|
|||
|
(136)
الثاني الترجيح بموافقة الكتاب ومخالفة العامة « ثم إن هذا كله » بناء على ثبوت التواتر المعنوي للاخبار المزبورة « واما بناء » على المنع عنه فلا أقل من تواترها اجمالا ولازمه وان كان هو الاقتصار في الحجية على الأخص مضمونا منها وهو ما اجتمع فيه الوصفان أي العدالة والوثاقة « ولكنه » يمكن دعوى نهوض ما اجتمع فيه الوصفان من تلك الأخبار على حجية مطلق الخبر الموثق الذي يضعف فيه احتمال الخلاف ومعه يئول الامر بالآخرة أيضا إلى حجية خبر الموثق ( نعم ) لو منعنا من ذلك أيضا فلابد من الاقتصار في الحجية على خصوص ما اجتمع فيه الوصفان من الاخبار لا التعدي عنها إلى غيرها.
واما الاجماع فتقريره من وجوه ( الأول ) اتفاق الأصحاب طرا عدى السيد واتباعه على حجية خبر الواحد ، كما يظهر ذلك بالتتبع في فتاوى الأصحاب وكلماتهم وملاحظة الاجماعات المنقولة في ذلك ، حيث يعلم من ذلك كله كونهم مطبقين على حجية خبر الواحد خصوصا بالنسبة إلى الاخبار المدونة فيما بأيدينا من الكتب المعروفة « ولا يعارضها » الاجماع المدعى في كلام السيد قده على المنع ( لامكان ) حمل ما ادعاه السيد على الاخبار التي روته العامة في كتبهم بطرقهم غير النقية في المسائل التي روى أصحابنا الامامية خلافها كما لعله ليس ببعيد لابتلائه قده في زمانه بالعامة واخبارهم ، حيث إنه قده لعدم تمكنه من رد اخبارهم الخالية عن شواهد الصدق والتصريح بذلك والطعن عليهم « احتاج » في التخلص عن ذلك إلى دعوى الاجماع على المنع عن العمل باخبار الآحاد ( أو حمل العلم ) الذي يدعيه قده في العمل بالاخبار على الوثوق والاطمينان الذي يسكن به النفس المعبر عنه بالعلم العادي كما يشهد بذلك ما حكى عنه في تعريف العلم بأنه ما يقتضى سكون النفس ولقد صرح بذلك أيضا المحدث الاسترآبادي في الفوائد المدنية حيث إنه قده بعد أن ادعى قطعية صدور ما بأيدينا من الاخبار المودعة في الكتب الأربعة قال في كلام له بعد ذلك ما حاصله ان مرادنا من العلم واليقين هو ما يشمل العلم العادي الذي يقتضي سكون النفس دون اليقين الذي لا يقبل الاحتمال فراجع ، فمراد السيد من القرائن التي أوردها في عبارته هي مطلق ما يوجب الوثوق والاطمينان بالصدور الموجب لسكون النفس ولو كان من الأمور الخارجية قبال القول بحجية (137)
خبر الواحد تعبدا ولو مع خلوه عن إفادة الوثوق ، وعليه يرتفع التهافت والتدافع بينه وبين الشيخ في دعويهما الاجماع
« مع امكان » ان يقال ان انكار السيد
ومنعه عن العمل باخبار الآحاد غير العلمية انما هو لعدم احتياجه إلى الاخبار المجردة عن القرائن القطعية بلحاظ انفتاح باب العلم لديه ومعلومية معظم الفقه عنده بالضرورة والاجماع القطعي وبالاخبار المتواترة « كما يشهد » له قوله في الجواب عما اعترض على نفسه بقوله فان قلت إذ سددتم طريق العمل باخبار الآحاد فعلى اي شيء تعولون في الفقه كله ، قلت إن معظم الفقه يعلم بالضرورة وبالاخبار المتواترة وما لم يتحقق ذلك فيه ولعله الأقل يعول فيه على اجماع الامامية وما يبقى من المسائل الخلافية يرجع فيها إلى التخيير « حيث إنه يفهم من ذلك تسليمه قده وجوب العمل باخبار الآحاد والتعويل عليها في الفقه في فرض انسداد باب القرائن المفيدة للعلم « الثاني » وهو الاجماع العملي فيظهر أيضا من اتفاق الأصحاب عملا على الاستناد في مقام الاستنباط والفتوى بتلك الأخبار المدونة فيما بأيدينا من الكتب في أبواب الفقه ولا يضره اختلاف وجه استناد كل طائفة لما تقدم في أول البحث من أن ذلك منهم انما هو من قبيل بيان العلل بعد الوقوع وتطبيق كل طائفة ما هو المسلم لديه ولدى الكل على وجه وقاعدة مخصوصة بحيث لو التفتوا إلى بطلان مستندهم لم يرفعوا اليد عن فتواهم بالحجية وتمسكهم بالروايات في أبواب الفقه ( الثالث ) السيرة وتقريرها تارة بإضافتها إلى المسلمين بما هم مسلمون وأخرى بإضافتها إلى العقلاء بما هم عقلاء وقد يعبر عن الأول بالسيرة وعن الثاني ببناء العقلاء وطريقتهم اما تقريب السيرة فبدعوى استقرار طريقة المسلمين من حيث كونهم متشرعين على العمل باخبار الآحاد فيما يرجع إلى أمور دينهم وهي على فرض تحققها لا اشكال في حجيتها والاعتماد عليها لكشفها لا محالة عن رضاء الشارع بذلك لأنه من المستحيل استقرار السيرة المزبورة من المسلمين من حيث كونهم متدينين على امر من تلقاء أنفسهم من دون جعل شرعي فيما قامت السيرة عليه وعلى هذا لا يحتاج في حجيتها إلى اثبات عدم ردع الشارع عنها لوضوح مضادة ردع الشارع لأصل السيرة المزبورة فلا تصلح الآيات الناهية عن العمل بما وراء العلم للردع عن مثل هذه السيرة لمضادتها لأصل وجود السيرة فمهما استقرت السيرة المزبورة يستكشف
(138)
انه لم يكن لهم رادع شرعي نعم ذلك انما يكون في السيرة العقلائية فإنها بعد عدم مضادتها وجودا مع الردع الشرعي يحتاج حجيتها إلى اثبات عدمه واما بناء العقلا على الاعتماد بخبر الثقة والاتكال عليه في أمورهم الشرعية وغيرها مما يرجع إلى مصالحهم الدنيوية فلا شبهة في تحققه بمقتضى ارتكازاتهم والجبلة والفطرة المودعة فيهم والى ذلك يرجع ما في بعض الأخبار المتقدمة من السؤال عن وثاقة الراوي لا عن حكم العمل بقوله وكذا ما ورد في تلك الأخبار من التعليل بالثقة في مقام الارجاع إلى رواة الحديث بل من تلك الأخبار يستفاد كونها طرا في مقام الامضاء لما عليه الطريقة المألوفة العقلائية من جواز العمل بقول الثقة وحجيته في الاحكام لا في مقام تأسيس الحجية وجواز العمل باخبار الثقة بل ويمكن ) اثبات الامضاء أيضا بمعونة عدم الردع إذ لولا رضاء الشارع بها يلزمه ردعهم عما استقر عليه طريقتهم ( والآيات ) الناهية عن العمل بما وراء العلم غير صالحة للردع عن بنائهم بعد كون عملهم به من باب تتميم الكشف وكونه من افراد العلم الموجب لعدم التفاتهم إلى احتمال الخلاف إذ لا يكاد يرون العمل به حينئذ من باب العمل بغير العلم كي يصلح الآيات للردع عن ذلك فلابد حينئذ في فرض عدم رضائه بذلك من ردعهم ببيان آخر نعم انما تصلح الآيات الناهية للردع إذا لم يكن بنائهم من باب تتميم الكشف واما اشكال الدور فقد عرفت الجواب عنه في طي أدلة النافين.
واما دليل العقل فتقريره من وجوه ( الأول ) العلم الاجمالي بصدور كثير من الاخبار المتضمنة للتكاليف المودعة فيما بأيدينا من الكتب عن الأئمة عليهم السلام بمقدار واف بمعظم الفقه كما يظهر ذلك بمراجعة أحوال الرواة في تراجمهم من حيث شدة اهتمامهم ومواظبتهم على حفظ الأحاديث واخذها من الكتب المعتبرة وتنقيح ما أودعوه في كتبهم لئلا يودع فيها الاخبار المدسوسة المكذوبة على الأئمة (ع) حتى أنهم من شدة مواظبتهم في ذلك كانوا غير معتنين باخبار من كان يعمل بالقياس ومتحرزين عمن كان يروى عن الضعفاء أو يعتمد على المراسيل وان كان هو بنفسه من الثقات كما اتفق ذلك بالنسبة إلى البرقي الذي هو من أجلتهم ويشهد لما ذكرنا ما عن علي بن الحسين بن الفضال من أنه لم يرو كتب أبيه معتذرا بأنه يوم مقابلته الحديث مع أبيه كان صغير السن ليس له كثير معرفة بالروايات فقرئها (139)
ثانيا على أخويه احمد ومحمد فمن ذلك كله يحصل العلم الاجمالي بصدور كثير من الاخبار المتضمنة للتكاليف عن الأئمة فيما بأيدينا من الاخبار الموجودة بل جلها الا ما شذ ومثل هذا العلم الاجمالي موجب لانحلال العلم الاجمالي الكبير بثبوت تكاليف كثيرة بين الروايات وسائر الأمارات الظنية كالشهرة والاجماع المنقول ونحوها بما في دائرة خصوص الاخبار والشك البدوي في غيرها كاقتضاء العلم الاجمالي الكبير أيضا لانحلال العلم الاجمالي الأوسع بالتكليف في مجموع الوقايع المشتبهة ( ولازم ) هذا الانحلال هو الاقتصار على خصوص دائرة العلم الاجمالي الصغير ومقتضاه وجوب العمل على طبق جميع الاخبار المثبتة للتكليف مع الامكان وجواز العمل على طبق النافي منها لو لم يكن هناك أصل مثبت للتكليف من استصحاب ونحوه ومع عدم امكانه فالواجب هو الاخذ بما ظن صدوره منها ( هذا ولكن ) ( أورد عليه ) الشيخ قده أولا بمنع انحلال العلم الاجمالي الكبير لأنه كما أن العلم الاجمالي بالتكليف حاصل في خصوص ما بأيدينا من الاخبار كذلك العلم الاجمالي حاصل لنا في مجموع الاخبار وسائر الأمارات الظنية الاخر من الشهرة والاجماع المنقول وغيرها بحيث عند التأمل كان الحاصل علمان ومعلومان بلا عنوان أحدهما متعلق بما في دائرة الاخبار والاخر بمجموع الأمارات الظنية من الاخبار وغيرها فكان سائر الامارات الاخر طرفا للعلم الاجمالي لا خارجا عنه بشهادة بقاء العلم الاجمالي بحاله عند عزل طائفة من الاخبار بمقدار المعلوم بالاجمال وضم سائر الأمارات الظنية إلى البقية فبقاء هذا العلم الاجمالي كاشف عن تعدد العلمين وعدم انحلال أحدهما بما في دائرة الاخر ( ولازمه ) وجوب مراعاة العلم الاجمالي الكبير بالاحتياط أو العمل بالظن في مجموع الأمارات الظنية لا في خصوص الاخبار ( وثانيا ) ان وجوب الاخذ بتلك الأخبار بعد ما كان من جهة تضمنها للتكاليف الواقعية لا بما هي هي ( كان ) اللازم هو الاخذ بما يظن كون مضمونه حكم الله ولو من جهة الشهرة لا بما ظن بصدوره ولو لم يحصل الظن بكون مضمونه حكم انه ( وثالثا ) ان أفضى ما يقتضيه الدليل المزبور انما هو وجوب العمل بالاخبار المثبتة للتكليف دون الاخبار النافية له مع أن مجرد وجوب العمل بها ( لا ) يقتضى حجيتها شرعا كي تنهض لصرف ظواهر الكتاب والسنة القطعية لان وجوب العمل بها انما
(140)
كان بحكم العقل من باب الاحتياط وهو لا يوجب حجيتها ونهوضها لتخصيص عمومات الكتاب والسنة كما لا يخفى ( أقول ) لا يخفى ان مجرد فرض العلم الاجمالي بالتكليف في سائر الأمارات الظنية وبقية الاخبار بعد عزل طائفة منها ، انما يمنع الانحلال ويقتضي الاحتياط في الجميع ، في فرض تغاير مؤديات الامارات المنضمة مع مضمون الاخبار المعزولة والمعزول منها ، إذ في مثله يكون المعلوم بالاجمال في الامارات المنضمة وبقية الاخبار ، غير ما هو المعلوم بالاجمال في مجموع الاخبار ، فيلزمه الاحتياط في الدائرتين ( واما ) مع احتمال اتحاد مؤدياتها مع الاخبار المعزولة أو الاخبار المعزول منها ( فلا يمنع ) ذلك عن انحلال العلم الاجمالي الكبير بما في دائرة الاخبار ( فان مرجع ) العلمين بعد احتمال اتحاد المعلوم بالاجمال في الأمارات الظنية وبقية الاخبار ، مع المعلوم بالاجمال في مجموع الاخبار ( انما ) هو إلى علم اجمالي بالتكليف في دائرة خصوص الاخبار والشك البدوي في غيرها لكونه من العلم الاجمالي بالتكليف المردد بين الأقل والأكثر ( ومن المعلوم ) ان لازمه هو الانحلال بما في دائرة خصوص الاخبار وعدم وجوب الاحتياط في غيرها ( نعم ) غاية ما يقتضيه العلم الاجمالي المزبور انما هو التخيير عقلا في مقام الاحتياط بين الاخذ بالاخبار تماما ، وبين الاخذ بسائر الأمارات الظنية والاخبار المعزول منها ( حيث ) انه بكل من الامرين يقطع بالفراغ عما ثبت الاشتغال به يقينا ( كما هو ذلك ) أيضا في فرض احتمال اتحاد مؤديات الامارات المنضمة مع خصوص الاخبار المعزول منها ، غير أن التخيير حينئذ بين الاخذ بالاخبار تماما وبين الامارات المنضمة والاخبار المعزولة ( وعلى كل تقدير ) يكون الاخذ بالاخبار تماما موجبا للقطع بتفريغ الذمة عما ثبت الاشتغال به يقينا ( واما توهم ) رجوع العلم الاجمالي المزبور حينئذ إلى المتبائنين لا الأقل والأكثر ، لكونه من قبيل العلم بالتكليف المردد بين تكليف واحد أو تكليفين ، فيجب الاحتياط في الجميع ( فمدفوع ) بأنه كذلك إذا كان المعلوم بالاجمال من باب التكليف المردد بين تكليف واحد في طرف أو تكليفين آخرين في طرف آخر « وليس » المقام كذلك بل انما هو من قبيل التكليف المردد بين تكليف واحد أو تكليفين ، أحدهما هذا التكليف الثابت في هذا الطرف ، وثانيهما تكليف آخر في ذاك الطرف « وما قرع سمعك »
(141)
من وجوب الاحتياط انما هو الأول دون الثاني ، لأنه راجع إلى الأقل والأكثر لا المتبائنين « نعم » انما يكون ذلك في فرض تغاير مضمون الامارات المنضمة مع مضمون كل من الاخبار المعزولة والاخبار المعزول منها ، إذ كان مرجع العلمين حينئذ إلى العلم الاجمالي بالتكليف المردد بين تكليف واحد مثلا في دائرة الاخبار المعزولة أو تكليفين آخرين ، أحدهما في الاخبار المعزول منها ، وثانيهما
في سائر الأمارات الظنية ، ولذلك قلنا في مثل هذا الفرض بعدم الانحلال ووجوب الاحتياط في الجميع ( نعم ) بناء على الانحلال يتوجه عليه ما افاده قده من الاشكال بان وجوب الاخذ بالاخبار الصادرة بعد أن كان من جهة تضمنها للأحكام الواقعية « كان » اللازم هو الاخذ بالاخبار التي يظن بمطابقة مضمونها للواقع ولو من جهة الشهرة والاجماع المنقول ، وان لم يظن بصدورها « لان العبرة » انما هي بظن مطابقة مضمون الخبر للواقع لا بظن الصدور « واما » ما افاده ثالثا من أن مقتضى التقريب المزبور انما هو مجرد وجوب العمل بالاخبار المثبتة للتكليف ولا يثبت به حجيتها شرعا على وجه تنهض لصرف ظواهر الكتاب والسنة القطعية « فهو » وان كان وجيها « ولكن » نقول انه يترتب عليه حينئذ نتيجة التخصيص والتقييد ، إذ مقتضى أصالة الظهور الجارية في الاخبار الصادرة المعلومة بالاجمال هو خروج العمومات المثبتة والنافية عن الحجية ، لانتهاء الامر فيها إلى العلم الاجمالي بإرادة خلاف الظاهر في بعض تلك العمومات والمطلقات من المثبت والنافي « ولازمه » بعد عدم المرجح هو اجراء حكم التخصيص والتقييد عليها لسقوطها بذلك عن الاعتبار « نعم » لو لم يجزم بظهور ما هو الصادر اجمالا بمقدار المعلوم بالاجمال كانت العمومات المثبتة والنافية الجارية في مواردها باقية على حجيتها « لان » رفع اليد عن العمومات والمطلقات تخصيصا أو تقييدا فرع جريان أصالة الظهور في الاخبار الصادرة المعلومة بالاجمال وهو متوقف على احراز موضوعها وهو الظهور « والا فبدونه » لا تجرى أصالة الظهور فيها فتبقى العمومات والمطلقات على حجيتها
« واما الأصول » الشرعية والعقلية ، فالنافية منها من الأول غير جارية في أطراف العلم مطلقا ، وان كانت بلا معارض لمانعية العلم الاجمالي عنها « واما الأصول المثبتة » فان كانت عقلية كقاعدة الاشتغال ،
(142)
فلا مانع عن جريانها في أطراف العلم الاجمال لعدم تنافيها معه كي يمنع عن جريانها « واما ان كانت » شرعية كالاستصحاب ونحوه ، فهي على المختار وان كانت جارية في جميع أطراف العلم الاجمالي « الا » ان في جريانها في المقام في دائرة الاخبار « اشكالا » نظر إلى ما تقتضيه أصالة الظهور الجارية في الاخبار الصادرة ، حيث إنه من جهة تردد انطباقها في تمام موارد الأصول المثبتة تسقط الجميع عن الاعتبار ، لمكان العلم الاجمالي حينئذ بحكومة تلك الحجج الشرعية على بعض تلك الأصول الجارية في مواردها وتخصيص لا تنقض بالنسبة إليها الموجب لسقوط الجميع بمقتضى عدم المرجح عن الاعتبار
« وبهذه الجهة نقول » بعدم صلاحية الاستصحابات المثبتة لانحلال العلم الاجمالي بالاخبار الصادرة وان كانت بضميمة الأصول العقلية للمثبتة بمقدار المعلوم بالاجمال « نعم » لو بنينا على عدم حجية أصالة الظهور في الاخبار الصادرة المعلومة بالاجمال وان وجه اتباعها من جهة العلم الاجمالي بمطابقة جملة منها للواقع ، أو كانت الأصول المثبتة جارية في بعض الأطراف كان لجريان الأصول المثبتة الشرعية مجال ( إذ ) على الثاني واضح لعدم العلم حينئذ بقيام ظاهر حجة في موارد تلك الأصول من جهة احتمال انطباق ما هو الظاهر الصادر اجمالا في غير مواردها ( وكذلك على الأول ) لان رفع اليد عن الاستصحابات الجارية في مواردها انما هو من لوازم جريان أصالة الظهور في الاخبار الصادرة اجمالا وبعد عدم جريان أصالة الظهور فيها تجرى الأصول المثبتة في مواردها ( ولكن ) الشأن في هذا البناء ، حيث نقول انه مع احراز ظهور ما هو الصادر اجمالا بمقدار المعلوم بالاجمال لا قصور في جريان أصالة الظهور فيها وبجريانها تسقط الأصول عن الاعتبار بمقتضى ما ذكرناه فتدبر « الثاني » من وجوه تقرير دليل العقل ما عن صاحب الوافية من الاستدلال على حجية الاخبار المودعة في الكتب المعتمدة للشيعة « بانا » نقطع ببقاء التكليف إلى يوم القيمة سيما بالأصول الضرورية كالصلاة والزكاة والحج ونحوها وان جل اجزائها وشرائطها وموانعها انما يثبت بالخبر الواحد غير القطعي بحيث لو ترك العمل بالخبر الواحد خرجت هذه الأمور عن حقائقها « ولكن » يرد عليه ما افاده الشيخ قده من أن العلم الاجمالي بثبوت الاجزاء
(143)
والشرائط والموانع حاصل في دائرة جميع الاخبار بل جميع الامارات غير العلمية فلا وجه لتخصيصه بالاخبار المدونة في الكتب المزبورة ومجرد العلم الاجمالي في دائرتها أيضا لا يقتضى التخصيص بها فيلزم حينئذ مراعاة الاحتياط في جميع الدوائر لا في خصوص الأخبار المذكورة ( مع أن ) لازم ذلك هو الاخذ بخصوص الاخبار المثبتة لهذه الأمور لا ما يعم النافية لها خصوصا إذا كان في قبالها أصل مثبت للتكليف ( الثالث ) من وجوه تقرير دليل العقل ما ذكره بعض المحققين في حاشيته على المعالم لاثبات حجية خصوص الظن الحاصل من الخبر وملخص ما افاده هو ان وجوب العمل بالكتاب والسنة ثابت بالاجماع والضرورة والأخبار المتواترة وبقاء هذا التكليف أيضا ثابت بالنسبة إلينا بالأدلة المذكورة وحينئذ ان أمكن الرجوع إليهما على وجه يحصل العلم بالحكم أو الظن الخاص فهو والا فالمتبع هو الرجوع إليهما على وجه يحصل الظن منهما بالحكم ( وفيه ) ان المقصود ان كان وجوب العمل بالاخبار المدونة في ما بأيدينا من الكتب من جهة دعوى العلم الاجمالي بصدور كثير منها فهو راجع إلى التقريب الأول الذي ذكرناه بطوله فلا يكون دليلا برأسه في قباله ( وان كان ) المقصود هو ثبوت التكليف بالواقع وبقائه فعلا من جهة العلم الاجمالي بوجود تكاليف كثيرة في الواقع كما يقتضيه ظهور السنة في كلامه في السنة الواقعية فهو مع رجوعه إلى الدليل الآتي المعروف بدليل الانسداد لا يقتضي التخصيص بخصوص الاخبار بل يعم كل ما يظن بان مدلوله مضمون للكتاب أو السنة التي هي قول المعصوم وفعله وتقريره وان كان ) المقصود ثبوت التكليف شرعا بالرجوع إلى تلك الأخبار غير المفيدة للعلم وعدم جواز طرحها عملا بان كان المراد من السنة في كلامه هو الخبر الحاكي عن السنة لا نفس السنة الواقعية فللمنع عنه مجال إذ لم يثبت ذلك باجماع ولا ضرورة من الدين أو المذهب خصوصا مع دعوى مثل السيد الاجماع على المنع عنه وجرى العمل به مجرى العمل بالقياس عند الإمامية ( هذا ) كله في الوجوه العقلية التي استدل بها لاثبات حجية خبر الواحد ( وقد استدل أيضا بوجوه اخر عقلية لاثبات حجية مطلق الظن ) الشامل للخبر الواحد من غير تخصيص بالظن الخبري ( منها ) ان الظن بالتكليف ظن بالضرر ودفع الضرر المظنون واجب ( وفيه ) ان المراد من الضرر المظنون ان كان هو الضرر الأخروي
(144)
أي العقوبة فالصغرى ممنوعة لعدم استلزام الظن بالتكليف للظن بالعقوبة على المخالفة مع حكم العقل الجزمي بقبح العقاب بلا بيان فلابد في اثبات حجية الظن من دليل اخر يقتضى حجيته ( وان كان ) المراد من الضرر المظنون المفسدة المظنونة بناء على ما هو التحقيق من تبعية الاحكام لملاكات في متعلقاتها لا في نفسها كما توهم فعليه وان كان الظن بالتكليف يستتبع الظن بالمفسدة ( ولكنه ) نمنع كون مجرد فوات المصلحة أو الوقوع في المفسدة ضررا كي يستلزم الظن بالتكليف الظن بالضرر ( وعلى فرض ) التسليم يتم إذا لم يتدارك المفسدة والضرر بأمر آخر والا فمع تداركها لا حكم للعقل بالوجوب كما هو الشأن في الظنون التي نهى عن العمل بها وحينئذ فلا يمنع مجرد الظن بالمفسدة والضرر عن جريان الأصول المرخصة العقلية والشرعية وبجريانها يستكشف التدارك فيرتفع به موضوع حكم العقل لا العكس كما توهم بزعم انه مع الظن بالمفسدة والضرر ( يجري ) حكم العقل بقبح الاقدام على ما لا يؤمن معه من الضرر فيستتبع الحكم الشرعي بالحرمة ومعه لا مجال لجريان البراءة العقلية والشرعية من جهة حكومته عليهما ( واما توهم ) المنع عن تدارك الضرر بما أفيد من أن تدارك الضرر انما يجب على الشارع إذا كان هو الذي أوقع المكلف في خلاف الواقع وهذا لا يكون الا في فرض انفتاح باب العلم وتمكن المكلف من الوصول إلى الواقع ( واما في ) فرض الانسداد فلا يتم ذلك في التعبد بالأصول العملية لان الوقوع في الضرر والمفسدة حينئذ لا يكون مستندا إلى الشارع لأنه لولا التعبد بالأصول كان المكلف يقع في المفسدة ( فمدفوع ) بأنه بعد فرض كون المفسدة أيضا ضررا لابد للشارع من حفظ المكلف عن الوقوع في الضرر ولو بايجاب الاحتياط عليه المعبر عنه بمتمم الجعل ( وتوهم ) إناطة وجوب ذلك بأهمية المصلحة الواقعية ( مدفوع ) بأنه كذلك في فرض عدم الملازمة بين المفسدة والضرر والا فأي شيء أهم من ذلك فلابد له من جعل ايجاب الاحتياط عليه ( هذا ومع الغض ) عن ذلك كله ليس حكم العقل بوجوب دفع الضرر الدنيوي الا ارشاديا نظير أوامر الطبيب ونواهيه وعلى فرض مولوية هذا الحكم العقلي اما لكونه طريقيا لمكان طريقية الظن في نظره أو لكونه نفسيا بان كان مجرد الظن بالتكليف الموجب للظن بالمفسدة والضرر تمام الموضوع لحكمه بقبح الاقدام لا تأثير لهذا الحكم العقلي الا من جهة استتباعه للحكم
(145)
الشرعي المتوقف على تمامية قاعدة الملازمة وهي ممنوعة لعدم إحاطة العقل بجميع الجهات الدخيلة في الأحكام الشرعية لاحتمال ان يكون في البين ما يمنع عن فعلية التكليف بحيث لم يدركه العقل فلا يكاد ينتج هذا المقدار لاثبات المطلوب كما هو ظاهر ( ومنها ) ان الامر في مورد الظن بالتكليف يدور بين الاخذ به وبين الاخذ بالوهم الذي هو الطرف المرجوح ( فيتعين الأول ) فرارا عن لزوم ترجيح المرجوح على الراجح ، وفيه انه ان أريد ذلك في حال الانسداد وتمامية مقدماته فيرجع إلى دليل الانسداد الآتي ذكره لأنه في الحقيقة مقدمة من مقدمات ذاك الدليل فلا يصلح جعله دليلا برأسه في قباله ( وان أريد ) ذلك في حال انفتاح باب العلم أو العلمي بمعظم الفقه ( فقيه ) انه لا دوران حينئذ في البين بل بعد الظفر بما
يفي بمعظم الفقه يكون المرجع في الزائد هو البراءة فيجوز الاخذ بالفعل الذي هو الطرف الراجح مثلا أو الاخذ بالترك الذي هو الطرف المرجوح كما هو الشأن في الشبهات الموضوعية الجارية فيها البراءة ولو مع الظن بوجود التكليف ( ومنها ما عن السيد العلامة المجاهد قدس سره ) من أنه لا ريب في وجود واجبات ومحرمات كثيرة في الوقايع المشتبهة ومقتضى ذلك وان كان وجوب مراعاة الاحتياط باتيان كل ما يحتمل الوجوب وترك كل ما يحتمل الحرمة ولو موهوما ( وحيث ) ان ذلك يؤدى إلى العسر والحرج المنفيين في الشريعة يكون مقتضى الجمع بين قاعدة الاحتياط ، وقاعدة العسر والحرج هو العمل بالاحتياط في المظنونات دون المشكوكات والموهومات ( وفيه ) أيضا ان ذلك راجع إلى دليل الانسداد الآتي لكونه عبارة عن بعض مقدمات ذاك الدليل فلا وجه لجعله دليلا برأسه في قباله.
في دليل الانسداد
( وهو ) مركب من مقدمات ( الأولى ) انسداد باب العلم والعلمي بمعظم الأحكام الشرعية ( الثانية ) عدم جواز اهمال التكاليف في الوقايع المشتبهة والرجوع في كل منها إلى البراءة ( الثالثة ) بطلان الرجوع إلى الوظائف المقررة للجاهل بالأحكام من الاحتياط
(146)
التام في جميع الوقايع ، أو الرجوع إلى فتوى الغير ، أو الرجوع في كل مسألة إلى الأصل الجاري فيها من البراءة والاستصحاب والتخيير ونحوها ( الرابعة ) قبح ترجيح المرجوح على الراجح بالأخذ بالموهومات والمشكوكات فيتعين العمل بالظن ( وقد ) يضاف إليها مقدمة أخرى خامسة وهو العلم الاجمالي بثبوت تكاليف كثيرة في الشريعة في الوقايع المشتبهة « أقول » لا يخفى ان الاحتياج إلى هذه المقدمة انما يكون على بعض المسالك في الانسداد ، لأنها على ما يأتي مختلفة من حيث المقدمات ، ومن حيث النتيجة « فان » النتيجة على بعض المسالك هو التبعيض في الاحتياط والرجوع إلى الظن في مقام اسقاط التكليف ( وعلى ) البعض الاخر حجية الظن ومرجعيته في مقام اثبات التكليف بنحو الحكومة تارة ، والكشف أخرى ( ومنشأ ) هذا الاختلاف هو الاختلاف في مدرك عدم جواز اهمال التكاليف وانه هو العلم الاجمالي بالتكاليف في الوقايع المشتبهة ، أو هو الاجماع ومحذور الخروج عن الدين « فعلى الأول » يحتاج إلى مقدمية العلم الاجمالي وتكون النتيجة هو التبعيض في الاحتياط محضا « وعلى الثاني » لا يحتاج إليها وتكون النتيجة حجية الظن ومرجعيته في مقام اثبات التكليف بنحو الحكومة أو الكشف على التفصيل الآتي « بيان ذلك » انه بعد تنجيزية حكم العقل بالبرائة وقبح العقاب في ظرف الشك في التكليف لا شبهة في أن وجوب التعرض لامتثال التكاليف المجهولة وعدم جواز اهمالها لا يكون الا إذا كان هناك منجز في البين يكون رافعا لموضوع حكم العقل بالقبح « والا » ففي فرض اللابيان على التكليف ، لا مجال لدعوى وجوب التعرض للتكاليف المجهولة لاستقلال العقل حينئذ بالبرائة وقبح العقاب « وحيث عرفت ذلك » نقول ان البيان الرافع لموضوع حكم العقل بالقبح ، اما ان يكون هو العلم الاجمالي بالتكليف بحيث كان الاجماع ومحذور الخروج عن الدين من توابع العلم الاجمالي المزبور ، بحيث لو فرض انتفائه رأسا أو عدم منجيزيته اما مطلقا أو في خصوص المقام « لكان » المرجع في الوقايع المشتبهة هو البراءة « واما ان يكون » هو الاجماع أو محذور المخالفة الكثير المعبر عنها بالخروج عن الدين ولو في فرض انتفاء العلم الاجمالي أو عدم منجيزيته وكونه كالشك البدوي كما عليه المحقق الخونساري فيما نسب إليه « فعلى الأول » لا شبهة
(147)
في لزوم المصير إلى التبعيض في الاحتياط محضا ومرجعية الظن في مقام اسقاط التكليف لا اثباته إذ المثبت له على هذا التقرير انما هو العلم الاجمالي بالتكليف ولا معنى بعده لاثباته بمنجز آخر ولازم ذلك وان كان بحكم العقل هو الاحتياط التام في المظنونات والمشكوكات والموهومات الا انه بضميمة بقية المقدمات يتعين الاحتياط في مقام تحصيل الفراغ في خصوص دائرة المظنونات ومرجعه إلى التبعيض في الاحتياط ومرجعية الظن في مقام اسقاط التكليف الثابت بالعلم الاجمالي لا في مقام اثباته كي ينتهى الامر إلى حجية الظن ومثبتيته للتكليف بنحو الحكومة عقلا أو الكشف شرعا ومن المعلوم ان في هذه المرحلة لا مجال لتصرف الشارع وجعله مولويا الا على نحو جعل البدل ( كيف ) وان لازم حجية الظن ومنجيزيته هو سقوط العلم الاجمالي المزبور عن المقدمية والمنجزية للتكليف لانحلاله حينئذ بما في موارد قيام الظن بالتكليف فيكون الشك بدويا في غيرها وهذا كما ترى ينافي ما هو الفرض من مقدمية العلم الاجمالي ومنجزيته « فلا محيص » على هذا المسلك من كون النتيجة هي التبعيض في الاحتياط ( وعلى الثاني ) وهو كون الاجماع ومحذور الخروج عن الدين مانعا مستقلا عن الرجوع إلى البراءة في الوقايع المشتبهة كما لا يبعد ذلك لامكان تحصيل الاجماع على عدم جواز اهمال التكاليف عند انسداد باب العلم والعلمي حتى من القائلين بعدم منجزية العلم الاجمالي ( فان ) المسألة وان لم تكن معنونة في كلام الأصحاب ولم يقع البحث عنها في قديم الزمان لانفتاح باب العلم والعلمي لديهم ( ولكن ) يكفي الاجماع التقديري ( حيث ) يعلم منهم اتفاقهم على وجوب التعرض للتكاليف في فرض انسداد باب العلم والعلمي بمعظم الفقه وانتفاء العلم الاجمالي بالتكليف أيضا أو عدم منجزيته ( بحيث ) كان المقتصر على التدين بالتكاليف المعلومة التارك للأحكام المجهولة في الوقايع المشتبهة يعد عندهم كالخارج من الدين والمتدين بغير دين سيد المرسلين صلى الله عليه وآله « وكيف كان » على هذا المسلك يتعين المصير إلى حجية الظن ( ومرجعيته في مقام ) اثبات التكليف اما بنحو الحكومة عقلا أو بنحو الكشف شرعا ولا تنتهي النوبة إلى التبعيض في الاحتياط ومرجعية الظن في مقام اسقاط التكليف ( إذ بالاجماع ) المزبور يستكشف وجود منجز واصل بنحو الاجمال يكون هو الرافع لقبح العقاب بلا بيان وبعد تعينه
(148)
بالظن بضميمة بقية المقدمات لا تنتهي النوبة إلى بيانية العلم الاجمالي ومنجزيته لانحلاله بذلك المنجز المستكشف من الاجماع المزبور وبهذا البيان ظهر عدم صحة الجمع بين مقدمية العلم الاجمالي وبين الاجماع ومحذور الخروج من الدين على مسلك واحد بجعل الاجماع ومحذور الخروج من الدين في قبال العلم الاجمالي محذورا مستقلا لعدم الاهمال والرجوع إلى البراءة ، فاللازم على الشيخ ونحوه ممن سلك مسلك التبعيض في الاحتياط هو الاقتصار على مقدمية العلم الاجمالي ( كما أن ) اللازم على من سلك غير مسلك التبعيض من المسالك الاخر الآتية هو الغاء العلم الاجمالي بالمرة عن المقدمية والاقتصار على الاجماع ومحذور الخروج عن الدين كما أنه ظهر ابتناء مسلكي الحكومة والكشف على ابطال مسلك التبعيض بالغاء العلم الاجمالي عن المنجزية واسقاطه عن البيانية ولو بدعوى قيام الاجماع على بطلان الاحتياط ولو تبعيضا المستكشف منه وجود مرجع آخر في البين ومثبت للتكاليف بمقدار الكفاية غير العلم الاجمالي الموجب قهرا لانحلاله ( كما ) يستفاد ذلك أيضا من الاجماع ومحذور الخروج عن الدين الذين هما المستند للمقدمة الثانية ( والا ) فبدونه لا تصل التوبة إلى مقام حجية الظن ومثبتيته للتكليف بنحو الحكومة أو الكشف ( كما أنه ) في فرض انتهاء الامر إلى ما عدى مسلك التبعيض من المسالك الاخر لا تنتهي النوبة إلى مسلك الكشف باقسامه حتى مثل ايجاب الاحتياط الشرعي الا بعد ابطال مسلك الحكومة ( اما ) بمنع حكم العقل بلزوم اتخاذ مرجع اخر في البين بمقدار يخرج عن محذور الخروج عن الدين وتعيينه في الظن ( واما ) بمنع ايكال الشارع إلى هذا الحكم العقلي في الحكم بلزوم التعرض لامتثال الاحكام ( والا ) فمع فرض استقلال العقل بذلك عند الانسداد وايكال الشارع إلى هذا الحكم العقلي ولو احتمالا لا مجال للكشف عن جعل شرعي في البين ولو بايجاب الاحتياط ( بداهة ) ان الكشف المزبور انما هو في فرض اللابدية العقلية وبعد حكم العقلي بمرجعية الظن في مقام تعرض التكليف ( واحتمال ) ايكال الشارع إلى هذا الحكم العقلي لا طريق إلى الكشف المزبور كما لا يخفى ( بل ) ولئن تدبرت ترى الترتب بين أنحاء الكشف أيضا لابتناء كشف حجية الظن وطريقيته شرعا على ابطال مجعولية مثل ايجاب الاحتياط الشرعي ولو بدعوى قيام الاجماع
(149)
على عدم بناء الشريعة في امتثال الاحكام بصرف احتماله ولزوم كون امتثال الاحكام بعناوينها الخاصة وجوبيا أو تحريميا ( إذ ) حينئذ لابد من كشف طريق شرعي في البين ويتعين بمقتضى المقدمة الأخيرة في الظن ( والا ) فمع المنع عن مثل هذا الاجماع لا ينتهى الامر إلى كشف ان المجعول هي الوسطية والطريقية للظن لوضوح ان ايجاب الاحتياط أخف مؤنة من جعل الكاشفية والوسطية للظن لاحتياج هذه إلى عناية زائدة ( مضافا ) إلى أن الاحتياط هو الطريق الموصل بالذات إلى الواقع ، وان لم يكن واصلا بنفسه لعدم الملازمة بينهما كما توهم ( لان ) المراد من الواصل بنفسه ما هو معلوم بنفسه طريقيته للمكلف بلا احتياج إلى طريق آخر توصله إلى العباد ومن الواصل بطريقه الطريق الذي ظن حجيته بظن علم حجية هذا الظن لدى المكلف بانسداد آخر قبال ما لا يكون واصلا إلى المكلف أصلا ولو بطريقه وكل ما علم جعله بنفسه فهو الطريق الواصل بنفسه وفي هذه الجهة لا يفرق بين كون المجعول ايجاب الاحتياط الذي هو محرز بنفسه للواقع أو حجية الظن ( وعلى ذلك ) فالمسالك في المقام أربعة بل خمسة مترتبة ومختلفه بحسب النتيجة لكونها في بعضها هي حجية الظن ومرجعيته في مقام اسقاط التكليف ، وفي بعضها مرجعيته في مقام اثبات التكليف بنحو الحكومة العقلية وفي بعضها مرجعية الظن في مجرد وجوب العمل على طبقه من باب الاحتياط ، وفي بعضها مرجعية الظن من جهة الحجية والمنجزية ، وفي بعضها مرجعيته في مقام المثبتية للتكليف شرعا ( وإذا عرفت ) ذلك فلنشرع في تفاصيل المقدمات واثباتها بما يمكن الاستدلال به لها وبيان ما هو المختار من المسالك المزبورة ( فنقول ) وعليه التكلان ( اما المقدمة ) الأولى فهي بالنسبة إلى انسداد باب العلم الوجداني مما لا اشكال فيه بداهة ان ما يوجب العلم التفصيلي بالحكم من النصوص المتواترة والاجماعات القطعية في غاية القلة بحيث لا يفي بأقل قليل من الأحكام الشرعية ( واما ) بالنسبة إلى انسداد باب العلمي فللمنع عنه مجال لما تقدم من تمامية الأدلة على حجية الخبر الموثوق به مع وفائه لكثرته بحمد الله بمعظم الفقه بحيث لا يلزم من الرجوع إلى الأصول العملية في الموارد الخالية عن الاخبار الموثوق بها محذور وحينئذ فلا مجال لدعوى انسداد باب العلم والعلمي في معظم الأحكام الشرعية
(150)
كي ينتهى الامر بضم بقية المقدمات إلى حجية الظن ومرجعيته بنحو الحكومة أو الكشف ( ومن ) هنا كان هذا البحث قليل الجدوى إذ لا يكاد يترتب عليه ثمرة مهمه عملية كما هو ظاهر ( واما المقدمة الثانية ) وهي عدم جواز اهمال التكاليف في الوقايع المشتبهة والاعتماد فيها على البراءة الأصلية فمما لا اشكال فيها ولا ريب يعتريها بل كادت ان تكون ضرورية ( وانما ) الكلام في مدرك هذه المقدمة بأنه هو العلم الاجمالي بتكاليف كثيرة في الشريعة ( أو هو ) الاجماع ومحذور الخروج عن الدين بحيث يكونان محذورا مستقلا لابطال الرجوع إلى البراءة في الوقايع المشتبهة ولو مع فرض انتفاء العلم الاجمالي رأسا أو عدم منجزيته ( حيث ) استدل عليها بكل واحد من هذه الوجوه الثلاثة ( وقد ) عرفت اختلاف النتيجة تبعيضا وحكومة وكشفا بحسب هذه الوجوه ( والذي يقتضيه التحقيق ) هو الثاني وهو كون المدرك الاجماع ومحذور الخروج عن الدين بداهة قيام الاجماع والضرورة على عدم جواز اهمال الوقايع المشتبهة بالرجوع فيها إلى البراءة عند الانسداد ولزوم التعرض لامتثال الاحكام فيها ( ولأنه ) بدونه يلزم المخالفة الكثيرة المعبر عنها بالخروج عن الدين ( إذ ) بمقتضى هذا المحذور والاجماع المزبور ولو تقديريا يستكشف لا محالة وجود مرجع آخر في البين مثبت للتكاليف الواقعية بالمقدار الوافي غير العلم الاجمالي ، وبذلك يسقط العلم الاجمالي عن البيانية لانحلاله بذلك المنجز المستكشف من الاجماع ومحذور الخروج عن الدين بل يمكن دعوى كون العمدة في المستند لهذه المقدمة هو محذور الخروج عن الدين لقوة احتمال كون نظر المجمعين في بطلان الاهمال إلى محذور الخروج عن الدين ( إذ ) مع هذا الاحتمال لا مجال لكشف هذا الانفاق عن رأى المعصوم ( وبما ) ذكرنا انقدح فساد مسلك التبعيض في الاحتياط وانه لا وجه لتقرير دليل الانسداد على هذا الوجه لابتنائه كما عرفت على مقدمية العلم الاجمالي وعدم انحلاله بكشف وجود منجز آخر مثبت للتكاليف بمقدار الكفاية ( والا ) فلا تصل النوبة إلى هذا المسلك كما هو ظاهر بلا حاجة إلى ما في الكفاية من دعوى انحلال العلم الاجمالي بالأحكام الثابتة في الشريعة بما في موارد الأصول المثبتة بضميمة ما علم تفصيلا من الاحكام بمقتضى الاجماعات القطعية والنصوص المتواترة أو المحفوفة بالقرائن القطعية سندا
|