ووقع المصاب ، وفرط الأذى ، واللفظ فيها رفيق رقيق ، ولكن المعنى شديد غليظ .
وللدلالة على هذا الملحظ ، فقد وردت المادة في صوتها الحالم هذا مقترنة بالمس الرفيق لاستخلاص الأمرين في حالتي ، السراء والضراء ، الشر والخير ، كما في كل من قوله تعالى :
أ ـ ( وقالوا قد مس ءابآنا الضرآء والسرآء ) (1) .
ب ـ ( إن الإنسان خلق هلوعاً * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعاً ) (2) .
فالضراء تمسهم إذن ، والسراء تمسهم كذلك ، والشر يمسهم والخير كذلك ، ولم يشأ القرآن العظيم تغيير المادة بل اللفظ عينه في الحالتين ، وذلك للتعبير عن شدة الملابسة والملامسة والالتصاق .
وكما ورد اللفظ في مقام الضر منفرداً في أغلب الصيغ ، وورود مثله جامعاً لمدركي الخير والشر ، فقد ورد للمس الجميل خاصة في قوله تعالى : (إن تمسسكم حسنة تسؤهم ) (3) .
وقد ينتقل هذا اللفظ بدلائله إلى معان آخر ، لا علاقة لها بهذا الحديث دلالياً ، وإن تعلقت به صوتياً ، كما في إشارة القرآن إلى المس بمعنيين مختلفين أخريين.
الأول : كنى فيه بالمس عن النكاح في كل من قوله تعالا :
أ ـ ( قالت أنا يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ) (4) .
ب ـ ( لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن ) (5) .
الثاني : وقد عبر فيه بالمس عن الجنون كما في قوله تعالا :
____________
(1) الأعراف : 95 .
(2) المعارج : 19 ـ 21 .
(3) آل عمران : 120 .
(4) مريم : 20 .
(5) البقرة : 236 .

( 185 )

( الذين يأكلون الربوا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخطبه الشيطان من المس ) (1) .
وقد اجتمعت كلها في طبيعة الصوت .

الألفاظ دالة على الأصوات :
توافرت طائفة من الألفاظ الدقيقة عند إطلاقها في القرآن ، وتتميز هذه الدقة بكون اللفظ يدل على نفس الصوت ، والصوت يتجلى فيه ذات اللفظ ، بحيث يستخرج الصوت من الكلمة ، وتؤخذ الكلمة منه ، وهذا من باب مصاقبة الألفاظ للمعاني بما يشكل أصواتها ، فتكون أصوات الحروف على سمت الأحداث التي يراد التعبير عنها .
يقول ابن جني ( ت : 392 هـ ) « فأما مقابلة الألفاظ بما يشكل أصواتها من الأحداث فباب عظيم واسع ، ونهج متلئب عند عارفيه مأموم ، وذلك أنهم كثيراً مايجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبر عنها ، فيعدلونها بها ، ويحتذونها عليها ، وذلك أكثر مما نقدره ، وأضعاف ما نستشعره ، ومن ذلك قولهم : « خضم وقضم ، فالخضم لأكل الرطب . . . والقضم لأكل اليابس » (2) .
ونضع فيما يأتي أمثلة لهذا الملحظ في بعض ألفاظ القرآن العظيم :
1ـ مادة « خر » توحي في القرآن بدلالتها الصوتية بأن هذا اللفظ جاء متلبساً بالصوت على سمت الحديث في كل من قوله تعالى :
أ ـ ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء ) (3) .
ب ـ ( فخر عليهم السقف من فوقهم ) (4) .
جـ ـ ( فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ) (5) .
____________
(1) البقرة : 275 .
(2) ابن جني ، الخصائص: 1|65 .
(3) الحج : 31 .
(4) النحل : 26 .
(5) سبأ : 14 .

( 186 )

د ـ ( فأستفغر ربه وخر راكعا وأناب ) (1) .
فإن هذا اللفظ وقد جاء بصيغة واحدة في عدة استعمالات ، يدل بمجمله على السقوط والهوي ، وهذا السقوط ، وذلك الهوي : مصحوبان بصوت ما ، وهذا الصوت هو الخرير ، والخرير هو صوت الماء ، أو صوت الريح ، أو صوتهما معا ، فالحدث على هذا مستل من جنس الصوت ، ومن هنا يستشعر الراغب ( ت : 502 هـ ) دلالة اللفظ الصوتية فيقول :
« فمعنى خرّ سقط سقوطاً يسمع منه خرير ، والخرير يقال لصوت الماء والريح وغير ذلك مما يسقط من علو ؛ . .
وقوله تعالى : ( خروا سجدا ) (2) فاستعمال الخر تنبيه على اجتماع أمرين : السقوط ، وحصول الصوت منهم بالتسبيح ، وقوله من بعده ( وسبحوا بحمد ربهم ) (3) . فتنبيه أن ذلك الخرير كان تسبيحاً بحمد الله لا بشيء آخر » (4) .
ووجه الدلالة فيما يبدو أن الخر يأتي بمعنى السقوط من شاهق ، وأن الخرير إنما يستعمل لصوت الماء أو الريح أو الصدى محاكياً لهذا اللفظ في ترديده ، فلم يرد مجرد السقوط من « خر » وإنما أراد الصوت مضافاً إليه الوقوع والوجبة في إحداث هذا الصوت ، وكانت هذه الإضافة الدلالية صوتية سواءً أكانت في صوت الماء ، أم بالوقوع والسقوط ، أم بالتسبيح . والله أعلم .
2 ـ مادة « صرّ » في كلمة « صر » من قوله تعالى :
( كمثل ريح فيها صر ) (5) .
أو كلمة « صرصر » في كل من قوله تعالا :
أ ـ ( وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية ) (6) .
____________
(1) ص : 24 .
(2) السجدة : 15 .
(3) السجدة : 15 .
(4) الراغب ، المفردات : 144 .
(5) آل عمران : 117 .
(6) الحاقة : 6 .

( 187 )

ب ـ ( إنّا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر ) (1) .
هذه المادة في هذه الصيغ الثلاث : مرفوعة ، مجرورة ، منصوبة ، وردت في القرآن وأنت تلمس فيها اصطكاك الأسنان ، وترديد اللسان ، فالصاد في وقعها الصارخ ، والراء المضعّفة ، والتكرار للمادة في صرصر ، قد أضفا صيغة الشدة ، وجسّد صورة الرهبة ، فلا الدفء بمستنزل ، ولا الوقاية متيسرة ، وذلك ما يهد كيان الإنسان عند التماسه الملجأ فلا يجده ، أو النجاة فلا يصل شاطئها ، أو الوقاية من البرد القارس فلا يهتبلها .
في لفظ « الصر » ذائقة الشتاء ، ونازلة الثلوج ، وأصوات الرياح العاتية ، مادة الصر إذن : كما عبر عنها الراغب ( ت : 502 هـ ) « ترجع إلى الشدة لما في البرودة من التعقد » (2) .
قال الزمخشري ( ت : 538 هـ ) : « الصر الريح الباردة نحو الصرصر ، وفيه أوجه :
أحدها : أن الصر في صفة الريح بمعنى الباردة ، فوصف بها القرة بمعنى فيها قرة صر ، كما تقول : برد بارد على المبالغة .
الثاني : أن يكون الصر مصدراً في الأصل بمعنى البرد فيجيء به على أصله .
الثالث : أن يكون شبه ما كانوا ينفقون بالزرع الذي جسه البرد فذهب حطاماً (3) .
ولكننا نضع أيدينا على الحس الصوتي في اللغة ، فيعطينا دلالة خاصة ، مواكبة لسياق الحدث في هذا الصوت ؛ فريح صر وصرصر شديدة البرودة ، وقيل : شديدة الصوت ، وصر وصرصر : صوت الصرير .
قال ابن الأنباري في قوله تعالى : ( كمثل ريح فيها صر ) (4) . فيها أقوال : أحدها : فيها صر أي برد ، والثاني فيها تصويت وحركة .
____________
(1) القمر : 19 .
(2) الراغب ، المفردات : 279 .
(3) الزمخشري ، الكشاف : 1|457 .
(4) آل عمران : 117 .

( 188 )

والصرة أشد الصياح تكون في الطائر والإنسان . وصر صماخه صريراً : صوّت من العطش ، وصرصر الطائر : صوت .
وفي حديث جعفر بن محمد الصادق عليه السلام والصر عصفور أو طائر في قده ، أصفر اللون سمي بصوته ؛ يقال صر العصفور يصرّ إذا صاح وصر الجندب يصر صريراً ، وصر الباب يصر ، وكل صوت شبه ذلك فهو صرير إذا امتدّ ، فإذا كان فيه تخفيف وترجيع في إعادة ضوعف كقوله : صرصر الأخطب صرصرة ، كأنهم قدروا في صوت الجندب المد ، وفي صوت الأخطب الترجيع فحكوه على ذلك (1) .
فالصوت هنا ملازم لـ ( صر ) و ( صرصر ) تارة في الشدة ، وأخرى في صوت الريح ، ومثلها في أشد الصياح ، وتارة في التصويت من العطش ، وسواها في تصويت الطائر ، وأهمها ( الصر ) سمي بصوته ، ويليه العصفور إذا صاح ، ومن ثم صرير الباب ، وصر الجندب ، وكل صوت يشبه ذلك في التخفيف أو الترجيع .
و « صر » في الآيات ليست بمعزل عن هذه المصاديق في الشدة والصوت والتصويت ، وتسمية الشيء باسم صوته .
والذكر الحكيم حافل بالألفاظ دالة على الأصوات ، جرياً على سنن العرب في تسمية اللفظ باسم صوته .
والله تعالى أعلم .

اللفظ المناسب للصوت المناسب :
كل لفظ في القرآن الكريم أختير مكانه وموضعه من الآية أو العبارة أو الجملة فإن غيره لا يسد مسدّه بداهة ، فقد اختار القرآن اللفظ المناسب في الموقع المناسب من عدة وجوه ، وبمختلف الدلالات ، إلا أن استنباط ذلك صوتياً يوحي باستقلالية الكلمة المختارة لدلالة أعمق ، وأشارة أدق ، بحيث يتعذر على أية جهة فنية استبدال ذلك بغيره ، إذ لا يؤدي غيره المراد
____________
(1) ظ : ابن منظور ، لسان العرب : مادة : صرر .

( 189 )

الواعي منه ، وذلك معلم من معالم الإعجاز البياني في القرآن .
1ـ في قوله تعالى : ( ياجبال أوبي معه والطير ) (1) . جرس موسيقي حالم ، وصدى صوتي عميق ، وإطلاق للأصوات من أقصى الحلق وضمها للشفة ثم إعادة إطلاقها ، فيما به يتعين موقع « أوبي » بحيث لا يسدّ مسدّها غيرها من الألفاظ ، فالمراد بها ترجيع التسبيح من آب يؤوب ، على جهة الإعجاز بحيث تسبح الجبال ، وهو خلاف العادة ، وخرق لنواميس الكون في ترديد الأصوات من قبل ما لا يصوت ، ولو استبدل هذا اللفظ في غير القرآن لعاد النظر مهلهلاً ، والدلالة الصوتية منعدمة .
قال الزمخشري ( ت : 538 هـ ) : « فإن قلت : أي فرق بين هذا النظم وبين أن يقال : وآتينا داود منا فضلاً تأويب الجبال معه والطير ؟ قلت : كم بينهما ؟ ألا ترى إلى ما فيه من الفخامة التي لا تخفى من الدلالة على عزة الربوبية ، وكبرياء الألوهية ، حيث جعلت الجبال منزّلة منزلة العقلاء الذين إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا ، وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا ،أشعاراً بأنه ما من حيوان وجماد ، وناطق وصامت إلا وهو منقاد إلى مشيئته ، غير ممتنع عن إرادته » (2) .
وتقرأ الآية : ( ياجبال أوبي معه والطير ) (3) . بالتشديد ، وتقرأ بالتخفيف ، فمن قرأ ( أوبي ) بالتشديد فمعناه : يا جبال سبحي معه ، ورجعي التسبيح لأنه قال : سخرنا الجبال معه يسبحن ، ومن قرأ ( أوبي ) بالتخفيف ؛ فمعناه : عودي معه بالتسبيح كلما عاد فيه (4) .
فالنظام الصوتي بهذا هو الذي يحقق المعنى الجملي ، فإن كانت ( أوبي ) بالتشديد ، وهي القراءة المتعارفة ، فالمراد : التسبيح في ترديده وترجيعه ، وإن كانت بالتخفيف ؛ فتعني الرجوع والأوبة ، وعليه فالمراد إذن : العودة إلى التسبيح كلما عاد :
____________
(1) سبأ : 10 .
(2) الزمخشري ، الكشاف : 3|281 .
(3) سبأ : 10 .
(4) ظ : ابن منظور ، لسان العرب : 1|212 .

( 190 )

2 ـ في قوله تعالى : ( مثل الذين اتخذوا من دون الله اولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون ) (1) . تبرز كلمة « أوهن » لتعطي معنى الضعف ، وقد تحقق هذا المعنى كلمة ( أوها ) ولكن القرآن الكريم استعمل أوهن دون أوها ، وذلك لما يفرزه ضم حروف الحلق ، وأقصا الحلق إلى النون من التصاق وغنة لا تتأتى بضم الألف المقصورة إليها صوتياً ، وحينئذ تصل الكلمة إلى الأسماع ، وتصك الآذان ، وهي تحمل لوناً باهتاً للعجز مؤكداً بضم هذه النون ـ من ملحظ صوتي فقط ـ إلى تلك الحروف لتحدث واقعًا خاصاً يشعر بالضعف المتناهي لا بمجرد الضعف وحده . وكان هذا بتأثير مباشر من دلالة اللفظ الصوتية ، إذ أحدثت فيها النون وهي من الصوامت الأنفية صدى وإيقاعاً لا تحدثه الألف المقصورة وهي صوت حلقي خالص ، لا غنة معه ، ولا ضغط ، ولا إطباق .
وهذا التشبيه باختيار هذا اللفظ صوتياً ، يجمع إليه إيحائياً دلالة أن الأصنام والأشخاص والقيم اللاإنسانية . . واهنة متداعية عاجزة حتى عن حماية كيانها ، وصيانة وجودها ، لأنها في تكوين رخو واهن ، وبناء تتداعى أركانه ، ومثل هذا التكوين وذلك البناء لا اعتماد عليهما ، ولا اعتداد بهما ، إنما القوة بالله ، والحماية من الله ، والالتجاء إلى الله فهو وحده الركن القويم .
قال الزمخشري ( ت : 538 هـ ) : « وقد صح أن أوهن البيوت بيت العنكبوت ، وكما أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتاً بيتاً بيت العنكبوت ، كذلك أضعف الأديان إذا استقريتها ديناً ديناً عبادة الأوثان لوكانوا يعلمون » (2) .
واذا كان القرآن الحكيم قد امتاز بتخير الألفاظ وانتقائها ، فإنه يرصد بذلك ما لهذه الألفاظ دون تلك :
« من قوة تعبيرية ، بحيث يؤدي بها فضلاً عن معانيها العقلية ، كل ما
____________
(1) العنكبوت :41 .
(2) الزمخشري ، الكشاف : 3|206 .

( 191 )

تحمل في أحشائها من صور مدخرة ، ومشاعر كامنة ، لفّت نفسها لفاً حول ذلك المعنى العقلي » (1) .
وهو ما تنبّه إليه الزمخشري في تعليله ذلك من ذي قبل .
3 ـ وفي قوله تعالى : ( وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوى هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ) (2) .
تنهض كلمة «كل » وهي صارخة مشرأبة ، لتوحي عادة بمعنى العالة في أبرز مظاهرها ، وقد استعملها القرآن لإضاءة المعنى بما فيها من غلظة وشدة وثقل ، لهذا الصدى الصوتي الخاص المتولد من احتكاك الكاف وإطباق اللام على اللهاة ، وما ينجم عن ذلك من رنة في الذاكرة ، وشدة على السمع ، فصوت الكاف في العربية ، وهو من حروف الإطباق ، شديد انفجار مهموس ، وصوت اللام في العربية ، وهو من حروف الأسنان واللثة ، مجهور متوسط بين الشدة والرخاوة (3) .
وقد اجتمع المهموس والمجهور معاً في هذا اللفظ ، فإذا علمنا أن المهموس هو الصوت الذي يظل النفس عند النطق به جارياً لا يعوقه شيء ، وأن المجهور هو الصوت الذي يمتنع النفس عن الجريان به عند النطق أدركنا سر اجتماع الكاف المهموسة واللام المجهورة في هذا اللفظ ، وما في ذلك من عسر في اللفظ دال على المعنى وغلظته .
يقول أستاذنا المخزومي : « فإذا اجتمع صوت مجهور ، وآخر مهموس ؛ فقد اجتمع صوتان مختلفان لكل منهما طبيعة خاصة ، والجمع بين هذين الصوتين يقتضي عضو النطق أن يعطي كل صوت منهما حقه ، وفي ذلك عسر لا يخفى ، فإذا تألفت كلمة وقد تجاور فيها صوتان ، أحدهما مجهور ، والآخر مهموس ، فما يزال أحدهما يؤثر في الآخر حتى يصيرا مجهورين معاً ، أو مهموسين معاً » (4) .
____________
(1) تشارلتن ، فنون الأدب : 76 .
(2) النحل : 76 .
(3) ظ : ابن جني ، سر صناعة الأعراب : 1|69 .
(4) مهدي المخزومي ، في النحو العربي ، قواعد وتطبيق : 8 .

( 192 )

لقد ظل النفس جارياً مستطيلاً في اللام عند مجاورتها للكاف ، وزاد التشديد في استطالتها ، لتوحي الكلمة بأبعادها الصوتية : بأن هذا العبد شؤم لا خير معه ، وبهيمة لا أمل بإصلاحه ، فهو عالة وزيادة ، بل هو « كل » بكل التفصيلات الصوتية لهذا اللفظ .
لقد كان اختيار اللفظ المناسب للصوت المناسب حقلاً يانعاً في القرآن لا للدلالة الصوتية فحسب ، بل لجملة من الدلالات الإيحائية واللغوية والهاميشية ، وتلك ميزة القرآن الكريم في تخير الألفاظ .


( 193 )

« خاتمة المطاف »


( 194 )


( 195 )

بعد هذه الجولة الفسيحة في أبعاد الصوت اللغوي في القرآن الكريم ، يجدر بي في خاتمة المطاف أن أضع أبرز النتائج والكشوفات العلمية التي يسرها البحث .
كان الفصل الأول بعنوان : أبعاد الصوت اللغوي وقد بحثنا فيه :
1 ـ مصطلح الصوت اللغوي ، فأفضنا الحديث عن الصوت لغةً ، والصوت ذبذبة ، والصوت غنائياً ، والصوت عند الأصواتين العرب ، وانتهينا أن الصوت بوصفه لغوياً يعني في هذه الدراسة المتخصصة : تتبع الظواهر الصوتية لحروف المعجم العربي ، وتطبيقها تنظيريا في القرآن العظيم بخاصة لأنه حقل البحث ، وموضوع تفصيلاته اللغوية ، فيما أثبت البحث : أن مصطلح علم الأصوات : مصطلح عربي أصيل سبق إليه علماء الإسلام والعربية .
2 ـ وعرض الفصل إلى تقسيم الصوت بين العرب والأوروبيين ، فكانت دقة العرب أن توصلوا إلى تقسيم الحروف إلى طائفتين صوتيتين هما : الأصوات الصائتة والأصوات الصامتة ، وكانت هذه التسمية دليل الأوروبيين ـ فيما بعد ـ في التقسيم إلى الأصوات الساكنة وأصوات اللين .
وتوصل العرب إلى صفات هذه الأصوات في مخارجها ، وقسموا الصوت بعد ذلك إلى مجهور ومهموس ، وشديد ومطبق ، وسواهما ، وهو ما توصل إليه المحدثون بعد دراسات تشريحية لأجهزة النطق .
وكان تقسيم العرب والمسلمين للأصوات باعتبار مخارجها مخططاً


( 196 )

تفصيلياً لعملية إحداث الأصوات مع تسمياتها في المصطلح الصوتي ذلك ما قاربه وحقق القول فيه علماء الأصوات المحدثون ، وهم يسخرون لذلك أجهزة العلم الفيزولوجية ، بينما اكتشفه المسلمون والعرب بذائقتهم الفطرية الخالصة .
3 ـ وعرضنا لتطور الصوت اللغوي في التحول التأريخي لنظام الأصوات ، ووقفنا عند التحول التركيبي الذي ينشأ عادةً نتيجة لظواهر تغيير أصوات اللغة الواحدة ، واستبدال صوت منها بصوت آخر ، مما نشأ عنه مصطلح المماثلة عند استجابته للإبدال الصوتي الموقت ، ومصطلح المخالفة فيما استجاب للإبدال الصوتي الدائم ، وبحثنا المصطلحين في شذرات أحسبها مفيدة ، وعرضنا بعد هذا الجزء ـ في ضوء تطور الصوت في المقطع أو عند المتكلم ـ لظاهرتي النبر والتنغيم ، وهما موضع عناية عند العرب من الناحية النظرية ، مع فرض توافر لحاظه المشترك في التطبيق القرآني .
4 ـ وتناولنا نظرية الصوت اللغوي عند العرب فيما شهد بأصالته المحدثون من الأوروبيين والمستشرقين ، فكان ما توصل إليه العرب : عبارة عن المادة التخطيطية لمئات الجزئيات ، وعشرات الموضوعات الصوتية المتخصصة مما أشاروا إليه في كتبهم مفردات منظمة متناسقة مثلت نظرية الصوت في جميع المستويات الصوتية المعقدة ، ابتداءً من أجهزة النطق ، ومروراً بكل التفصيلات المضنية للأصوات ، وانتهاءً بأقيسة الزمان والمكان للصوت .
وكان الفصل الثاني بعنوان : منهجية البحث الصوتي وقد عرضنا فيه لتأريخية البحث الصوتي في منهجيته العربية المقارنة بالفكر الأوروبي الحديث مما توصل معه البحث إلى أصالة المنهجية الصوتية عند العرب بدءاً من :
1 ـ الخليل بن أحمد الفراهيدي ومدرسته الصوتية ، فرأينا الخليل ( ت : 175 هـ ) أول من وضع الصوت اللغوي موضع التطبيق الفني في مقدمة العين باعتبارها أول مادة صوتية وصلت إلينا في كتب اللغة ، وتتبعنا ذلك في أبرز إفاضات الخليل فوجدناه قد نص على تسمية كل نوع من


( 197 )

الأصوات ، وقد تذوق الحروف من مخارجها ، وحدد كل صنف من أصناف الحروف المعجمية على بنية صوتية متميزة عن سواها ، ووضع مخططاً شاملا لمخرج كل صوت انساني مضاف الى حيزه الخاص ، وعرض الى التمايز الصوتي في اللغة ، فهو يرى في اللغة امتداداً طبيعياً للأصوات من خلال حصره للمعجم العربي بأبعاد صوتية لم تخطىء ولا مرة واحدة .
2 ـ ووجدنا سيبويه ( ت : 180 هـ ) قد تأثر بمدرسة الخليل الصوتية فسار على نهجه في كثير من الأبعاد ، واجتهد في القسم الآخر ، وكان له قدم سبق في قضايا الإدغام ، وتمييزه الدقيق بين صفتي الجهر والهمس ، ورأينا ابن دريد ـ وهو امتداد لهما ـ يصدر في الجمهرة عن علم الخليل ومنهجية سيبويه ، ويضيف بعض الإشارات الصوتية في ائتلاف الحروف .
3 ـ ووقفنا عند الفكر الصوتي لأبي الفتح عثمان بن جني ( ت : 392 هـ ) باعتباره أول من استعمل مصطلحاً فنياً للدلالة على الأصوات سماه : « علم الأصوات » وكان منهجه الصوتي مثار إعجاب للبحث بما صح أن يطلق عليه اسم الفكر الصوتي ، لأنه يتمحّض لهذا العلم ، ويعرض فيه عصارة تجاربه الصوتية دقيقة منظّمة ، ويتفرغ لبحث أصعب المشكلات الصوتية بترتيب حصيف في بحوث قيّمة عرضت لجوهر الصوت في كتابيه : سر صناعة الاعراب والخصائص .
وكان منهجه يضم تتبع الحروف من مخارجها وترتيبها على مقاطع ، وإضافته ستة أحرف مستحسنة بأصواتها إلى حروف المعجم ، وثمانية أحرف فرعية مستقبحة بأصواتها ، ويحصر مخارج الحروف في ستة عشر مخرجاً تشريحياً منظّراً له بأمثلته ، فكان فكر ابن جني الصوتي قد حقق نظاماً أصواتياً قارنّاه بالفكر الصوتي العالمي من خلال هذه الظواهر :
أ ـ مصدر الصوت ومصطلح المقطع .
ب ـ جهاز الصوت المتنقل .
جـ ـ أثر المسموعات في تكوين الأصوات .
د ـ محاكاة الأصوات .


( 198 )

وكان ما قدمه ابن جني تأصيلاً صوتياً لكثير من الملامح والخصائص المكتشفة في ضوء تقدم العلم الفيزولوجي الحديث .
4 ـ وعالجنا موضوع : القرآن والصوت اللغوي ، فوجدنا المباحث الصوتية عند العرب قد اتخذت القرآن أساساً لتطلعاتها ، وآياته مضماراً لاستلهام نتائجها ، فهي حينما تمازج بين الأصوات واللغة ، وتقارب بين اللغة والفكر ، فإنما تتجه بطبيعتها التفكيرية لرصد تلك الأبعاد مسخرة لخدمة القرآن العظيم .
ووجدنا أن جوهر الصوت العربي قد اتسم بالوضوح لأنه يتمثل في قراءة القرآن ، فكان القرآن هو المنطلق الأساس لعلم الأصوات في مجموعتين دراسيتين هما :
الدراسات القرآنية + الدراسات البلاغية .
وأعطينا مجملاً صوتياً لكلا المنهجين .
وكان الفصل الثالث بعنوان : الصوت اللغوي في فواتح السور القرآنية .
وقد بحث بشكل دقيق المفردات الآتية :
1 ـ توجيه القرآن الكريم اهتمام العرب والمسلمين للصوت اللغوي منذ عهد مبكر للإفادة من الزخم الصوتي في اللغة ، وهو يستهل بعض السور القرآنية بجملة محددة من الحروف الهجائية التي تنطق بأصواتها أسماءً ، لا بأدواتها حروفاً للإفادة من صوتيتها لدى الاستعمال دون حرفيتها ، وقد شغل علماء الإعجاز القرآني بالتصنيف الصوتي لهذه الحروف في دلائلها الصوتية ، وأسرارها التركيبة ، واستيعابها لأنواع الأصوات وتقسيماتها كافة مجهورها ومهموسها ، شديدها ورخوها ، مطبقها ومنفتحها . . . إلخ .
2 ـ وعرض البحث لما أفاض الباقلاني في تقسيمه أصناف هذه الأصوات ، فجعلها مشتملة على كل الأصناف الصوتية في النطق .
3 ـ وتناول اهتمام الزمخشري بجدولة فواتح السور القرآنية ، وعدد


( 199 )

المهموس والمجهور ، والشديد والرخو، والمطبق والمنفتح ، والمستعلي والمنخفض ، وحروف القلقلة ، فسبرها تفصيلاً وأورد المسميات تخصيصاً بعد تعقب حكمة هذا التركيب ، وفلسفة هذه الأصوات ، فكان الله سبحانه وتعالى قد عدد على العرب الأصوات التي منها تركيب كلامهم إلزاماً للحجة .
4 ـ ووجد البحث أن الزركشي قد وقف عند الصدى الصوتي لهذه الحروف من عدة وجوه منها :
أ ـ عدد هذه الأصوات فيما ابتدىء به بثلاثة احرف وعلل ذلك صوتياً في المخرج واعتماد اللسان ، واعتبر ذلك مجارياً لأصل مخارج الحروف : الحلق ، اللسان ، الشفتين .
ب ـ تعقب ملاءمة بعض الأصوات لبعضها في فواتح السور .
جـ ـ تنبهه إلى علاقة بدء السورة بصوت ما ، وإشتمال السورة على صورة ذلك الصوت في حروف كلماتها ، أو دلائل عبارتها .
5 ـ ولم يفت الفصل أن يستقري المراد من هذه الحروف والأصوات في بدايات السور ، وأن يستجلي الحكمة من إيرادها ، وأعطى كشفاً تفصيلياً للآراء المتضاربة أو المتقاربة في ذلك ، وانتهى أنها من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه ، ولكن هذا لا يخرجها من جوهرها الإنصاتي فهي من جنس أصوات العرب ، وهي من سنخ حروف معجمهم اللغوي ، ومن روح أصداء لغة القرآن العظيم ، فهي إشارات إلهية لبيان إعجاز القرآن ، وذلك من جملة الفوائد المترتبة على أسرار هذه الحروف .
وكان الفصل الرابع بعنوان : الصوت اللغوي في الأداء القرآني . وقد تناول الموضوعات الآتية :
1 ـ أصول الأداء القرآني في أول إشارة إليه عند أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام في معرفة الوقف وتجويد الحرف .
فتحدث عن الوقف في مختلف الوجوه ، وشتى الأحوال ، لا سيما مصطلحاته الفنية عند علماء الأداء .


( 200 )

2 ـ مهمة الوقف في الأداء القرآني ، وقد عرض فيه إلى شيوع الوقف في فواصل الآي بصورها كافة ، ومقابلة ظواهر الاعراب في علاماتها بالآيات التي تلتزم حرفاً معيناً ، والتي لا تلتزمه في أواخر الفواصل ، وبيان فضله في تناسق العبارة وتقاطرها ، وهي مختلفة في المواقع الاعرابية .
3 ـ نصاعة الصوت في الأداء القرآني ، وقد تناول نصاعة الصوت في إعطاء الحرف حقه من النطق المحقق الذي لا يشتبه بسواه ، ونشوء مصطلح التجويد ، وابتناء قواعده على مخارج الحروف صوتياً ، مع كشف بتلك المخارج أدائياً .
وكان الحديث عن خصائص كل صوت ، وسمات كل حرف ، تنفيذاً عملياً للآداء القرآني على الوجه الأكمل .
4 ـ الصوت الأقوى في الأداء القرآني ، وقد عرض لظاهرة الإدغام عرضاً وافياً لمقاربتها من ظاهرة المماثلة عند الأصواتيين المحدثين ، فأبان حدّه وتفريعه و تقسيمه وتنظيره ، وربط بين ذلك وبين شقي المماثلة الرجعية والتقدمية ، وقد ظهر من بين ذلك : أن الصوت القوي هو الذي يحتلّ مساحة النطق ، بدل الصوت الضعيف ، فالصوت الأقوى هو المسيطر على النطق . وعرض لدور أبي عمرو بن العلاء في إرساء قواعد الإدغام والقول به ، وتحدث عن الحروف التي تدغم في أمثالها ، والحروف التي تدغم في مجانسها ومقاربها ، ونظّر لذلك تطبيقاً بكوكبة من آيات القرآن العظيم لكلا النوعين المماثل والمجانس . وقام برصد النتائج الصوتية في حصر الحروف التي تدغم في أمثالها وأجناسها ، وكشف الحروف التي تتدغم ويدغم فيها ، وخلص إلى رصد طائفة من الظوابط الصوتية ، وألحق ذلك بدراسة عن الإظهار ، والإقلاب ، وتوسع في التنظير للإخفاء لكونه حالة بين الإظهار والإدغام .
5 ـ توظيف الأداء القرآني في الأحكام ، وقد وجد البحث أن أداء القرآن في ضوء التلاوة قد عاد موضوعاً للأحكام الشرعية الدقيقة في ملحظ القراءة بالذات ، وذلك بأداء الحروف من مخرجها ، وأن تكون هيئة كل كلمة موافقة للأسلوب العربي في حركة البنية والسكون والاعراب والبناء والحذف والقلب والادغام والمد الواجب ، وأمثال هذا في عدة ملاحظ ، أمكن رصدها بالآتي :