الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين ) (1) فشمل الخلائق كلها ، وأصناف الأجناس المرئية وغير المرئية مما يدب أدركناه أو لم ندركه ، علمنا طبيعة رزقه أو لم نعلم وقوله تعالى : ( ومآ أرسلناك إلا كآفة للنّاس بشيرا و نذيرا ) (2) . يدل أن هذا الرسول العربي الأمين ، لم يختص بزمنية ، ولم يبعث لطبقة خاصة ، فتخطى برسالته حدود الزمان والمكان ، فكانت عالمية السيرورة ، إنسانية الأحياء ، البشارة في يد ، والنذارة في يد ، لينقذ العالم أجمع من خلال هاتين.

الصيغة الصوتية الواحدة :
وظاهرة أخرى جديرة بالعناية والتلبث ، هي تسمية الكائن الواحد ، والأمر المرتقب المنظور ، بأسماء متعددة ذات صيغة واحدة ، بنسق صوتي متجانس ، للدلالة بمجموعة مقاطعة على مضمونه ، وبصوتيته على كنه معناه ، ومن ذلك تسمية القيامة في القرآن بأسماء متقاربة الصدى ، في إطار الفاعل المتمكن ، والقائم الذي لا يجحد .
هذه الصيغة الفريدة تهزك من الأعماق ، ويبعثك صوتها من الجذور ، لتطمئن يقيناً إلى يوم لا مناص عنه ، ولا خلاص منه ، فهو واقع يقرعك بقوارعه ، وحادث يثيرك برواجفه . . الصدى الصوتي ، والوزن المتراص ، والسكت على هائه أو تائه القصيرة تعبير عما ورائه من شؤون وعوالم وعظات وعبر ومتغيرات في :
الواقعه | القارعة | الآزفة | الراجفة | الرادفة | الغاشية ، وكل معطيك المعنى المناسب للصوت ، والدلالة المنتزعة من اللفظ ، وتصل مع الجميع إلى حقيقة نازلة واحدة .
1 ـ الواقعة ، قال تعالى : ( إذا وقعت الواقعه * ليس لوقعتها كاذبة ) (3) .
____________
(1) هود : 6 .
(2) سبأ : 28 .
(3) الواقعة : 1 ـ 2 .

( 172 )

وقال تعالى : ( فيؤمئذ وقعت الواقعة ) (1) .
قال الخليل : وقع الشيء يقع وقوعاً ، أي : هوياً .
والواقعة النازلة الشديدة من صروف الدهر (2).
وقال الراغب ( ت : 502 هـ ) الوقوع ثبوت الشيء وسقوطه ، والواقعة لا تقال إلا في الشدة والمكروه ، وأكثر ما جاء في القرآن من لفظ وقع : جاء في العذاب والشدائد (3) .
وقال الطبرسي ( ت : 548 هـ ) في تفسيره للواقعة : « والواقعة اسم القيامة كالآزفة وغيرها ، والمعنى إذا حدثت الحادثة ، وهي الصّيحة عند النفخة الأخيرة لقيام الساعة . وقيل سميت بها لكثرة ما يقع فيها من الشدة ، أو لشدة وقعها » (4) . وقال ابن منظور ( ت : 711 هـ ) الواقعة : الداهية ، والواقعة النازلة من صروف الدهر ، والواقعة اسم من أسماء يوم القيامة (5)
وباستقراء هذه الأقوال ، ومقارنة بعضها ببعض ، تتجلى الدلالة الصوتية ، فالوقوع هو الهوي ، وسقوط الشيء من الأعلى ، والواقعة هي النازلة الشديد ، والواقعة هي الداهية ، وهي الحادثة ، وهي الصيحة ، وهي اسم من أسماء يوم القيامة ، وأكثر ما جاء في القرآن من هذه الصيغة جاء في الشدة والعذاب ، وصوت اللفظ يوحي بهذا المعنى ، وأطلاقه بزنة الفاعل ، وإسناده بصيغة الماضي ، يدلان على وقوعه في شدته وهدته ، وصيحته وداهيته .
2ـ القارعة ، قال تعالى : ( القارعة * ما القارعة * ومآ ادراك ما القارعة ) (6) .
وقال تعالى : ( كذبت ثمود وعاد بالقارعة ) (7) .
قال الخليل ( ت : 175 هـ ) : والقارعة : القيامة . والقارعة : الشدة .
____________
(1) الحاقة : 15 .
(2) الخليل ، العين : 2|176 .
(3) الراغب ، المفردات : 530 .
(4) الطبرسي ، مجمع البيان : 5|214 .
(5) ابن منظور ، لسان العرب : 10|285 .
(6) القارعة : 1 ـ 3 .
(7) الحاقة : 4 .

( 173 )

وفلان أمن قوارع الدهر : أي شدائده . وقوارع القرآن : نحو آية الكرسي ، يقال : من قرأها لم تصبيه قارعة .
وكل شيء ضربته فقد قرعته . قال أبو ذؤيب الهذلي (1) .
حتى كأني للحوادث مروة * بصفا المشرق كل يوم تقرع

قال الطبرسي : وسميت القارعة ، لأنها تقرع قلوب العباد بالمخافة إلى أن يصير المؤمنون إلى الأمن (2) . والقارعة اسم من أسماء القيامة لأنها تقرع القلوب بالفزع ، وتقرع أعداء الله بالعذاب (3) .
وأنما حسن أن توضع القارعة موضع الكناية لتذكر بهذه الصفة الهائلة بعد ذكرها بأنها الحاقة (4) .
وبمقارنة هذه المعاني ، نجدها متقاربة الدلالة ، فالقارعة الشدة ، وقوارع الدهر شدائده ، وكل شيء ضربته فقد قرعته ، والقارعة تقرع القلوب بالفزع ، وقلوب العباد بالمخافة ، وأعداء الله بالعذاب ، وهي في موضع كناية للتعبير عن القيامة ، من أجل التذكير بصفة القرع ، وكلها مفردات إيحائية تؤذن بالقرع في الأذن ، وتفزع القلوب بالشدة ، تتوالى خلالها المترادفات والمشتركات ، لتنتقل بك إلى عالم الواقعة ، وهي مجاورة لها في الشدة والهول والصدى والإيقاع .
3 ـ الآزفة ، قال تعالى :( أزفة الآزفة * ليس لها من دون الله كاشفة ) (5) .
وقال تعالى : ( وأنذرهم يوم الأزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) (6) .
قال الراغب : معناه : أي دنت القيامة . . . فعبر عنها بلفظ الماضي لقربها وضيق وقتها (7) .
____________
(1) الخليل ، العين : 1|156 .
(2) الطبرسي ، مجمع البيان : 5|342 .
(3) المصدر نفسه : 5|532 .
(4) المصدر نفسه : 5|343 .
(5) النجم : 57 ـ 58 .
(6) المؤمن : 18 .
(7) الراغب ، المفردات : 17

( 174 )

وقال الطبرسي : ( وأنذرهم يوم الأزفة ) (1) . أي الدانية . وهو يوم القيامة ، لأن كل ما هو آت دان قريب (2) .
قال الزمخشري : والآزفة القيامة لأزوفها (3) .
وفي اللغة : الآزفة القيامة ، وإن استبعد الناس مداها (4) .
والآزفة : الدانية من قولهم أزف الأمر إذا دنا وقته (5) .
ورقة الآزفة في لفظها بانطلاق الألف الممدودة من الصدر ، وصفير الزاي من الأسنان ، وانحدار الفاء من أسفل الشفة ، والسكت على الهاء منبعثة من الأعماق ، كالرقة في معناها في الدنو والاقتراب وحلول الوقت ، ومع هذه الرقة في الصوت والمعنى ، إلا أن المراد من هذا الصفير أزيزه ، ومن هذا التأفف هديره ورجيفه ، فادناه يوم القيامة غير إدناء الحبيب ، واقتراب الساعة غير اقتراب المواعيد ، أنه دنو اليوم الموعود ، والحالات الحرجة ، والهدير النازل ، إنه يوم القيامة في شدائده ، فكانت الآزفة كالواقعة والقارعة .
4ـ الراجفة والرادفة ، قال تعالى : ( يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة ) (6) وتبدأ القيامة بالراجفة ، وهي النفخة الأولى ( تتبعها الرادفة ) وهي النفحة الثانية (7) .
وهو المروي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والضحاك (8) .قال الزمخشري ( ت : 538 هـ ) « الراجفة : الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال وهي النفحة الأولى ، وصفت بما يحدث بحدوثها ( تتبعها الرادفة ) أي الواقعة التي تردف الأولى ، وهي النفحة الثانية ؛ أي القيامة التي يستعجلها الكفرة ، استبعاداً لها وهي رادفة لهم لا قترابها . وقيل الراجفة : الأرض والجبال من قوله ـ يوم ترجف الأرض والجبال ـ والرادفة
____________
(1) المؤمن : 18 .
(2) الطبرسي ، مجمع البيان : 4|518 .
(3) الزمخشري ، أساس البلاغة : 5 .
(4) ابن منظور ، لسان العرب : 1|346 .
(5) الطبرسي ، مجمع البيان : 4|518 .
(6) النازعات : 6 ـ 7 .
(7) الفراء ، معاني القرآن : 3|231 .
(8) ابن كثير ، تفسير القرآن العظيم : 4|467 .

( 175 )

السماء والكواكب لأنها تنشق وتنتثر كواكبها إثر ذلك » (1) . وقال الطبرسي ( ت : 548 هـ ) الراجفة : يعني النفخة الأولى التي يموت فيها جميع الخلائق ، والراجفة صيحة عظيمة فيها تردد واضطراب كالرعد إذا تمخض ( تتبعها الرادفة ) يعني النفخة الثانية تعقب النفخة الأولى ، وهي التي يبعث معها الخلق(2) .
وبمتابعة هذه المعاني : النفخة الأولى ، النفخة الثانية ، الصيحة ، التردد ، الاضطراب ، الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال ، الواقعة التي تردف الراجفة ، انشقاق السماء ، انتثار الكواكب ، الرعد إذا تمخض ، بعث الخلائق وانتشارهم . . إلخ .
بمتابعة أولئك جميعاً يتجلى العمق الصوتي في المراد كتجليه في الألفاظ دلالة على الرجيف والوجيف ، والتزلزل والاضطراب ، وتغيير الكون ، وتبدل العوالم ( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار ) (3) .
فتعاقبت معالم الراجفة والرادفة مع معالم الواقعة والقارعة والآزفة ، وتناسبت دلالة الأصوات مع دلالة المعاني في الصدى والأوزان .
5 ـ الغاشية ، قال تعالى : ( هل أتاك حديث الغاشية ) (4) . وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يريد قد أتاك حديث يوم القيامة بغتة عن ابن عباس والحسن وقتادة (5) .
قال الراغب ( ت : 502 هـ ) الغاشية كناية عن القيامة وجمعها غواش (6) .
وقال الزمخشري ( ت : 538 هـ ) : الغاشية الداهية التي تغشى الناس بشدائدها وتلبسهم أهوالها ، يعني القيامة (7) .
____________
(1) الزمخشري ، الكشاف : 4|212 .
(2) الطبرسي ، مجمع البيان : 5|430 .
(3) ابراهيم : 48 .
(4) الغاشية : 1 .
(5) الطبرسي ، مجمع البيان : 5|478 .
(6) الراغب ، المفردات : 361 .
(7) الزمخشري ، الكشاف : 4|246 .

( 176 )

وقال ابن منظور ( ت : 711 هـ ) الغاشية القيامة ، لأنها تغشى الخلق بأفزاعها ، وقيل الغاشية : النار لأنها تغشى وجوه الكفار . وقيل للقيامة غاشية : لأنها تجلل الخلق فتعمهم (1) .
وبمقارنة هذه الأقوال ، وضم بعضها إلى بعض ، يبدو أن الغاشية كني بها عن القيامة لأنها تغشى الناس بأهوالها ، وتعم الخلق بأفزاعها ، فهي تجللهم الإحاطة من كل جانب ، وقد تكون هي النار التي تغشى وجوه الكفار ، وهي الداهية التي تغشى الناس بشدائدها ، وتلبسهم أهوالها . . إلخ .
إذن ، ما أقرب هذا المناخ المفزع ، والأفق الرهيب لمناخ الواقعة والقارعة والآزفة والراجفة والرادفة ، إنه منطلق واحد ، في صيغة واحدة ، صدى هائل تجتمع فيه أهوالها ، وصوت حافل تتساقط حوله مصاعبها ، تتفرق فيه الألفاظ لتدل في كل الأحوال على هذه الحقيقة القادمة ، حقيقة يوم القيامة برحلتها الطولية ، في الشدائد ، والنوازل ، والقوارع ، والوقائع ، لتصور لنا عن كثب هيجانها وغليانها ، وشمولها وإحاطتها :
( بل يريد الإنسان ليفجر أمامه * يسئل أيان يوم القيامة * فإذا برق البصر * وخسف القمر * وجمع الشمس والقمر * يقول الإنسان يومئذ أين المفر * كلا لا وزر * إلى ربك يومئذ المستقر ) (2) .

دلالة الصدى الحالم :
تنطلق في القرآن أصداء حالمة ، في ألفاظ ملؤها الحنان ، تؤدي معناها من خلال أصواتها ، وتوحي بمؤداها مجردة عن التصنيع والبديع ، فهي ناطقة بمضمونها هادرة بإرادتها ، دون إضافة وأضاءة ، وما أكثر هذا المنحنى في القرآن ، وما أروع تواليه في آياته الكريمة ، ولنأخذ عينة على هذا فنقف عند الرحمة من مادة « رحم » في القرآن الكريم بجزء من إرادتها ، ولمح من هديها .
قال تعالى : ( أؤلائك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ) (3) .
____________
(1) ابن منظور ، لسان العرب : 19|362 .
(2) القيامة : 5 ـ 12 .
(3) البقرة : 157 .

( 177 )

وقال تعالى : ( لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ) (1) .
وقال تعالى : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) (2) .
وقال تعالى : ( كهيعص * ذكر رحمت ربك عبده زكريا ) (3) .
وقال تعالى : ( قال رب أغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك ) (4) .
وقال تعالى : ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب أرحمها كما ربياني صغيرا ) (5) .
فأنت تنادي من صدى « الرحمة » بأزيز حالم ، وتحتفل من صوتها بنداء يأخذ طريقه إلى العمق النفسي ، يهز المشاعر ، ويستدعي العواطف ، ناضحاً بالرضا والغبطة والبهجة ، رافلاً بالخير والإحسان والحنان ، فماذا يرجو أهل الإيمان أكثر من اقتران صلوات ربهم برحمته بهم وعليهم ، ولمغفرة من الله تعالى ورحمة خير مما تجمع خزائن الأرض وكنوزها ، وهذا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذو الخلق العظيم ، والمخائل الفذة ، لولا رحمة ربه لما لإن لهؤلاء القوم الأشداء في غطرستهم وغلظتهم ، وهذا زكريا تتداركه رحمة من الله وبركات في أوج احتياجه وفزعه إلى الله عزّ وجل : ( إذ نادى ربه نداءً خفيا ) (6) .
فيهب له يحيى ( والله يختص برحمته من يشاء ) (7) .
ووقفة مستوحية عند الأبوين الكريمين ( وأخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمها كما ربياني صغيرا ) (8) . فستلمس صيغة الرحمة قد تجلت بأرق مظاهرها الصادقة وأرقاها ، توجيه رحيم ، واستعارة هادفة ، وعاطفة مهذبة ، فقد اقترنت الرحمة بالاسترحام ، وخفض الجناح بتواضع بل بذل إشفاقاً وحنواً وحدباً ، فكما يخفض الطائر الوجل أو المطمئن السارب جناحيه حذراً أو عطفاً أو احتضاناً لصغاره حباً بهم ، أو صيانة لهم من كل الطوارىء ، أو هما معاً ، فكذلك رحمة الولد البار بوالديه شفقة ورعاية ، مواساة ومعاناة ، في حالتي الصحة والسقم ، الرضا والغضب ،
____________
(1) آل عمران : 157 .
(2) آل عمران : 159 .
(3) مريم : 1 ـ 2 .
(4) الأعراف : 151.
(5) الإسراء : 24 .
(6) مريم : 3 .
(7) البقرة : 105.
(8) الإسراء : 24 .

( 178 )

الدعة والاحتياج ، يضاف إلى ذلك الدعاء من الأعماق « وقل رب ارحمها » مجازاة على تربيته صغيراً ، والرحمة ، وارحمها ، لفظان متلازمان في بحة الحاء المنطلقة من الصدر فهي صوتياً مثلها دلالياً من القلب وإلى القلب ، ومن الشغاف إلى الشغاف ، وهنا يظهر أن الرحمة ظاهرة واقعية تنبعث من داخل النفس الإنسانية ، فيتفجر بها الضمير الحي النابض بالطهارة والنقاء والحب السرمدي ، فهي إذن لا تفرض من الخارج بالقوة والقهر والإستطالة ، وإنما سبيلها سبيل الماء المتدفق من الأعالي لأنها صفة ملائكية ، تمزج الإنسانية بالصفاء الروحي .
« والرحمة رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم ، وقد تستعمل تارة في الرقة المجردة ، وتارة في الإحسان المجرد عن الرقة نحو : رحم الله فلاناً . وإذا وصف به الباري فليس يراد به إلا الإحسان المجرد دون الرقة ، وعلى هذا روي أن الرحمة من الله إنعام وإفضال ، ومن الآدميين رقة وتعطف » (1) .
فالله تعالى تفرد بالإحسان في رحمته إلى رعيته ، فجاء له الحمد مساوقاً لهذه الرحمة ( الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم ) (2) . ونشر الرقة بين البشر في الطباع ( ليدخل الله في رحمته من يشاء ) (3) .
ولو تابعنا أصل المادة لغوياً لوجدنا ملاءمتها للمعنى صوتياً في الرقة واللحمة والتناسب ، فالرحم رحم المرأة ، قل تعالى : ( هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء ) (4) . ومنه استعير الرحم للقرابة لكونهم من رحم واحدة نسبياً ، لذلك قال تعالى : ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ) (5) . ولولا قرابتهم لما كانت الولاية بينهم .
فكان الالتصاق في الرحم قد نشر الالتصاق بالولاية من جهة ، وجدد الرحمة بالرقة والمودة والعطف الكريم .
____________
(1) الراغب : المفردات : 191 .
(2) الفاتحة : 2 ـ 3 .
(3) الفتح : 25 .
(4) آل عمران : 6.
(5) الأنفال : 75 .

( 179 )

دلالة النغم الصارم :
أصوات الصفير في وضوحها ، وأصداؤها في أزيزها ، جعل لها وقعاً متميزاً ما بين الأصوات الصوامت ، وكان ذلك ـ فيما يبد ولي ـ نتيجة التصاقها في مخرج الصوت ، واصطكاكها في جهاز السمع ، ووقعها الحاصل ما بين هذا الالتصاق وذلك الاصطكاك ، هذه الأصوات ذات الجرس الصارخ هي : الزاي ، السين ، الصاد ، يلحظ لدى استعراضها أنها تؤدي مهمة الإعلان الصريح عن المراد في تأكيد الحقيقة ، وهي بذلك تعبر عن الشدة حيناً ، وعن العناية بالأمر حيناً آخر ، مما يشكل نغماً صارماً في الصوت ، وأزيزاً مشدداً لدى السمع ، يخلصان إلى دلالة اللفظ في إرادته الاستعمالية ، ومؤداه عند إطلاقه في مظان المعنى .
وسأقف عند ثلاث صيغ قرآنية ختمت بحروف الصفير ، لرصد أبعادها الصوتية ؛ هي : « رجز » و « رجس » و « حصحص » .
1ـ الرجز ، في مثل قوله تعالى : ( أولآئك لهم عذاب من رجز أليم ) (1) .
وقوله تعالى : ( لئن كشفت عنا الرجز ) (2) .
وقوله تعالى : ( فلمّا كشفنا عنهم الرجز ) (3) .
ويظهر في أصل الرجز الاضطراب لغة ، فتلمس فيه الزلزلة في ارتجاجها ، والهدة عند حدوثها ، والنازلة في وقوعها ، ولما كان القرآن العظيم يفسر بعضه بعضها ، فإننا نأنس على هذه المعاني في كل من قوله تعالى :
( فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السمآء ) (4) .
وقوله تعالى : ( فأرسلنا عليهم رجزاً من السّماء بما كانوا يظلمون ) (5) .
____________
(1) سبأ : 5 .
(2) الأعراف : 134 .
(3) الأعراف : 135 .
(4) البقرة : 59 .
(5) الأعراف : 162 .

( 180 )

وقوله تعالى : ( إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كاموا يفسقون ) (1) . ونستظهر في الرجز الإرسال والإنزال من السماء بضرس قاطع وأمر كائن باعتبار آخر العلاج بعد التحذير والإنذار .
2 ـ وحينما نقارن لفظ « الرجز » بمثيله معنى ومبنى « رجس » وهي مكونة كتكوينها في الراء والجيم ، والسين كالزاي من حروف الصفير شديدة الاحتكاك في مخرج الصوت ، ولها ذات الإيقاع على الأذن ؛ حينما نقارن صوتياً ودلالياً بين الصوتين نجد المقاطع واحدة عند الانطلاق من أجهزة الصوت ، ونجد المعاني متقاربة في الإفادة ، فقد قيل للصوت الشديد : رجس ورجز ، وبعير رجاس شديد الهدير ، وغمام راجس ورجاس شديد الرعد .
قال تعالى : ( قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب ) (2) .
وقال تعالى: ( ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ) (3) .
كل هذه الاستعمالات متواكبة دلالياً في ترصد العذاب وصبّه وإنزاله ، وهذا لا يمانع من أن تضاف للرجس جملة من المعاني الأخرى لإرادة الدنس والقذارة ومرض القلوب ، وحالات النفس المتقلبة ، نرصد ذلك في كل من قوله : ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) (4) .
وقال تعالى : ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) (5) .
وقال تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) (6) .
وقال تعالى : ( وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وما توا وهم كافرون ) (7) .
____________
(1) العنكبوت : 34 .
(2) الأعراف : 71 .
(3) يونس : 100.
(4) المائدة : 90 .
(5) الحج : 30 .
(6) الأحزاب : 33 .
(7) التوبة : 125 .

( 181 )

فالصوت في المعاني كلها الصوت نفسه ، والصدى ذات الصدى ، ومن هنا أورد الراغب ( ت : 502 هـ ) : أن الرجس يقع على أربعة أوجه : إما من حيث الطبع ، وأما من جهة العقل ، وإما من جهة الشرع ، وإما من كل ذلك . والرجس من جهة الشرع الخمر والميسر ، وقيل : إن ذلك رجس من جهة العقل ، وجعل الله تعالى الكافرين رجساً من حيث أن الشرك بالعقل أقبح الأشياء (1) .
3 ـ وحينما نقف عند الصاد في مثل قوله تعالا :
( قالت أمرأت العزيز الآن حصحص الحق ) (2) . فإننا نستمع إلى الصوت المدوّي ، إذ كانت الصاد واضحة الصدور من المخرج الصوتي . فكانت « حصحص » واضحة الظهور بانكشاف الأمر فيما يقهره على الأذغان ، وهنا قد يمتلكك العجب لدى اختيار هذا اللفظ في أزيزه ، ووضوح أمره مع القهر، فلا تردّ دلائله ، ولا تخبو براهينه .
فإذا شددت الصاد كانت دلالتها الصوتية ، وإرادتها المعنوية ، أوضح لزوماً ، وأشد استظهاراً ، وأكثر إمعاناً كما في قوله تعالا : ( أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور * وحصل ما في الصدور ) (3) .
فالتحصيل إخراج اللب من القشور ، كإخراج الذهب من حجر المعدن ، والبر من السنابل ، فهو إضهار لما فيها كإظهار اللب من القشر ، أو كإظهار الحاصل من الحساب (4) .
والصوت في صيغة الإرعاب ، وفي سياق الوعيد ، قد تلمس فيه نزع ما في القلوب من أسرار ، واستخراج ما فيها من خفايا ، دون طواعية من أصحابها ؟؟ .
وقد يعطي دوي العبارة ، وهيكل البيان ، صيغة الإنذار ، وأنت تصطدم بالوقوف عند السين من حروف الصفير في قوله تعالى : ( فلآ أقسم بالخنس *
____________
(1) ظ : الراغب ، المفردات : 188 .
(2) يوسف : 51.
(3) العاديات : 9 ـ 10 .
(4) ظ : الراغب ، المفردات : 121.

( 182 )

الجوار الكنس* واليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس ) (1) .

الصوت بين الشدة واللين :
ولا نريد بهذا الملحظ المظاهر الصوتية للحروف الشديدة أو حروف اللين ، وإنما نريد الدلالة الأصواتية للكلمات وهي تتشكل في سياق يمثل الشدة حيناً ، والرقة حيناً آخر ، في دلالة تشير إلى أحدهما أولهما في ذات اللفظ ، أو جملة العبارة .
ومن فضيلة النظم القرآني أن تنتظم هذه الظاهرة في الصوائت والصوامت من الأصوات ، والصوائت ما ضمت حروف العلة عند علماء الصرف ، وهي : الألف والياء والواو ؛ والصوامت بقية حروف المعجم ، وهي الصحيحة غير المعتلة .
ويبدو أن الأصوات الصائتة بعد هذا هي الأصوات المأهولة بالانفتاح المتكامل لمجرى الهواء ، فتنطلق دون أي دوي أو ضوضاء ، وتصل إلى الأسماع مؤثرة فيها تأثيراً تلقائياً في الوضوح والصفاء ، وعلة ذلك انبساطها مسترسلة دون تضيق في المخارج .
ويتضح من هذا أن الأصوات الصامتة ما كانت بخلاف ذلك فهي تتسم بتضيّق مجرى الهواء واختلاسه ، فتنطلق أصواتها بأصداء مميزة تختلف شدة وضعفاً بحسب مخارجها فتحدث الضوضاء من خلالها نتيجة احتباس الهواء بقدر ما .
ففي الصوائت نلحظ قوله تعالى : ( ونفس وما سواها * فألمها فجورها وتقواها ) (2) . في اقتران الواو والألف في موضع واحد من سوى وتقوى ، كما نلحظ اقتران الياء والألف في سقيا من قوله تعالا :
( فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها ) (3) .
____________
(1) التكوير : 15 ـ 18 .
(2) الشمس : 7 ـ 8 .
(3) الشمس : 13 .

( 183 )

فتجد استطالة هذين الحرفين في كلا الموضعين ، لا يصدهما شيء صوتياً ، وهما يتراوحان دلالياً في ألفاظ تحتكم الشدة واللين ، فالتذكير بخلق النفس الإنسانية قسماً إلى جنب عملها بين الفجور والتقوى ، والتحذير من الناقة إلى جنب التحذير من منع السقيا .
وفي الصوامت تجد مادة « مسّ » قي القرآن بأزيزها الحاكم ، وصوتها المهموس ، ونغمها الرقيق ، نتيجة لتضعيف حرف الصفير ، أو التقاء حرفيه متجاورين كقوله تعالى : ( ولو لم تمسسه نار ) (1) .
هذه المادة في رقتها صوتياً ، وشدتها دلالياً ، تجمع بين جرس الصوت الهادىء ، وبين وقع الألم الشديد ، فالمس يطلق ـ عادة ـ ويراد به كل ما ينال الإنسان من أذى ومكروه في سياق الآيات التالية :
قال تعالى : ( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ) (2) .
وقال تعالى : ( وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم ) (3) .
وقال تعالى : ( فإذا مس الإنسان ضر دعانا ) (4) .
وقال تعالى : (ولئن اذقناه نعماء بعد ضرآء مسته ) (5) .
وقال تعالى : ( ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ) (6) .
وقال تعالى : ( لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيمآ أخذتم عذاب عظيم ) (7) .
وقال تعالى : ( وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ) (8) .
فهذه الصيغ المختلفة من المادة ، أوردناها للدلالة على شدة البلاء ،
____________
(1) النور : 35 .
(2) آل عمران : 140 .
(3) الروم : 33 .
(4) الزمر : 49 .
(5) هود : 10 .
(6) الأنبياء : 46 .
(7) الأنفال : 68 .
(8) الأنبياء : 83 .