نهاية الافكار ـ الجزء الثالث ::: 151 ـ 165
(151)
ودلالة كي يحاب عنه وترمى بالغرابة بان هذه لقلتها بمثابة لا تفي بأقل قليل من الاحكام المعلومة بالاجمال ( ومما يوهن ) المسلك المزبور أيضا ما سيأتي من قيام الاجماع على الترخيص المطلق في طرف الموهومات بل المشكوكات بمقتضى الاضطرار أو الحرج المقارن للعلم ( إذ ) لازم ذلك هو سقوط العلم الاجمالي عن المنجزية بالنسبة إلى بقية الأطراف الاخر أيضا ( واما المقدمة الثالثة ) وهي بطلان الرجوع إلى أحد الطرق المقررة للجاهل من التقليد أو الرجوع في كل شبهة إلى الأصل الجاري فيها أو الاخذ بالاحتياط في جميع الوقايع المشتبهة ( اما التقليد ) فبطلانه مما لا ريب فيه فان الجاهل الذي وظيفته الرجوع إلى العالم انما هو الجاهل العاجز عن الفحص الذي لا يرى بطلان مدرك فتوى العالم ( واما ) الجاهل الباذل لجهده المعتقد لبطلان مدرك العالم المخطئ له في اعتقاده كما هو المفروض في المقام فلا دليل على حجية فتواه بالنسبة إليه بل ذلك من باب رجوع العالم إلى الجاهل ، لان من يرى انسداد باب العلم والعلمي لاعتقاده بعدم تمامية الأدلة على حجية خبر الواحد يخطئ القائل بحجيته فلا يجوز له الرجوع إلى مثله والاخذ بقوله تعبدا ( هذا ) كله مضافا إلى ما افاده الشيخ قده من دعوى الاجماع القطعي على عدم جوازه ( واما ) الرجوع إلى الأصول العملية في الوقايع المشتبهة فبالنسبة إلى الأصول النافية للتكليف فبطلانه مما لا اشكال فيه للعلم الاجمالي ولاستلزامه المخالفة القطعية الكثيرة المعبر عنها بالخروج عن الدين ( واما ) بالنسبة إلى الأصول المثبتة للتكليف من الاستصحاب والاحتياط في الموارد التي كانت الشبهة من أطراف العلم الاجمالي الشخصي ( فقد ) أفيد في ابطالها بوجهين ( أحدهما ) استلزمهما للعسر والحرج المنفيين كما عن الشيخ قده ( وثانيهما ) من جهة مانعية العلم الاجمالي بانتقاض الحالة السابقة في بعض موارد الاستصحابات كما افاده بعض الأعاظم قده بدعوى قصور المجعول في الأصول التنزيلية كلية عن الشمول لأطراف العلم الاجمالي ولو مع عدم استلزامه للمخالفة العملية ( بتقريب ) ان المجعول في الأصول التنزيلية لما كان هو البناء العملي والاخذ بأحد طرفي الشك على أنه هو الواقع والغاء الطرف الآخر بجعله كالعدم في عالم التشريع فذلك انما يتم في الشبهات البدوية وفي بعض أطراف العلم الاجمالي ( واما ) بالنسبة إلى جميع أطراف العلم فلا يمكن


(152)
ذلك ، لأنه مع العلم الاجمالي يعلم بانتقاض الحالة السابقة في بعض الأطراف وانقلاب الاحراز السابق الذي في جميع الأطراف إلى احراز آخر يضاده ، ومع ذلك لا يمكن الحكم ببقاء الاحراز السابق في جميع الأطراف ولو تعبدا ( إذ ) لا يكاد يجتمع الاحراز التعبدي في جميع الأطراف مع الاحراز الوجداني بالخلاف في بعضها ( ولكن ) لا يخفى ما في كلا الوجهين ( اما الأول ) فلمنع استلزامهما للحرج والعسر وما يلزمه انما هو الاحتياط التام في جميع الوقايع المشتبهة كما يأتي الكلام فيه ( واما ) بالنسبة إلى الاحتياط الذي تقتضيه الموارد الشخصية من جهة كونها من أطراف العلم الاجمالي الشخصي والاستصحابات المثبتة للتكليف فدعوى لزوم الحرج والعسر منهما ممنوعة جدا نظرا إلى قلة مواردهما ( واما الوجه ) الثاني ففيه انه بعد تغاير متعلق اليقين والشك في العلم الاجمالي وعدم تعلق اليقين فيه الا بالعنوان الاجمالي بلا سرايته منه إلى العناوين التفصيلية كهذا الاناء وذاك الاناء على ما يأتي انشاء الله لبقائهما على مشكوكيتهما لا وجه لدعوى المضادة المزبورة بين جعل الاستصحابين في الطرفين مع العلم الاجمالي المزبور ( فان ) موضوع الا بقاء التعبدي فيهما لا يكون الا العناوين التفصيلية كهذا الاناء وذاك الاناء وبالعلم الاجمالي المزبور المتعلق بالعنوان الاجمالي لم ينقلب اليقين السابق في شيء منهما بعنوانهما التفصيلي إلى اليقين بالخلاف بل كان كل واحد منهما وجدانا مما يشك فيه بعد كونه مسبوقا باليقين من غير أن يتخلل بين الشك واليقين في واحد منهما يقين آخر يضاد اليقين السابق ( نعم ) الذي انقلب باليقين الاجمالي انما هو اليقين بأحد العنوانين أو أحد اليقينين بهذا العنوان الاجمالي ( ولكن ) موضوع التعبد بالابقاء لا يكون هو اليقين بأحد العنوانين ولا أحد اليقينين حتى ينافي العلم الاجمالي ( وانما ) هو اليقين بكل واحد من العناوين التفصيلية من اناء زيد واناء عمر ومثلا ونحو ذلك ( نعم ) لو كان اليقين الاجمالي ساريا إلى العناوين التفصيلية واقعا كان لما أفيد وجه ( ولكنه ) من المستحيل كيف ولازمه عدم امكان اجتماع اليقين والشك في وجود خارجي بتوسيط العناوين الاجمالية والتفصيلية مع بداهة خلافه كما في كلية موارد العلم الاجمالي المقرونة بالشكوك التفصيلية وهذا كاشف عن وقوف العلم على نفس متعلقه وهو العنوان


(153)
الاجمالي وعدم سرايته منه إلى المعنون الخارجي ولا إلى العناوين التفصيلية فإذا لم يكن الاحراز الوجداني منافيا مع الشك فيه بعنوانه التفصيلي مع كون العنوانين متحدين وجودا ومنشأ فكيف يكون منافيا مع ما هو من احكام هذا الشك المعبر عنه بالاحراز التعبدي « وبما ذكرنا » ظهر اندفاع توهم المنع عن جريان الأصول المحرزة في أطراف العلم الاجمالي لاستلزامه المناقضة بين الصدر والذيل في قوله (ع) ولا ينقض اليقين ابدا بالشك ولكن ينقضه بيقين آخر « فإنه » بعد ظهوره في تعلق اليقين الناقض بعين ما تعلق به اليقين والشك من العنوان ، وتغاير متعلق اليقين الاجمالي بالانتقاض في المقام مع متعلق الشك « لا ينتهى » الامر باجراء الاستصحابين في طرفي العلم الاجمالي إلى المناقضة المزبورة بين الصدر والذيل كما هو ظاهر « فعلم » من ذلك أنه لا مانع من جريان الأصول المثبتة من الاستصحاب والاحتياط في أطراف العلم الاجمالي « نعم » الذي يسهل الخطب هو انه لا يجدى هذا المقدار في المنع عن جريان مقدمات الانسداد نظرا إلى قلتها وعدم كونها ولو بضميمة المعلومات التفصيلية إليها بمقدار ينحل به العلم الاجمالي ويرتفع به محذور الخروج عن الدين « واما بطلان » الاحتياط التام في جميع الوقايع المشتبهة « فيدل » عليه الاجماع القطعي ، وقاعدة نفي الحرج والعسر ، بل ولزوم اختلال النظام النوعي والشخصي لوضوح كثرة الوقايع المشتبهة وانتشارها في جميع ما يتوقف عليه النظام مما يرجع إلى المعاش والمحاورة والعقود والايقاعات ونحوها مما يوجب العمل بالاحتياط فيها اختلال النظام « بل » لا أقل من استلزامه للعسر والحرج الشديد المنفيين بالاجماع وبأدلة نفي العسر والحرج ، من غير فرق في ذلك بين ان يكون الحاكم بالاحتياط هو العقل من جهة العلم الاجمالي أو كان الحاكم به هو الشرع من جهة الاجماع ومحذور الخروج عن الدين ( فإنه ) على كل تقدير ينفي وجوبه بالاجماع المزبور ، وأدلة نفي العسر والحرج « واما الاشكال » في شمول دليل نفى الحرج على الثاني ، بدعوى ان أدلة نفي الحرج كأدلة نفي الضرر لما كانت حاكمة على الأدلة المتكفلة للأحكام المترتبة على الموضوعات الواقعية الشاملة باطلاقها لحالتي الحرج وغيره فلابد ان يكون لمتعلق الحكم حالتان حالة يلزم منها الضرر والعسر وحالة لا يلزم منها ذلك لتكون أدلة نفيهما موجبة لنفي


(154)
الحكم عن المتعلق في موضوع يلزم منه الضرر والعسر « واما » لو اختص الحكم بما يلزم منه الضرر والعسر دائما كوجوب الخمس والزكاة والجهاد فلا يكون لها نظر إلى نفي تلك الأحكام « والاحتياط » في المقام من هذا القبيل حيث كان من التكاليف التي يلزمها العسر والحرج دائما فلا يكون مشمولا لدليل نفي الحرج « فمدفوع » بان ذلك انما يتم إذا كان دليل نفي الحرج ناظرا بدوا إلى ايجاب الاحتياط واما « لو كان ناظرا » إلى الحكم الواقعي فلا شبهة في أنه يتصور له حالتان حالة لا يلزم من امتثاله الحرج والعسر وحالة يلزم منه ذلك كما في فرض الاشتباه ومنه المقام فينفي دليل الحرج حينئذ فعلية التكليف الواقعي بالنسبة إلى حال الاشتباه ويرفع فعليته في هذا الحال ينفي وجوب الاحتياط ، لأنه من لوازم فعلية التكيف الواقعي في هذا الحال « وبهذا البيان » يجاب عن شبهة عدم شمول أدلة نفي الضرر والحرج لنفي الاحتياط العقلي بدعوى ان أدلة نفي الضرر والحرج انما كانت ناظرة إلى التكاليف الشرعية التي يلزمها الضرر والعسر وفى المقام لا يلزم الضرر والعسر من قبل نفس التكاليف الواقعية لعدم تعلقها بما فيه الضرر والعسر « وانما » كانا من جهة امر خارج وهو حكم العقل بالجمع بين المحتملات وأدلة نفي الضرر والعسر لا تكون ناظرة إلى مثله كي يكون منفيا بعموم تلك الأدلة « إذ يقال » ان الضرر والعسر وان كانا من جهة امر خارج وهو حكم العقل ولكن المنشأ لذلك لما كان فعلية التكاليف المجهولة في هذا الحال فلا جرم بنفيها يرتفع ايجاب الاحتياط العقلي أيضا لأنه من لوازم فعلية التكاليف الواقعية في هذا الحال وحينئذ لا فرق في شمول دليل نفي الضرر والحرج في المقام بين كون ايجاب الاحتياط عقليا من جهة العلم الاجمالي أم شرعيا « واما » توهم اقتضاء البيان المزبور لعدم لزوم رعاية الاحتياط فيما عدى ما يدفع به الضرر والحرج لارتفاعه أيضا بارتفاع فعلية التكليف بمقتضى دليل نفي الحرج وهو كما ترى ( فمدفوع ) بأنه يتم ذلك لو أريد رفع فعلية التكاليف الواقعية على الاطلاق والا فلو أريد رفعها بمقدار يرتفع معه العسر في هذا الحال فلا يلزم منه ذلك بل لابد حينئذ من رعاية الاحتياط في الزائد عما يرتفع معه محذور الحرج والعسر فان الضرورات تتقدر بقدرها ( فإذا ) كان رعاية الاحتياط في الجميع يوجب الحرج فلا يرتفع بأدلة


(155)
نفي الحرج الا الاحتياط الكلي ( نعم ) لهذا الاشكال مجال إذا كان حكم العقل بالاحتياط من جهة العلم الاجمالي كما هو مسلك التبعيض فإنه بعد ثبوت الترخيص المطلق في طرف الموهومات بمقتضى الاضطرار أو الحرج يقع الاشكال في أنه كيف المجال حينئذ لمنجزية هذا العلم الاجمالي بالنسبة إلى بقية الأطراف ( فإنه ) بعد تقارن الاضطرار مع العلم الاجمالي واحتمال كون الطرف المضطر إليه هو الحرام الواقعي ( يرتفع ) العلم الاجمالي بالتكليف الفعلي ومع ارتفاعه لا يبقى مقتض لوجوب رعاية الاحتياط في الطرف الآخر من جهة صيرورة الشبهة بالنسبة إليه بدوية كما أشرنا إليه أيضا في طي موهنات مسلك التبعيض ( نعم ) انما يجب ذلك إذا كان الاضطرار متأخرا عن العلم الاجمالي أو كان متعلقا بغير المعين مطلقا لان الاضطرار الطارئ كتلف بعض الأطراف لا يمنع عن تأثير العلم الاجمالي السابق كما حققناه في محله ( وكذلك ) الاضطرار إلى غير المعين لا يمنع الا عن الجمع بين المحتملين الملازم لرفع اليد عن اطلاق التكليف في كل طرف بنحو يلزم رعايته مطلقا حتى في حال الاتيان بالطرف الاخر المقتضى لحكم العقل بلزوم الجمع بين المحتملين لا انه يرتع أصل التكليف ( فكان ) العلم الاجمالي بأصل التكليف حينئذ باقيا على حاله ، غير أنه بمقتضى سراية الاضطرار إلى الواقع ، يرفع اليد عن اطلاق التكليف بالنسبة إلى كل طرف ويلتزم بتكليف توسطي بين نفي التكليف رأسا ، وبين ثبوته على الاطلاق ولازمه التخيير في ارتكاب أحد الطرفين كما حققناه في مبحث الاشتغال ( ولكن ) مفروض المقام انما هو من باب الاضطرار المتعلق بالمعين مع كونه مقارنا للعلم ، حيث إن الثاني واضح ( واما ) الأول فلان الاضطرار وان كان بدوا إلى غير المعين ولكنه بعد انتهائه بمقتضى المقدمة الرابعة إلى الترخيص المطلق نحو الابعد وهو الموهومات كان لا محالة بحكم المعين فيتوجه المحذور المزبور ( نعم ) لو فرضنا اقتضاء قاعدة الحرج بضميمة المقدمة الرابعة لتوجيه الترخيص نحو الموهومات في ظرف اتباع المظنونات بنحو يستتبع لنحو ترتب في حكم العقل بمتابعة العلم الاجمالي الراجع إلى حكمه بلزوم اتباع المظنونات على الاطلاق واتباع الموهومات على تقدير المخالفة في المظنونات ( كان ) ذلك بحكم الاضطرار إلى غير المعين ( ولكن ) الظاهر هو عدم التزامهم بذلك ، فان بنائهم


(156)
على كون الموهومات بقول مطلق تحت الترخيص ( وعليه ) يتوجه ما ذكرناه من مانعية مثله عن منجزية العلم الاجمالي ( وفي هذه ) الجهة أيضا لا يفرق بين القول باقتضاء العلم الاجمالي لوجوب الموافقة القطعية وبين القول بعليته ، فإنه على كل تقدير يرتفع العلم الاجمالي بالتكليف بعد احتمال كون معلومه في مورد اضطراره ، وانما يفترقان فيما لو كان الترخيص في بعض الأطراف بمناط آخر غير الاضطرار أو الحرج من اجماع ونحوه ( حيث ) انه على القول بالاقتضاء وتعليقية حكم العقل يتعين العمل في البقية بعنوان الاحتياط ، بخلافه على القول بالعلية فإنه بعد مضادة الترخيص ولو في بعض الأطراف مع حكم العقل التنجيزي لابد من كشف جعل البدل من الترخيص المزبور كما يأتي بيانه في محله ( وحينئذ فما أفيد ) من لزوم التبعيض في الاحتياط مهما أمكن منظور فيه خصوصا فيما افاده من عدم الفرق بين الاضطرار إلى المعين وغير المعين فلاحظ كلامه ترى فيه مواقع للنظر ( واما توهم ) ان وجوب الاحتياط في البقية انما هو الاحراز المقتضى في البين ورجوع الشك في الحقيقة إلى الشك في طرو المانع عن تأثير المقتضى ، حيث إن العقل يحكم في مثله بالاحتياط نظير حكمه في الشك في القدرة ( فمدفوع ) بأنه بعد ارتفاع العلم الاجمالي لأجل الاضطرار أو الحرج كان الشك في البقية في أصل وجود المقتضى لا في المانع عن تأثيره وبينهما بون بعيد ، ومعه لا يبقى مجال لجريان الاحتياط كي يتم به مسلك التبعيض في الاحتياط ( ثم انه ) لو اغمض عما ذكرنا وقلنا ببقاء العلم الاجمالي على صفة التنجيز ( نقول ) انه لا ينتج هذا المسلك الا وجوب الاحتياط في خصوص المظنونات التي يظن بانطباق المعلوم بالاجمال عليها ، لا في مطلق مظنون التكليف كما يدعيه القائل بالتبعيض ( لان ) العلم الاجمالي في المقام وان كان بحسب الأطراف من قبيل العلم الاجمالي بين المتبائنات بنحو الكثير في الكثير ( ولكنه ) بعد كونه بحسب الاعداد من قبيل الأقل والأكثر لتردده مثلا بين الف وزيادة يلزمه لا محالة انحلاله بما في دائرة الأقل والشك البدوي في الأكثر ، فإذا كان الأقل منتشرا في أطراف بعضها ما يظن انطباق المعلوم بالاجمال عليه وبعضها مما يشك في انطباقه عليه وبعضها مما يوهم ذلك ( فلابد ) بمقتضى حكم العقل باقتضاء الاشتغال اليقيني بالتكليف للفراغ اليقيني عنه من الاحتياط


(157)
في خصوص هذه الأطراف وبعد اقتضاء الاضطرار أو الحرج لعدم لزوم رعاية الاحتياط في المشكوكات والموهومات ولو بمعونة الاجماع أو المقدمة الرابعة يتعين الاخذ بالاحتياط في خصوص المظنونات التي يظن بانطباق التكليف المعلوم بالاجمال عليها لا في مطلق الظن بالتكليف ولو لم يظن بانطباق المعلوم عليه ( كيف ) وان هم العقل انما هو الخروج عن عهدة ما تنجز عليه من التكاليف بمقتضى العلم الاجمالي ، لا الخروج عن عهدة مطلق التكاليف الواقعية ولو لم تكن منجزة عليه مع أن القائل بالتبعيض لا يفرق بين نحوي المظنون ( هذا كله ) بناء على عدم ارتفاع الحرج والعسر بترك الاحتياط في الموهومات ، والا فمقتضى القاعدة على هذا القول هو وجوب الاحتياط في المشكوكات أيضا ، الا إذا كان هناك اجماع على الحاق المشكوكات بالموهومات كما احتمله الشيخ قده ، ولكن لا يلزمه حينئذ الكشف عن حجية الظن شرعا ومثبتيته ، كما توهم ( لان ) وصول النوبة إلى مثبتية الظن للتكليف انما هو بعد الفراغ عن ابطال مثبتية العلم الاجمالي ومنجزيته للتكاليف ، بل وابطال وجود مثبت آخر أيضا كما سنذكره ( والا ) ففي فرض عدم ابطال العلم الاجمالي ولو من جهة امكان التبعيض في الاحتياط ( لا يبقى ) مجال للكشف المزبور ، خصوصا على مبنى القول باقتضاء العلم الاجمالي وتعليقية حكم العقل بوجوب الموافقة القطعية على عدم ترخيص الشارع في بعض الأطراف ( إذ ) في مثله لا يكشف الترخيص في المشكوكات عن وجود مثبت كاف في البين كي ينتهى إلى حجية الظن ، ومجرد وجوب العمل على طبقه من باب التبعيض في الاحتياط ، غير حجيته ومثبتيته شرعا « نعم » بناء على علية العلم الاجمالي لوجوب الموافقة القطعية كما هو المختار ، يلازم الترخيص المزبور في المشكوكات مع جعل البدل أو الانحلال لمضادة الترخيص في بعض الأطراف مع تنجيزية حكم العقل بوجوب الموافقة القطعية « فلابد » حينئذ من كشف جعل البدل المزبور من ترخيصه ومرجعه إلى اكتفاء الشارع في مقام تحصيل الفراغ عن التكليف الثابت بالعلم الاجمالي بالعمل بالمظنونات ، ولكنه غير حجية الظن ومثبتيته للتكليف كما هو ظاهر الا إذا كان ذلك راجعا إلى الانحلال وفيه تأمل ظاهر « هذا » إذا كان الاجماع المزبور قطعيا « واما » إذا كان


(158)
ظنيا فلا يرفع اليد لأجله عن تأثير العلم ، فإنه بمقتضى الملازمة وان ظن بجعل البدل البدل أو الانحلال « ولكن » الظن بالانحلال لا يقتضى الانحلال « والى ذلك » أيضا نظر الشيخ قده في الجواب عما أورده في المقام على نفسه بقوله ، فان قلت إذا ظن بعدم وجوب الاحتياط في المشكوكات فقد ظن بان المرجع فيها الأصول الموجودة الجارية فيها الخ « قلت » مسألة اعتبار الظن بالطريق الخ « وحاصله » ان نتيجة مقدمات الانسداد وان كانت أعم من الظن بالواقع والطريق ، الا ان ذلك فرع سلامة المقدمات وتماميتها ، والكلام بعد في سلامة المقدمة الثالثة ، إذ لم يثبت بعد بطلان الاحتياط رأسا حتى في الوقايع المشكوكة لتصير النتيجة هي حجية الظن مطلقا ( ولكنه ) قد ضرب على ذلك في بعض النسخ المصححة ، ( وأبدل ) في الحاشية بما لفظه ، قلت مرجع الاجماع قطعيا أو ظنيا على الرجوع في المشكوكات إلى الأصول هو الاجماع على وجود الحجة الكافية في المسائل التي انسد فيها باب العلم حتى تكون المسائل الخالية عنها موارد الأصول ومرجع هذا إلى دعوى الاجماع على حجية الظن بعد الانسداد انتهى « أقول » هذا الكلام وان كان لبعض الأعاظم من تلاميذه وهو السيد الكبير الشيرازي قده على ما نقله الأستاذ قده ، الا ان الظاهر على ما حكى هو كونه برضاء الشيخ قده وامضائه ( ويا ليته ) لم يرتضه ولم يضرب على كلامه الأول لما عرفت من أن الاجماع القطعي لا يكشف عن وجود الحجة الكافية في المسألة خصوصا على مسلك اقتضاء العلم الاجمالي ، فضلا عن الاجماع الظني لان الظن بالانحلال لا يقتضى الانحلال ( وحينئذ ) فبعد فرض اندفاع العسر برفع اليد عن العلم الاجمالي في خصوص الموهومات لا مجال لرفع اليد عن المشكوكات ولو كانت موهومة من حيث الأثر حسب الظن بمرجعية الأصول فيها ، ومجرد كونها كذلك لا يقتضى الحاقها بموهوم الواقع الذي يرفع اليد عنه لأجل العسر « إذ » لا دليل في البين يقتضى باطلاقه رفع اليد عن كل موهوم حقيقة أم اثرا هذا « مع » ان غاية ما يقتضيه البيان المزبور انما هو نفي مثبتية العلم الاجمالي « واما » اثبات كون الظن طريقا ومثبتا للتكاليف شرعا ، فيتوقف على ابطال مثبت آخر في البين غيره ، واثبات هذه الجهة يتوقف على انعزال العقل عن الحكومة وعدم حكمه بمرجعية امر آخر في البين وتعيينه


(159)
بالظن بمقتضى المقدمة الرابعة « والا » فمع حكم العقل بذلك واحتمال ايكال الشارع في حكمه بلزوم تعرض التكاليف إلى هذا الحكم العقلي لا مجال لكشف جعل من قبل الشارع « ومن » هذا البيان ظهر الحال فيما لو كان بطلان الاحتياط ولو تبعيضا من جهة الاجماع على عدم كون مبنى الشريعة في امتثال التكاليف عند الانسداد على الاحتياط ( وانه لا مجال ) لتوهم اقتضاء الاجماع المزبور لتعين كون النتيجة هي حجية الظن ومثبتيته شرعا للتكاليف « إذ » غاية ما عليه الاجماع المزبور انما هو بطلان الاحتياط الناشئ من قبل منجزية العلم الاجمالي تماما أو تبعيضا ومرجعه إلى عدم منجزية العلم الاجمالي وعدم اقتضائه للاحتياط ولو تبعيضا ، ولازمه « وان كان » هو الكشف عن وجود مرجع اخر في البين ومثبت للتكاليف بمقدار الكفاية غير العلم الاجمالي الموجب لانحلاله ( كما ) هو المستفاد أيضا من بطلان الخروج عن الدين ( ولكن ) هذا المقدار لا يكشف عن حجية الظن ومثبتيته شرعا ( الا ) بعد ابطال حكم العقل بمرجعية شيء في البين وتعيينه في الظن بمقتضى المقدمة الرابعة كما يدعيه القائل بالحكومة ، أو اثبات عدم ايكال الشارع إلى هذا الحكم العقلي في لزوم التعرض للتكاليف ، بل وابطال منجز آخر شرعي بغير تتميم الكشف والا فلا مجال للكشف المزبور أصلا بلا فرق في هذه الجهة بين كون المستند لعدم جواز الاهمال هو العلم الاجمالي وبين كونه هو الاجماع ومحذور الخروج عن الدين ، فعلى كل تقدير لابد من ابطال مثبت آخر للتكاليف غيره وهو متوقف على عزل العقل عن الحكم ولا يكفيه مجرد قيام الاجماع على بطلان الاحتياط كلا أو بعضا « الا » إذا كان الاجماع قائما على عدم بناء الشريعة في امتثال الاحكام على الاكتفاء بصرف احتماله ولزوم الاتيان بكل تكليف بعنوانه الخاص وجوبا أو تحريما لا بعنوان الاحتمال ورجاء انطباقه على المأتي به ، فإنه بمقتضى هذا الاجماع لابد من الكشف عن جعل طريق شرعي في البين فيتعين ذلك حينئذ في الظن بمقتضى المقدمة الرابعة لان ما عداه يكون الامتثال فيه احتماليا « وهذا » الاجماع وان احتمله الشيخ قده في بعض كلماته وأصر به بعض الأعاظم قده الا ان الشأن كله في ثبوت هذا الاجماع وتحققه ولو ظنيا فضلا عن القطع به فان القدر المسلم من الاجماع انما هو قيامه على بطلان الاحتياط التام


(160)
لا مطلقا حتى يقتضى بطلان التبعيض وعلى فرض التسليم فالمسلم منه هو الاجماع على بطلان الاحتياط في الشريعة الموجب لرفض العلم الاجمالي عن المنجزية والبيانية رأسا واما قيامه على لزوم تعرض كل من المشتبهات بعنوانه الخاص وعدم جواز كونه بعنوان الاحتمال ورجاء انطباقه على المكلف به فغير معلوم بل ولا مظنون ( كيف ) وان القائلين بالحكومة على خلاف ذلك ( فان ) همهم اثبات كفاية اتيان مظنون التكليف بما هو مظنون لكونه منجزا بهذا الظن بحكم العقل ومعه لا يمكن دعوى اتفاق الأصحاب واجماعهم على الخلاف ( واما توهم ) ان مبنى الاجماع على بطلان الاحتياط ولو تبعيضا هو ما ذكر من عدم كفاية الامتثال الاحتمالي ولزوم كون امتثال التكاليف بعناوينها الخاصة ( فممنوع ) جدا بأنه لا شاهد على هذا الدعوى ولا بينة ، بل الظاهر كونه من جهة رفض العلم الاجمالي عن المنجزية بالتقريب الذي ذكرناه ، ولا أقل من كونه هو المتيقن منه ( ومعه ) لا سبيل إلى دعوى كشف حجية الظن شرعا فضلا عن كونها بنحو تتميم الكشف الا برفض مسلك الحكومة العقلية اما بمنع حكومته العقلي رأسا أو منع ايكال الشارع إلى هذا الحكم العقلي ( والأول ) مما لا سبيل إليه لرجوعه إلى دعوى تجويز العقل عند عدم تصرف شرعي في البين لتعطيل الاحكام والخروج عن الدين بعدم تعرض المكلف للوقايع المشكوكة وهو كما ترى خلاف الوجدان السليم والذوق المستقيم ( ولا ) مجال لما أفيد من مقايسة مثل المقام بالوقايع المشتبهة القليلة التي لا يلزم من عدم حكم العقل فيها بشيء محذور تعطيل الاحكام والخروج عن الدين ( وذلك ) لوضوح الفرق ، بين مثل المقام المحرز شدة الاهتمام به بمقتضى بطلان الخروج عن الدين ولو مع عدم تصرف من الشارع بجعل شيء في البين ، وبين ما هناك الذي لم يحرز فيه اهتمام الشارع وعليه فلا يكون عدم حكم العقل بشيء في تلك الوقايع المشتبهة القليلة شاهدا لمنع حكمه فيمثل المقام الذي يلزم منه محذور الخروج عن الدين كما هو ظاهر ( واما الثاني ) فيكفيه مجرد احتمال ايكال الشارع إلى هذا الحكم العقلي إذ معه لا يبقى مجال للكشف عن جعل شرعي في البين أصلا وإذا عرفت ما ذكرناه في شرح المقدمات ( فنقول ان الحق ) هو تقرير دليل الانسداد على نحو الحكومة العقلية بمعنى مثبتية الظن للتكليف عقلا الراجع إلى تنزله من العلم إلى


(161)
الظن في مقام الاثبات لا في مقام الإطاعة والاسقاط وذلك لفساد ما عداه من المسالك الاخر الراجعة إلى التبعيض في الاحتياط ومرجعية الظن في مقام الاسقاط أو الكشف بأنحائه « اما » مسلك التبعيض فلما تقدم من ابتنائه على منجزية العلم الاجمالي وعدم انحلاله بكشف وجود منجز آخر في البين بمقدار الكفاية ( وهي ) ممنوعة جدا بما تقدم من قيام الاجماع والضرورة على بطلان الخروج من الدين ولو في فرض عدم علم اجمالي رأسا أو فرض عدم منجزيته للتكليف ( إذ ) بمثله يكشف عن وجود مرجع آخر في البين بمقدار الكفاية غير العلم الاجمالي موجب لانحلاله ولذلك جعلنا هذا المحذور هو العمدة في المستند للمقدمة الثانية أعني عدم جواز الاهمال ( مضافا ) إلى ما أوردنا عليه سابقا من لزوم سقوطه عن المنجزية أيضا بمقتضى الترخيص المطلق في طرف الموهومات بل المشكوكات من جهة الاضطرار أو الحرج والعسر المقارن للعلم الاجمالي ( فبعد ) سقوط العلم الاجمالي ( يتعين ) تقرير الحكومة ( إذ ) بعد انسداد باب العلم والعلمي وعدم ثبوت جعل من الشارع ولو بمثل ايجاب الاحتياط يحكم العقل بلزوم اتخاذ طريق في امتثال الاحكام بمقدار يرتفع به محذور الخروج عن الدين ويتعين في الظن بمقتضى المقدمة الرابعة باعتبار كونه أقرب إلى الواقع من الشك والوهم فيحكم بلزوم الاخذ به والرجوع فيما عداه إلى البراءة وان لم يستلزم الظن بانحصار التكليف في دائرة ظنونه ( لان هم ) العقل هو حصر مثبت التكليف في دائرة ظنونه لكي يرجع فيما عداه إلى البراءة ، لا ان همه تحصيل الظن بالفراغ كي يحتاج إلى الظن بحصر التكليف في الظنون وانما يكون ذلك بناء على مسلك التبعيض الراجع إلى مرجعية الظن في مقام الإطاعة والاسقاط ( فاعتبار ) ذلك على الحكومة كما أفيد لا يخلو عن خلط بين الحكومتين فراجع ( وبالجملة ) فهذا التقرير أعني الحكومة لا يحتاج الا إلى عدم وجود منجز آخر من علم أو علمي تفصيلي أو اجمالي ( فبعد ) انسداد باب العلم والعلمي وسقوط العلم الاجمالي عن البيانية والمنجزية للواقع بمقتضى الانحلال الناشئ من الاجماع والضرورة على بطلان الخروج عن الدين ، وعدم ثبوت جعل شرعي أيضا في البين ولو بمثل ايجاب الاحتياط يتعين تقرير الحكومة بالمعنى الذي عرفت ( واما ) فساد تقرير الانسداد نحو الكشف باقسامه حتى كشف ايجاب


(162)
الاحتياط الشرعي ، فيكفيه مجرد احتمال ايكال الشارع في حكمه بلزوم تعرض الاحكام إلى هذا الحكم العقلي ( إذ ) مع الاحتمال المزبور لا يبقى طريق لكشف جعل من الشارع في البين خصوصا مسلك كشف حجية الظن وطريقيته شرعا واليه نظر الشيخ قده في الجواب الأول بقوله اما أولا فلان مقدمات الانسداد لا تستلزم جعل الشارع ( نعم ) بناء على ما ادعى من الاجماع على عدم بناء الشريعة في امتثال الاحكام على الاتيان بمحتمل التكليف بما هو محتمل ولزوم كونه بعنوانه الخاص من الوجوب والحرمة فعلا وتركا ( كان ) لما أفيد وجه ( فإنه ) لابد حينئذ بمقتضى هذا الاجماع من كشف وسط مجعول في البين ( ولكن ) الشأن كله كما عرفت في تحقق هذا الاجماع حيث لم يكن منه عين ولا اثر في كلمات الأصحاب ( فان ) ما يمكن تسليمه انما هو الاجماع على بطلان الاحتياط ولو تبعيضا لو لم نقل باختصاصه على بطلان الاحتياط الكلي الذي هو غير موجب لنفي ايجاب الاحتياط بنحو يتعين في دائرة الظنون ( ومن المعلوم ) ان هذا المقدار من الاجماع لا يجدى في اثبات جعل من الشارع فضلا عن اقتضائه لاثبات حجية الظن بنحو الوسطية والكاشفية ( الا بانضمام ) دعوى انعزال العقل في هذه المرحلة أو عدم ايكال الشارع في مقام تنجيز احكامه إلى حكم العقل ( بل ) على فرض اقتضائه لثبوت جعل شرعي في البين لا مجال لاثبات ان المجعول هو خصوص حجية الظن بنحو الوسطية ( إذ ) كما أنه يناسب ذلك يناسب أيضا مع كون وجوب العمل بالظن من باب المقدمة لتنجيز الواقع نظير ايجاب الاحتياط في الشبهات البدوية ، فتعيين الأول يحتاج إلى اثبات عدم صلاحية غير الحجية بمعنى الوسطية للمنجزية للواقع وانحصار المنجز بالعلم والعلمي ، وهذا وان ادعاه في بعض كلماته ، الا انه كما ترى لا يلتزم به أحد ، كيف ولازمه هو الالتزام في موارد ايجاب الاحتياط الشرعي بالعقوبة على مخالفة نفس ايجاب الاحتياط مطلقا ولو في مورد المخالفة للواقع مع أن بناء الأصحاب على خلافه ، هذا ( مع أنه ) في فرض تسليم الاجماع بالمعنى الأول ( نقول ) انه بعد عدم اقتضاء هذا الاجماع لحجية الظن بدوا وبلا واسطة شيء وتوقفه على ضم بقية المقدمات ، لأنه بدونه يخرج عن كونه نتيجة دليل الانسداد ، لرجوعه إلى قيام الاجماع عند الانسداد على حجية الظن شرعا كما


(163)
أشار إليه الشيخ قده ( فلا جرم ) يدور الامر في الوسط المجعول بين كونه في دائرة الظنون ، وبين كونه في غيرها ، وبعد انعزال العقل عن الحكم حينئذ يتوجه عليه بأنه ما المعين في كونه في دائرة الظنون بعد قابلية غيرها أيضا للجعل كما أشار إليه الشيخ قده في الجواب الثاني عن مسلك الكشف ، وأقربية الظن من غيره في نظر العقل كما على الحكومة لا ينفع في تعيين ما هو الأقرب بنظر الشارع كي يتعين مجعوله فيه ( واما ) توهم عدم قابلية غير الظن لتتميم الكشف والطريقية ( فكلام ) شعري ، فان كل محتمل قابل لتتميم ، كشفه الناقص حتى الوهم كما في الظنون النوعية كما أشرنا إليه في مبحث القطع ( ومعه ) من أن يحصل الجزم بكونه في دائرة الظنون بمقتضى الأقربية بنظر العقل ( فحينئذ ) يحتاج إلى اجراء مقدمات الانسداد مرة أخرى في تعيين ما هو المجعول شرعا ( فنقول ) انه بعد تردد الوسط المجعول بين كونه في دائرة الظنون وبين غيرها وسقوط العلم الاجمالي في هذه المرحلة أيضا عن المنجزية بمقتضى بطلان الخروج عن الدين ، ولزوم كون الطريق المجعول واصل إلى المكلف ولو بطريقه ، لان الطريق غير الواصل ولو بطريقه لا يزيد حكمه عن أصل التكليف الواقعي الذي انسد باب العلم به ( وعدم ) كونه بوجوده الواقعي منجزا للواقع ( يحتاج ) لا محالة في تعيين الوسط المجعول إلى منجز آخر في البين ( وفي هذه ) المرحلة أيضا يتأتى ما ذكرناه من الحكومة والكشف وهلم جرا ( فلا محيص ) من انتهاء الامر بالآخرة إلى حكومة العقل واستقلاله بكون الوسط المجعول هو الظن ( وهذا ) مع كونه منافيا للاجماع المزبور لرجوعه بالآخرة إلى كون امتثال الاحكام بالاحتمال ، لا بالجزم ، تبعيد للمسافة فلم لم يلتزم بالحكومة ابتداء في الظن بالتكليف ، والتزم بالكشف ( فتدبر ) في أطراف ما ذكرناه تجده حقيقا بالقبول ( فتحصل ) من جميع ما ذكرناه ان القول بالكشف خصوص الكشف بمعنى الوسطية مما لا مبنى له ولا أساس ولا ينبغي المصير إليه وانه بعد بطلان القول بالتبعيض وانتهاء الامر إلى مثبتية الظن لا محيص عن القول بالحكومة العقلية ( ثم إن ) تقرير الحكومة يتصور على وجهين الأول ) دعوى استقلال العقل عند الانسداد وعدم مثبت للتكاليف تفصيلا أو اجمالا بوجوب الاخذ بالاحتمال بمقدار يرتفع به محذور الخروج عن الدين وتعيينه بالظن


(164)
بمقتضى المقدمة الرابعة ( الثاني ) من جهة حكم العقل بلزوم الاخذ باحتمال تكليف يقطع على فرض وجوده باهتمام الشارع بها بنحو لا يرضى بتركه ولو في ظرف الجهل ، وخروج مثل الاحتمال المزبور عن موضوع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان نظير ما ذكرناه في وجه منجزية أوامر الطرق المجعولة ( فإنه ) بمقتضى الضرورة والاجماع على بطلان الاهمال ولو مع عدم علم اجمالي في البين يستكشف عن بلوغ التكاليف الواقعية على فرض وجودها في المحتملات في الاهتمام بمرتبة لا يرضى الشارع بتركها حتى في ظرف الجهل بها ، وبعد احراز هذا الاهتمام من الشارع بالتكاليف الواقعية والجزم بتلك القضية التعليقية في الموارد المحتملة يستقل العقل بلزوم التعرض لها ويحكم بحجية احتمال التكليف ومنجزيته ( نعم ) حيث إن مراتب الاهتمام بحفظ المرام مختلفة ، لكونه تارة بمرتبة يقتضى رعايته حتى في طرف الموهوم ، وأخرى بمرتبة لا يقتضى الا رعايته في طرف المظنون والمشكوك وثالثة بنحو يقتضى رعايته في خصوص طرف المظنون دون الموهوم والمشكوك ( كان ) القدر المتيقن من الاهتمام المحرز هي المرتبة الأخيرة فيستقل العقل بلزوم الاخذ بالظن ، ويبقى الموهوم والمشكوك على الشك في أصل الاهتمام بحفظ الواقع في موردهما فيرجع فيهما إلى الأصول ( وبذلك ) يتعين الاخذ بالظن حيث يكون حجة ومنجز للواقع بالحكومة العقلية ، من دون احتياج إلى المقدمة الرابعة بل ولا إلى المقدمة الثالثة أعني ابطال الاحتياط التام بمقتضى الاجماع أو الحرج والعسر ( فإنه ) بعد تخصيص الوجوب بمقتضى الاهتمام المحرز بخصوص المظنونات يبطل الاحتياط الكلي في المشكوكات والموهومات بانتفاء ملاكه فيهما ( وهذا ) بخلاف التقريب الأول ، فإنه يحتاج في تعيين خصوص الظن في المرجعية إلى المقدمة الرابعة ( لان ) التخلص عن محذور الخروج عن الدين كما يكون بالأخذ بالمظنونات ، كذلك يكون بالأخذ بما عدى المظنونات فيحتاج في تعين خصوص الظن إلى التشبث بالمقدمة الرابعة ( نعم ) ذلك أيضا لا يحتاج إلى المقدمة الثالثة ، حيث لا يلزم من حكم العقل بوجوب التعرض للتكاليف بمقدار يرتفع به محذور الخروج عن الدين الاحتياط الكلي كي يلزمه محذور الحرج والعسر فبطلان الاحتياط الكلى حينئذ كان من جهة انتفاء ملاكه من الأول ( ثم من الأوجه )


(165)
في تقرير الحكومة هو التقريب الثاني دون الأول ( لعدم ) ثبوت ملاك واضح لحكم العقل بمنجزية مطلق الاحتمال عدى توهم مناط الاحتمال قبل الفحص والنظر في المعجزة ( وهو ) غير متحقق في المقام ، لوضوح ان مناط حكم العقل بالتنجيز هناك ليس مجرد احتمال التكليف الفعلي والا لم يبق مورد لجريان البراءة وقاعدة قبح العقاب بلا بيان ( وانما ) المناط فيه هو احتمال الظفر بما يوجب تنجز التكليف ، من علم أو علمي ، وذلك أيضا في فرض كون احتمال الظفر بالدليل احتمالا عقلائيا لكون المنجز المحتمل بنحو لو تفحص عنه لظفر به على تقدير وجوده ، ففي الحقيقة الاحتمال المتحقق هناك احتمال للتكليف الثابت تنجزه بالدليل ( ومن المعلوم ) انتفاء هذا الملاك في المقام المفروض فيه انسداد باب العلم والعلمي بالتكليف بالمرة والقطع بعدم الظفر بالدليل ولو بعد الفحص التام ( وبذلك ) ظهر الحال في حكمه بوجوب النظر في المعجزة ( فان ) المناط فيه انما هو احتمال حصول العلم بصدق مدعى النبوة بالنظر في المعجزة ( وهو ) غير مرتبط بمسئلتنا هذه التي انسد فيها باب العلم والعلمي ( واما التخلص ) عن محذور الخروج عن الدين ، فهو انما يصلح ان يكون ملاكا لحكم العقل بمنجزية الاحتمال إذا كان محذور الخروج عن الدين بنفسه علة لعدم جواز الاهمال ، وليس كذلك ( وانما ) ذلك من جهة كشفه عن وجود منجز في البين يكون هو العلة لعدم جواز الاهمال ( وهو ) لا يكون الا ما ذكرناه من الاهتمام ، بل يمكن قويا كون مدرك المجمعين على بطلان الاهمال ولو مع عدم علم اجمالي أو عدم منجزيته هو استكشافهم الاهتمام المزبور وعليه يتعين الحكومة بالتقرير الثاني

    ( الأول ) في أن نتيجة مقدمات الانسداد هل هي اعتبار الظن في خصوص المسألة الأصولية وهي كون الشيء طريقا ( أو هي ) اعتبار الظن في خصوص المسألة الفقهية « أو هي » اعتبار الظن في كل من المسألة الأصولية والفقهية « فنقول » « اما » على تقرير الكشف باقسامه فلا ينبغي الاشكال في عموم النتيجة « إذ » بعد استكشاف حجية الظن لا يفرق العقل فيه بين الظن بالواقع
نهاية الافكار ـ الجزء الثالث ::: فهرس