معالجة الفوارق بين الطبقات الاجتماعية

ولاشك ان القرآن الكريم ينظر الى الافراد في المجتمع الانساني على اساس رابطهم التكويني في الخلق وهو رابط الانسانية . وهذا الرابط الانساني يجمع الافراد في شتى المناسبات من أفراح وأتراح وتعارف . فالفرد ، بغض النظر عن نوعية ارتباطه الفكري والعقائدي بالآخرين ، يعيش بالدرجة الاولى ارتباطاً انسانياً معهم . فيشير القرآن الى هذا المعنى عندما يتحدث عن دعوة الانبياء للشعوب الكافرة ، فيقول : ( وإلى ثمود اخاهم صالحاً ) (1) ، ( وإلى مدين اخاهم شعيباً ) (2) ، فمنطوق الآيتين الشريفتين يدل على ان القاسم المشترك والقدر الجامع بين كفار ثمود ومدين من جهة ، والنبيين صالح وشعيب من جهة اخرى هو اشتراكهم جميعاً في الاخوة الانسانية ، على اختلاف ميولهم العقائدية ووظائفهم الاجتماعية.
وبطبيعة الحال ، فان تصميم القرآن الكريم على فهم الرابط الانساني الذي يربط الافراد دون النظر الى منشأهم وعقيدتهم ، ضروري ضمن النظرية الاسلامية في تكامل النظام الاجتماعي ؛ لأن الانسان ـ حسب تلك النظرية ـ مصمم منذ نشأته الاولى على التحسس والشعور والانفعال والتفاهم والتغير ، وهي امور يتميز بها الافراد عن غيرهم من الكائنات.
____________
(1) الاعراف : 73.
(2) الاعراف : 85.

( 24 )

وهذه الرابطة الانسانية التي يعلنها الاسلام بكل صراحة ويطبقها في كل احكامه وتشريعاته ، تميزه عن بقية الاديان والعقائد في الاهتمام بكرامة الانسان واشباع حاجاته الاساسية ، فيصرح القرآن المجيد بكل وضوح منادياً : ( يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ) (1) . فالتفاضل الالهي بين الافراد يستند ـ في الاصل ـ على الجهد البشري في العمل الاجتماعي والصفاء الروحي والشخصي للفرد ، وحق الطاعة للخالق عز وجل ؛ لأن جعل الافراد عن طريق الاجتماع شعوباً متميزة يحتاج بصورة اساسية الى جهودهم في التعاون والتكاتف لبناء صرح الانظمة الاجتماعية العظيمة.
ولما كان المجتمع الانساني مبنياً على تفاوت قابليات الافراد في التحصيل وبذل الجهد اولاً ، ولما كانت الثروة العينية والقيمية في تحرك وتداول مستمر بين الافراد ثانياً ، أصبح نشوء الاختلاف في تملك الثروة وبذلها امراً حتمياً . ويدل هذا الاختلاف على تنوع وتفاوت الادوار والوظائف الاجتماعية بين الافراد ؛ وهذا التنوع يتطلب اختلافاً في درجات العيش ضمن الطبقة الواحدة فحسب ، ولا يتطلب تعدداً للطبقات الاجتماعية كما تؤكد المدرسة التوفيقية.
وبطبيعة الحال ، فان الاسلام لم يتعامل مع مشكلة الفقر تعاملاً هامشياً ، بل دخل في معترك الصراع الاجتماعي مسلحاً بضوابطه الشرعية الدقيقة في تضييق الفوارق الطبقية . فشرع ـ اولاً ـ اصالة اشباع حاجات الافراد الاساسية من الطعام واللباس والسكن . وامضى ما أقره الارتكاز
____________
(1) الحجرات : 13.

( 25 )

العقلائي فيما يتعلق بالخدمات الصحية ، والخدمات الاساسية الاخرى كالنقل ونحوه . وقرر ـ ثانياً ـ ان للفقراء حقاً في اموال الاغنياء : ( والذين في اموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ) (1) ، ففرض ضرائب على الثروة الحيوانية والزراعية والمعدنية والنقدية ونحوها ، وبذلك تعامل الاسلام مع صميم المشكلة الاجتماعية بهدف ازالة اسباب الفقر والحرمان ، واقتلاع جذور الفساد الاقتصادي.
فالزكاة التي أوردها القرآن الكريم : ( خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) (2) ، و( ان تبدوا الصدقات فنعما هي وان تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ) (3) ـ وهي ضريبة عينية أو قيمية محددة بنسبة مئوية في الانعام الثلاثة : الابل والبقر والغنم ، وفي الغلات الاربع : الحنطة والشعير والتمر والزبيب ، وفي النقدين الذهب والفضة ـ تشبع الفقراء من المأكل والملبس وتسد حاجاتهم الاساسية الاخرى . والخمس في قوله تعالى : ( واعلموا انما غنمتم من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ) (4) ـ وهو اخراج عشرين بالمائة من الواردات السنوية ، خمس الغنيمة كانت أو خمس الفائدة أو الربح ، كالمعادن المستخرجة من الأرض وما يخرج من البحار وما يعثر عليه من الكنوز ، وما يفضل من مؤونة سنة الافراد ـ تعكس حقيقة مهمة في فكرة العدالة الاجتماعية وهي ان خمس الثروة الاجتماعية يجب ان تذهب لمساعدة الفقراء والمشاريع والخدمات الاجتماعية التي ترفع من مستواهم وتمنحهم
____________
(1) المعارج : 24 ـ 25.
(2) التوبة : 103.
(3) البقرة : 271.
(4) الانفال : 41.

( 26 )

فرصاً حقيقيةً للعمل والانتاج ، وتساعد الدولة أيضاً على بناء المدراس والمستشفيات ووسائل التدريب والتأهيل الاجتماعي . هذا اضافة الى ان الضرائب التي فرضها الاسلام كالصدقة الواجبة : ( انما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها ... ) (1) ، والكفارات : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وانتم حرمٌ ومن قتله متعمداً فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هدياً بالغ الكعبة أو كفارةٌ طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً ) (2) ، والاضحية : ( فصل لربك وانحر ) (3) ، ( فان أحصرتم فما استيسر من الهدي ) (4) ، والضرائب التي شجع الافراد على دفعها بدافع الاستحباب كالصدقة المستحبة والانفاق في سبيل الله : ( الذين ينفقون اموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) (5) ، ( ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون ) (6) ، كلها ترفع حوائج المعدمين وتسد رمقهم وتشبعهم . ولعل الواقع يشير الى ان المجتمع الاسلامي يصرف أكثر من خمسة وعشرين بالمائة من ثرواته العينية أو النقدية على الطبقة الفقيرة ، في سبيل رفعها الى مستوى الطبقة الاجتماعية الواحدة التي صممها الاسلام في نظامه الاجتماعي . وهذا الوارد الضخم الذي يخرج من جيب الطبقة الغنية ليدخل في دخل الطبقة الفقيرة يساهم مساهمة عظيمة في تضييق الفوارق الطبقية بين الافراد حتى يمحوها محواً من الخارطة الاجتماعية ، ويضع بدلها
____________
(1) التوبة : 60.
(2) المائدة : 95.
(3) الكوثر : 2.
(4) البقرة : 196.
(5) البقرة : 274.
(6) الحشر : 9.

( 27 )

نظاماً انسانياً عادلاً مؤلفاً من طبقة موحدة مختلفة الدرجات ؛ بينما يصرف النظام الرأسمالي الاميركي مثلاً اثنين بالمائة فقط من وارداته على الفقراء كإعانات غذائية لإشباعهم ، أو صحية لمنع تفشي الامراض بينهم (1) . ونظام كالاسلام يأمر بصرف ربع واردات الثروة الاجتماعية على الفقراء جدير بأن يحقق أعلى درجات العدالة الاجتماعية في المجتمع البشري ، وجدير بقيادة العالم والبشرية المعذبة بعذاب الجوع والفقر والمرض نحو شاطئ الامان والعدالة والاستقرار الاجتماعي.
ولاشك ان الاسلام يرفض فكرة النظرية التوفيقية الغربية القائلة بأن انعدام العدالة الاجتماعية يمكن جبره بزيادة الانتاج (2) ؛ لان انعدام العدالة بين طبقات المجتمع الانساني لا يمكن تبريره بأية منفعة اجتماعية مهما كان لونها ومنشأها . ولكن اقرار الاسلام بالمساواة التامة في دفع المكافأة الاجتماعية لكل الافراد مهما كان لونهم أو جنسهم ، يساعد على زيادة الانتاج الاجتماعي ، ويساهم في تمتين الاواصر النفسية بين جميع العمال على الساحة الانتاجية . فالفرد ذو البشرة البيضاء لا يختلف عن نظيره من ذوي البشرة السوداء أو الصفراء ، بل ان الكل سواسية امام رب العمل ؛ والمقياس في دفع الاجر هو الجهد المبذول وقيمة العمل . وهذه هي عين المساواة الحقيقية.
____________
(1) ( روبرت دال ) . الديمقراطية في الولايات المتحدة . الطبعة الرابعة . بوستن : هوتن ميفلين ، 1981 م.
(2) ( دينس رونك ) . « النظرية التوفيقية في انعدام العدالة الاجتماعية : بعض الملاحظات المهملة » . مقالة علمية في ( المجلة النقدية الامريكية لعلم الاجتماعي ) . عدد 24 ، 1959 م . ص 772 ـ 782.

( 28 )

تعريف الفقر وتحديد الفقراء

والفقر الذي ورد في قوله تعالى بخصوص انكاح الايامى : ( إن يكونوا فقرآء يغنهم الله في فضله والله واسع عليم ) (1) ، حدد عن طريق الشارع بحالة الفرد الذي لا يملك مؤونة سنته اللائقة بحاله أو لعياله . بمعنى ان المؤونة السنوية هي الفصل في كشف حالة الفرد فيما يتعلق بالغنى أو الفقر . فالفقير من لا يملك مؤونة سنة ، والغني هو الذي تتحقق له مؤونة سنوية لائقة بوضعه الاجتماعي . وقيل : « ان الاولى ايكال معرفة النفقة المستثناة أو المؤونة الى العرف » (2) ، وبذلك فان كل فرد في المجتمع الاسلامي مضمون على الصعيد التطبيقي من الناحية المعيشية لمدة سنة كاملة ، فاذا دخلت السنة الجديدة وليس لديه وعائلته ما يكفيهم ـ عندئذٍ ـ يحق له أخذ ما يكفيه مع من يعيلهم من الموارد المالية الشرعية لسنة اخرى ، وهكذا الى ان يتبدل وضعه الاقتصادي فيصبح غنياً . وهذا الضمان المالي يشبع حاجات الطبقة الفقيرة ثم يرفعها الى مستوى عامة الناس وهي الطبقة المتوسطة في النظام الاجتماعي الاسلامي.
وبطبيعة الحال ، فان النظرية الاجتماعية الاسلامية لا تلوم الفقراء على فقرهم ولا تلزمهم مسؤولية تحميل الآخرين كاهل الانفاق ، بل ان
____________
(1) النور : 32.
(2) جواهر الكلام ج 16 ص 59.

( 29 )

الاسلام ينظر ضمن منهجه الاجتماعي الشامل الى الفقراء نظرة ملئها الترحم وروح المساواة ، ويؤكد ان للفقراء حقاً ثابتاً في اموال الاغنياء ، كما ورد عن الامام الصادق (ع) : ( ان الله تبارك وتعالى شرك بين الفقراء والاغنياء في الاموال ، فليس لهم ان يصرفوا الى غير شركائهم ) (1) . بمعنى ان الله سبحانه قد جعل للفقراء حقاً في اموال الاغنياء كحق غرماء الميت المتعلق بتركته ، فان امتنع الغني عن اداء ذلك الحق ، كان للحاكم الشرعي أو لعدول المسلمين من باب الحسبة استيفاء ذلك الحق ، كان للحاكم الشرعي أو لعدول المسلمين من باب الحسبة استيفاء ذلك الحق قهراً . وليست الضربية الواجبة من زكاة وخمس وكفارات وزكاة فطر وهديٍ ... هو كل ما يقدمه الاسلام للفقراء ، بل ان الانفاق المستحب وصدقة السر تسد جزءاً كبيراً من حاجاتهم ايضاً ، الى حد الكفاية والغنى.
وبالاجمال ، فان الاسلام عالج مشكلة الفقر بالخطوات التالية :
اولاً : أمر بفرض ضريبة ثابتة على اموال الاغنياء : ( انهم كانوا قبل ذلك محسنين ... وفي اموالهم حقٌ للسائل والمحروم ) (2) ، ( خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) (3) ، ( فلا اقتحم العقبة ، وما ادراك ما العقبة ؟ فك رقبة أو اطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة ، أو مسكيناً ذا متربة ) (4).
ثانياً : اعطى الفقراء حد كفايتهم من الناحية المعيشية مما وفر لهم فرصاً حقيقية لإلحاقهم بالطبقة المتوسطة : ( وان تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو
____________
(1) الوسائل ج 4 ص 148.
(2) الذاريات 16 و19.
(3) التوبة : 103.
(4) البلد : 11 ـ 16.

( 30 )

خيرٌ لكم ) (1) ، ( فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) (2) ، ولا يتحقق الاطعام الا بتحقق الاشباع والاكتفاء.
ثالثاً : حث على الانفاق المندوب ، وشجع على السخاء والكرم في العطاء ، وخاطبهم بانكم : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) (3) ، ( يا ايها الذين آمنوا انفقوا من طيبات ماكسبتم ومما اخرجنا لكم من الارض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه الا ان تغمضوا فيه ) (4) ، ( ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب واقام الصلوة وآتى الزكوة والموفون بعهدهم اذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس اولئك الذين صدقوا واولئك هم المتقون ) (5).
رابعاً : أمر بتحريك المال الصامت لتنشيط الطاقات والإبداعات المختلفة في النظام الاجتماعي ؛ وهدد بمعاقبة اولئك الذين يخالفون هذا النظام المالي الدقيق : ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم ... ) (6).
____________
(1) البقرة : 271.
(2) الحج : 28.
(3) آل عمران : 92.
(4) البقرة : 267.
(5) البقرة : 177.
(6) التوبة : 34.

( 31 )

فلا ريب اذن ان يثق الاسلام ثقة مطلقة بنظامه الاجتماعي الذي يعالج فيه الفقر معالجة حقيقية ، كما يشير الى ذلك قول الامام الصادق (ع) : ( لو ان الناس أدوا زكاة اموالهم مابقي مسلم فقيراً محتاجاً ) (1) . ولاشك ان الفرد الجائع يمثل ادانة حقيقية للنظام الاجتماعي الذي يعيش فيه ، خصوصاً اذا كان ذلك النظام يساهم في تجويعه وحرمانه من أبسط مقومات الحياة . ولما كان الاسلام مثيل جوهر العدالة الاجتماعية فانه يعتبر من أخطر الانظمة الفكرية العقائدية المضادة للنظام الاجتماعي الرأسمالي الذي يحصر الثروة الاجتماعية بالطبقة العليا ، غير مكترث بحرمان افراد بقية الطبقات من خيرات النظام الاجتماعي.
____________
(1) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 3.



( 32 )

على أي اساس يتم التفاضل ؟

ويختلف المجتمع الانساني في نظرته الى الافراد ، وفي التمييز والتفاضل بينهم . وعلى ضوء ذلك الاختلاف ، ينقسم المجتمع البشرى الى قسمين : ففي بعض المجتمعات يتم التمييز في المكافأة على اساس اللون والجنس والمنشأ ؛ وهذا هو القسم الاول . وفي البعض الآخر يتم التمييز في المكافأة والتفاضل على اساس العلم والمهارة والجهد ؛ وهذا هو القسم الثاني . وقد حرم الاسلام التفاضل القائم على الاعتبار الاول ، وشجع التمييز القائم على اساس الاعتبار الثاني : ( قل هل يستوي الذي يعلمون والذين لا يعلمون ) (1) . ( ان الله يأمر بالعدل والاحسان ) (2) ، ( يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله اتقاكم ) (3) . ومنشأ تحريم التفاضل على اساس لون البشرة كالابيض والاسود ، أو جنس الانسان كالذكر والانثى ، أو منشأ الفرد كالمولود في الريف والمولود في المدينة : ان هذه المقاييس تتنافى مع العدالة الاجتماعية التي أقرها الدين ، بل ان التفاضل الذي امضاه الشرع الحنيف وشجع الافراد على ممارسته هو التفاضل القائم على اساس بذل الجهد وقيمة العمل . ولما
____________
(1) الزمر : 9
(2) النحل : 90.
(3) الحجرات : 13.

( 33 )

كانت قابليات الافراد في التحصيل والفهم والادراك متفاوتة ، كان تمايز الافراد واختلافهم من الناحية العلمية الاكتسابية امراً حتمياً . وأفضل ما يسلط الضوء الكاشف على الفارق بين الطاقات البشرية وقابلياتها على الانتاج ، قوله تعالى : ( وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كلٌ على مولاه اينما يوجهه لايأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ) (1).
والخلاصة : ان التفاضل بين الافراد على اساس الجهد وقيمة العمل أصل مشروع وقاعدة عامة لتنمية المواهب والطاقات الخلاقة ، شرط ان لايخرج ذلك عن اطار العدالة الاجتماعية في سد الحاجات الاساسية لكل افراد النظام الاجتماعي.
____________
(1) النحل : 76.

( 34 )

الضمان والتكافل الاجتماعي في الاسلام

وواجب الدولة في النظام الاسلامي ضمان معيشة الافراد ، وهي بذلك تتبع أحد هذه الطرق الثلاثة ؛ اولها : ان توفر لهم اعمالاً يرتزقون بها الى حد الكفاية . ثانيها : ان تضمن معيشتهم الاساسية في حالة عدم توفر فرص العمل . ثالثها : ان تنشئ لهم هيئات ولجاناً متخصصة لاستحداث مختلف الاعمال في الزراعة والصناعة والاعمال التجارية . وكل هذه الطرق الهادفة لضمان معيشة الافراد يمكن ايجادها ضمن حدود الدولة والنظام الاجتماعي ، لأن الأرض ـ بكل خيراتها ـ لا تبخل على الانسان بعمل ، وان العقل البشري ـ بطاقته الجبارة ـ يفتح آفاقاً واسعة لتطويرمصادر الغذاء في البر والبحار والمحيطات والانهار . وهذه الخيرات تستطيع اشباع ملايين الافراد ، خصوصاً اذا ما استخدمت وسائل الانتاج الزراعي والحيواني الميكانيكية التي تستطيع مضاعفة الانتاج الغذائي بكلفة أقل . وكل هذا النشاط والاستثمار يقع تحت عنوان حق الجماعة في التمتع بمصادر الثروة الاجتماعية ؛ فتضمن الدولة حقوق القاصرين والعاجزين عن العمل ، فضلاً عن حقوق عموم الافراد باستثمار مصادر الثروة الطبيعية بكافة انواعها اشكالها المعروفة . فالأرض بخيراتها الهائلة انما خلقت للجميع كما ورد في قوله تعالى : ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جيمعاً ) (1).
____________
(1) البقرة : 29.

( 35 )

وهذا الضمان ينبع من جوهر النظرة القرآنية للانسان . فالفرد ـ حسب تلك النظرة ـ ليس كياناً مادياً فحسب ، بل هو كيان مادي وروحي كريم ؛ والجوع يمزق هذا الكيان ويحط من قدره ؛ وبذلك فلابد من اشباع حاجاته الاساسية في العيش الكريم . والى هذا التفضيل اشار الكتاب المجيد بقوله : ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) (1). وليس غريباً ان نلمس بكل صراحة ادانة القرآن الكريم للبخل والبخلاء ، واولئك الذين يكنزون اموالهم ويبعدونها عن التداول الاجتماعي ؛ لأن البخل يحرم الافراد من التنعم بالثروات الاجتماعية : ( ويلٌ لكل همزةٍ لمزةٍ ، الذي جمع مالاً وعدده ، يحسب ان ماله أخلده ، كلا لينبذن في الحطمة ) (2) ، ( أرأيت الذي يكذب بالدين ، فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين ) (3) ، ( ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم ، بل هو شرٌ لهم ، سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) (4).
ان من حق المخلوق على الخالق اشباعه وكسوته ، وأي نقض لهذا القانون الكوني انما هو نقض لصميم مفهوم العبودية بين المربوب والرب . فالجائع لا يستطيع عبادة الله ، ولايقدر على تحمل التكاليف الشرعية ؛ فكيف يأمره الخالق ـ اذن ـ بالعبادة ، ولا يضمن له العيش الكريم ؟ ولاشك
____________
(1) الاسراء : 70.
(2) الهمزة : 1 ـ 4.
(3) الماعون : 1 ـ 3.
(4) آل عمران : 180.

( 36 )

ان المولى عز وجل خلق للافراد مصادر غذائهم وكسوتهم ، ولكن سوء التوزيع الذي يقوم به الانسان هو الذي يحرم البعض من حقوقهم ويتخم البعض الآخر . وهذا يفسر ـ الى حد ما ـ تأكيد الاسلام المستمر على الانفاق الواجب والمستحب على الفقراء والمساكين ؛ خصوصاً في موارد الانفاق التي ذكرناها سابقاً ، كالصدقات الواجبة ، والكفارات ، والاضحية ، والانفال.
ولا تتوقف النظرية الاسلامية بمساعدة الفقراء عند الضمان الاجتماعي فحسب ، بل تتعدى في نظرتها الشمولية الى التكافل العام بين جميع افراد المجتمع الانساني ، الذي ينبغي ان يقوم على مبدأين هما :
الاول : مبدأ كفالة الافراد بعضهم البعض كفاية ، وهذا المبدأ لايمكن تجزئته أو فصله عن بقية أحكام الاسلام التي تفرض على المكلفين ضرائب وغرامات مالية أو عينية يرد أغلبها الى الفقراء ، خصوصاً القاصرين والعاجزين.
الثاني : مبدأ الاخوة الذي يعتبره الاسلام حجر الاساس في بناء العلاقات الاجتماعية النظيفة . وقد اشارت الاحكام الشرعية الاسلامية في أكثر من موضع الى ضرورة التحسس لآلام الآخرين وأهمية مشاركة الافراد شعورهم الانساني من افراح واتراح . فالمصائب الجماعية أخف ثقلاً على كاهل الفرد من تلك التي ينوء بحملها الانسان منفرداً دون صديق أو حميم . ولذلك كان مفهوم الاخوة في الاسلام ، وما يترتب عليه من آثار اقتصادية في توزيع الثروة ، من أكثر وسائل التكافل الاجتماعي تأثيراً وأمضاها فعالية في تضييق الفوارق الطبقية بين الافراد . ولئن كان ( المذهب


( 37 )

الفردي ) الذي تدعي النظرية الرأسمالية تفوقه على بقية المذاهب الاجتماعية ، قد نجح في دفع الافراد نحو العمل والابداع (1) ، الا ان التأثيرات الاجتماعية السلبية التي اوقعها ذلك المذهب بالمجتمع الرأسمالي ، تجعله من أكثر المذاهب الاجتماعية فشلاً في تحقيق سعادة الانسان وطموحه في تحقيق مجتمع سعيد متكاتف يقوم على اساس المساواة والعدالة الانسانية.
____________
(1) ( مي برودبك ) . « المذهب الفردي الطريقي : تعريف واختزال » . مقالة فلسفية في مجلة ( فلسفة العلم ) الامريكية ، عدد 25 ، رقم 1 ، 1958 م . ص 1 ـ 22.

( 38 )

نقد فكرة ( العدالة الاجتماعية ) في النظريات الغربية

وتتنافس على الساحة الفكرية الاجتماعية في اوربا وامريكا ، اربع مدارس نظرية في تفسير معنى العدالة الاجتماعية ؛ وهي المدرسة التوفيقية ، والمدرسة الماركسية ، والمدرسة التلفيقية ، ومدرسة ( ماكس وبر ) . فالمدرسة التوفيقية بروادها الثلاثة ( اميلي ديركهايم ) ، و( هربرت سپنسر ) ، و( تاركوت بارسنس ) تؤمن بكل قوة بأن انعدام العدالة الاجتماعية الناتج من فوراق اجور العمل والمكافآت الاجتماعية يساعد بشكل حتمي على ثبات واستقرار النظام الاجتماعي (1) ؛ لأن ارتباط الدور الاجتماعي الذي يقوم به الفرد بالمكافأة المالية التي يستحقها هو الذي يحرك الطاقات الابداعية في النظام الاجتماعي . وقد فندنا آراء هذه المدرسة عندما درسنا موضوع الاجر والمكافأة في بداية هذا الفصل.
ولكن المدرسة الماركسية اصرت على ان انعدام العدالة الاجتماعية ماهو الا نتيجة حتمية للصراع الطبقي الدائر على الساحة الاقتصادية (2) . فتراكم الثروة عند افراد الطبقة الرأسمالية هو الذي ساهم في تصميم شكل القوة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يسيطر بها هؤلاء على مصير
____________
(1) ( دبليو بكلي ) . « انعدام العدالة الاجتماعية والنظرية التوفيقية في التفاضل الاجتماعي » . مقالة علمية في ( المجلة النقدية الامريكية لعلم الاجتماع ) ، عدد 23 ، 1958 م . ص 369 ـ 375.
(2) ( كارل ماركس ) . المخطوطات الاقتصادية والسياسية لعام 1844 م . نيويورك : الناشرون الدوليون ، 1964 م.

( 39 )

الطبقات الاجتماعية الاخرى . الا ان الفشل الذي منيت به الفكرة الماركسية في الاجابة على الاسئلة المطروحة أفقدها الكثير من الانصار . فقد عجزت النظرية عن التنبؤ بظهور طبقة وسطى في المجتمع الرأسمالي . وان افراد هذه الطبقة لا يعملون بالضرورة ضمن توجه الطبقة الرأسمالية وخدمة مصالحها . فأساتذة الجامعات ، والعاملون في الحقول الطبية من بحوث وتطبيب وتمريض أو العاملون في خدمات النقل يعملون اما على اساس الدخل الشخصي أو على اساس كونهم موظفين لشركات كبيرة مملوكة من قبل افراد عديدين عن طريق الاسهم والسندات . وحتى ان ملكية وسائل الانتاج التي تتحدث عنها النظرية المراكسية فانها وان كانت موجودة في عالم اليوم ، الا ان العديد من هذه المؤسسات الصناعية الكبيرة تقع تحت ملكية الألوف من اصحاب الأسهم والسندات وتدار من قبل موظفين يتقاضون اجوراً معينة على جهدهم وعملهم ؛ وفي نهاية المطاف توزع أرباح هذه المؤسسات على الأسهم ومالكيها بالتساوي . فتراكم الثروة في هذه المؤسسات اذن يختلف اليوم عما كان عليه الوضع الاقتصادي في القرن التاسع عشر.
والمدرسة التلفيقية التي حاولت الجمع بين حسنات المدرستين التوفيقية والماركسية لم تتوفق في طرح منهج مقنع جديد لمشكلة انعدام العدالة وسوء توزيع الثروة الاجتماعية (1) . فقد آمنت هذه المدرسة بفكرة المدرسة التوفيقية القائلة بأن حاجات المجتمع الاساسية من الخبرات لابد
____________
(1) ( جيرهارد لينسكي ) . السلطة والامتيازات : نظرية في انعدام العدالة الاجتماعية . نيويورك : ماكرو ـ هيل ، 1966 م.

( 40 )

ان تشغل بالادوار التي يتطلبها ذك المجتمع . وبسبب ملء تلك الحاجات الاجتماعية بالادوار المختلفة ، فقد اختلفت قيمة المكافآت الاجتماعية للعمال والخبراء . وآمنت في نفس الوقت بفكرة المدرسة الماركسية الزاعمة بحتمية الصراح الاجتماعي للمحافظة على ديناميكية المجتمع الانساني باعتبار ان توفر الخيرات بشكل يفيض عن حاجة المجتمع سيؤدي حتماً الى التنافس والصراع الاجتماعي . ولكن هذه المدرسة وقعت في خطأ فادح ، وهو ان زيادة الثروة في المجتمع ، لا تكون بالضرورة عاملاً من عوامل نشر الاجتماعية حرمان الاجتماعي ، فزيادة الثروة وحسن وعدالة توزيعها تؤدي الى رخاء اجتماعي يساهم في رفع الحيف عن المظلومين والمحرومين ؛ لأن العدالة الاجتماعية ترتبط في الاصل بنظام يساهم في توزيع عادل للثروة ، ولا يرتبط بالزيادة المالية نفسها.
ولم يمنع اعجاب الطبقة العاملة والمثقفة الاوروبية في القرن التاسع عشر بأفكار ( كارل ماركس ) ، من تكثيف الجهود العلمية لمناقشتها ونقدها ، والتشكيك بسلامة أسسها الفكرية ؛ وكان من رواد هؤلاء الذين انتقدوا نظرية ( كارل ماركس ) في تحليل العلاقات الاجتماعية على ضوء الصراع الطبقي : العالم الاجتماعي الالماني ( ماكس وبر ) ؛ حيث قدم خلال نقده لافكار ( كارل ماركس ) نظرية جديدة مناقضة تماماً للنظرية الماركسية ، وتتلخص نظرية ( ماركس وبر ) بالقول بأن فكرة نشوء الطبقات الاجتماعية لا تحصل نتيجة الصراع الطبقي ، بل تحصل نتيجة تداخل عوامل ثلاثة ؛ وهي : الاول : العامل الاقتصادي ، والثاني : العامل السياسي ، والثالث :


( 41 )

العامل الاجتماعي ؛ أو بمعنى آخر : الثروة ، والقوة ، والمنزلة الاجتماعية (1) . فاذا أردنا معرفة الطبقة الاجتماعية لمعلم المدرسة مثلاً ، فما علينا الا ان نحسب ثروته المالية ، ونلاحظ قوته السياسية ، ونلمس منزلته الاجتماعية ، ثم نحكم من خلال هذه العوامل الثلاثة على موقعه في الطبقات الاجتماعية . ولكن ( ماكس وبر ) وقع في خطأ واضح وهو ان هذه العوامل الثلاثة متشابكة في الطبقة العليا في المجتمع ، ومستقلة ومنفصلة عن بعضها البعض في الطبقتين الوسطى والفقيرة . فعالم الدين الورع مثلاً غني في النفس ( المنزلة الاجتماعية ) ، فقير في المال ( العامل الاقتصادي ) ، حكيم في القيادة ( العامل السياسي ) . فأين تقع مرتبته في الطبقات الاجتماعية ؛ الطبقة العليا ، ام الوسطى ، أم الفقيرة ؟ ثم الا يمتلك افراد الطبقة الرأسمالية الثروة والقوة السياسية والمنزلة الاجتماعية بينما يمتلك الفقير احياناً المنزلة الاجتماعية ولكنه لا يمتلك الثروة ؟ فأين موقعه في هذه النظرية ؟ هذه الاسئلة لا تجيب عليها نظرية ( ماكس وبر ) لانها تنظر لطبقات النظام الاجتماعي من منظار الطبقة العليا فقط . و( ماكس وبر ) لم يعط تحليلاً صحيحاً أو علاجاً نافعاً لمشكلة انعدام العدالة الاجتماعية في المجتمع الرأسمالي . ولو كان صادقاً في تحليله لنظر الى جوهر المشكلة الاجتماعية وهي مشكلة توزيع الثروات بين الافراد ، وما يصاحب ذلك التوزيع غير العادل من تراكمٍ للثروة وتركيزٍ للقوة السياسية والاقتصادية في طرف معين ، وما يتبعه من تحكم وسيطرة تؤدي الى انعدام العدالة بين الافراد في النظام الاجتماعي.
وبعد ان اثبتنا فشل هذه النظريات في معالجة انعدام العدالة
____________
(1) ( ماكس وبر ) . الاقتصاد والمجتمع . نيويورك : بدمنستر ، 1968 م . الطبعة الاولى عام 1922 م.
( 42 )

الاجتماعية نرجع الى النظرية القرآنية في تثبيت صرح العدالة الاجتماعية في المجتمع الاسلامي ، فقد تعامل القرآن الكريم مع قضية توزيع الثروة الاجتماعية على عدة محاور :
الاول : المحور التعبدي ، حيث يتضح من دراسة الاحكام الشرعية الخاصة بالزكاة المالية وزكاة الفطر والخمس والانفال والاضاحي والكفارات والصدقات المستحبة ، ان الانفاق يعتبر من صميم الاعمال التعبدية التي يجازى على تأديتها المكلف أو يعاقب على مخالفته لها : ( مثل الذين ينفقون اموالهم في سبيل الله كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ، والله يضاعف لمن يشاء ، والله واسع عليم ) (1) ، ( يا أيها الذين آمنوا انفقوا مما رزقناكم من قبل ان يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ) (2).
الثاني : العامل الاخلاقي ، الذي يعتبر المال مجرد وسيلة من وسائل نفع النظام الاجتماعي واشباع حاجات الافراد الاساسية ، فيوصي ـ مثلاً ـ برد المال المأخوذ حرامأً الى صاحبه ، أو صرفه على الفقراء اذا عجز عن معرفة مالكه ، ويوصي أيضاً بمساعدة الافراد الذين ركبتهم الديون ، بستديدها من بيت المال ، ونحو ذلك ، فيقول عز وجل : ( انما الصدقات للفقراء والمساكين ، والعاملين عليها ، والمؤلفة قلوبهم ، وفي الرقاب ، والغارمين ، وفي سبيل الله ، وابن السبيل ، فريضة من الله والله عليم حكيم ) (3).
____________
(1) البقرة : 261.
(2) البقرة : 254.
(3) التوبة : 60.

( 43 )

الثالث : عامل الاعتدال في حجم الضريبة المفروضة على اموال الاغنياء ، والتأكيد على كون الضريبة تخص الفائص من الارباح السنوية ؛ حيث تستثنى المؤونة ومصاريف العمل من النسبة المئوية لأموال الاغنياء . وفي الوقت ذاته يوصي الاسلام بالاعتدال في صرف الزكاة بالنسبة للفقراء ، فلايحق للفقير تبذير المال الذي يستلمه من الحقوق الشرعية ، بل لا يحق للافراد اطلاقاً الاسراف والتبذير : ( ولا تبذر تبذيرا ... ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين ) (1).
الرابع : ان كمية المال الوارد عن طريق الحقوق الشرعية ، تعتبر في الواقع كمية هائلة ؛ وتشديد الاسلام على صرف هذه الكمية الضخمة من المال على الفقراء والمساكين بالخصوص لإشباع حاجاتهم الاساسية في المأكل والملبس والمسكن ، يضعه على صدر الانظمة الاجتماعية التي تنجح في معالجة مشكلة الفقر معالجة حقيقية . وهذا الدور الاسلامي في معالجة المشكلة الاجتماعية مستندٌ على فهم حقيقة الانسان الداخلية في العطاء وحقيقة التكليف الشرعي للافراد في التعاون والتضامن الاجتماعي.
____________
(1) الاسراء : 26 ـ 27.

( 44 )

الاسباب الداعية لاستمرار الظلم الاجتماعي

واذا كانت اكثرية افراد المجتمع مظلومة اجتماعياً ومحرومة من حقوقها الاساسية ، فلماذا لا تطيح هذه الكثرة بالطبقة المتحكمة القليلة العدد ؟ ولماذا يستمر الظلم الاجتماعي لأجيال عديدة وحقب زمنية طويلة دون ان يتزعزع النظام الاجتماعي الظالم ؟ لاشك ان الجواب على هذا السؤال يتطلب ملاحظة عاملين مهمين يتمسك بهما النظام السياسي الحاكم ؛ الاول : السيطرة على منابع القوة لحفظ النظام ، والثاني : ايجاد نظام فكري عقائدي يبرر للغالبية العظمى من افراد المجتمع أحقية هذا النظام في البقاء.

أ ـ السيطرة على منابع القوة الاجتماعية :
لاشك ان القاعدة الاقتصادية لجماعة ما تلعب دوراً مهماً في التركيبة الاجتماعية والثقافية للمجتمع ككل . بمعنى ان الجامعة التي لها قوة اقتصادية عظيمة ، تستطيع ان تترجم هذه القوة الاقتصادية الى قوة سياسية ، وتتمكن من خلالها السيطرة على المؤسسات الاجتماعية الاساسية ، كمؤسسات الحكومة ، والقضاء ، والتعليم ، والطب ، ونحوها . وقد اشار القرآن الكريم بشكل اجمالي الى اهمية المال في القوة الاجتماعية كما جاء على


( 45 )

لسان موسى (ع) : ( انك اتيت فرعون وملأه زينة واموالاً في الحياة الدنيا ) (1) ، وفي موضع آخر : ( وامددناكم باموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا ) (2) ، ( كانوا أشد منكم قوة وأكثر اموالًا واولاداً ) (3) ، و( وآتيناه من الكنوز ما ان مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة ) (4) . والمال في النظام السياسي الظالم ، هو المحرك الاساس لكل المؤسسات الاجتماعية ؛ فالقانون في ذلك المجتمع يدافع عن الثري ولا يحمي الفقير . والمؤسسات المتلبسة بالدين في المجتمعات الرأسمالية تدعم النظام الاجتماعي الظالم ولا تنادي بالاطاحة به . وحتى المؤسسات التعلمية تمجد حسنات النظام السياسي ولا تنتقد أخطاءه وسلبياته . وبالتالي فان الطبقة الغنية الحاكمة تصبح هي الوطن والعرض والدين ؛ ومن يهاجمها فانما يهاجم كل المقدسات التي يؤمن بها الافراد في الطبقات الاجتماعية . وشخص كهذا ـ بعرفها ـ خارج عن الاجماع العام الذي أقره العرف الاجتماعي وأمضاه القانون.

ب ـ النظام الفكري لطبقة الاقوياء :
ولاشك ان النظام الفكري والثقافي لأي مجتمع هو النظام الفكري الذي تتبناه الطبقة الحاكمة . فطبقة العمال الحاكمة في المجتمع الشيوعي
____________
(1) يونس : 88.
(2) الاسراء : 6.
(3) التوبة : 69.
(4) القصص : 76.

( 46 )

المندثر ـ مثلاً ـ تفرض ـ بكل قوة ـ الفكر الذي تتبناه وتؤمن به . وعندها ، يصبح الفكر الشيوعي هو الفكر المسيطر على الساحة الفكرية في المجتمع . والفكر الذي تؤمن به النظرية الرأسمالية يسيطر على كل توجهات المجتمع الرأسمالي . وهكذا ترى ان الافكار تابعة للحكام ، كما ان الاحكام تابعة للاسماء في المصطلح الاصولي . ويشير القرآن الكريم الى هذا المفهوم ايضاً عندما يتعرض لممارسات فرعون في اقناع الافراد بأنه هو الاله الذي ينبغي ان يعبد : ( وقال فرعون يا ايها الملأ ما علمت لكم من إلهٍ غيري ) (1) ، ( وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الاسباب ) (2) ، فهو المستخف المستهتر بالقيم السماوية : ( قال فرعون وما رب العالمين ) (3) ، ( قال فرعون ما اريكم الا ما أرى وما أهديكم الا سبيل الرشاد ) (4) ، وهو الذي يبث الرعب في قلوب الناس : ( على خوفٍ من فرعون وملأهم أن يفتنهم ) (5) ، وهو الذي يمتلك القوة والارادة الطاغوتية : ( وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم ) (6) ، ( قال فرعون آمنتم به قبل ان إذن لكم ) (7) ، وهو الذي يؤمر فيطاع : ( فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى ) (8) ، ( فأتبعهم فرعون
____________
(1) القصص : 38.
(2) غافر : 36.
(3) الشعراء : 23.
(4) غافر : 29.
(5) يونس : 83.
(6) يونس : 79.
(7) الاعراف : 123.
(8) طه : 60.

( 47 )

بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم ) (1) ، ( فأرسل فرعون في المدائن حاشرين ) (2) ، وهو الذي طغى واستعلى في الارض : ( وان فرعون لعالٍ في الارض وانه لمن المسرفين ) (3) ، ( اذهبا الى فرعون انه طغى ) (4) ، ( وأضل فرعون قومه وما هدى ) (5).
ولاشك ان احفاد فرعون اليوم يمارسون طرقاً فكرية تؤدي الى نتائج تشابه ما أدت اليه سياسة فرعون ، وهي السيطرة على الحكم والنظام الاجتماعي بالقوة . وأقرب مثال على ذلك هو سياسة النظام الرأسمالي الغربي ؛ فان أخطر فكرة يرهبها ذلك النظام هي فكرة ( العدالة الاجتماعية ) ؛ ولذلك فاننا لا نتحسس لصدى هذه الكلمة في الساحة الاعلامية أو الفكرية أو السياسية الرأسمالية . بل يحاول ذلك النظام بكل جهد استبدال كلمتي ( العدالة الاجتماعية ) بـ ( الحلم الامريكي ) . والحلم الامريكي فكرة مزيفة تحاول الايحاء لأفراد النظام الاجتماعي بأن جمع الثروة الاجتماعية وتراكمها مبني ـ حسب الفكرة الرأسمالية ـ على أساس الجهد والعمل (6) . ولكنها تتناسى بأن الثروة العينية الموجودة في المجتمع لما كانت محدودة بحدود توفر النقد المتداول ، أصبح تحقيق ( الحلم الامريكي ) اداةً لحرمان بقية الافراد الذين يعيشون على نفس الأرض الاجتماعية ؛ لأن أية زيادة مالية في دخل
____________
(1) طه : 78.
(2) الشعراء : 53.
(3) يونس : 83.
(4) طه : 43.
(5) طه : 79.
(6) ( كريستوفر جنكز ) وآخرون . من الذي يسبق ؟ العوامل الحاسمة في النجاح الاقتصادي في امريكا . نيويورك : الكتب الاساسية ، 1979 م.

( 48 )

طبقة اجتماعية معينة يؤدي الى اختلال اقتصادي واجتماعي ونقيصة في الطبقات الاجتماعية الاخرى.
وعلى ضوء ما ذكرناه ، فان الطبقة الرأسمالية الغنية المتحكمة بشؤون النظام الاجتماعي تحاول ادانة الفقراء والمظلومين ووصمهم بالفشل الاقتصادي في جني الاموال ، فتزعم بأن الفقراء والمستضعفين لو كان لهم قدر من الذكاء والمهارة لما استغرقت رحلتهم من صحراء الاحلام الى شاطئ الواقع وقتاً طويلاً . وهذا الالصاق الفكري تستخدمه الطبقة الرأسمالية الحاكمة حتى تبقى متمسكة بمواقعها السياسية والاجتماعية القوية . وهذا الاسقاط النفسي بلوم الفقراء على فقرهم وتشجيعهم على الايمان بالحظ والمصير المكتوب ونحوها يخدم النظام الطبقي الرأسمالي لأنه يحاول تخدير الفقراء الى امد غير محدود . ولذلك ، فان أية حركة فكرية تحاول ايقاظ الغافلين من غفلتهم ونومهم تواجه بأقسى واعنف الوسائل.
والاسلام بكل ابعاده العبادية والاجتماعية ، خصوصاً فيما يتعلق بفكرة العدالة الاجتماعية ، يمثل هذه الحركة الموضوعية التي تحاول ايقاظ هؤلاء النائمين من نومهم العميق ، ولذلك فان محاربته تستدعي استخدام اقسى وسائل البطش والتنديد ؛ على عكس الديانات الاخرى التي تشجعها الانظمة الاجتماعية الظالمة ، كالهندوسية مثلاً التي تؤمن بأن روح الفرد المطيع تحل في اجسام افراد الطبقة العليا في المجتمع ، وروح العاصي لتعاليم الهندوسية تحل في اجسام افراد الطبقة الفقيرة (1) ؛ لأن الفقر ما هو الا عقابٌ للارواح العاصية ، فلا يستطيع حينئذ ان ينتقل الافراد من الطبقة الفقيرة
____________
(1) ( لويس رينو ) . الهندوسية . نيويورك : برازيلر ، 1962 م.

( 49 )

المحكومة الى الطبقة الثرية الحاكمة.
والنظام الكنسي النصراني في القرون الوسطى كان عونأً للنظام الاقطاعي السائد في اوروبا . فطا لما كان الملك مفوضاً من قبل الله سبحانه وتعالى بالتصرف بأرواح واموال واعراض الناس ، فان الجرائم المنسوبة للطبقة الحاكمة انما هي نتيجة طبيعية للارادة الالهية والعمل الرباني ، وليس للافراد دخل في تغييرها أو ادانتها ! اذن ليس غريباً ان نجد افراداً عاشوا آثار تلك الافكار مثل ( كارل ماركس ) وغيره آمنوا ـ بعد ان رأوا بأم أعينهم فظائع سلوك رجال الكنيسة ـ بأن الدين أفيون الشعوب . وليس هناك شك بأنهم كانوا يقصدون النصرانية الكنيسة في ذلك ، لأنهم رأوا آثار احكام بابوية القرون الوسطى الزاعمة بأن النظام الاجتماعي الظالم لا يجوز تغييره أو ادانته عن طريق الثورة والعنف ، لأن ذلك النظام ما هو الا تصميم الهي للبشرية المعذبة ! وحتى ان فكرة الاستعمار الاوربي للمناطق الآمنة في افريقيا وآسيا لنهب ثروات العالم الاسلامي في القرون الاربعة الاخيرة ، صورت من قبل الطبقة الرأسمالية على انها من أنبل قضايا الرجل البيض . وكان هدفها بالأصل ـ بزعمهم ـ رفع غائلة البدائية والمرض والفقر عن رجال المجتمعات المتخلفة ، ورفع علم الحضارة والتقدم في ثنايا تلك المجتمعات (1) . وربما اعتقد فقراء المجتمع الرأسمالي في الماضي ان ادعاءات الرجل الاوروبي الابيض فيما يتعلق بفقراء العالم صحيحة ؛ ولكن تبين لهم فيما بعد ان الذي استعبدهم لقرون طويلة لا يمكن ان يعدل مع افراد آخرين يختلفون عنه في الجنس واللغة والدين.
____________
(1) ( جوزيف كونراد ) . قلب الظلام . نيويورك : سانت مارتن ، 1989 م.

( 50 )

وعليه ، فان النظام الفكري للطبقة الحاكمة هو الذي يبقي الظلم الاجتماعي قائماً ، مع ان الطبقة الحاكمة قليلة العدد والطبقة المحكومة تمثل أغلبية أفراد النظام الاجتماعي ، ويأتي المال الذي يعكس منابع القوة الاجتماعية ليتوج سيطرة نظام الظلم الاجتماعي على كل مقدرات الحياة الانسانية.