الفصل السادس
النظام السياسي في النظرية القرآنية
النظرية السياسية القرآنية * الولاية الشرعية للفقيه الجامع للشرائط * السلطات الثلاث * خصائص النظام السياسي الاسلامي * ( الدولة ) في النظريات الغربية ونقدها.
( 204 )
( 205 )
النظرية السياسية القرآنية
تقوم الحياة الاجتماعية الانسانية على العهد لفرد معين بتنظيم شؤون بقية الافراد ، عن طريق حفظ حقوقهم وتنظيم حدود حرياتهم ومسؤولياتهم تجاه بعضهم البعض ؛ ويطلق على هذه المهمة الاجتماعية اسم ( الولاية الشرعية ) . والولاية شأن من الشؤون الفطرية التي تعارف عليها الافراد في كل مجتمع انساني . ولذلك نبع اهتمام الاسلام بالولاية من خلال كونه دين الفطرة التي عبر عنها القول المجيد : ( فأقم وجهك للدين حنيفاً ، فطرة الله التي فطر الناس عليها ، لا تبديل لخلق الله ، ذلك الدين القيم ، ولكن أكثر الناس لايعلمون ) (1) . وهذا الشعور الفطري هو الذي دفع الانسان لتنظيم شؤونه الاسرية والاجتماعية وحدد دور الافراد في النظام الاجتماعي . ولكن تعقد الحياة الاجتماعية وتشابكها ، ادى الى بعث الانبياء (ع) الى الناس لتنظيم شؤونهم الحياتية وإرجاعهم الى عبادة الخالق عز وجل.
ولما كانت الدولة ظاهرة اصيلة لحفظ النظام الاجتماعي وحفظ حقوق الانسان ، فان أول من قام بتأسيسها والسهر على بنائها الانبياء والرسل (ع) من اجل تثبيت تلك الحقوق ، واقامة العدالة ، ومحاربة
____________
(1) الروم : 30.
( 206 )
المستكبرين ، ونشر عقيدة التوحيد ، كما جاء في النص المجيد : ( كان الناس أمةً واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه الا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه . والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم ) (1).
فمقتضى النص القرآني الشريف يدل على ان نشوء الدولة عن طريق الانبياء (ع) انما جاء من خلال الحاجة الى موازين تحدد العلاقة بين الاقوياء والضعفاء والاغنياء والفقراء ، والحاجة الى تنظيم شؤون الاجتماع الانساني عن طريق الالزام والمسؤولية الفردية والاجتماعية . وقد تولى بعض الانبياء (ع) الاشراف على شؤون الدولة كداود وسليمان (ع) ؛ وتحدى اغلبهم النظام الاجتماعي السياسي القائم في زمانهم كنوح وابراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام جميعاً . وقام رسول الله محمد (ص) ببناء اكمل الانظمة السياسية ، لان دولته المباركة مثلت تجسيداً رائعاً للرسالة السماوية التي اعلنها الاسلام . والى هذا المعنى يشير القرآن ويؤكد على ان كمال النظام الاجتماعي والروحي يعد من اعظم نعم الله على البشرية : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام ديناً ) (2).
وقد كان جوهر دعوة الانبياء (ع) على مر التاريخ بالاضافة الى عبادة الله سبحانه ، تحدي النظام الاجتماعي القائم على اساس تعدد الربوبية
____________
(1) البقرة : 213.
(2) المائدة : 3.
( 207 )
والظلم ، وسحق الانسان لاخيه الانسان . فقد بين القرآن الكريم في بعض الموارد ان الذين كفروا بمضمون الرسالات السماوية لم يكونوا ينكرون حقيقة وجود الخالق عز وجل ، ولم يكونوا يجهلون النعم التي يبعثها عليهم ، بل كان كفرهم وجحدهم متجسداً بترك تطبيق شريعة الله والايمان برسالته ورسله . فيقول عز من قائل : ( قل لمن الارض ومن فيها ان كنتم تعلمون ، سيقولون لله ، قل افلا تذكرون ؟ قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ، سيقولون لله ، قل افلا تتقون ، قل من بيده ملكوت كل شيء ، وهو يجير ولا يجار عليه ان كنتم تعلمون ، سيقولون لله ، قل فأنى تسحرون ) (1) ، ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والارض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون ... ولئن سألتهم من نزل من السماء ماءً فاحيا به الارض من بعد موتها ليقولن الله ) (2) ، ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون ) (3).
وحتى ان صراعي موسى وابراهيم عليهما السلام مع فرعون ونمرود ، يصرحان بان الصراع الحقيقي بين الانبياء (ع) والمشركين كان صراعاً سياسياً ، جوهره تحرير الافراد من التسلط السياسي على رقابهم ، واموالهم ، وشؤونهم العامة . ففرعون كان ينادي بكل غرور : ( ... انا ربكم الاعلى ) (4) ، و( يا ايها الملأ ما علمت لكم من آله غيري ) (5) . ونمرود الذي
____________
(1) المؤمنون : 84 ـ 89.
(2) العنكبوت : 61 ـ 63.
(3) الزخرف : 87.
(4) النازعات : 24.
(5) القصص : 38.
( 208 )
كان يتصرف بنفوس الناس ورقابهم تصرف المحيي والمميت ، فيقطع رقاب بعض ويستحيي رقاب آخرين ، حتى يبقي الملك عضوضاً تحت رحمة نواجذه : ( ألم تر الى الذي حاج ابراهيم في ربه ان آتاه الله الملك ، اذ قال ابراهيم ربي الذي يحي ويميت قال انا احيي وأميت ... ) (1) . فلم يكن جدال هؤلاء الطواغيت في حقيقة وجود الله ، بل كان في حقيقة من بيده الملك ، وقطع الرقاب ، والموت والحياة . ولذلك كانت مهمة الانبياء (ع) ـ وبالخصوص نبينا وقائدنا محمد (ص) ـ شاقة وعسيرة ، لأن هدفهم كان فك الاغلال التي وضعها المستكبرون ، وقيدوا بها الفقراء والمستضعفين ، فدور الرسول (ص) كان ان يضع عن المستضعفين : ( ... اصرهم والاغلال التي كانت عليهم ) (2) . ونظرة الى تاريخ فحول قريش واشراف مكة في عهد الجاهلية يغنينا عن الاسهاب ؛ فانبثاق الرسالة الاسلامية كان اكبر تحدٍ لنظامهم الاجتماعي والسياسي الفاسد . وهذا هو السبب الذي ادى الى محاربة الدين الجديد والرسالة الفتية بكل عنف وضراوة.
فقد كان رسول الله (ص) يدير الدولة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً ، ويتولى شؤون الحكم وتدبير امور الرعية ، فكان يبعث الجباة لجمع الحقوق الشرعية ، وكان يولي القضاة امور القضاء ، وكان يجهز الجيوش للدفاع عن الدولة الفتية ونظامها الاسلامي . وكان (ص) اذا خرج من المدينة لغزوة من الغزوات او حملة من الحملات العسكرية اناب عنه من يتولى امور المسلمين في عاصمته . ففي غزوة الابواء استعمل سعد بن عبادة
____________
(1) البقرة : 258.
(2) الاعراف : 157.
( 209 )
على المدينة ، وفي غزوة تبوك استعمل محمد بن مسلمة الانصاري عليها ليتولى امورها الادارية خلال غيابه ، وفي فتح مكة استخلف كلثوم بن حصين ، وفي حجة الوداع استعمل عليها ابا دجانة الساعدي (1) . وعين (ص) كتاباً لتنظيم الامور الادارية ، فقد عين معيقيب بن ابي فاطمة كاتباً للغنائم ، وزيد بن ثابت كاتباً الى ملوك ورؤساء الدول ، وعلي بن ابي طالب (ع) كاتباً للوحي ، وخليفة عنه بعد مماته . وعين (ص) ولاةً على الامصار ، فولى عتاب بن اسيد على مكة ، ومعاذ بن جبل على اليمن ، وزياد بن لبيد على حضر موت ، والعلاء بن الحضرمي على البحرين.
وفي الجهاز العسكري فقد أمر (ص) جميع المسلمين بالقتال لنص القرآن الكريم ، وكان اذا غزا استنفر المؤمنين فكانوا ينفرون خفافاً وثقالاً ويجاهدون باموالهم وانفسهم في سبيل الله . وقد نهج على هذا النهج أمير المؤمنين (ع) في تولية الولاة ، وتجهيز الجيوش ، وتعيين القضاة.
وهذا التوجه نحو تنظيم الدولة سياسياً ، والتأكيد على الولاية الشرعية ينبع من روح النص القرآني الشريف الذي نظم شؤون الولاية الشرعية ، كقوله تعالى : ( انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) (2) ، و( واطيعوا الله واطيعوا
____________
(1) سيرة ابن هشام ج 4 ص 859 ، 102.
(2) المائدة : 55.
( 210 )
الرسول واولي الامر منكم ) (1).
ولما كانت الولاية لازمة بالبديهة ، فان السؤال الذي اختلف حوله المسلمون بعد وفاة النبي (ص) لم يكن في اصل الخلافة ، وانما كان في موضوع الخلافة ، او بمعنى ادق : ما هي المواصفات التي يجب ان يتحلى بها الخليفة الذي يتحمل مسؤولية الولاية الشرعية ويشرف على تنظيم شؤون الافراد في المجتمع الاسلامي ؟
ويستدل على ثبوت الولاية الشرعية بعد وفاة الرسول (ص) بخصوص القيادة والادارة والتنظيم والسلطة للمجتمع الاسلامي في المدينة ، نزول قوله تعالى في معركة احد : ( وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل ، افأن مات او قتل انقلبتم على اعقابكم ، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً ، وسيجزي الله الشاكرين ) (2) . فالآية الشريفة تعرض بكل صراحة لتأنيب من اراد الفرار بدعوى استشهاد رسول الله (ص) ، وتدين الافراد الذين لم يثبت الايمان في قلوبهم ، الذين انقلبوا على اعقابهم تحللاً من المسؤولية الاجتماعية بمجرد سماعهم استشهاد الرسول (ص) . وعليه فان التكليف الخاص بتطبيق الاحكام الشرعية لاينحصر بعصر الرسول (ص) ؛ لان حلال محمد حلال الى يوم القيامة ، وحرامه حرام الى يوم القيامة ، واحكامه نافذة ما بقيت ذرات الحياة تتحرك على وجه هذا الكوكب الكريم.
____________
(1) النساء : 59.
(2) آل عمران : 144.
( 211 )
والاصل في نظرية الحكم ، ان الاسلام بعد ان ألغى جميع الفوارق الطبقية بين الناس لقوله تعالى : ( يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى ، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ، ان اكرمكم عند الله اتقاكم ) (1) ، ( قل يا أهل الكتاب ، تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم الا نعبد الا الله ، ولا نشرك به شيئاً ، ولا يتخذ بعضنا بعضاً ارباباً من دون الله ، فان تولوا فقولوا اشهدوا بانا مسلمون ) (2) ، اعلن ان الافراد جميعاً ـ في المجتمع الاسلامي ـ متساوون امام الله والشريعة والقانون : ( ليس بامانيكم ولا اماني اهل الكتاب ، من يعمل سوءاً يجز به ) (3) . واصالة المساواة هذه بين الافراد في المجتمع الانساني ـ حيث يقف الكل على منصة واحدة لاتتفاوت بسبب لون بشرة او اصل منشأ او اختلاف لغة ـ تنبع من روح الرسالة الالهية التي تتوجه بندائها الى جميع الافراد مخاطبة اياهم على لسان رسول الله (ص) : ( قل يا ايها الناس اني رسول الله اليكم جميعاً ) (4) ، ( وما ارسلناك الا كافة للناس ) (5) ، ( وما ارسلناك الا رحمة للعالمين ) (6) . فادراك هذه الرسالة السماوية وفهم ابعادها الحقيقية لا يتحقق الا بالنظر للمجتمع البشري ـ بكافة طوائفه وفرقه ـ باعتباره مجتمعاً عالمياً واحداً.
وعلى ضوء ذلك فقد قرر الاسلام عدة حقائق في غاية الاهمية من
____________
(1) الحجرات : 13.
(2) آل عمران : 64.
(3) النساء : 123.
(4) الاعراف : 158.
(5) سبأ : 38.
(6) الانبياء : 107.
( 212 )
الناحية السياسية ، ندرجها كما يلي :
الحقيقة الاولى : وجوب صيانة حرية الانسان لانها من الحقوق البشرية الاساسية ، فقد ورد عن أمير المؤمنين (ع) قوله : ( لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً ) (1) . وورد عن ( جان جاك روسو ) قوله بعد اثني عشر قرناً من وفاة الامام (ع) : ( يولد الانسان حراً ، ولكن الدولة تكبله بالقيود ) (2) . والفرق بين حرية الفرد عند الامام علي (ع) وحرية الفرد عند ( روسو ) هو ان الحرية في الرأي الاول تتمثل بالعبودية المطلقة للخالق دون سواه من المخلوقات . والحرية في الثاني تنعدم بالاصل مع وجود الدولة . بمعنى ان الحرية الشخصية في النظرية الاسلامية ، مضمونة حتى مع وجود الدولة . وما الالزام الاجتماعي والروحي في النظرية الدينية الا تحرير النفس الانسانية المقيدة من قيودها الداخلية ، ودفعها نحو الحرية الحقيقية المطلقة . ويؤكد هذا المعنى قوله سبحانه وتعالى في محكم كتابه على لسان موسى (ع) مخاطباً فرعون : ( وتلك نعمة تمنها علي ان عبدت بني اسرائيل ) (3) . وهو تعبير مفهومي بليغ عن ان تعبيد بني اسرائيل بالتسلط عليهم واضطهادهم من قبل السلطة الظالمة يناقض ابسط قواعد احكام الدولة التي ينبغي لها معاملة الرعية معاملة عادلة بغض النظر عن لونهم ومنشأهم واعتقادهم.
الثانية : ان المولى عز وجل خلق الانسان لاستخلاف الارض : ( واذ قال
____________
(1) نهج البلاغة ص 401.
(2) ( جان جاك روسو ) . العقد الاجتماعي . ميدلسكس ، انكلترا : بنكوين ، 1968 م . الطبعة الاولى عام 1762 م.
(3) الشعراء : 22.
( 213 )
ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة ... ) (1) ، والاستخلاف الآلهي للانسان ، يعكس مسؤولية الفرد عن عمران الارض وبنائها بالطريقة التي حث عليها الشرع الحنيف.
فقد اعلن الاسلام ان الخلافة العامة للانسان ، والحاكمية لله خاصة كما ورد في النص المجيد : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم ) (2) ، ( ان الحكم الا لله ... ) (3) . فالمؤمن المكلف يقوم بدور النيابة والاستخلاف في الارض من قبل الحاكم المطلق . والمؤمنون ـ باطلاق الآية السابقة ـ كلهم خلفاء لله عز وجل . وهذا المنطوق يعكس عدالة الاسلام في المشاركة السياسية.
الثالثة : ان رابطة الاخوة الانسانية تعد من افضل الروابط التي تحفظ النظام الاجتماعي عموماً والنظام السياسي بالخصوص : ( انما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين اخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون ) (4) ، ( والذين تبوءو الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر اليهم ، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ) (5) ، ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم اعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته اخواناً ) (6) . وفي المشهور من قوله (ص) : ( لا فضل لعربي على اعجمي الا
____________
(1) البقرة : 30.
(2) النور : 55.
(3) الانعام : 57.
(4) الحجرات : 10.
(5) الحشر : 9.
(6) آل عمران : 103.
( 214 )
بالتقوى ) . فالاخوة العقائدية تعتبر لبنة اساسية في بناء افكار المواطنة ضمن اطار النظام السياسي.
الرابعة : ان الولاية التكوينية المطلقة لله سبحانه وتعالى وهو الذي منح الولاية التشريعية الكبرى للانبياء والاوصياء المعصومين (ع) ؛ وجعلها نيابة خاصة مباشرة من قبله ؛ ومنح الولاية العامة لا دارة شؤون المسلمين الى الولي الفقيه الجامع لشرائط الولاية في عصر غيبة المعصوم (ع) ـ الذي ينحصر دوره في الاشراف على تنفيذ الشريعة فحسب وليس التشريع كما هو معلوم ـ يقول تعالى : ( انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) (1).
الخامسة : دور الامة الاساسي في المشاركة في النشاط السياسي ، والكشف عن الحاكم ـ وهو رئيس الدولة التنفيذي ـ ورفد الدولة بالاختصاصات اللازمة لما تتطلبه عملية الشورى من جهود علمية لبناء المؤسسات التخصصية ، وطاعة ولي الامر الفقيه الاعلم بما يمثله من قوة تشريعية . يقول تعالى : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) (2) ، ( وأمرهم شورى بينهم ) (3).
ولاشك ان السر في كمال تنظيم الحكومة الالهية ـ وهي حكومة الانبياء (ع) بولاياتها التنفيذية والشوروية والقضائية ـ ان المرسل ألزم
____________
(1) المائدة : 55.
(2) البقرة : 143.
(3) الشورى : 38.
( 215 )
المكلفين بطاعة المرسل : ( وما ارسلنا من رسول الا ليطاع باذن الله ... ) (1) ، حيث اشرف الانبياء (ع) على رئاسة الدولة وادارتها اشرافاً مباشراً كحكومة داود وسليمان (ع) وحكومة النبي محمد (ص) . ولولا التكليف الشرعي في تنظيم الشؤون الاجتماعية كالعدالة والمساواة والاخاء والقتال لدفع العدو ، لما كان للدولة ومؤسساتها الاجتماعية دور في حفظ حقوق الافراد ورعاية مصالحهم وتعبيدهم للخالق سبحانه دون سواه من المخلوقات.
____________
(1) النساء : 64.
( 216 )
الولاية الشرعية للفقيه الجامع للشرائط
ولما كانت الولاية مرتبطة بالخالق عز وجل ، فانه يمكن تقسيمها الى قسمين :
1 ـ الولاية التكوينية : وهي ولاية الله سبحانه وتعالى بالاصالة على الافراد والاشياء في الخلق والتكوين ، بمعنى امتثال المخلوقات والاشياء جميعاً لامره ، بدليل النص المجيد : ( انما أمره اذا اراد شيئاً ان يقول له كن فيكون ) (1) ، و( ألا الى الله تصير الامور ) (2) ، و( هنالك الولاية الله ) (3) . وقد يفوض الانبياء (ع) من قبله عز وجل ببعض شؤون الولاية التكوينية ، كما قدر ذلك لسليمان (ع) : ( فسخرنا له الريح تجري بأمره ) (4) ، وعيسى (ع) كما ورد في القرآن الكريم على لسانه (ع) : ( اني اخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً باذن الله وابرئ الاكمه والابرص وأحيي الموتى باذن الله ) (5) . ولكن الاصل حتماً ان الولاية المطلقة لله عز وجل.
2 ـ الولاية التشريعية : وفيها يحق تصرف الولي في شؤون المتولى عليه
____________
(1) يس : 82.
(2) الشورى : 53.
(3) الكهف : 44.
(4) ص : 36.
(5) آل عمران : 49.
( 217 )
رعاية لمصلحته في المال والنفس ـ وهي ولاية مقيدة بالاذن الالهي او اذن المعصوم ـ وهي ولاية الرسول (ص) ، وولاية الامام (ع) ، وولاية الفقيه المجتهد الجامع للشرائط.
ولاشك ان وجوب طاعة النبي (ص) في الاحكام الشرعية : ( اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم ) (1) ، وفي الرئاسة التنفيذية : ( انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذي يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) (2) ، وفي الولاية على المال والنفس : ( النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم ) (3) ، تعتبر من اروع الامثلة للولاية التشريعية بمفهومها القيادي الواسع . فهي لاتختص بتبليغ الاحكام الشرعية الشخصية او ممارسة القضاء فحسب بل تمثل قيادة الرسول (ص) للدولة الاسلامية بكل مؤسساتها الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية.
اما الفقيه ـ وهو الذي يبذل وسعه لتحصيل الظن بالحكم ـ فله طريقان في سبيل تحقيق ذلك ؛ هما : الدليل والاصل . وظنية الطريق تؤدي الى العلم بالحكم الشرعي ، وهي لا تنافي قطعية الحكم المستفاد من دليله الاجتهادي المحصور بالكتاب ، والسنة ، والاجماع ، والعقل . وعند عدم وجود الدليل يرجع الفقيه الى اصل من الاصول الاربعة وهي : البراءة ، والاستصحاب ، والتخيير ، والاحتياط.
____________
(1) النساء : 59.
(2) المائدة : 55.
(3) الاحزاب : 6.
( 218 )
وولاية الفقيه في زمن الغيبة حتمية لابد منها ، لاسباب منها ؛ اولاً : ان هذه الولاية هي امتدادد لولاية الله عز وجل : ( هناك الولاية لله ) (1) والنبي (ص) : ( النبي اولى بالمؤمنين من أنفسهم ) (2) ، والائمة (ع) : ( وأولي الامر منكم ) (3) . وثانياً : لان للفقيه حق استنباط الحكم الشرعي في الاحكام الثانوية فضلاً عن الاحكام الاولية لادارة شؤون الافراد في النظام الاجتماعي . وهذه الادارة لابد من تحققها لضمان استقرار المجتمع ؛ فيستحيل ان يمارس المجتمع حياته الطبيعية ما لم يتدخل حكم الله في تثبيت اركان النظام الاجتماعي على المستويين الفردي والاجتماعي.
فالاحكام الاولية تشمل التكاليف المستخرجة من مصادر التشريع الاربعة : الكتاب ، والسنة ، والاجماع ، العقل . وهذه هي الاحكام الثابتة على نطاق التشريع . والاحكام الثانوية ـ وتشمل الفتاوى والاحكام التي تستند على اساس المصلحة والمفسدة وتختص بالمباحات الاولية ـ هي الاحكام المتحركة المتغيرة بتغير الظروف الاجتماعية العرفية . ويطلق على الاحكام الثانوية ايضاً الاحكام الموضوعية ، لانها من الاحكام التي تكون موضوعاً لحكم شرعي ، كعلاقة الفرد بالشؤون الفنية كالزراعة والصناعة والحرب ونحوها أو الشؤون الشخصية كقضايا الزواج ونحوها ؛ فلابد للفقيه فيها من التشاور مع المتخصصين أو مع المبتلين بمواضيع هذه الاحكام.
____________
(1) الكهف : 44.
(2) الاحزاب : 6.
(3) النساء : 59.
( 219 )
فدور الفقيه في التشريع ـ اذن ـ هو الكشف عن التشريعات الثابتة للوصول الى الواقع الموضوعي للحكم والافتاء به ، وملء منطقة الفراغ التشريعي التي لحقت عصر النبي (ص) . ويثبت عن ولاية الفقيه الشرعية للمجتهد : الافتاء ، والقضاء ، والتصرف في أموال الناس وأنفسهم ، وهو يعكس بشكل صريح اساس الحكومة في النظام الاجتماعي.
أولاً : ولاية الافتاء . وهي ثابتة حتماً للفقيه للنص القرآني الشريف : ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون ) (1) ، والنص الآخر : ( فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون ) (2) ، والرواية الواردة عن الامام صاحب العصر (ع) في توقيعه لاسحاق بن يعقوب : ( واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا ، فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله ) (3) ، والرواية الاخرى الواردة عنه (ع) : ( من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام ان يقلدوه ) (4) . وهي ثابتة له لأنها من ضرورات الدين وتجب عليه كفاية لأن له ملكة الترجيح وقوة الاستنباط من مظان الاحكام الشرعية من ادلتها التفصيلية . ولاشك ان التقليد واجب على كل الافراد الذين لم يصلوا درجة الاجتهاد في الفقه والاصول لدليل الاجماع اولاً ، وبقاء التكليف في ذمة المكلف ثانياً . فلا يجوز لبقية الافراد في النظام
____________
(1) التوبة : 122.
(2) النحل : 43.
(3) الغيبة للشيخ الطوسي ص 198.
(4) الاحتجاج للطبرسي ص 163.
( 220 )
الاجتماعي ـ حسب فقه الامامية ـ تعطيل ادوارهم الاجتماعية ، بل عليهم الاجتهاد في تعيين الفقيه الذي يقلدونه ، بخصوص الحياة والأعلمية والعدالة.
ثانياً : ولاية القضاء والمرافعات . وهي للمجتهد ايضاً ، فيوجب الاسلام على الرعية الترافع اليهم وقبول أحكامهم . ويدل على ثبوتها اطلاق الآية الشريفة : ( واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل ) (1) . وهو لاشك يدل على الحكم في مورد القضاء الشرعي ؛ وقوله تعالى : ( فان تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول ) (2) دليل آخر على ثبوتها ايضاً . وكذلك يدل على ثبوتها الروايات المتضافرة عن أهل البيت (ع) ؛ ومنها مشهورة ابي خديجة عن الامام الصادق (ع) : ( اياكم اذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى في شيء من الاخذ والعطاء ان تحاكموا الى أحد من هؤلاء الفساق ، اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا ، فاني قد جعلته عليكم قاضياً ، واياكم ان يخاصم بعضكم بعضاً الى السلطان الجائر ) (3) . ومنها : مقبولة عمر بن حنظلة عن الامام الصادق (ع) ايضاً بعد ان نهى عن التحاكم الى السلطان الظالم وقضاة الجور ، وجه اصحابه الى رجل منهم : ( قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فاني قد جعلته عليكم حاكماً فاذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه ، فانما استخف بحكم الله
____________
(1) النساء : 58.
(2) النساء : 59.
(3) التهذيب ج 6 ص 303.
( 221 )
وعلينا رد ، والراد علينا كالراد على الله ) (1).
ثالثاً : ولاية اجراء الحدود والتعزيرات . وتثبت لقاعدة : ( عمل الحاكم بعلمه في حقوق الله ) ، لرواية حفص بن غياث عند سؤال الامام الصادق (ع) : من يقيم الحدود : السلطان أو القاضي ؟ فقال (ع) : ( اقامة الحدود الى من اليه الحكم ) (2).
رابعاً : ولاية التصرف باموال اليتامى . للنص القرآني المجيد : ( ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي أحسن ) (3) ، اولاً . ولأن الصغير ممنوع من التصرف في ماله ، ثانياً . وللروايات المتعددة المحمولة على جواز التصرف بأموال اليتامى ، ثالثاً.
خامساً : ولاية التصرف بأموال المجانين والسفهاء ، لقوله تعالى : ( ولاتؤتوا السفهاء اموالكم ) (4) ، ( فان آنستم منهم رشداً فادفعوا اليهم أموالهم ) (5).
وهناك ولايات اخرى كولاية التصرف بأموال الغيب وولاية انكحة الصغار والمجانين والسفهاء ، وولاية التصرف بأموال الامام من نصف الخمس ، والمال المجهول مالكه ، ومال من لا وارث له ، وما ثبت مباشرة الامام له من امور الرعية كطلاق المفقود زوجها بعد الفحص والتبين ، وبيع
____________
(1) من لايحضره الفقيه ج 3 ص 5.
(2) التهذيب ج 6 ص 314.
(3) الانعام : 152.
(4) النساء : 5.
(5) النساء : 6.
( 222 )
مال المفلس ، وكل فعل لابد من ايقاعه للأدلة اللبية والشرعية ، كعزل الأوصياء ، والتصرف في الاوقاف العامة.
وولاية الفقيه للدولة والنظام الاجتماعي هي امتداد لولايته في الاموال والنفوس . فاذا كانت للفقيه الجامع للشرائط صلاحية التصرف بالنفوس ، واصدار فتوى بالجهاد لحفظ النظام الاسلامي ، والحكم بالقصاص والدية والقضاء ، وصلاحية التصرف باموال القاصرين ، والاموال المجهولة المالك ، كان الاولى وجوب بسط يده لحفظ النظام الاسلامي عن طريق الولاية الشرعية على السلطات الثلاث القضائية والشوروية والتنفيذية . ويؤكد هذا الرأي العديد من الروايات الواردة عن أهل البيت (ع) ؛ منها : سؤال زرارة عن سبب تفوق الولاية على بقية أركان الاسلام مثل الصوم والصلاة والحج والزكاة ، فيجيبه ( لأنها مفتاحهن ) ؛ بمعنى ان حماية النظام الاسلامي لحرية الأفراد بممارسة واجباتهم التعبدية هو مفتاح اقامة اركان الاسلام بكل جوانبها العبادية والروحية والاجتماعية والسياسية ؛ ويدل على ذلك ايضاً قول الامام أمير المؤمنين (ع) : ( واما ما فرضه الله عز وجل من الفرائض في كتابه ، فدعائم الاسلام ، وهي خمس دعائم ، وعلى هذه الفرائض بني الاسلام . فجعل سبحانه وتعالى لكل فريضة من هذه الفرائض اربعة حدود : لايسع احداً جهلها . اولها الصلاة ، ثم الزكاة ، ثم الصيام ، ثم الحج ، ثم الولاية وهي خاتمتها ، والحافظة لجميع الفرائض والسنن ) (1).
____________
(1) رسالة المحكم والمتشابه للسيد المرتضى ص 77.
( 223 )
وهل يعقل ان يأمر المولى عز وجل بولاية الاسرة ويترك ولاية الأمة على غاربها ؟ واذا كانت ولاية الآباء والاجداد والأوصياء والازواج والموالي والوكلاء منحصرة فيما ثبتت الولاية فيه شرعاً ، فان ولاية الفقيه الأعلم على الامة تتحقق باعبتاره أمين الرسل ، والحاكم ، والقاضي ، والحجة من قبلهم ، وان على يده مجاري الامور والاحكام ، وانه الكافل لأيتام الامة ، وانه ولي من لا ولي له ، وانه حصن الاسلام ، ومثل الانبياء بمنزلتهم ، والمتصرف بأموال اليتامى والمجانين والسفهاء ، والمتصرف بمال المجهول مالكه ، وان على يده تقام الحدود والتعزيرات ، والقضاء ، والمرافعات . وفردٌ بهذه المواصفات القيادية وهذه الصلاحيات الواسعة ، لابد وان يكون قائداً للامة ونظامها الاجتماعي بكل ما تعنيه الكلمة من معانٍ واوصاف.