مفاهيم القرآن ـ الجزء الثاني ::: 31 ـ 40
(31)
2
لماذا يرفض البعض وجود الحكومة؟
    « إنّ المنكرين لضرورة وجود الدولة في الحياة الاجت ـ ماعيّة على طائفتين :
    الاولى : من يقول بعدمها ، ويعلّل ذلك بفلسفة ونظرية معتبرة عنده وهم ماركس وأتباعه.
    الثانية : من ينكر ذلك لمجرّد عوامل نفسيّة وهم على فرق ثلاث ».
    رغم أنّ ضرورة قيام الدولة وايجادها لم تكن موضع ترديد وشكّ ـ كما أثبتت البحوث المتقدّمة ـ لما فيها من ضمان لسعادة الحياة الانسانيّة وتقدم الحضارة وديمومتها واستقامتها، فإنّ هناك شرذمةً قليلةً من الناس تستوحش من قيام الدولة وتتوجّس خيفةً من وجودها وتنفي ضرورتها .. وربّما يصبُّ بعضهم هذا المذهب الباطل في قالب منطقيّ فيقول : إنّ وجود الحكومة ضرورة ملحّة للبشر لفترة خاصة من الزمان فقط ، وليس دائماً.
    وينقسم أصحاب هذا الرأي إلى طوائف أربع :
    الطائفة الاُولى : هم ماركس ومؤيّدوه ، فهم يعتقدون بضرورة وجود الدولة مادام المجتمع البشريّ يعاني من « الصراع الطبقي » ولكنّه بعد استقرار الشيوعيّة وزوال جميع


(32)
الفوارق والمشكلات الاقتصاديّة تنتفي الحاجة إلى الدولة.
    وقد مضت الإجابة الكاملة على هذه النظرية الخاطئة في الجزء الأوّل من كتابنا.
    فهناك قلنا : بأنّ الدوافع الحقيقية إلى وجود الدولة لاتنحصر في المسائل الماديّة ، والمشاكل الاقتصاديّة ، ليزول الاختلاف والتصارع بمجرّد محو الفوارق الطبقيّة ، وزوال الصراع الطبقي وتنتفي الحاجة إلى الدولة. بل هناك دوافع أخلاقيّة وغرائزيّة إلى جانب المسائل الاقتصاديّة ـ سبق شرحها ـ (1) ولأجلها لامناص للمجتمع ـ كيفما كان ـ من تأسيس الدولة وإقامتها.
    الطائفة الثانية : هم أصحاب السوابق السوداء الذين تضمن الأوضاع الفوضويّة وغياب السلطة الحكومية مصالحهم الخاصّة ، ويخشون طائلة الحساب والعقاب والملاحقة والمؤاخذة ، ولذلك نجدهم يعارضون وجود الدولة ليتسنّى لهم المضيُّ في ما يريدون دون محاسب أو رقيب ، ودون شيء يعرّض مصالحهم للخطر ، ويسدّ عليهم طريق النهب والسلب !!
    الطائفة الثالثة : وهم الذين لم يعهدوا من الحكومات إلاّ العنف والجور والاستبداد وخدمة الأقوياء ، وسحق المستضعفين وهضم حقوقهم ، وامتصاص دمائهم ، ونهب خيراتهم وهدر كرامتهم. فهم بمجرد سماع لاسم الدولة يتذكرون فوراً تلك الحكومات الجائرة وسجونها المخيفة ، وتعذيبها الوحشيّ الذي كان ينتظر أيّ معارض أو معترض .. ولذلك فهم ينفرون من سماعهم اسم الدولة ، ويخشون من قيامها أشدّ خشيةً لما يلازمها من صور الاستبداد والعنف والظلم !!
    غير أنّ هذا الفريق لو تسنّى له أن يقف على صيغة( الحكومة الإسلاميّة) بخصائصها المطلوبة منها ، وما تتّسم به من إنسانيّة ورحمة وعدل، لما اتخذ هذا الموقف السلبيّ من الحكومة التي يدعو الإسلام إلى انشائها وايجادها. بل لاستقبلها برحابة صدر ، ولسعى إلى إيجادها وإقامتها سعياً.
    1 ـ راجع الجزء الاول من كتابنا : 572.

(33)
    الطائفة الرابعة : هم الذين يبتغون الحرّيات الفرديّة مطلقةً لا تحدُّها حدود ، أو يتصورون أنّ قيام الدولة والحريّة الفرديّة أمران متناقضان لا يجتمعان .. فالدولة تزاحم هذه الحريات وتحدّها على الإطلاق.
    والحقُّ أنّ هذا الفريق لم يفرّق بين الحرية اللائقة بالإنسان ، اللازمة له ، والحريّة السائدة في عالم الغاب.
    فالحريّة السائدة في الغاب، تعني عدم التقيّد بأيّة سنّة معقولة ، وأي قانون يحفظ الحقوق وأيّ حدود تحفظ الكرامات .. فهناك تفعل الحيوانات والوحوش ما تشاء ، بمجرّد أن تكون ذات قوّة غالبة ، وشهوة عارمة ومخالب أشدّ فتكاً وبأساً.
    وأمّا الحرية اللائقة بالانسان الجديرة بشأنه ومكانته، فهي التي تكون ضمن قوانين وسنن وحدود وموازين معقولة تضمن نموّ القوى البشريّة ، وتكامل المواهب الإنسانيّة وسيرها في الاتجاه الصحيح ، وبلوغها إلى كمالها الممكن ، ولا يتأتّى ذلك إلا في إطار حريّة معقولة محسوبة.
    وبعبارة اخرى : أنّ الحريّة الصحيحة اللائقة بالإنسان إنّما هي توفير الفرصالمناسبة لنموّ الاستعدادات والقابليّات الانسانيّة في الفرد والمجتمع ، لانتقالهامن مرحلة القوّة إلى مرحلة الفعليّة ، وبالتالي رشدها وبلوغها إلى درجة الكمال الممكن.
    وحيث إنّ هذا النمو والبلوغ لايمكن أن يتمّ في جو من الفوضى ، بل لابدّ من شروط وحدود، تكون القوانين والسنن الصالحة هي تلك الشروط التي تضمن ذلك البلوغ ، لا أن تقيّده وتمنع من تحقُّقه كما يتوهّم.
    وحول الحريّة المعقولة الصحيحة يقول الإمام الصادق (عليه السلام) لإسماعيل البصريّ : « تقعدون في المكان فتحدّثون وتقولون ما شئتم ، وتتبرّؤون ممّن شئتم ، وتولّون من شئتم ؟ ».
    قال إسماعيل : نعم.


(34)
    قال الإمام (عليه السلام) : « وهل العيش إلا هكذا » (1).
    إنّ الحريّة الصحيحة في نظر الإمام (عليه السلام) هو أن يستطيع الإنسان أن يختار عقيدته وولاءه بنفسه بعد أن يتبيّن له الرشد من الغيّ ، ليستطيع في ظلّ الاختيار الإراديّ الصحيح، أن يسير في طريق التكامل الإنسانيّ المطلوب.
    إنّ الحكومة النابعة من إرادة الشعب فضلاً عن الحكومة التي يدعو إليها الإسلام، لاتهدف إلاّ حراسة مثل هذه « الحريّة المعقولة » التي تساعد المواهب والقابليات على التفتُّح والنموّ والتكامل ، فلا مخالفة ولا منع ولا تحديد.
    هذا مضافاً إلى أنّ الحاكم في نظام الحكم الإسلاميّ بما أنّه من جانب اللّه سبحانه، لا يأمر ولا ينهى إلا بما أمر اللّه به أو نهى عنه ، وهو تعالى لا ينهي عن شيء ولايأمر إلاّ بما فيه كمال الإنسان وارتقاؤه وتفتُّح مواهبه ونموّها ، ودفع قابلياته واستعداداته إلى مرحلة الفعليّة والتحقّق ، والنضج.
    وإليك شطراً من النصوص الإسلاميّة التي ترسم لنا بعض ملامح الحكومة التي ينشد الإسلام إيجادها وإقامتها ، آخذين هذه النصوص من القرآن الكريم والأحاديث الإسلاميّة الصحيحة.

ملامح الحكومة الإسلاميّة حسب النصوص :
    إنّ الحاكم الإسلاميّ ـ في منطق القرآن وحسب تشريعه ـ ليس مجرّد من يأخذ بزمام الجماعة كيفما كان ، ويأمر وينهى بما تشتهيه نفسه ، ويحكم على الناس لمجرّد السلطة وشهوة الحكم ، بل هو ذو مسؤوليّة كبيرة وثقيلة أشار إليها القرآن الكريم بقوله :
    ( الّذِينَ إِنْ مَكّنّاهُمْ فى الأرْضِ أَقَامُوا الصّلاةَ وَءَاتَوُاْ الزّكاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عَاقِبةُ الاُمُورِ ) (الحج : 41).
    1 ـ الكافي 8 : 229.

(35)
    فالمسؤوليّات الملقاة على عاتق الحاكم في الإسلام عبارة عن :
    1 ـ إقامة الصلاة ، وتوثيق عرى المجتمع الإسلاميّ بربّه الذي فيه كلّ الخير.
    2 ـ إيتاء الزكاة الذي فيه تنظيم اقتصاده ومعاشه.
    3 ـ الأمر بالمعروف ، وإشاعة الخير والصلاح في المجتمع.
    4 ـ النهي عن المنكر ، ومكافحة كلّ ألوان الفساد والانحراف ، والظلم والزور.
    ومن المعلوم، أنّ حكومةً كهذه ، توفّر للاّئقين والصالحين وذوي القابليات والمواهب فرصاً مناسبةً لإبراز مواهبهم ، وتهيّىء الظروف المساعدة لتنمية استعداداتهم العلميّة والفكريّة ، في جميع المجالات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّةوتدفعها في طريق التقدُّم والازدهار.
    فإذا كانت هذه الحكومة التي ينشدها الإسلام ويدعو النّاس كافّة إلى إقامتها فأيُّ شيء يبرّر الخوف والاستيحاش منها ؟ ولماذا يخشى البعض من إقامتها وهي أجدر الحكومات بإسعاد الشعوب ، وإصلاح أمرها ، وضمان مصالحها ، وحماية حقوقها وكرامتها على أحسن وجه ؟
    وسيوافيك بعض الآيات الاخرى في المباحث الآتية.
    وأمّا ما يصور لنا ملامح الحكومة الإسلاميّة من الأخبار والأحاديث، فقول الرسول الأكرم محمّد صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم : « لا تصلح الإمامة إلا لرجل فيه ثلاث خصال :
    ورع يحجزه عن معاصي اللّه.
    و حلم يملك به غضبه
    وحسن الولاية على من يلي حتّى يكون لهم كالوالد الرّحيم » (1).
    وقولهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في ردّ من قال : بئس الشّيءالإمارة ، فقال النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم : « نعم الشّيء الإمارة لمن أخذها بحلّها وحقّها ، وبئس الشّيء الامارة لمن أخذها بغير حقّها وحلّها تكون عليه
    1 ـ الكافي 1 : 407.

(36)
يوم القيامة حسرةً وندامةً » (1).
    وقوله صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في جواب من سأله عن الإمارة ، فقال : « إنّها أمانة وإنّها يوم القيامة حسرةً وندامةً، إلاّ من أخذها بحقّها وأدّى الذي عليه فيها » (2).
    وقوله صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم : « لعمل الإمام العادل في رعيّته يوماً واحداً أفضل من عبادة العابد في أهله مائة عام » (3).
    ولمّا دخل « سعد » على « سلمان » عندما كان حاكماً في المدائن ، يعوده في مرضه ، قال له سعد : « اعهد علينا أبا عبد اللّه عهداً نأخد به ».
    فقال : « اذكر اللّه عند همّك إذا هممت ، وعند يدك إذا قسمت ، وعند حكمك إذا حكمت » (4).
    وهذه صورة عن التربية الإسلامية التي ربّى بها الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أصحابه وأتباعه. فهو ربّاهم على، أن يذكروا اللّه عند العزم على كلّ شيء ، وعند القسمة ، والحكم.
    ثمّ هاهو رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يتحدّث عن مسؤولية الحاكم، اتّجاه الاُمّة الإسلاميّة التي يأخذ بزمام حكمها فيقول : « كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته.
    فالأمير الذي على النّاس، راع عليهم وهو مسؤول عنهم.
    والرّجل، راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم.
    وامرأة الرّجل، راعية على بيت زوجها ، وولدها وهي مسؤولة عنهم
    ألا فكلّكم راع ، وكلّكم مسؤول عن رعيّته » (5).
    كما يمكن أن تستجلى ملامح الحكومة الإسلاميّة وصفات الحاكم الإسلاميّ من قول الإمام عليّ (عليه السلام) الذي يرسم لنا ما على الحاكم الإسلاميّ، اتّجاه الشعب ، وما
    1 ـ كتاب الأموال للحافظ أبي عبيد سلام بن القاسم المتوفّى عام 225 هـ : 10.
    2 ـ الأموال : 10 ـ 13 ـ 13 ـ 1.
    3 ـ الأموال : 10 ـ 13 ـ 13 ـ 1.
    4 ـ الأموال : 10 ـ 13 ـ 13 ـ 1.
    5 ـ الأموال : 10 ـ 13 ـ 13 ـ 1.


(37)
على الشعب، اتّجاه الحاكم إذ يقول ـ في وضوح كامل ـ :
    « و أعظم ما افترض اللّه من تلك الحقوق، حقُّ الوالي على الرّعيّة وحقُّ الرّعيّة على الوالي ، فريضةً فرض اللّه سبحانه ، لكلّ على كلّ ، فجعلها نظاماً لالفتهم ، وعزاً لدينهم ، فليست تصلح الرّعيّة إلا بصلاح الولاة ، ولا يصلح الولاة إلا باستقامة الرّعيّة.
    فإذا أدّت الرّعيّة إلى الوالي حقّه وأدّى الوالي إليها حقّها عزّ الحقُّ بينهم ، وقامت مناهج الدّين ، واعتدلت معالم العدل وجرت على أذلالها السُّنن ، فصلح بذلك الزّمان ، وطمع في بقاء الدّولة ويئست مطامع الأعداء ، وإذا غلبت الرّعيّة واليها أو أجحف الوالي برعيّته اختلفت هنالك الكلمة ، وظهرت معالم الجور ، وكثر الإدغال في الدّين ، وتركت محاجُّ السُّنن ، فعمل بالهوى ، وعطّلت الأحكام وكثرت علل النفوس ، فلا يستوحش لعظيم حقّ عطّل ، ولا لعظيم باطل فعل ، فهنالك تذلُّ الأبرار ، وتعزُّ الأشرار ، وتعظّم تبعات اللّه عند العباد » (1).
    ثمّ إنّ الإمام عليّاً (عليه السلام) يصرّح في هذه الخطبة ذاتها بالحقوق المشتركة والمسؤوليات المتقابلة إذ يقول : « أمّا بعد ، فقد جعل اللّه لي عليكم حقّاً بولاية أمركم ، ولكم عليّ من الحقّ مثل الذي لي عليكم ».
    ثم يشير الإمام (عليه السلام) في هذه الخطبة إلى واحدة من أنصع القوانين الإسلاميّة، وهو قانون التسوية بين جميع أفراد الاُمّة الإسلاميّة حكّاماً ومحكومين ، رؤوساء ومرؤوسين ، وزراء ومستوزرين ، وبذلك ينسف فكرة : أنا القانون ، أو أنا فوق القانون ، فيقول (عليه السلام) : « ... الحقُّ لا يجري لأحد إلاّ جرى عليه ، ولا يجري عليه إلاّ جرى له ».
    وعلى هذا، فلا تمييز ولا تفرقة بين الحاكم والمحكوم بل الجميع أمام القوانين الإسلاميّة المدنيّة والجزائيّة وغيرها سواء ، وعلى الحاكم والرئيس أن يؤدّي حقوق الناس كأيّ فرد من أفراد الاُمّة العاديين ، وبذلك يدعم الإمام ما روي عن الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم إذ يقول : « النّاس أمام الحقّ سواء ».
    1 ـ نهج البلاغة : الخطبة 211 ، طبعة عبده.

(38)
    وهو (عليه السلام) في موضع آخر يلخّص هدف الحكم الإسلاميّ في كلمتين لا أكثر، يقول ابن عبّاس : دخلت خيمة عليّ (عليه السلام) بذي قار ، فوجدته يخصف نعله ، فقال لي : « ما قيمة هذه النعل » ؟
    فقلت : لا قيمة لها.
    فقال : « واللّه لهي أحبُّ إليّ من إمرتكم إلاّ أن أقيم حقّاً أو أدفع باطلاً » (1).
    ثمّ ها هو (عليه السلام) يوصي أحد ولاته بقوله : « ... وأشعر قلبك الرّحمة للرّعيّة والمحبّة لهم ، واللطف بهم ، ولا تكوننّ عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فإنّهم صنفان : إمّا أخ لك في الدّين أو نظير لك في الخلق » (2).
    فإذن ليست الحكومة في ظلّ الإسلام إلاّ الرحمة والمحبّة واللطف التي يجب أن تعمّ كلّ المواطنين ، لا السبعيّة والغلظة التي تتّصف بها الحكومات غير الإسلاميّة.
    كما يمكن أن نعرف طبيعة الدولة الإسلاميّة من كلام الإمام الشهيد الحسين بن عليّ (عليه السلام) إذ يقول : « اللّهمّ ، إنّك تعلم أنّه لم يكن ما كان منّا تنافساً في سلطان ، ولا التماساً من فضول الحطام ولكن لنري المعالم من دينك ونظهر الإصلاح في بلادك ويأمن المظلومون من عبادك ، ويعمل بفرائضك وسننك وأحكامك » (3).
    إنّ المتخوّفين من قيام الدولة مطلقاً أو من قيام الحكومة الإسلاميّة خاصّةً، إمّا أنّهم يجهلون أهداف الحكومة الإسلاميّة ، وإمّا أنّهم من ذوي السوابق السوداء والمطامع الرخيصة، فيرعبهم قيام الحكومة الإسلاميّة العادلة خيفةً من الفضيحة ، أو خشيةً من العقاب.
    إنّ الدولة الإسلامية لاتشمل المواطنين المسلمين فقط، بعدلها ورحمتها ولطفها ، بل تشمل من سواهم من أهل الملل الاخرى كاليهود والنصارى وغيرهم، بذلك حتّى
    1 ـ نهج البلاغة : الخطبة 32.
    2 ـ نهج البلاغة : الرسالة 53 لمالك الأشتر واليه على مصر.
    3 ـ تحف العقول : 172 ، طبعة بيروت.


(39)
أنّهم يجدون في ظلّها من كرامة العيش ، وشرف الحياة مالا يجدون نظيره في ظّل الدول المتديّنة بدينهم ، والمنتحلة لعقائدهم ، والتاريخ الإسلاميّ المدوّن أفضل دليل على ذلك.
    ففي التاريخ الإسلاميّ نرى ، كيف كان يرجّح النصارى واليهود الحياة في ظلّ الدولة الإسلاميّة ورعايتها على الحياة في ظلّ السلطات والدول التي كانوا يعيشون فيها ، وكيف أنّهم كانوا يفتحون صدورهم للفتوحات الإسلاميّة ، ويقبلون بسيادة المسلمين لأنّهم كانوا يجدون في كنفهم دفء الرحمة وحرارة الإيمان وبرد الإحسان.
    ولأجل ذلك، فإنّ أوّل خطوة خطاها رسول الإسلام صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بعد استقراره في يثرب ـ المدينة ـ وبعد تشكيل أوّل حكومة إسلاميّة هو عقد وثيقة تعايش بين المسلمين وغيرهم وقّعها النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم والمسلمون وأهل المدينة من اليهود وغيرهم ، تحدّد العلاقات الإنسانيّة ، والحقوق المتقابلة بين المسلمين وغيرهم ، وهي بذلك تعتبر قانوناً أساسياً للدولة الإسلاميّة ، بل تمثّل وثيقةً عالميّةً خالدةً لحقوق الإنسان.
    وإليك مقتطفات مهمّة من هذه الوثيقة : « بسم اللّه الرّحمن الرّحيم .. هذا كتاب من محمّد النبيّ [ رسول اللّه ] بين المؤمنين والمسلمين من قريش و [ أهل ] يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم ، إنّهم امّة واحدة من دون النّاس ».
    ثمّ بعد أن ذكر النبيّ القبائل الإسلاميّة وما يقع عليها من مسؤوليّة حفظ الأمن ومساعدة الضعيف وإجراء العدل والقسط، ذكر اُموراً ترتبط بعامة المسلمين فكتبصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يقول : « وأن لايخالف مؤمن مولى مؤمن دونه [ أي لا ينقض عهداً عهده مع غيره ] وإنّ المؤمنين المتّقين أيديهم على كلّ من بغى منهم ، أو ابتغى دسيعة ظلم ، أو إثماً ، أو عدواناً أو فساداً بين المؤمنين ، وإنّ أيديهم عليه جميعاً ولو كان ولد أحدهم..
    وإنّه من تبعنا من يهود فإنّ له النّصر والاسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم.
    وإنّ يهود بني عوف امّة مع المؤمنين ، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم


(40)
وأنفسهم ، إلاّ من ظلم و أثم فإنّه لا يوتغ إلاّ نفسه وأهل بيته.
    وإنّ على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم ، وإنّ بينهم النّصر على من حارب أهل هذه الصّحيفة وإنّ بينهم النُّصح والنّصيحة والبرّ دون الإثم » (1).
    وخلاصة هذا الكتاب ـ الميثاق ـ هي :
    1 ـ جعل المسلمين امّةً واحدةً على اختلاف شعوبهم وقبائلهم.
    2 ـ إقرار المهاجرين من قريش على عاداتهم وسننهم في أحكام الديات والدماء ، وقد نسخ ذلك فيما بعد بفرض الحدود والديات على أسلوب خاص.
    3 ـ مسؤولية المهاجرين عن فداء أسيرهم وتخليصه من أيدي المشركين.
    4 ـ المسؤوليّة الشاملة لجميع الطوائف والقبائل بأن تفدي أسيرها بالقسط والمعروف.
    5 ـ إقرار القبائل التي وردت أسماؤها في الصحيفة على عاداتهم ، وإنّ كلّ طائفة منهم مسؤولة عن فداء عانيها.
    6 ـ قيام المؤمنين بإعانة المثقل منهم بالديون من أجل الفداء.
    7 ـ إنكار البغي والظلم وشجبه في جميع المجالات ومناهضة القائم به وإن كان ولداً لأحدهم فإنّهم مسؤولون عنه جميعاً لو أخلّوا به.
    8 ـ عدم قود المؤمن بالكافر لو قتله ، فتؤخذ منه الديّة لا غير.
    9 ـ منح أدنى المسلمين أن يجير أيّ شخص شاء.
    10 ـ عدم السماح للمشركين بأن يجيروا مالاً أو دماً للمشركين من قريش.
    11 ـ إنّ القاتل للمؤمن من غير سبب يقاد به إلاّ أن يرضي أولياء المقتول بالديّة فتؤخذ منه.
    1 ـ سيرة ابن هشام 1 : 501 ، الأموال : 517 طبعة مصر ، البداية والنهاية 3 : 224 ـ 226.
مفاهيم القرآن ـ الجزء الثاني ::: فهرس