / 760. (183)
الكشي ، لاجل الاستدلال على قوله : « إن المشايخ وثَّقوه » أو « إلا أنه كان ثقة ».
كما يظهر ذلك من ابن داود حيث قال : « أجمعت العصابة على ثمانية عشر رجلا فلم يختلفوا في تعظيمهم ، غير أنهم يتفاوتون ثلاث درج » (1). 3 ـ إمعان النظَّر في ما يتبادر من قوله : « ما يصحّ من هؤلاء » فاذا قال الكليني : « حدَّثنا علي بن إبراهيم ، قال : حدَّثنا إبراهيم بن هاشم ، قال : حدثنا ابن ابي عمير ، قال : حدثنا ابن أُذينة قال : قال ابو عبدالله ( عليه السلام ) » فلو فرضنا وثاقة الاولين من السَّند ـ كما هو كذلك ـ فانه يقال صحّ عن ابن ابي عمير كذا ، فيجب تصحيح نفس هذا ، لا غير ، وبعبارة أخرى يجب علينا إمعان النَّظر في أنه ما هو الذي صحَّ عن ابن ابي عمير ، حتى يتعلق به التصحيح. فهل هو حكاية كل واحد عن آخر ؟ أو هو نفس الحديث ومتنه ؟. لا سبيل إلى الثاني ، لان من صدّر به السند ، لا ينقل إلا حكاية الثاني ولا ينقل نفس الحديث ، وإنما يكون ناقلا لو نقله من الامام بلا واسطة ، ومثله من وقع في السند بعده ، فانه لا ينقل إلا حكاية الثالث له ، فعندئذ ما صحَّ عن ابن ابي عمير ليس نفس الحديث ، بل حكاية الاستاذ لتلميذه ، وعليه يكون هذا بنفسه متعلقاً للتصحيح ، وان ابن أبي عمير مصدق في حكايته عن ابن اُذينة ، وهو صادق في نقله عنه ، وأما ثبوت نفس الحديث ، فهو يحتاج إلى كون الناقل لابن ابي عمير صادقاً وثقة وإلا فلا يثبت ، نعم يثبت بتصحيح ما صحَّ عن ابن أبي عمير كونه ثقة ، لكن لا بالدلالة المطابقية ، بل بالدلالة الالتزامية. واختار هذا المعنى سيّدنا الاستاذ ـ دام ظله ـ وقال : « المراد تصديقهم لما أخبروا به وليس اخبارهم في الاخبار مع الواسطة إلا الاخبار عن قول 1 ـ رجال ابن داود : خاتمة القسم الأول ، الفصل الأول الصفحة 209 طبعة النجف ، والصفحة 384 طبعة جامعة طهران. (184)
الواسطة وتحديثه ، فإذا قال ابن أبي عمير « حدّثني زيد النرسي ، قال : حدّثني علي بن مزيد ، قال : قال ابو عبدالله ( عليه السلام ) كذا » لا يكون اخبار ابن أبي عمير إلا تحديث زيد ، وهذا في ما ورد في الطبقة الأولى واضح وكذلك الحال في الطبقتين الاخيرتين أي الاجماع على تصحيح ما يصحّ عنهم ، لان ما يصحّ عنهم ليس متن الحديث في الإخبار مع الواسطة لو لم نقل مطلقاً ، فحينئذ إن كان المراد من الموصول مطلق ما صحّ عنهم يكون لازمه قيام الاجماع على صحّة مطلق إخبارهم سواء كان مع الواسطة أو لا ، إلا أنه في الإخبار مع الواسطة لا يفيد تصديقهم ، وتصحيح ما صحّ عنهم بالنسبة إلى الوسائط ، فلابد من ملاحظة حالهم ووثاقتهم وعدمها » (1).
وإلى ما ذكر يشير الفيض في كلامه السابق ويقول : « ما يصحّ عنهم هو الرواية لا المرويّ ، وأما ما اشتهر في تفسير العبارة من العلم بصحة الحديث المنقول منهم ونسبته إلى اهل البيت ( عليهم السلام ) بمجرَّد صحته عنهم ، من دون اعتبار العدالة فيمن يروون عنه ، حتى لو رووا عن معروف بالفسق أو بوضع ، فضلا عمّا لو أرسلوا الحديث ، كان ما نقلوه صحيحاً محكوماً على نسبته إلى اهل العصمة ، فليست العبارة صريحة في ذلك » (2). هذا حال الأول ودلائله. غير أن المحدّث النوري أورد عليه وجوهاً نذكرها واحداً بعد واحد. الأول : إن هذا التفسير ركيك خصوصاً بالنسبة إلى هؤلاء الاعلام. الثاني : لو كان المراد ما ذكروه ، لاكتفى الكشي بقوله : « اجتمعت العصابة على تصديقهم ». الثالث : ان أئمة فنّ الحديث والدّراية صرَّحوا بأن الصحة والضعف 1 ـ الطهارة : 1 / 186 ـ 187. 2 ـ الوافي : 1 / 760 المقدمة الثالثة. (185)
والقوة والحسن وغيرها من أوصاف متن الحديث ، تعرضه باعتبار اختلاف حالات رجال السند ، وقد يطلق على السند مسامحة ، فيقولون : « في الصحيح عن ابن ابي عمير » وهو خروج عن الاصطلاح ، فالمراد بالموصول في « ما يصحّ عنه » هو متن الحديث ، لأنه الذي يتصف بالصحة والضعف.
ولكنَّ الكل غير واضح ، أما الأول فأي ركاكة في القول بأن العصابة اتفقت على وثاقة هؤلاء ؟ ولو كان ركيكاً ، فلم ارتكبه نفس الكشي في الطبقة الأولى ، حيث اكتفى فيهم مكان « تصحيح ما يصحّ عنهم » بقوله « أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من اصحاب الامامين ( عليهما السلام ) ». وأما الثاني ، فإنما يرد لو قدم قوله « وتصديقهم » في الذكر على قوله « تصحيح ما يصحّ عنهم » ، إذ عندئذ لا حاجة إلى الثاني ، ولكن الكشي عكس في الذكر ، فاحتاج الكلام إلى الجملة التوضيحية ، فأتى بلفظ « وتصديقهم ». وأما الثالث ، فلأن الصحة سواء فسِّرت بمعنى التمامية أم بمعنى الثبوت ، يقع وصفاً للسند والمتن معاً إذا كان في كلّ ملاك للتوصيف به ، وليس للصحة مصطلح خاص حتى نخصه بالمتن دون السند. وأما تخصيص هؤلاء الثمانية عشر بالذكر دون غيرهم ، مع أن هناك رواة اتفقت كلمتهم على وثاقتهم ، فلأجل كونهم مراجع الفقه ومصادر علوم الأئمة ( عليهم السلام ) ولأجل ذلك اضاف على قوله « بتصديقهم » ، قوله « وانقادوا لهم بالفقه » و « أقرّوا لهم بالفقه والعلم » فلم ينعقد الاتفاق على مجرّد وثاقتهم ، بل على فقاهتهم من بين تلاميذ الائمة ( عليهم السلام ). فهذه المميزات أوجبت تخصيصهم بالذكر دون غيرهم. على أن الكشي كما عرفت لم يعنونهم باسم « أصحاب الاجماع » بل هو اصطلاح جديد بين المتأخرين ، بل عنونهم في مواضع ثلاثة بـ « تسمية الفقهاء (186)
من أصحاب الباقرين ( عليهما السلام ) » و « تسمية الفقهاء من أصحاب الصادق ( عليه السلام ) » و « تسمية الفقهاء من أصحاب الامامين الكاظم والرضا ( عليهما السلام ) » ، فالسؤال ساقط من رأسه.
وأما التخصيص بالستة في كل طبقة فلأجل فقاهتهم اللامعة التي لم تتحقق في غيرهم في كل طبقة. إلى هنا تبيّن صحة المعنى الأول وأنه المتعين. ثم إن ما جعله شيخنا النوري قولاً ثانيا وذكره تحت عنوان « ب » ، من أن المراد كون الجماعة ثقات ، يرجع إلى ذلك القول لبّاً والتفاوت بينهما هو أن الوثاقة مدلول المعنى بالدلالة الالتزامية في القول الأول ، ومدلول المعنى بالدلالة المطابقية في القول الثاني كما لا يخفى ، ولأجل ذلك جعلنا القولين قولاً واحداً. إذا عرفت المعنى المختار فاليك الكلام في المعنى الثاني. المعنى الثاني : قد عرفت أن لها احتمالات ثلاثة فنبحث عنها واحداً بعد واحد. الاحتمال الأول : هو الحكم بصحة رواياتهم لأجل القرائن الداخلية أو الخارجية. وبعبارة أخرى ؛ المراد من « تصحيح ما يصحّ » هو الحكم بصحة روايات هؤلاء بالمعنى المعروف عند القدماء ، وهو الاطمئنان بصدق رواياتهم من دون توثيق لمشايخهم ، وهذا مبنيّ على أن المراد من « الموصول » هو نفس المروي والحديث ، فاذا صحَّ المروي إلى هؤلاء فيحكم بصحته وان كان السند مرسلاً أو مشتملاً على مجهول أو ضعيف فيعمل به. توضيح ذلك ; ان الصحيح عند المتأخرين من عصر العلامة أو عصر شيخه أحمد بن طاووس الحلي ( المتوفّى عام 673 هـ ) هو ما كان سنده متّصلاً إلى (187)
المعصوم بنقل الامامي العدل الضابط عن مثله في جميع الطبقات. ولكن مصطلح القدماء فيه عبارة عما احتفّت به القرائن الداخلية أو الخارجية الدالة على صدقه ، وان اشتمل سنده على ضعف ، وقد مرَّت القرائن الخارجية عند البحث عن الحاجة إلى علم الرجال.
وبعبارة اخرى ؛ ان الحديث في مصطلح القدماء كان ينقسم إلى قسمين : صحيح وغير صحيح ، بخلافه في مصطلح المتأخرين ، فانه على أقسام اربعة : الصحيح والموثق والحسن والضعيف. نعم ، إن من القرائن الدالة على صدق الخبر هو كون رواته ثقاتاً بالمعنى الاعم ، أي صدوقاً في النقل ، ولكنه احدى القرائن لا القرينة المنحصرة. ثمَّ لما اندرست تلك القرائن الخارجية عمد المتأخرون في تمييز المعتبر عن غيره إلى القرائن الداخلية ، من المراجعة إلى اسناد الروايات (1). وعلى هذا فمعنى اتفاق العصابة على تصحيح أحاديث هؤلاء ، أنهم وقفوا على ان رواياتهم محفوفة بالقرائن الداخلية أو الخارجية الدالة على صدق الخبر وثبوته ، وقد اختار هذا المعنى ، المحقق الداماد في رواشحه وقال : « أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم ، والاقرار لهم بالفقه والفضل والضبط والثقة ، وان كانت روايتهم بارسال أو رفع أو عمن يسمونه وهو ليس بمعروف الحال ولمّة منهم في أنفسهم فاسدو العقيدة ، غير مستقيمي المذهب ـ إلى ان قال : مراسيل هؤلاء ومرافيعهم ومقاطيعهم ومسانيدهم إلى من يسمونه من غير المعروفين ، معدودة عند الاصحاب ـ رضوان الله عليهم ـ من الصِّحاح من غير اكتراث منهم لعدم صدق حدّ الصحيح على ما قد علمته ( من المتأخرين ) عليها » (2). 1 ـ لاحظ « منتقى الجمان » : 1 / 13 ، والتكملة للمحقق الكاظمي : 1 / 19 ـ 20. 2 ـ الرواشح السماوية : 41. (188)
واختاره المحقّق البهبهاني على ما في تعليقته حيث قال : « المشهور ان المراد صحة ما رواه حيث تصحّ الرواية اليه ، فلا يلاحظ من بعده إلى المعصوم وإن كان فيه ضعيف » (1).
ولا يترتب على هذا الاحتمال ثمرة رجالية من توثيق هؤلاء أو توثيق مشايخهم إلى أن ينتهي السند إلى المعصوم ، كترتّبها على الاحتمال الثاني من المعنى الثاني على ما سيوافيك. وأقصى ما يترتب عليه. صحة الحديث وجواز العمل به. وقد أورد عليه المحدِّث النوري ، بأن ذاك التفسير مبنيّ على تغاير الاصطلاحين في لفظ الصحيح ، وانه في مصطلحهم ، الخبر المؤيد بالقرائن الدالة على صدقه ، وفي مصطلح المتأخرين كون الراوي إمامياً عدلاً ضابطاً وهذا غير ثابت ، بل الصحيح عند القدماء هو نفسه عند المتأخرين ، عدا كون الراوي إمامياً ، فيكفي كونه ثقة بالمعنى الاعم ، وما ذكره شيخنا البهائي في فاتحة « مشرق الشمسين » أو المحقق صاحب المعالم في « منتقى الجمان » من ان المدار في توصيف الرواية بالصحة هو الوثوق بالصدور ولو من جهة القرائن ، غير ثابتة ، بل لنا أن نسألهما عن مأخذ هذه النسبة ، فإنّا لم نجد ما يدل على ذلك ، بل هي على خلاف ما نسباهما ومن تبعهما ، بل وجدناهم يطلقون الصحيح غالباً على رواية الثقة وان كان غير إمامي. والحاصل ان الصحيح عند القدماء ، نفسه عند المتأخرين من كون الراوي ثقة ، ولو كان هناك فرق بين المصطلحين فانما هو في شرطيَّة المذهب ، فالمتأخرون على شرطيَّته ولزوم كون الراوي إمامياً في اتصاف الحديث بالصحة ، والقدماء على كفاية الوثاقة فقط. أقول : الظاهر ان توصيف الخبر بالصحة لأجل القرائن الداخلية أو 1 ـ مستدرك الوسائل : 3 / 762. (189)
الخارجية أمر ثابت. أما القرينة الداخلية كوثاقة رواته ، فعليه المتأخرون كلهم ، واعترف به المحدث نفسه ، وأما القرائن الخارجية ، فقد أشار اليها المحقق ابو الهدى الكلباسي في تأليفه المنيف « سماء المقال » واليك القول فيه موجزاً :
1 ـ العنوان الذي ذكره الشيخ في كتاب « العدّة » عند البحث عن التعادل والتراجيح ، فانه يوضح المراد من الصحة وان المقصود منها ما يقابل الباطل ، لا ما رواه الثقات من الإمام حيث قال : « في ذكر القرائن التي تدل على صحة اخبار الاحاد أو على بطلانها ». 2 ـ القرائن التي تدل على صحة مضمون أخبار الاحاد وأنها أربعة. منها : أن يكون موافقاً لأدلة العقل وما اقتضاه. ومنها : أن يكون الخبر مطابقاً لنصّ الكتاب. ومنها : أن يكون الخبر موافقاً للسنَّة المقطوع بها من جهة التواتر. ومنها : أن يكون موافقاً لما أجمعت عليه الفرقة المحقّة. ثم قال : فهذه القرائن كلها تدل على صحة متضمن أخبار الاحاد ، ولا تدلّ على صحتها انفسها ، لإمكان كونها مصنوعة وان وافقت الأدلة ، فمتى تجرَّد الخبر من واحد من هذه القرائن كان خبر واحد محضاً (1). وهذا نصّ من الشيخ على أن الخبر في ظلّ هذه القرائن يوصف بالصحة من حيث المضمون ، كما يتّصف بها ببعض القرائن الاُخر من حيث الصدور ، فالقرائن تارة تدعم المضمون واُخرى الصدور ، وعلى كل تقدير يتّصف بالصحَّة (2). 1 ـ عدة الاصول : الطبعة المحققة المحشاة بحاشية الشيخ خليل بن الغازي القزويني : 1 / 267. 2 ـ والعجب ان العلامة المحقق الكلباسي لم يستشهد بهذا النص الوارد في كلام الشيخ. (190)
3 ـ وكذلك القول فيما يرويه المضعَّفون ، فان كان هنا ما يعضد روايتهم ويدلّ على صحّتها ، وجب العمل بها ، وان لم يكن ما يشهد لروايتهم بالصحة وجب التوقف في أخبارهم (1).
إلى غير ذلك من العبائر الموجودة في « العدّة » ، الحاكية عن كون الصحيح عبارة عمّا دلت القرائن على صدق مضمونه أو صدوره ، لا خصوص ما روته الثقات. ثمَّ إن المحدث النوري أورد اشكالاً آخر وقال : « إن العلم باقتران أحاديث هؤلاء بالقرائن مع كثرتها أمر محال عادة ، فكيف يحصل العلم بها ؟ ». هذا وسنبيّن ما يمكن الاجابة به عليه عند التعرّض للاحتمال الثالث الذي هو مختار المحدث النوري نفسه. الاحتمال الثاني والثالث : الحكم بصحة رواياتهم استناداً إلى وثاقتهم ووثاقة مشايخهم (2). إن هذين الاحتمالين كما مرَّ يتشعبان من المعنى الثاني وهو القول بأن المراد من الموصول « ما يصحّ » هو نفس الحديث ومتنه لكن الحكم بصحَّة الحديث ليس لاقترانه بالقرائن الخارجية الدالة على صدق نفس الحديث ، بل لوثاقة هذه الجماعة ومن بعدهم إلى أن ينتهي إلى المعصوم. وهذا الاحتمال يفترق عن المعنى الأول ، لأنه يهدف إلى تصديقهم بالدلالة المطابقية ، وإلى وثاقتهم بالدلالة الالتزامية ، كما يفترق عن الاحتمال الأول للمعنى الثاني لأنه يهدف إلى صحّة أحاديثهم ( وإن اشتمل السند على 1 ـ العدة : 1 / 383. 2 ـ وفي هذا المقام بحثنا عن الاحتمالين الثاني والثالث من المعنى الثاني بصفقة واحدة كما مرّ. (191)
ضعف من بعدهم ) لأجل القرائن ولا تترتب عليهما ثمرة رجالية حتى على المعنى الأول لأن وثاقة هؤلاء التي دلت العبارة عليها بالدلالة الالتزامية ، ثابتة من غير طريق اتفاق العصابة ، وأما على هذا الاحتمال ( الاحتمال الثاني للمعنى الثاني ) فيترتب على ثبوته ثمرة رجالية وهو التعديل الخاص لمشايخ هؤلاء ، إلى أن ينتهي إلى الإمام ، فتدخل في عداد الثقات مجموعة كبيرة من المجاهيل والضعاف ، فان الستة الأولى وان كانوا يروون عن الصادقين ( عليهما السلام ) بلا واسطة غالباً ، لكنهم يروون عن غيرهما معها بكثير أيضاً ، كما ان الطبقتين ترويان عنهما مع الواسطة بكثير ، فلاحظ طبقات المشايخ تجد لهم مشايخ كثيرة.
وهذا الاحتمال هو مختار المحدث النوري الذي بسط الكلام في تقريره وتوضيحه ، بعد تسليم ان المراد من الموصول هو الحديث والمروي لا الحكاية والرواية ، وان الصحة وصف لمتن الحديث لا لسنده. واستدل على مختاره بوجوه ثلاثة : الوجه الأول : ان احراز صحة الأحاديث عن طريق القرائن الخارجية ، أمر محال عادة ، فلا بدّ ان يستند ذلك الاحراز إلى القرائن الداخلية ، وليست هي إلا وثاقة هؤلاء ووثاقة من يروون عنه ، هذاخلاصته واليك تفصيله : ان القرائن التي تشهد على صدق الخبر اما داخلية كوثاقة الرواة ، واما خارجية كوجود الخبر في كتاب عرض على الإمام ، أو أصل معتبر ولكن التصحيح في المقام يجب ان يكون مستنداً إلى الجهة الأولى لا الثانية ، لأن العلم بوثاقة هؤلاء وانهم لا يروون إلا عن ثقة أمر سهل ، واما الحكم بصحة رواياتهم من جهة القرائن الخارجية فامر قريب من المحال حسب العادة لأن العصابة حكموا بصحة كل ما صح عن هؤلاء ، من غير تخصيص بكتاب أو اصل أو احاديث معينة ، وبالجملة حكموا بتصحيح الكل ، وما صح عنهم غير (192)
محصور لعدم انحصار رواياتهم بما في كتبهم ، والعلم باقتران هذه الروايات بها أمر مشكل جدّاً.
والحاصل أن الحكم بصحة روايات هؤلاء ، لو كان مستنداً إلى القرائن الداخلية كوثاقة من يروون عنه ، لكان لهذه الدعوى الكلية وجه ، لامكان احراز ديدنهم على أنهم لا يروون إلا عن ثقة ، كما هو المشهور في حق ابن أبي عمير وصفوان والبزنطي ، وأما لو كان الحكم بالصحة مستنداً إلى القرائن الخارجية التي تفيد الاطمئنان بصدق الخبر ، فاحراز تلك القرائن في عامة ما يروونه من الاخبار ، إنما يصحّ إذا كانت أحاديثهم محصورة في كتاب أو عند راو سمعها منهم ، يمكن معه الاطلاع على الاقتران بالقرائن أو عدمه ، وأما إذا لم يكن كذلك ، فالحكم بصحة كل ما صح عن هؤلاء من غير تخصيص بكتاب أو اصل أو احاديث معيَّنة ، يعدّ من المحالات العادية ، ولأجله يكون ذلك الاحتمال ساقطاً عن الاعتبار. وبعبارة ثالثة ؛ إنه يمكن احراز ديدن جماعة خاصة والتزامهم بعدم الرواية إلا عن ثقة ، فاذا صحَّ الخبر إلى هؤلاء ، يمكن الحكم بالصحة لوثاقة من يروون عنه ، لاجل الالتزام المحرز ، وأما احراز كون عامة اخبارهم مقرونة بالقرائن حتى يصحّ الحكم بصحة أخبارهم من هذه الجهة ، فاحراز تلك القرائن مع كثرة رواياتهم ، وتشّتتها في مختلف الابواب والكتب ، محال عادة. ولا يخفى ما فيه ، أما أولاً : فلأن معناه أن هؤلاء كانوا ملتزمين بنقل الروايات التي روتها الثقات لهم ، وكانوا يحترزون عن نقل الروايات إذا روتها الضعاف ، وعلى هذا يجب أن يتحرزوا عن نقل الروايات المتواترة أو المستفيضة إذا كان رواتها ضعافاً ، وهذا مّما لا يمكن المساعدة معه ، إذ لا وجه لترك الرواية المتواترة أو المستفيضة وان كان رواتها ضعافاً أو مجاهيل ، إذ لا تشترط الوثاقة فيهما ، فبطل القول بأنهم كانوا ملتزمين بنقل الروايات التي ترويها الثقات فقط ، وعندئذ كيف يمكن الحكم بوثاقة عامة مشايخهم بمجرد (193)
الرواية عنهم ، من أنهم رووا عن الضعاف فيما إذا كانت الرواية متواترة أو مستفيضة ، ولا يمكن تفكيك المتواتر والمستفيض في أيامنا هذه حتى يقال : أن الكلام في أخبار الآحاد التي نقلوها لا غير ، فان الكلّ غالباً يتجلى بشكل واحد.
وثانياً : كما إن حصر وجه الصحة بالقرائن الخارجية بعيد ، كذلك حصر وجهها بالقرائن الداخلية التي منها وثاقة الراوي بعيد مثله ، والقول المتوسط هو الأدق ، وهو أنهم كانوا ملتزمين بنقل الروايات الصحيحة الثابت صدورها عن الإمام ، إما من جهة القرائن الخارجية أو من جهة القرائن الداخلية ، وعندئذ لا يمكن الحكم بوثاقة مشايخهم ، أعني الذين رووا عنهم إلى أن ينتهي إلى الإمام ، لعدم التزامهم بخصوص وثاقة الراوي ، بل كانوا يستندون إلى الأعمّ منها ومن القرائن المورثة للاطمئنان بالصدور. والاستبعاد الذي بسط المحدث النوري الكلام فيه ، إنما يتّجه لو قلنا باقتصارهم بما دلَّت القرائن الخارجية على صحتها كما لا يخفى. وثالثاً : لو كان المراد هو توثيقهم وتوثيق من بعدهم لكان عليه أن يقول ، « أجمعت العصابة على وثاقة من نقل عنه واحد من هؤلاء » أو نحو ذلك من العبارات حتى لا يشتبه المراد ، وما الدّاعي إلى ذكر تلك العبارة التي هي ظاهرة في خلاف المقصود (1). ورابعاً : فان اطلاع العصابة على جميع الافراد الذين يروي هؤلاء الجماعة عنهم بلا واسطة ومعها بعيد في الغاية لعدم تدوين كتب الحديث والرجال في تلك الاعصار بنحو يصل الكلّ إلى الكلّ. الوجه الثاني : إنَّ الشيخ قال في « العدّة » : « وإذا كان أحد الراويين مسنداً والآخر مرسلا ، نظر في حال المرسل ، فان كان ممِّن يعلم أنه لا يرسل 1 ـ الطهارة لسيدنا الاستاذ : 1 / 188. 2 ـ محمد بن ابي عمير زياد بن عيسى ابو أحمد الازدي ، بغدادي الاصل والمقام ، لقي أبا الحسن موسى بن جعفر ( عليهما السلام ) وسمع منه احاديث ، وروى عن الرضا ( عليه السلام ) توفّي عام 217 هـ. 3 ـ صفوان بن يحيى ، كوفي ثقة ثقة عين روى عن الرضا ( عليه السلام ) وقد توكل للرضا وابي جعفر ( عليهما السلام ) ، مات سنة 210 هـ. 4 ـ أحمد بن محمد بن عمرو بن ابي نصر لقي الرضا وابا جعفر ( عليهما السلام ) ، مات سنة 221 هـ. 5 ـ العدة ، الطبعة الحديثة : 386. (194)
إلا عن ثقة موثوق به فلا ترجيح لخبر غيره على خبره ، ولأجل ذلك سوَّت الطائفة بين ما يرويه محمَّد بن أبي عمير (2) وصفوان بن يحيى (3) وأحمد بن محمد بن ابي نصر (4) وغيرهم من الثّقات الذين عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا ممَّن يوثق به ، وبين ما أسنده غيرهم ، ولذلك عملوا بمرسلهم إذا انفرد عن رواية غيرهم » (5).
قال المحدِّث النوري بعد نقل هذا الكلام : « إن المنصف المتأمل في هذا الكلام ، لا يرتاب في أن المراد من قوله « من الثِّقات الذين ... الخ » أصحاب الاجماع المعهودون ، إذ ليس في جميع ثقات الرواة جماعة معروفون بصفة خاصة مشتركون فيها ، ممتازون بها عن غيرهم ، غير هؤلاء ، فان صريح كلامه أن فيهم جماعة معروفين عند الاصحاب بهذه الفضيلة ، ولا تجد في كتب هذا الفنّ من طبقة الثقات عصابة مشتركين في فضيلة غير هؤلاء ، ومنه يظهر أن ما اشتهر من أن الشيخ ادّعى الاجماع على أن ابن ابي عمير وصفوان والبزنطي خاصة لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة ، وشاع في الكتب حتى صار من مناقب الثلاثة وعُدّ من فضائلهم ، خطأ محض منشأه عدم المراجعة إلى « العدّة » الصريحة في أن هذا من فضائل جماعة ، وذكر الثلاثة من باب المثال ». أقول : إن الاستدلال بعبارة « العدّة » على أن المراد من عبارة الكشّي هو توثيق رجال السند بعد اصحاب الاجماع غير تامّ. إذ الظاهر أن مراد الشيخ من (195)
قوله « وغيرهم » هو الجماعة المعروفة بين الاصحاب بأنهم لا يروون إلا عن ثقة وهم عبارة عن : 1 ـ أحمد بن محمد بن عيسى. 2 ـ جعفر بن بشير البجلي. 3 ـ محمد بن اسماعيل بن ميمون الزعفراني. 4 ـ علي بن الحسن الطاطري. 5 ـ بنو فضّال كلهم ( على قول ) وسيوافيك الكلام عن هؤلاء ، ولا نظر لها إلى الفقهاء المعروفين من أصحاب الائمة الاربعة ، وقد عرفت أن كلام الكشي خال عن هذا العنوان وأنه عرفهم بعنوان : « تسمية الفقهاء من أصحاب الائمة » في مواضع ثلاثة ، وإنما اُفيض عليهم هذا العنوان في كلمات المتأخرين وجعل موضوعاً للبحث ، وأما تخصيص الكشي هؤلاء الجماعة بالبحث ، فلأجل فقاهتهم وتبحّرهم في الفقه ، لما مرَّ أن اكثر الروايات تنتهي اليهم ، وأما عدم ذكره أبا حمزة الثمالي ، وعليّ بن يقطين ، وزكريا بن آدم ، وعلي بن مهزيار فلقلّة رواية الثلاثة الأول ـ مع جلالتهم ـ بالنسبة إلى أصحاب الاجماع.
فظهر من هذا البحث أيضاً أن الحق هو المعنى الأول ، وأن المراد هو تصديقهم فيما يروون بلا واسطة ، وتصديق حكاياتهم ونقولهم فيما يروون ، فهم فقهاء وعلماء مصدَّقون في نقولهم ، وأن لفظ « التصحيح » مرادف للفظ « التصديق » سواء اجتمعا كما في الطبقتين الثانية والثالثة ، أم افترقا كما في الطبقة الأُولى. وإن أبيت إلا عن تغايرهما وأن « التصحيح » يفيد غير ما يفيده « التصديق » ، فالاحتمال الأول من المعنى الثاني ، من تصحيح رواياتهم وحجّيتها هو المتعين ، والمراد أن العصابة في ظل التفحّص والتتبّع وقفت على ان رواياتهم صحيحة إما لوثاقة رجال السند بعد أصحاب الاجماع ، أو لقرائن خارجية كما مرت ، وأما كون صحتها لخصوص وثاقة رجال السند إلى أن ينتهي إلى الإمام ـ كما هو المقصود في الاحتمال الثاني والثالث للمعنى الثاني ـ فلا ، وعلى هذا فليست العبارة مفيدة لقاعدة رجالية ، هي أن مشايخ هؤلاء إلى الإمام ثقات. |
|||
|